المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ١٢ من ١٩

177 ـ التروي في تصديق ا، فهذا الذي حكاه الهدهد، أمر ليس بالسهل ولا باليسير، ثم إن الهدهد لا يجرؤ على اختلاق هذه القصة، الطويلة، وهو يعلم تمكن سليمان من الرعية، ومقدرته على التأكد من صحة الأخبار، ومع ذلك لم يبادر عليه السلام إلى التصديق، كما أنه لم يتعجل التكذيب، بل قال" سَنَنظُرُ" وهو من النظر، أو التأمل والتحري1، وقوله تعاأَصَدَق تَ أَمْ كُنتَ مِنَ ال كَاذِبِينَ" (النمل، آية : 27)، يعني أصدقت في خبرك أم كذبت لتتخلص من الوعيد2. ـ عدم الاغترار بقوة النفسوكثرة الجند وسعة السلطان، وإسناد الفضل إلى الله في كل نعمة، وتجديد الشكر على هذه النعم، وسليمان عليه السلام لما طلب الإتيان بعرش بلقيس أجابته جنوده التي سخرها الله له مسارعين إلى الطاعة، فلما وجد سليمان طلبه مجاباا، وأمره مطاع سارع إلى ضبط النفس في سلك الخشية ومنهاج التواضع والطاعة لله رب العالمين :"فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ" (النمل، آية : 40) أي: رأى العرش ثابتاا عنده قالهَذَا مِن فَض لِ رَبِّي" أي: هذا النصر والتمكين من فضل ربي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها، فإن من شكر لا يرجع نفع شكره إلا إلى نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد، ومن كفر النعم فإن الله غني عن شكره، كريم في عدم منع تفضله عنه3. ـ التواضع وهو في قمة المجد وللتمككان سليمان عليه السلام دائم التواضع حتى قيل: إنه كان يمشي منكسر الرأس خشوعاا لله وأثناء استعراضه لجنوده من الجن والإنس والطير مر على واد النمل، وفي نظرة التواضع إلى الأرض أبصر نملة، فأشخص النظر صوابها، وأصاخ السمع إليها، وبما علم من منطق الطير والحيوان حاول تفهم أمرها. لقد علم أنها تتخوف من بطش أقدام الجنود في ركب سليمان، لقد سمعها وفهم قولها :"قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَايَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" (النمل، آية : 18). نعم إنها كائن صغ في مملكة ضخمة عظيمة، تسعى كأخواتها للرزق وتنصح لهم أن يفسحوا الطريق أمام ركب الملك العادل، حتى لا 1تفسير الرازي24 /193.) 2تفسير ابن كثير3 /349.) 3الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /600.)

عدد الصفحات ١٧٧

178 تقع مظلمة غير مقصودة من أحد منهم، قال القرطبي ـ رحمه الله ـ التفاتة مؤمن : أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنده لا يحطمون نملة، فما فوقها إلا بألا يشعروا1. إن هذه النملة لم تكن إلا واحدة من رعايا سليمان مملكته التي ضمت إلى جانب الإنس والجن أنواعاا وألواناا من الحيوان والطير والهوام. لقد سمع كلامها، وتفهم شكواها، فتبسم من قولها، فرقّ قلبه الكبير، رفقاا لجرمها الصغير، فرحمها وأخواتها، وشكر ربه إذ علمه منطق هذه المخلوقات حتى يتمكن من انصافها وإيصال العدل إل يها، وسُرَّ بأن عدالته وجنوده قد عرفها كل مخلوق، حتى مثل هذه النملة التي اعتذرت عنهم مقدماا، بأنهم إن أصابوا نملة بأقدامهم، فإن ذلك من غير قصد منهم ولا شعور2. "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَن عَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ" (النمل، آية : 19.) لقد أدرك سليمان عليه السلام أنه ـ في جنب الله ـ في حاجة إلى الرحمة والعطف واللطف أشد من حاجة هذه النملة إلى ذلك منه ولهذا قال:"وَأَدْخِل نِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل، آية : 19.) ثانياا: الأسباب والتوكل التوكل على الله سبحانه ـ وتعالى ـ لا يمنع من الأخذ بالأسباب فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما يأمر به من اتخاذها، ولكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشيء النتائج فيتوكل عليها3، فالتوكل: هو قطع النظر في الأسباب بعد تهيئة الأسباب، كما قال صلى الله عليه وسلم: أعقلها وتوكل4. ففي جانب الأسباب يقول الله تعايَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذ رَكُمْ" (النساء، آية : 71) 1تفسير القرطبي13 /170.) 2الحكم والتحاكم في خطابالوحي (2 /589.) 3التمكين للأمة الإسلامية صـ252. 4صحيح ابن حبان2 /510.)

عدد الصفحات ١٧٨

179 ــوقال تعالى:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ال خَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ" (الأنفال، آية : 60) ــوقال تعالى:"فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي ال أَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَض لِ اللَّهِ" (الجمعة، آية : 10.) وفي جانب التوكل، قال تعاوَعَلَى اللَّهِ فَل يَتَوَكَّلِ ال مُؤْمِنُونَ" (آل عمران، آية : 122.) ــوقال تعالى:"فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللّهِ" (آل عمران، آية : 159.) ــوقال تعالى:"وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (المائدة، آية : 23.) ولقد أرشدناالنبي صلى اله عليه وسلم في أجاديث كثيرة إلى ضرورة الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، كما نبه صلى الله عليه وسلم على عدم تعارضها، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماساا، وتعود بطانا1. في هذا الحديث الشريف حث على التوكل مع الإشارة إلى أهمية الأخذ بالأسباب، حيث أثبت الغدو والرواح للطير مع ضمان الله تعالى الرزق لها2. إن العمل بسنة الأخذ بالأسباب من صميم تحقيق العبودية لله تعالى، وهو الأمر الذي خلق له العبيد، وأرسلت به الرسل، وأنزلت لأجله الكتب، وبه قامت السماوات والأرض، وله وجدت الجنة والنار، فالقيام بالأسباب المأمور بها محض العبودية3. إن القرآن الكريم أرشدنا إلى الأخذ بالأسباب وأرشدنا ألا نعتمد عليها وحدها وإنما نتوكل على الله مع الأخذ بها، وعلى المسلم أن يتقي في باب الأسباب أمرين: ــ الاعتماد عليها، والتوكل عليها، والثقة بها ورجاؤها وخوفها، فهذا شرك يرقُّ ويغلظ وبين ذلك. ــ ترك ما أمر الله به من الأسباب، وهذا أيضاا قد يكون كفراا وظلما وبين ذلك، بل على العبد أن يفعل ما أمره الله به من الأمر، ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله، سبق بها علمه، وحكمه، وأن السبب لا يضر 1سنن الترمذي4 /573) رقم2344 حسن صحيح 2التمكين للأمة الإسلامية صـ252. 3مدارك السالكين لابن القيم2 /130.)

عدد الصفحات ١٧٩

180 ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصل للعبد ما لا تسبق له به المشيئة الإلهية ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم، فيأتي بالأسباب إتيان ما لا يرى النجاة والفرج والوصول إلا بها، ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحاا ولا توصله إلى المقصود، فيجرد عزمه للقيام بها حرصاا وإجتهاداا، ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريداا للتوكل وإعتماداا على الله وحده1. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح، حيث يقول: "أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز"2. فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبب ونهاه عن العجز وهو نوعان ــ تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها. ــ وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها. فالدين كله ظاهره وباطنه وشرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية3. 1 ـ القول بالتنافي بين التوكل والأخذ بالأسباب جهل بالدين إن القول بالتنافي بين التوكل والأخذ بالأسباب جهل بالدين، وهذا من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب، وشرع للعباد أسباباا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة، فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه، وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسباباا لها فهو غالط4. 2 ـ التوازن بين مقامي التوكل والأخذ بالأسباب 1المصدر نفسه3 /501.) 2مسلم، ك القدر، باب الأمر بالقوة4 /2052) رقم 2664. 3في ظلال القرآن2 /919.) 4فتاوى ابن تيمية8 /529 ،530.)

عدد الصفحات ١٨٠

181 الأصل أن يستعمل العبد الأسباب التي بينها الله تعا لى لعباده وأذن فيها وهو يعتقد أن المسبب هو الله سبحانه وتعالى، وما يصل إليه من المنفعة عند استعمالها بتقدير الله عز وجل، وأنه إن شاء حرمه تلك المنفعة مع استعماله السبب فتكون ثقته بالله واعتماده عليه في إيصال تلك المنفعة إليه مع وجود السبب1. وبالتتبع لما قاله العلماء في التوازن بين المقامين نجد أن جمهورهم يقررون أن التوكل يحصل بأن يثق المؤمن بوعد الله، ويوقن بأن قضاءه واقع ولا يترك اتباع السنة في أبتغاء الرزق مما لا بد له منه من مطعم ومشرب وتحرز من عدو بإعداد السلاح وإغلاق الباب ونحو ذلك، ومع ذلك فلا يطمئن إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقد أنها لا تجلب بذاتها نفعاا ولا تدفع ضراا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل بمشيئته، فإذا وقع من المرء ركون إلى سبب قدح في توكله2، وفي القصص ا لقرآني ما يجلّي هذا التوازن أيما تجلية، ويبين كيف مفهوم هذين المقامين وتطبيقهما على أرض الواقع وعلى الوجه الذي تقتضيه العقيدة الصحيحة مثل: أ ـ قصة يعقوب ـ عليه السلام ـ مع أبنائه عند وصيته لهم قبل دخولهم مصر لجلب ما يحتاجونه من طعام ومواد غذائية حين أصاب بلدهم الجدب والقحط، فقد وصّاهم: قال تعالى : "وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَاب وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغ نِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ال حُك مُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّل تُ وَعَلَيْهِ فَل يَتَوَكَّلِ ال مُتَوَكِّلُونَ" (يوسف ، آية : 67.) فيعقوب ـ عليه السلام ـضرب لنا المثل في كيفية الأخذ بالأسباب في نطاق التوكل على الله، إذ في قوله: "لاَ تَدْخُلُوا مِن بَاب وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُّتَفَرِّقَةٍ" تدبير وتشبث بالأسباب العادية التي لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى، ولكنه استدرك ذلك مبيناا لهم أن الأخذ بالأسباب هنا ليس هو بمدافعة للقدر، بل هو استعانة بالله تعالى وهرب منه إليه3. 1شعب الإيمان للبيهقي2 /79.) 2السنن الإلهية د. مجدي محمد عاشور صـ215. 3روح المعاني للألوسي13 /19.)

عدد الصفحات ١٨١

182 فقالوَمَا أُغ نِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ" (يوسف ، آية : 67) أي: لا يكون ما أمرتكم به مغنياا غناءً مبتدئاا من عند الله، بل هو الأدب والوقوف عندما أمر الله، فإن صادق ما قدّره فقد حصل فائدتان، وإن خالف ما قدّره حصلت فائدة امتثال أوامره واقتناع النفس بعدم التفريط1. وقد أراد يعقوب عليه السلام بهذا أن يعلّم أبناءه الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة، تأدباا مع واضح الأس باب و مقدّر الألطاف في رعاية الحالين لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال، فعلينا أن نتعرفها بعلاماتها، ولا يكون ذلك إلا بالسعي لها، وهذا سر مسألة القدر كما أشار إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: أعملوا فكل ميسر لما خلق له2. وبهذا يثبت أن الأسباب لابد لها من سياج قوي من ا لتوكل، تدور في فلكه ولا تخرج عن حقيقته، ليكون ذلك أدعى لتحقيق المراد، وأجدر لامتثال أمر الله، وذلك لأن الأسباب العادية لما لم تكن غير مستقلة في تأثيرها ولا غنية في ذاتها مفتقرة إلى ما وراءها ـ كان من الواجب على من يتوسل إليها في مقاصده الحيوية أن يتوكل مع التوسل إليها على سبب وراءها، ليتم لها التأثير، ويكون ذلك منه جريّا في سبيل الرشد والصواب ويكون ذلك بالتوكل على الله سبحانه في الأمور كلها، فإن الله لا إله إلا هو، رب كل شيء، وهذا هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإن الله لا إله إلا هو رب كل شيء، وهذا هو المستفاد من الحصر الذي يدل عليه قوله تعالى:"وَعَلَى اللّهِ فَل يَتَوَكَّلِ ال مُتَوَكِّلُونَ" (إبراهيم، آية : 12.) لقد مدح الله تعالى هنا يعقوب عليه السلام فقال تعا وَإِنَّهُ لَذُو عِل م لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَك ثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (يوسف، آية : 68)، لأنه عمل الأسباب واجتهد في توفيتها وهو مقتضى الحكمة، ثم رد الأمر كله لله تعالى واستسلم إليه وهو حقيقة التوحيد فقال:" وَمَا أُغ نِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ال حُك مُ إِلاَّ لِلّهِ" (يوسف، آية : 67)، فالآية: فأثنى الله تعالى عليه من أجل جمعه بين هاتين الحالتين العظيمتين3. 1تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور13 /12.) 2فتح الباري8 /709)، مسلم4 /4020.) 3تفسير الثعالبي2 /247)، السنن الإلهية صـ217 د. مجدي محمد عاشور

عدد الصفحات ١٨٢

183 ج ـ قصة مريم عليها السلام وهي ـ كما وردت في القرآن الكريم ـ تبين لنا بوضوح بالغ أنه لا إختلاف ولا تباين بين مقامي الأخذ بالأسباب والتوكل، إذ كلُّ له ملابساته وظروفه التي ترجع مقاماا على آخر في بعض الأوقات والأحوال. كانت مريم في بداية حياتها يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال تعالى:"كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ال مِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِز قاا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب " (آل عمران، آية : 37)، فلما ولدت أُمرت بهزّ الجذع، قال علماؤنا: لما كان قلبها فارغاا فرغ الله جارحتها عن النّصَب، فلما ولدت عيسى عليه السلام وتعلق قلبها بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، وكلها إلى كسبها وردّها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده1. س ـ السنة النبوية: فعلى مستوى السنة الفعلية ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ظاهر في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة في الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو وتعاطى أسباب الأكل والشرب وأدّخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، ومع كل ذلك لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مال إلى شيء من الاسباب غفلة مقدار طرفة عين2. والمثال النبوي الفعلي لهذا التوازن ـ على وجه التفصيل حادث الهجرة الذي أصُطحب فيه أبو بكر الصدي ق رضي الله عنه فقد استوفيا هما الاثنان في هذه الهجرة الاسباب المتاحة جميعها، لم يغفلا واحداا منها3. 1تفسير القرطبي11 /95 ـ96)، السنن الإلهية د. مجدي صـ217. 2فتح الباري لابن حجر10 /212.) 3السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ217.

عدد الصفحات ١٨٣

184 إن من تأمل حادثة الهجرة ، ورأى دقة التخطيط فيها، ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، ومن مقدّماتها إلى ما جرى بعدها، يدرك أن التخطيط المسدّد بالوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماا، وأن التخطيط جزء من السنة النبوية، وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم، وأن الذي يميلون إلى العفوية، بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة، أمثال هؤلاء مخطئون، ويجنون على أنفسهم، وعلى المسلمين1. فعندما حان وقت الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم، شرع النبي صلى الله عليه وسلم في التنفيذ، نلاحظ الآتي ــ وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت، برغم ما كان يكتنفها من صعاب، وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروساا دراسة وافية، فمثلاً: ـ جاء صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، في وقت شدة الحرّ ـ الوقت الذي لا يخرج فيه أحد ـ بل من عادته لم يكن يأتي له في ذلك الوقت، لماذا؟ حتى لا يراه أحد. ـ اخفاء شخصيته صلى الله عليه وسلم في أثناء مجيئه للصّدّيق وجاء إلى بيت الصّدّيق متلثماا، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم2. ـ أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يُخرج من عنده، ولما تكلّم لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الاتجاه ـ كان الخروج ليلاً، ومن باب خلفيّ في بيت أبي بكر3. 1الأساس في السنة، سعيد حوي1 /357.) 2في السيرة النبوية ـ قراءة لجوانب الحذر والحماية صـ 141 د. إبراهيم علي أحمد 3من معين السيرة للشامي صـ147.

عدد الصفحات ١٨٤

185 ـ بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاست عانة في ذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، ولو كان ذلك الخبير مشركاا، مادام على خُلُق ورزانة، وفيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها1. ــانتقاء شخصيات لتقوم بالمعاونة في شؤون الهجرة، ويلاحظ أن هذه الشخصيات كلها تترابط برباط القرابة، أو برباط العمل الواحد، مما يجعل هؤلاء الأفراد، وحدة متعاونة على تحقيق الهدف الكبير. ــ وضع كل فرد من أفراد هذه الأسرة في عمله المناسب، الذي يجيد القيام به على أحسن وجه، ليكون أقدر على أدائه والنهوض بتبعاته. ــ فكرة نوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكان الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة ناجحة، قد ضلّلت القوم، وخدعتهم وصرفتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى خرج في جنح الليل تحرسه عناية الله، وهم نائمون، ولقد ظلت أبصارهم معلقة بعد اليقظة، بمضجع الرسول صلى الله عليه وسلم، فما كانوا يشكّون في أنه ما يزال نائماا مُسجّى في بردته، في حين النائم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ــ وقد كان عمل أبطال هذه الرحلة على النحو التالي: ـ عليّ رضي الله عنه: ينام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، يخدع القوم، ويُسلّم الودائع، ويلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. ـ عبد الله بن أبي بكر: رجل المخابرات الصادق، وكاشف تحركات العدو. 1الهجرة في القرآن الكريم أحزمي سامعون صـ361.

عدد الصفحات ١٨٥

186 ـ أسماء ذات النطاقين: حاملة التموين من مكة إلى الغار، وسط جنود المشركين، بحثاا عن محمد صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. ـ عامر بن فهيرة: الرّاعي البسيط الذي قدّم اللحم واللبن إلى صاحبي الغار، وبدد آثار أقدام المسيرة التاريخية بأغنامه كي لا يتفرسها القوم، لقد كان هذا الرّاعي يقوم بدور الإمداد، والتموين، والتّعمية. ـ عبد الله بن أريقط: دليل الهجرة الأمين، وخبير الصحراء البصير ينتظر في يقظة إشارة البدء من الرسول صلى الله عليه وسلم، ليأخذ الركب طريقه من الغار إلى يثرب، فهذا تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسد لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، وإقتصار عل ى العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف، لقد أخذ الرسول صلى اللع عليه ويلم بالأسباب المعقولة، أخذاا قوياا حسب استطاعته وقدرته، ومن ثم باتت عناية الله متوقعة1. إن اتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب، ولكن لا يعني ذلك دائماا حصول النتيجة، ذلك لأن هذا أمريتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكل أمراا ضرورياا وهو من باب استكمال إتخاذ الأسباب. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعد كل الأسباب، وإتخذ كل الوسائل، ولكنه في الوقت نفسه مع الله، يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح، وهنا يُستجاب الدعاء، وينصرف القوم بعد أن وقفوا على باب الغار وتسيخ فرس سراقة في الأرض ويكلل العمل بالنجاح2. 1أضواء على الهجرة، توفيق محمد صـ393 ـ397. 2السيرة النبوية للصلابي1 /480.)

عدد الصفحات ١٨٦

187 وأما على مستوى السنة القولية ـ في هذا الصدد ـ نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"1، في الوقت الذي ثبت فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم2. وظاهر الحديثين يدل على التنافي بين التوكل والأخذ بالأسباب، إلا أنه عند التحقيق نجد أنه صلى لله عليه وسلم أكل مع المجذوم ليبين أن الله هو الذي يمرض ويشفي، وأنه لا شيء يعدي بطبعه، نفياا لما كانت الجاهلية تعتقده من أن الأمراض تعدي بطبعها من إضافة إلى الله، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم إعتقادهم ذلك، في حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاقتراب من المجذوم، ليبين أن هذا من الأسباب التي أجرى الله تعالى العادة بأنها تقتضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئاا، وإن شاء أبقاها فأثرت، وفي ذلك فسحة لمقام التوكل3 على الله، وهذا يبين أن لكل حالة مقامها التي شرعها ا عز وجل لها. ومن ذلك ما ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ بقوم فقال: من أنتم؟ قالوا: المتوكلون. قال: أنتم المتواكلون، إنما التوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل4. ثالثاا: الأسباب والمسببات إن الله تعالى قدر الأشياء بأسبابها، فالقدر يتعلق تعلقاا واحداا بالسبب وبالمسبب معاا، أي أن هذا المسبب سيقع بهذا السبب، ومن الأدلة على ذلك قول ا لنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق للجنة أهلاً خلقها لهم 1فتح البري على صحيح البخاري10 /158.) 2سنن الترمذي4 /266)، صحيح الإسناد 3فتح الباري10 /160 ـ161.) 4شعب الإيمان2 /81)، السنن د. مجدي صـ219.

عدد الصفحات ١٨٧

188 وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلاً خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وهم بعمل أهل النار يعملون1. وفي المضمار نفسه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بأن الله كتب المقادير، فقالوا: أفنمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيسير إلى عمل أهل الشقاوة، اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِال حُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِل يُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغ نَى * وَكَذَّبَ بِال حُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِل عُسْرَى" (الليل ، آية : 5 ـ 10.) وفي هذا الحديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره2. فالنبي صلى الله عليه و سلم أرشد الأمة في هذا الحديث في شأن القدر إلى أمرين هما سبب السعادة: الإيمان بالأقدار، إذ هو نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب التي تو صل إلى غيره وتحجز عن شره، وذلك نظام الشرع، فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر3. فلا منافاة بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقضاء والقدر، فمن القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، وإستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح، وقد قال تعالى: "خُذُوا حِذ رَكُمْ" (النساء ، آية : 71)، وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذور، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر، وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول 1مسلم4 /2050)، السنن د. مجدي صـ218 . 2صحيح مسلم بشرح النووي16 /196.) 3شفاء العليل لابن القيم صـ53.

عدد الصفحات ١٨٨

189 الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر، والذي قدر الخير قدره بسببه، والذي قدر الشر قدر لدفعه سبباا، فلا تناقض بين هذه الأمو ر عند من انفتحت بصيرته1. ولبيان ارتباط الأخذ بالأسباب وتناسقه مع الإيمان والقدر وفق الحكمة الإلهية يقول الرازي عن تفسير قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذ رَكُمْ" (النساء ، آية : 71) أنه لما كان الكل لقدر كان الأمر بالحذر أيضاا داخلاً في القدر، فكان قول القائل: أي فائدة من الحذر كلاماا متناقضاا، لأنه لما كان هذا الحذر مقدراا، فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر؟2. وحاصل تحقيق كلام الرازي: أن القدر عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده3. ويؤيد ذلك من السنة النبوية ما ورد أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هي من قدر الله4، وذلك لأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، وكذلك يكتبها، فإذا كان قد علم أنها تكون بأسباب من عمل وغيره، وقضى أنها تكون كذلك وقدر ذلك لم يجز أن يظن أن تلك الأمور تكون بدون الأسباب التي جعلها الله أسباباا، وهذا عام في جميع الحوادث5. إن قدر الله تعالى وقضاؤه غير معلومين لنا، إبعد الوقوع فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفاا عن موافقة قدر الله لمأمولنا، فإن استفرغنا جهودنا و حُرمنا المأمول علمنا أن قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا، فأما ترك الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منا، وإعراض عما أقامنا الله فيه في هذا العالم، وهو تحريف لمعنى القدر6. 1إحياء علوم الدين3 /202)، الفتاوى لابن تيمية (8 /69 ـ70.) 2التفسير الكبير للرازي5 /308.) 3السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ210. 4سنن الترمذي4 /399)، حسن صحيح 5مجموع الحوادث8 /275.) 6تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور4 /138.)

عدد الصفحات ١٨٩

190 إن القضاء والقدر اللذان ورد في القرآن ذكرهما ـ وجعلهما الناس مرتبطين بفعل الإنسان ومسلكه في الحياة ـ سوى النظام العام الذي خلق الله عليه الكون وربط فيه بين الأسباب والمسببات، وبين النتائج والمقدمات سنة كونية دائمة، لا تتخلف والحاصل أن الإسلام لا يسمح أن يضل الإنسان أو ينحرف عن أوامر الله في عقائده ودينه، ثم يعتذر بالقضاء والقدر، ولو صح ذلك لبطلت التكاليف وكان بعث الرسل وإنزال الكتب، ودعوة الإنسان إلى دين الله وما يجب، ووعده بالثواب لأهل الخير وبالعقاب لأهل الشر ـ باطلاً ـ لا يتفق وحكمة الخالق الحكيم في تصرفه وتكليفه الرحيم بعباده1. 1 ـ تأثير السبب في المسبب إن الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها ـ مع ذلك ـ أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة2. ولا قال أحد من أئمة المسلمين ـ لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا مالك، ولا أبو حنيفة ولا الشافعي ولا أحمد بن حنبل، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا الليث، ولا أمثال هؤلاء ـ إن، الله يكلف العباد ما لا يطيقونه. ولا قال أحد منهم: إن قدرة العبد لا تأثير لها في فعله، أو لا تأثير لها في كسبه، ولا قال أحد منهم: إن العبد لا يكون قادراا إلا حين الفعل، وإن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلا معه، وإن العبد لا استطاعة له على الفعل قبل أن يفعله، بل 1الإسلام عقيدة وشريعة، محمود شلتوت صـ212. 2مجموع فتاوى ابن تيمية (8 /487.)

عدد الصفحات ١٩٠

191 نصوصهم مستفيضة بما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات استطاعة لغير الفاعل، كقوله تعاوَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ال بَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" (آل عمران ، آية : 97.) ــوقوله تعالى: "فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِط عَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا" (المجادلة ، آية : 4.) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائماا، فإن لم تستطع فقاعداا، فإن لم تستطع فعلى جنب1. والمقصود بتأثير السبب في المسبب، أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله سبحانه وتعالى الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب، فهذا حق، وهذا شأن جميع الأسباب والم سببات. وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركاا، وإلا يكون إثبات جميع الأسباب شركاا، وقد قال الحكيم الخبير :"فَأَنزَل نَا بِهِ ال مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ" (الأعراف، آية : 57.) ـ وقال تعافَأَنبَت نَا بِهِ حَدَائِقَ ذَ اتَ بَهْجَةٍ" (النمل، آية : 60.) ـ وقال تعاقَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ" (التوبة، آية : 14.) كما أن تأثير العبد في فعله يتوقف على تحقيق الشرط وانتفاء المانع، فإذا فُسّر التأثير بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع ـ وكل ذلك بخلق الله تعالى ـ فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار، وإن فُسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثراا، بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ندله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ـ يقول تعالى:"مَا يَف تَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ" (فاطر، آية : 2.) 1فتح الباري على صحيح بخاري2 /587.)

عدد الصفحات ١٩١

192 ـ وقال تعاقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِث قَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي ال أَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ" (سبأ، آية : 22 ـ23.) ـ وقال تعاقُل أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَل هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُل حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ال مُتَوَكِّلُونَ" (الزمر، آية : 38)، ونظائر هذا في القرآنكثيرة1. إن من الأسباب ما يعرفه كل إنسان بفطرته مثل الوطء سبب الولد، والقاء البذور سبب للزرع، والأكل سبب للشبع، وشرب الماء سبب للري ومن الأسباب ما يجادل فيه بعض الناس مثل اتباع شرع الله سبب للسعادة في الدنيا والآخرة والخروج على هذا الشرع سبب للشقاوة في الدن يا والآخرة، والدعاء سبب لدفع المكروه ونوال المطلوب ومن الأسباب ما يخفى على كثير من الناس مثل أسباب الأحداث الإجتماعية وما يصيب الأمم من عز وذل وتقدم وتأخر ورخاء وشدة وهزيمة وانتصار ونحو ذلك فهذه الأحداث لها أسبابها التي تستدعي هذه النتائج ولا يمكن تخلف هذه النتائج إذا انعقدت أسبابها، فهي كالأحداث الطبيعية من تجمد الماء وغليانه ونزول المطر فهذه أحداث لها أسبابها التي قدّرها الله فمتى تحققت هذه الاسباب تحققت هذه الأحداث وكل الفرق بينها وبين الأحداث الإجتماعية أن الأولى أسبابها منضبطة ويمكن معرفة حصول أكثرها إذا عرفت أسبابها، أما الثانية أي الأحداث الإجتماعية فإن أسبابها كثيرة جداا، ومتشابكة ويصعب الجزم بوقت حصول نتائجها وإن أمكن الجزم بحصول هذه النتائج والشرع دلنا على هذا القانون العام قانون السبب والمسبب في نصوص كثيرة والمقصود أن ما قدّره الله وقضاه إنما قدّر ه بأسباب، فمن أراد الحصول على نتيجة معينة فلابد من مباشرة السبب المفضي إليها2. وما ذهب إليه العلماء المحققون في فاعلية السبب في مسببه بإذن الله تعالى هو ما يتفق مع ظاهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة وهو المنهج الوسط والطريق الاسدّ في إعمال النصوص كلها على وجه الجمع دون الاقتصار على بعضها وهذا ما ذكرناه، هو ما ذهب إليه السلف الصالح وتلقاه أهل العلم بالقبول ولا يخفى أن 1مجموع فتاوى ابن تيمية8 /134 ـ135.) 2الإيمان بالقضاء والقدر د. عبد الكريم زيدان صـ20.

عدد الصفحات ١٩٢