المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ١١ من ١٩

161 ولم يأت ذو القرنين بجيوش لحماية المستضعفين مع قدرته على ذلك وإنما طلب منهم أن يعينوه ليساعدهم على حماية أنفسهم ويتعلموا فنون الحماية ويكسبوا خبرات، ويتدربوا على العمل الجاد المثمر الذي يبنون السد بأيديهم، وهذا أدعى للحفاظ عليه وإصلاحه إن أصابه شيء. إن ذا القرنين رفض أن يكون هؤلاء المستضعفون عاطلين، وهذا يلفتنا إلى أن عطاء الله سبحانه وتعالى، عطاء إمكانات، وعطاء ذاتي في النفس.. عطاء الإمكانات هو ما تستطيع أن توفره من وسائل تعينك على أداء العمل، والعطاء الذاتي في النفس: هو القوة الذاتية داخلك التي تعطيك طاقة العمل، وكثير منا لا يلتفت إلى عطاء النفس.. لا يلتفت إلى أنه فيه قوة يستطيع أن يعمل بها أعمالاا كثيرة، وأنه لا يستخدمها وأن لديه قوة تحمّل بإمكانه أن ينتقل من مكان إلى آخر.. وأن يعمل أعمالاا كثيرة1. إن ذا القرنين لم يستعن بجيشه ولا بأناس آخرين، إنما استعان بهؤلاء الضعفاء وطلب منهم أن يأتوا بالحديد، ثم بناء السد بحيث وصل به إلى قمة الجبلين ، ثم قام بصهر الحديد، وأفرغ عليه النحاس ليكون السد في غاية المتانة والقوة. إذن فهو قوّى هؤلاء الضعفاء الذين كان يهاجمهم يأجوج ومأجوج، بأن علمهم كيف يعينون أنفسهم وكيف يبنون السد وجعلهم هم الذين يشتركون في البناء وهم الذين يقيمونه، وأعانهم هو بخبرته وعلمه فقط، ليأخذوا الثقة في أنفسهم بأنهم يستطيعون حماية أنفسهم وليتعلموا ما يعينهم ويحميهم، والإسلام ينهانا أن نعوّد الناس على الكسل أو نعطيهم أجراا بلا عمل، لأن ذلك هو الذي يفسد المجتمع، فالإنسان متى تقاضى أجراا بلا عمل لا يمكن أن يعمل بعد ذلك أبداا 2. إن ذا القرنين قام بمهمة الحاكم الممكن له في الأرض، فقوى المستضعفين وجعله قادراا على حماية أنفسهم من العدوان ولا يعتمد على حماية أحد، ولم يترك الناس في مقاعد المتفرجين بل نقلهم إلى ساحة العاملين. فعندما تحرك القوم المستضعفون نحو العمل بقيادة ذي القرنين، وصلوا إلى هدفهم المنشود، وغايتهم المطلوبة3. 1 القصص القرآني في سورة الكهف محمد متولي الشعراوي صـ 93. 2 المصدر نفسه صـ94. 3فقه النصر والتمكين صـ150.

عدد الصفحات ١٦١

162 ونقف مع ذي القرنين بعد أن تمّ بناء السد ـ نظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم، ولكنه ذكر الله فشكره، ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه1. ـ ذكر ذي القرنين لربه عند انجاز عمله، يعلمنا كيف يكون ذكر الله سبحانه، فإن من أعظم صور الذكر، هي أن يذكر العبد ربه عند توفيقه في عمل، فيستشعر أن هذا بأمر ربه، فيتواضع ويعدل ويذكر ويشكر. ـ كان بناء السد رحمة من الله تعالى، وقد استخدم ذو القرنين علمه الذي علمه الله إياه، وتمكينه الذي مكنه الله له، استخدمه في مساعدة الناس وتقديم الخير لهم، منع العدوان عنهم، فكان علمه رحمة من ربه، وكان استخدامه له رحمة من ربه. ـ كان القوم مهدّدين بيأجوج ومأجوج، معرضين لإفسادهم ولم يحمهم منهم إلا الله ببناء السد، فكان السد رحمة من الله لهم، وكان خلاصاا لهم وإنقاذاا بإذن الله، فلو لم يتم عمل ولا جهد ولا حركة، لما انقذوا أنفسهم من الخطر، لأن الإنقاذ لا يتم إلا بالعمل والجهد المتواصل وتكاتف الجهود والانقياد الطوعي للشعوب لشرع الله خلف القيادة الربانية2 ـفَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا" (الكهف، آية : 98.) ع ـ قوله تعا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَط نَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا": وقبل أن يكمل القرآن الحديث عن حروب ذي القرنين، وفتوحاته وقبل أن يتحدث عن مهمته في المنطقة الشمالية، توقف سياق القرآن ليقرر حقيقة أساسية وهي قوله :"كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَط نَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا". أي أن الله سبحانه كان عالماا بأحوال ذي القرنين مطلعاا على حركاته، محيطاا بأخباره وأخبار جيشه، فما يسيرون خطوة إلا بإذن الله، ولا يتحركون حركة إلا بمشيئة الله، ولا يكسبون معركة أو يحتلون بلداا إلا والله عالم بهم مطلع عليهم، خبير بهم ونقف لنتساءل عن الحكمة عن ذكر حقيقة إحاطة الله بأخبار ذي القرنين وجيشه 1في ظلال القرآن4 /2293.) 2مع قصص السابقين2 /350.)

عدد الصفحات ١٦٢

163 وعلمه بها أثناء حديثه عن فتوحاته؟ إن الحكمة التي قد تبدو لنا هي: حرص القرآن على ربط كل ما يحدث في الكون بإرادة الله ومشيئته وعلمه سبحانه حتى لا ينسى الناس هذه الحقيقة وهم يتابعون الأحداث وحتى لا يظنوا أن الناس يتحركون بها بقدراتهم الذاتية، بمعزل عن علم الله وإذنه، فها هو ذو القرنين قام بفتوحات عظيمة، في الجبهة الغربية ثم في الجبهة الشرقية وقام بإنجازات عظيمة في الجبهة الشمالية، لكن الله مطلع على أعماله، محيط بأخباره، عالم بإنجازاته وهو مقدّر لها ومريد لها سبحانه1. إن قصة ذي القرن تدل على وجوب الأخذ بالأسباب وبيان أن ذلك ضروري للنهوض الحضاري للأمم، وقد قدم القرآن الكريم "ذا القرنين" أنموذجاا متجسداا لربط الأسباب بالمسببات والمقدمات بالنتائج واعتبر ذلك مقدمة لابد منها للنهوض والإنجاز الحضاري وبذلك لم يكتف القرآن بتأكيد موضوع السنن والأسباب نظرياا، لقد مكن الله له في الأرض فأعطاه سلطاناا وطيد الدعائم ويسّر له أسباب الحكم وا لفتح وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع، وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكنوا فيه في هذه الحياة "فَأَت بَعَ سَبَبًا" (الكهف، آية : 85.) إن قصة ذي القرنين من قصص القرآن التي يتمثل بها من الدلالة على القدرة الفائقة لأصحابها ومدى ما كانوا عليه من قوة وتمكين، ولكن بواسطة ما سنّة الله من أسباب في هذا الكون، ووسائل تؤدي إلى غاياتها المراد منها، لتمثل بذلك أنموذجاا لكل مسلم يريد أن يسلك في هذه الحياة على هدي من الفهم لسنن الله في الخلق، وليتقين كل أحد أن التمكين في الأرض والسعادة في الآخرة، إنما يتحصل بأسباب ووسائط سواء المادي منها والمعنوي، من ما تحقق به ذو القرنين2. ش ـ أخلاقه القيادية: إن شخصية ذي القرنين تميزت بأخلاق رفيعة ساعدته على تحقيق رسالته الدعوية والجهادية في الحياة ومن أهم هذه الأخلاق: 1مع قصص السابقين في القرآن2 /325.) 2السنن الإلهية في الأمم والأفراد د.مجدي محمد عاشور ص166.

عدد الصفحات ١٦٣

164 ـ الصكان جلداا صابراا على مشاق الرحلات، فمثلاً تلك الحملات التي كان يقوم بها تحتاج إلى جهود جبارة في التنظيم والنقل والتحرك والتأمين، فالأعمال التي كان يعملها تحتاج إلى جيوش ضخمة، وإلى عقلية يقظة، وذكاء وقاد، وصبر عظيم وآلات ضخمة وأسباب معينة على الفتح والنصر والتملك1. ـ مهابته كانت له مهابة ونجابة يستشعرها من يراه لأول مرة، ولكنها ليست مهابة الملوك الظلمة الجبارين فعندما بلغ بين السدين ووجد القوم المستضعفين، استأنسوا به، ووجدوا فيه مخلصاا من الظلم والقهر الواقع عليهم فبادروه بسؤال المعونة فمن الذي أدراهم بأنه لن يكون مفسداا مثل المفسدين أو الظالمين، ومعه من القوة والعدة ما ليس لمثلهم2. ـ الشجاعة كان قوي القلب جسوراا غير هياب من التبعات الضخمة والمسؤوليات العظيمة إذا كان في ذلك مرضاة الله سبحانه، فإن ما طلب من إقامة السد كان عملاً عظيماا في ذاته، حيث أن القوم المفسدين كان من الممكن أن يوجهوا إفسادهم إليه وإلى جنوده ولكنه أقدم وأقبل غير متأخر ولا مدبر3. ـ التوازن في شخصيته فلم تؤثر شجاعته على حكمته، ولم ينقص حزمه من رحمته، ولا حسمه من رفقه وعدالته، ولم تكن الدنيا كلها ـ وقد سخرت له ـ كافية لإثنائه عن تواضعه وطهارته وعفته. ـ كثير الشكر: لأنه كان صاحب قلب حي موصول بالله تعالى، فلم تسكره نشوة النصر، وحلاوة الغلبة بعدما أذل كبرياء المفسدين، بل نسب الفضل إلى ربه4 سبحانه وقالهَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي" (الكهف، آية : 98.) ـ العفة كان مر تفعاا عن مال لا يحتاجه ومتاع لا ينفعه، فإن القوم المستضعفين لما شكوا إليه فساد المفسدين، عرضوا عليه الخراج، فأجابهم بعفة وديانة وصلاح: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، وما أنا فيه خير من الذي تبذلونه5. 1الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /624.) 2المصدرالسابق (2 /624.) 3المصدر نفسه2 /624.) 4المصدر نفسه2 /627.) 5الحكم والتحاكم2 /625.)

عدد الصفحات ١٦٤

165 إن التوازن المدهش والخلابفي شخصية ذي القرنين سببه إيمانه بالله تعالى واليوم الآخر، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقاا لتأييد الله وعونه، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة وهو تفضل من الله تعالى على عبده الصالح، فجعل له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والو قار1. وكذلك أكرمه الله بكثرة الاعوان والجنود وقذف الرعب في قلوب الأعداء وتسهيل السير عليه، وتعريفه فجاج الأرض واستيلائه على برها وبحرها2، وتمكنه بذلك من تملك المشارق والمغارب من الأرض، فكل هذه الأمور لا تعطي لشخص عادي، و يمكن أن يحققها حاكم بحوله وقوته و ذكائه مهما بلغ، إلا أن يكون مؤيداا من الله، ذلك التأييد الذي ينصر الله به عباده المؤمنين، ويدل على هذه العناية أيضاا ضمير العظمة في قوله :"وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا" (الكهف، آية : 84)، أي: أمده بكل ما أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه، فزوده بعلم منازل الأرض وأعلامها وعرفه ألسنة الأقوام الذين كان يغزوهم فكان لا يغزو قوماا إلا كلمهم بلسانهم3. لقد أعطاه الله تعالى من كل شيء سبباا، وينصرف ذهن السامع أو القارئ إلى وجوه التمكين له في الأرض، وأسبابه من العلوم والمعرفة واستقراء سنن الأمم وال شعوب صعوداا وهبوطاا، وفي سياسة النفوس أفراداا وجماعات تهذيباا وتربية وانتظاماا، وأعطاه من أسباب القوة من الأسلحة والجيوش وأسباب القوة والمنعة والظفر، وأسباب العمران وتخطيط المدن وشق القنوات وإنماء الزراعة، وقيل: مهما تصور من أسباب التمكين التي تليق برجل رباني قد مكن له في هذه الأرض4. يمكن أن يدخل تحت قوله تعاإِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ال أَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا" (الكهف، آية : 84.) لقد كانت رعاية الله تعالى لذي القرنين عظيمة بسبب إيمانه بالله تعالى واستعداده لليوم الآخر، ولذلك فتح لهباب التوفيق وفق ما سعى إليه من أهداف وغاية سامية. 1روح المعاني16 /30.) 2البر المحيط6 /159.) 3روح المعاني16 /31.) 4مباحث في التفسير الموضوعي صـ304 مصطفى مسلم

عدد الصفحات ١٦٥

166 لقد بذل ذو القرنين ما في وسعه من أجل دعوة الناس إلى عبادة الله فقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بأمة أو شعب دعاهم إلى الحق والإيمان بالله تعالى قبل العقاب أو الثواب، وكان حريصاا على الأعمال الإصلاحية في كافة الاقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة في الارض شرقاا وغرباا، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معادياا لأهل الكفران1. 3ـ الأسباب التي اتخذها داود عليه السلام للتمك لدين الله: قال تعالى:"فَهَزَمُوهُم بِإِذ نِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ ال مُل كَ وَال حِك مَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَف عُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَض ل عَلَى ال عَالَمِينَ" (البقرة، آية : 251.) أكرم الله تعا بقتل جالوت وبين القرآن الكريم أن داود عليه السلام كان مجاهداا في جيش طالوت، وممن نجحوا في الإمتحان العسير الذي قرّر رئيس الجيش أن يخوضه جميع جنوده فسقط من سقط ونجح من نجح فقد رفع داود عليه السلام رآية النصر، وشرع في إعادة التمكين لبني إسرائيل بعد قتله لجالوت، وكان إذ ذاك فتى، وتم له الظفر، فالتقت على محبته القلوب، وتأكدت له أوامر الإخلاص، وأصبح بين عشية وضحاها حديث بني إسرائيل، يكنون له في نفوسهم الإحترام والمحبة، والتوقير ومنذ ذلك الحين بدا نجمه يصعد في ا لسماء ويتنقل م ن ظفر إلى ظفر، ويجيئه النصر يتبع ه النصر، حتى ولي الملك أخيراا وأصبح ذا سلطان وظهرت ملامح الحكم في زمنة في عدله وحكمه، وكان أوّابا رجاعاا إلى ربه بالطاعة والعبادة، والذكر والاستغفار، لقد كان منهج التغيير في زمن داود عليه السلام هو الصراع المسل ح بين قوى الخير والشر والإيمان والكفر، والهدى والضلال، وبالفعل تم دمغ الباطل وإضعافه ووصل بنو إسرائيل إلى قمة مجدهم وعزهم. 1الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /623.)

عدد الصفحات ١٦٦

167 ـ قال تعااصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذ كُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ال أَيْدِ إِنَّهُ أَوَّاب * إِنَّا سَخَّرْنَا ال جِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِال عَشِيِّ وَال إِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّاب * وَشَدَدْنَا مُل كَهُ وَآتَيْنَاهُ ال حِك مَةَ وَفَصْلَ ال خِطَابِ" (ص ، آية : 17 ـ 20.) إن المتأمل في القرآن الكريم في قصة داود عليه السلام يتعرف على صفات الحاكم المؤمن الذي مكن الله له وهي تحقق للقائد المسلم كمال السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أهم هذه الصفات. ـ الصبر: فقد أمر الله تعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدي به في الصبر على طاعة الله. ـ العبودية: وقد وصفه ربه بقوله: " عَبْدَنَا"، وعبر عن نفسه بصيغة الجمع للتعظيم وال وصف بالعبودية لله غاية التشريف كوصف محمد صلى الله عليه وسلم بها ليلة المعراج " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ" (الإسراء ، آية : 1.) وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود عليه السلام تحدث عنه بيَّن فضله وإجتهاده في العبادة: "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماا ويفطر يوماا 1. ـ القوة على أداء الطاعة: والاحتراز عن المعاصي في قوله: "ذَا ال أَيْدِ....". ـ والرجوع إلى الله بالطاعة في أموره كلها، في قوله تعالى: "إِنَّهُ أَوَّاب ". وصف بالقوة على طاعة الله وبأنه أواب دليل على كمال معرفته بالله التي جعلته يجتهد في العبادة على نهج رباني صحيح. ـ تسبيح الجبال والطيور معه: "إِنَّا سَخَّرْنَا ال جِبَالَ مَعَهُ يُسَ بِّحْنَ بِال عَشِيِّ وَال إِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّاب " (ص ، آية : 18 ـ19) أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال عز وجل: "يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ " (سبأ ، آية : 10.) 1مسلم ، ك الصيام، بان النهي عن صوم الدهر رقم 189.

عدد الصفحات ١٦٧

168 قال ابن كث: وكذلك الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه إذا مر به الطير، وهو سابح في الهواء، فسمعه، وهو يترنم بقراءة الزبور، لا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات، وترجع معه، وتسبح تبعاا له1 ـ قوة الملكوَشَدَدْنَا مُل كَهُ" (ص، آية : 20) اي: قوينا ملكه بالجند أو الحرس، وجعلنا له ملكاا كاملاً في جميع ما يحتاج إليه الملوك. ـ الحكمة: "وَآتَيْنَاهُ ال حِك مَةَ" (ص، آية : 20) أي: أعطيناه الفهم والعقل والفطنة، والعلم، والعدل، وإتقان العمل، والحكم بالصواب. ـ حسن الفصل في الخصومات: "وَفَصْلَ ال خِطَابِ" (ص، آية : 20) أي: وألهمنا حسن الفصل في القضاء بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإيجاز البيان، بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل2. إن داود عليه السلام شدّ ملكه بالتسبيح والذكر والطاعة، فكان عليه السلام يسبح بالعشي والإشراق وتجاوبت الجبال مع ذكره العذب الجميل وكذلك تجاوبت الطيور، قال تعالى:" إِنَّا سَخَّرْنَا ال جِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِال عَشِيِّ وَال إِشْرَاقِ" (ص، آية : 18.) فوهبه الله هبة عظمى ذكرها في كتابه عز وجلوَشَدَدْنَا مُل كَهُ وَآتَيْنَاهُ ال حِك مَةَ وَفَصْلَ ال خِطَابِ" (ص، آية : 20)، الذي جعلنا له ملكاا كاملاً من جميع الملوك العظماء، بحيث لا يتمكن منه أعداؤه لكثرة جيوشه، وكثافة حراسه الذين قيل: إنهم كانوا ألوفاا كثيرة يتناوبون في حراسته ولم ينكسر له جيش في معركة أبداا بعون الله ونصره3. أ ـ استخلاف الله تعالى لداود عليه السلام قال تعالى:"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَل نَاكَ خَلِيفَةا فِي ال أَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِال حَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ال هَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ ال حِسَابِ" (ص، آية : 26.) 1تفسير ابن كثير4 /29.) 2تفسير المنير لوهبة الزحيلي23 /183 ـ185.) 3تفسير القرطبي15 /162.)

عدد الصفحات ١٦٨

169 خاطب الله تعالى داود عليه السلام بأن جعله حاكماا بين الناس في الأرض، فله الحكم والسلطة، وعليهم السمع والطاعة ثم بين الله تعالى له قواعد الحكم تعليماا لغيره من الناس: ـ "فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِال حَقِّ" أي: فاقضي بين الناس بالعدل، الذي قامت به السموات والأرض وهذه أولى وأهم قواعد الحكم. ـ "وَلَا تَتَّبِعِ ال هَوَى" أي: لا تمل في الحكم مع أهواء نفسك أو بسبب مطامع الدنيا، فإن اتباع الهوى مزلقة ومدعاة إلى النار، لذا قال :" فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" أي: إن اتباع الهوى سبب في ا لوقوع في الضلال، والانحراف عن جادة الحق، وعاقبته الخذلان، قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ ال حِسَابِ" أي: إن الذين يتنكبون طريق الحق والعدل لهم عقاب شديد يوم القيامة، والحساب الآخروي بسبب نسيانهم أهوال ذلك اليوم، وما فيه من حساب شديد دقيق لكل إنسان، وبسبب تركهم العمل لذلك اليوم، ومنه القضاء بالعدل1. ب ـ هبة من الله مباركة وفتح وإلهام إن داود عليه السلام كان له كثير من الابناء والأولاد إلا أن الله خصه بالابن الصالح النبي الملك سليمان عليه السلام، وأثنى الله عليه في كتابه بكونه أواب إلى الله ـ عز وجل ـ كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله ـ عز وجل ـ في أكثر الأوقات، ومن مزيد فضل الله على عبده داود أن وهبه سليمان الذي ورث عن أبيه الملك والنبوة، قال تعالى:"وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ال عَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب " (ص، آية : 30.) لقد أكرم الله تعالى سليمان عليه السلام بالملك والنبوة وأعطاه الفهم الثاقب، والرأي السديد، ورجاحة العقل ومما يدل على ذلك قوله تعالى:" وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذ يَحْكُمَانِ فِي ال حَرْثِ إِذ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ال قَوْمِ وَكُنَّا لِحُك مِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُك مًا وَعِل مًا" (الأنبياء، آية : 78 ـ79.) ج ـ ابتكار في صناعة الأسلحة 1فقه النصر والتمكين صـ126.

عدد الصفحات ١٦٩

170 قال تعاوَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأ سِكُمْ فَهَل أَنتُمْ شَاكِرُونَ" (الأنبياء، آية : 80)، كان داود عليه السلام أول من اتخذ الدروع وصنعها، وتعلمها الناس منه، وإنما كانت صفائح فهو أول من سردها وحلقها فأصبحت النعمة عليه نعمة على جميع المحاربين على الدوام ابد الدهر، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة. وذلك يقتضي الشكر، لذا قال تعالى:"فَهَل أنتُمْ شَاكِرُونَ" (الأنبياء، آية : 80) أي: على تيسير نعمة الدروع لكم، وأن تطيعوا رسول الله فيما أمر الله به والمراد: اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه النعمة، وهذا دليل على جواز اتخاذ الصنائع والأسباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وهي شهادة للعمال وأهل الحرف والضائع بأن العمل شرف، واتخاذ الحرفة كرامة وهذه الآية فيها إشارة لحث أهل الإيمان على العمل والإبداع والأخذ بأسباب النصر على الأعداء ومحاربة الفساد بإعداد الجيوش مقودة بقيم الإيمان وتعاليم الرحم ن، وشريعة الديان، قال تعالى:"وَأَلَنَّا لَهُ ال حَدِيدَ * أَنِ اعْمَل سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير " (سبأ، آية : 10 ـ11.) وكانت هذه هبة الله فوق الملك والسلطان، مع النبوة والاستخلاص إن الله تعا أنعم على عبده داود بتسييل الحديد له أو تعليمه كيف يسيل الحديد الذي هو مادة الإعمار والبناء والتصنيع، ولا شك في خطورة مادة الحديد في صناعة الحضارات وبناء الدول وفي حسم انتصارات الجيوش1. وفي سورة الحديد نقرأ هذه الآيةلَقَدْ أَرْسَل نَا رُسُلَنَا بِال بَيِّنَاتِ وَأَنزَل نَا مَعَهُمُ ال كِتَابَ وَال مِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِال قِسْطِ وَأَنزَل نَا ال حَدِيدَ فِيهِ بَأ س شَدِيد وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِال غَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز " (الحديد، آية : 25.) سورة الحديد؟ هل ثمة أكثر دلالة على ارتباط المسلم بالأرض من التحضير والإبداع والبناء التي جاء الإسلام لكي يجعلها جزءاا أساسياا من أخلاقيات الإيمان وسلوكياته في قلب العالم، من هذه الآية التي تعرض خام الحديد كنعمة كبيرة أنزلها الله لعباده، وتعرض معها المسألة في طرفيها اللذين يتمخضان دوماا عن الحديد "البأس الشديد" 1فقه النصر والتمكين صـ129.

عدد الصفحات ١٧٠

171 متمثلاً باستخدام الحديد كأساس للتسلح والإعداد العسكري و"المنافع" التي يمكن أن يحظى بها الإنسان من هذه المادة الخام في كافة مجالات نشاطه وبنائه "السلمي"؟ وهل ثمة حاجة للتأكيد على الأهمية المتزايدة للحديد بمرور الزمن في مسائل السلم والحرب، وأنه غدا في عصرنا الراهن هذا وسيلة من أهم الوسائل في ميادين القوى الدولية سلماا وحرباا؟ إن الدولة المعاصرة التي تمتلك خام الحديد تستطيع أن ترهب اعداءها بما يتيحه لها هذا الخام من مقدرة على التسلح الثقيل.. . وتستطيع أيضاا ـ أن تخطو خطوات واسعة لكي تقف في مصاف الدول الصناعية العظمى التي يشكل الحديد العمود الفقري لصناعاتها وغناها1. إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ منح الحديد لداود عليه السلام وعلمه كيف يلينه، لأن الفائدة تتحقق بوجود الخام والقدرة على تشكيله ، ولاشك أن ذلك ساعد على بناء حضارة عظيمة جمعت بين المنهج الرباني والتطور العمراني والصناعي ...الخ وإذا تأملنا في آية الحديد نجد تداخلاً عميقاا وارتباطاا صميماا بين آية الحديد، وإرسال الرسل وإنزال الكتب معهم، وإقامة الموازين الدقيقة لنشر العدل بين الناس وبين إنزال الحديد الذي يحمل في طياته "البأس"، ثم التأكيد على أن هذا كله إنما يجيء لكي يعلم الله مَن "يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِال غَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز " (الحديد، آية : 25.) إن المسلم الرباني لن تحميه بعد قدرة الله إلا يده المؤمنة التي تعرف كيف تبحث عن الحديد وتشكله وتستخدمه من أجل حماية الإسلام والتقدم به وتحقيق النصر للمؤمنين وإقامة شرع الله في مناحي الحياة. إن قول الله تعالى :"وَأَلَنَّا لَهُ ال حَدِيدَ" (سبأ، آية : 10) فيه إشارة إلى أهمية هذا الخام وتوظيفه لخدمة الإنسانية طاعة الله. 4 ـ الأسباب الإتخذها سليمان ـ عليه السلام ـ للتمكين لدين الله: 1التفسير الإسلامي للتاريخ صـ221 ـ222 عماد الدين خليل

عدد الصفحات ١٧١

172 تسلّم سليمان ـ عليه السلام ـ قيادة الدولة القوية التي أسست على الإيمان والتوحيد وتقوى الله تعالى، لقد أوتي سليمان ـ عليه السلام ـ الملك الواسع والسلطان العظيم بحيث لم يؤت أحد مثلما أوتي، ولكنه أعطى قبل ذلك عطاء أعظم وأكرم، هيأه لأن يكون شخصية فريدة متميزة في التاريخ، لقد أعطي النبوة، ومنح العلم وأوتي الحكمة، وذلك مثلما أعطي أبوه من قبل1. أ ـ بداية التمك قال تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِل مًا وَقَالَا ال حَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ال مُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ ال فَض لُ ال مُبِينُ" (النمل ، آية : 15 ـ16.) بدأ التمكين بتلك الإشارة " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِل مًا..."، وقبل أن تنتهي الآية يجيء شكر داود وسليمان على هذه النعمة، وإعلان قيمتها وقدرها العظيم، فتبرز قيمة العلم، وعظمة المنة به من الله على العباد، وتفضيل من يؤتاه على كثير من عباد الله المؤمنين، ولا يذكر هنا نوع العلم وموضوعه، لأن جنس العلم هو المقصود بالإبراز والإظهار، وللإيحاء بأن العلم كله هبة من الله، وبأن اللائق بكل ذي علم أن يعرف مصدره، وأن يتوجه إلى الله بالحمد عليه، وأن ينفقه فيما يرضى الله الذي أنعم به وأعطاه، فلا يكون العلم مُبعداا لصاحبه عن الله، ولا منسياا له إياه، وهو بعض مننه وعطاياه وبعد الإشارة إلى الإنعام بمنة العلم على داود وسليمان، وحمدهما لله ربهما على منته وعرفانهما بقدرها وقيمتها، يفرد سليمان بالحديث: " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ ال فَض لُ ال مُبِينُ" (النمل ، آية : 16.) ب ـ فقه سليمان ـ عليه السلام ـ في إدارة الدولة إن القصص القرآني في سيرة سليمان أشار إلى أساليبه في إدارة الدولة والمحافظة على التمكين، وأهم هذا الفقه يظهر في النقاط الآتية: 1فقه النصر والتمكين صـ130.

عدد الصفحات ١٧٢

173 ــدوام المباشرة لأحوال الرعية، وتفقد أمورها، والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها، فهذا كان حال سليمان ـ عليه السلام ـ "وَتَفَقَّدَ الطَّيْر" (النمل ، آية : 20) وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك، والاهتمام بكل جزء فيه، والرعاية بكل واحدة فيها وخاصة الضعفاء1. ولا شك أن القيادة تحتاج إلى لجان ومؤسسات وأجهزة حتى تستطيع أن تقوم بهذه المهمة العظيمة. إن سليمان كان مهتماا بمتابعة الجند وأصحاب الأعمال وخاصة إذا راب شيء في أحوالهم، فسليمان عليه السلام لما لم ير الهدهد بادر بالسؤال "مَالِيَ لَا أَرَى ال هُدْهُدَ" يعني "أهو غائب"؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له2، ثم قال:"أَمْ كَانَ مِنَ ال غَائِبِينَ" (النمل، آية : 20)، سؤال آخر ينم عن حزم في السؤال بعد الترفق، فسليمان عليه السلام أراد أن يفهم منه أنه يسأل عن الغائب لا عن شفقة فقط ولكن عن جد وشدة، إذا لم يكن الغياب بعذر3. ـ لابد للدولة من قوانين حتى تضبط الأموربحيث يعاقب المسيئ، ويحسن للمحسن ولابد من مراعاة التدرج في تقرير العقوبة، وأن تكون على قدر الخطأ وحجم الجرم وهذا عين العدالة، ولهذا لم يقطع سليمان عليه السلام بقرار واحد في العقاب عند ثبوت الخطأ، بل جعله متوقفاا على حجم الخطأ "لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذ بَحَنَّهُ.." (النمل، آية : 21.) وقد استدل أهل العلم بهذه الآية على أن العقاب على قدر الذنب، وعلى الترقي من الشدة إلى الأشد بقدر ما يحتاجه إلى إصلاح الخلل4. ـ الأهت مام بالأجهزة الأمنية ، لابد للدولة المسلمة أن تهتم بالأجهزة الأمنية وتحرص أشد الحرص على الإهتمام بالأخبار والمعلومات حتى توظف لخدمة الدين، وعقيدة التوحيد، ونشر المبادئ السامية، والأهداف النبيلة، والمثل العليا، وأن تحرص على تحبيب الجهاد لأبنائها بواسطة الأجهزة الإعلامية والوسائل التربوية، وأن تهيئ النفوس للظروف المناسبة لإقامتها للدين وإعلاء لكلمة الله، وهكذا كان شأن سليمان عليه السلام ـ كما قال 1تفسير القرطبي13 /177.) 22تفسير الرازي24 /189.) 3الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /593.) 4الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /593.)

عدد الصفحات ١٧٣

174 القرطبي ـ رحمه الله: فإنما صار صدق الهدهد عذراا له، لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد1. ـ الإهتمام بنصر دعوة التوحيد ، ولابد للقيادة في الدولة المسلمة أن تهتم بنصر دعوة التوحيد، وبذل الوسع في تبليغها لكل مكلف فإن سليمان عليه السلام لما استمع إلى خبر القوم المشركين، شمّر عن ساعد الجد في إيصال البلاغ إليهم، وبدأ معهم بالحجة والبيان . قال تعالى:" اذ هَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَل قِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ" (النمل، آية : 28.) قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة ودعائهم إ الإسلام، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار2. ولقد كان كتاب سليمان عليه السلام لملكة سبأ يبدأ بالرحمة وتتخلله الكرامة، وآخره الدعوة إلى الاستجابة والاستسلام له سبحانه "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأ تُونِي مُسْلِمِينَ" (النمل، آية : 30 ـ31.) ـ الترفع على حطام الدنيافملكة سبأ عندما عملت الحيلة لاختبار سليمان عليه السلام، تفتق ذهنها عن بعث هدية له تمتحن بها حبه للدين، فأظهر عدم الاكتراث بهذا المال، وأعلم من جاءوا به أن الله تعالى آتاه الدين الذي هو السعادة القصوى وآتاه من الدنيا مالاا مزيد عليه، فكيف يستمال مثله بمثل هذه الهدية، وصارحهم بأنهم هم الذين من شأنهم الفرح بتلك الهدية التي ظنوا أنه سيفرح بها أما هو فلن يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف 3، قال تعالى:"أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْر مِّمَّا آتَاكُم بَل أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَف رَحُونَ" (النمل، آية : 36.) ـ المقدرة على اتخاذ القرار الصحيحفي الوقت المناسب للمكان المناسب، وعدم التردد في القرار الصعب للتغلب على الحال الأصعب، فعندما وجد سليمان عليه السلام أن القوم مازالوا على الشرك، بل يريدون استمالته 1تفسير القرطبي13 /189.) 2المصدر نفسه13 /190.) 3الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /598.)

عدد الصفحات ١٧٤

175 وتنحيته عن صلابته في الحق قال للوفد الذي جاء بالهديةارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأ تِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخ رِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةا وَهُمْ صَاغِرُونَ" (النمل، آية : 37.) ولامانع من ركوب الشدة مع المعاند، واستعمال القوة في إرهاب من يصد عن الدعوة فإن ذلك قد لا ينفع غيره في إنقاذ الناس من الشرك، بل من المعادن البشرية ما لا يلين إلا تحت وهج السيف وسنابك الخيل، وكان هذا الاسلوب سبباا في إسلام ملكة سبأ وانقيادها وجنودها لسليمان ولا مانع من استعمال الذكاء والعقل النير، ودقة التدبير، في استجلاب قلوب المدعوين إلى الدين واستخدام نعم الله في دلالة الخلق على الله ومخاطبة الناس بالكيفية التي تستهوي قلوب عوامهم وتجلب احترام خواصهم، فسليمان لما بلغه خبر مجئ ملكة سبأ في جمع من حاشيتها وجنودها، أر اد أن يعلمها مدى ما أعطاه الله من قوة حتى أن عرشها الذي تركته في حماية عظيمة وحرس كثيف يسبقها إليه1. ـ الاستفادة من المهارات والمواهب وعلى الدولة المسلمة أن تستفيد من المهارات والمواهب وإمكانات الخاصة في أفراد الرعية ووضع الفرد المناسب في مكانه الصحيح، إن مملكة سليمان عليه السلام كان فيها من الإنس والجن وغيرهم ما كان يمكن أن يؤدي مهمة الهدهد، ولكن سليمان عليه السلام اختاره مع ضعفه وصغره لتأدية هذه المهمة فـ "تخصيصه عليه السلام إياه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف، لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة2. ج ـ أبرز صفات سليمان ـ عليه السلام ـ كحاكم لدولة إن الآيات الكريمة عرضت صفات سليمان ـ عليه السلام ـ كملك وحاكم ممكن له في الأرض وفي هذا إشارة من الله تعالى إلى الصفات القيادية المطلوبة للإشراف على تمكين شرع الله تعالى. ـ الحزم: ويظهر ذلك عند القيادة إن غلب الظن أن هناك تقصيراا، أو تكاسلاً عن الحضور وقت الطلب أو التأخر وقت العمل "لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذ بَحَنَّهُ" (النمل، آية : 21) فإنه قد تبين لسليمان عليه السلام أن الهدهد 1المصدر نفسه9/ 193.) 2تفسير روح المعاني9 /193.)

عدد الصفحات ١٧٥

176 غائب، فتهدد بذلك أمام الجمع الذي يعلم أن الهدهد غائب، حتى لا يكون غيابه ـ إن لم يؤخذ بالحزم ـ سابقة سيئة لبقية الجند1. ـ التريث والتأنيقبل الحكم، فلعل للغائب عذراا أو للمقصر حجة تدفع الإثم، وترفع العقوبة، ولهذا قال سليمان بعدها :"أَوْ لَيَأ تِيَنِّي بِسُل طَان مُّبِينٍ" (النمل، آية : 21) أي: بحجة تبين عذره في غيبته2. وهذا هو اللائق بالحاكم والقاضي إذا كان عادلاا، وسليمان عليه السلام الذي اشتهر بالعدالة هو وجنوده حتى عند النمل، لا ينتظر منه مع الهدهد، أو ما دونه أو ما فوقه، إلا أن يكون عادلاا لا يعاجل بالعقوبة قبل ثبوت الجريمة ولا يبادر إلى المؤاخذة قبل سماع الحجة. ـ سعة الصدر في الاستماع إلى اعتذار المعتذر، وحجة المتخلف، وسليمان عليه السلام انصت لاسترسال الهدهد حتى انتهى من قوله، على الرغم من أن فيه نوع معاتبة لسليمان، وفيه نسبة عدم الاحاطة إليه :"أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِط بِهِ وَجِئ تُكَ مِن سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْش عَظِيم * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخ رِجُ ال خَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَال أَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخ فُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ال عَرْشِ ال عَظِيمِ" (النمل، آية : 22ـ26)، كل هذا وسليمان لا يقاطعه، ولا يكذبه، ولا يعنفه، حتى ينتهي من سرد الحجة، التي كانت مفاجأة ضخمة لسليمان عليه السلام. ـ قبول الإعتذار ممن يعتذر في الظاهر، وإيكال سريرته إلى الله، فسليمان عليه السلام سكت عن المؤاخذة وانتقل إلى تحري الخير. قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : هذا دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه3. 1في ظلال القرآن5 /2638.) 2تفسير القرطبي13 /180.) 3تفسير القرطبي13 /184.)

عدد الصفحات ١٧٦