20 � • الحكمة من إيجاب الشريعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هدفت الشريعة الإسلامية من إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى عدة أهداف عظيمة من شأنها تحقيقها تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأهداف: - حفظ الإسلام من الشرك والبدع.1 - إثبات معاني الخير والصلاح في الأمة الإسلامية2 - إزالة عوامل الفساد والشر من حياتها والقضاء عليها 3 أولاً بأول؛ حتى تسلم الأمة وتسعد - تهيئة الجو المناسب الصالح الذي تنمو فيه الآداب 4 والفضائل وتختفي فيه المنكرات والرذائل، ويتربى في ظله الضمير العفُّ، والوجدان اليقظ الذي لا يسمح للشر أن يبدأ فضلاً عن أن يبقى أو يمتد. - تكوين الرأي المسلم الواعي الذي يحرس آداب الأمة 5 وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ويجعل لها شخصية وسلطاناً هو أقوى من القوة، وأنفذ من الأنظمة والقوانين. - بعث الإحساس بمعنى الأخوَّة والتكامل والتعاون 6 على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض، وذلك مما
عدد الصفحات ٢١21 � يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة على الحقوق والحرمات، وأنها حراسة الأمة وبأعينها، مما يؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة .(1(في قلوب المؤمن *** 3 . العقوبات والآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف :والنهي عن المنكر من سنن الله الماضية أن يسلط عقوباته على المجتمعات التي � ُ ��تفرِّط في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر � َ رْ َ � ْ ى ا وَعَ َ اوُ َ َ ى َ َ عَ َ رَا َىي اإَ رُوا � َ َ � َّ ا وْ َ ا وا لَ � َ و َ وا � َ وْا وَك � .(79-78(سورة المائدة و ُ َ وا � َ َ إْ � و ُ � �� وتلك العقوبات كثيرة ومتنوعة، ولكن من أظهرها - كثرة الخبث: عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن 1 استيقظ يومًا من نومه فزعًا، وهو يقول: (لاَ إِلَهَ إِ النبي اللهَُّ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شرٍَّ قَدْ اقْترََبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ « (1( الحقيل
عدد الصفحات ٢٢22 � وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ -وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِْبهَْامِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَِّ، أَنهَْلِكُ وَفِينَا .(1(الصَّالحُِونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَْبَثُ إن المنكر إذا أعلن في مجتمع، ولم يجد من يقف في وجهه، فإن سوقه تقوم، ويصبح دليلاً على تمكن أهل المنكر وقوتهم، وذريعة لاقتداء الناس بهم، ولهذا توعدهم الله -جل وعلا- فقال: ٌ �� َ وا َ � َّ َىي ا � ْ َ ا �� � و ُ َ � َّ ا اإَ .(19(سورة النورو ُ �� ا � � َ ُ وَاإ م َ َ َ وَا آ ا َ � َىي ا �� َ اإ فإذا قلد بعض الناس أهل المنكر أخذ الباطل في الظهور، وهان خطبه شيئًا فشيئًا في النفوس، وسكت الناس عنه، وما تزال المنكرات تفشو، حتى يكثر الخبث، ويصبح مستساغاً، وينحسر بالمقابل المعروف ويصبح مستغرباً، لذلك قال عمر بن عبد العزيز -في كتابه إلى أمير المدينة الذي يأمره فيه بأن يأمر العلماء بالجلوس لإفشاء العلم في المساجد فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا - العذاب الإلهي العام والهلاك الشامل: دل على ذلك 2 )، ومسلم6735 / 6668 /3423 /3184 رواه بنحوه البخاري( 1( .)5237 /5236(
عدد الصفحات ٢٣23 � علينا خ حديث زينب المذكور آنفًا، وقد قصَّ ا بني إسرائيل حين نهاهم أن يعدوا في السبت، ولنا في تلك �� ُ ْ �� وْ و ُ �� � �� َ �� وَاإَ القصة عبرة و َ �� َّ � َ � ُ َ َ ى ر َ َر وا ُ ٍ �� ُ َ وْ اإَ َ � َّ � حفَ َ وءَ وَاإ َ ا وْ �� َ َ � َّ � �� ْ � َ �� � ُوا َر ّ وا �� � َّ �� �� وا �� وْا � َّ �� و َ وا � َ َ وا ُ �� طفَ ، إذن (166-164(سورة الأعراف َ َ َر وا و ُ �� َ � � ْ �� فقد أنجى الله تعالى الذين ينهون عن السوء فقط، وأما البقية فقد عذبهم كلهم، فإن لم يكن في الأمة من ينهى عن السوء والفساد ٍ َ و ُ و � ُ َ رُو � ْ � َ ا ك وْلَ َ ��فلا نجاة لأحد منها، َ ع َ � �� � �� ْ � َ �� � ا َ اإَلَّ ْ ر إَ ا َىي الْ � ْ َ ا وْ �� َ � ، و(116(سورة هود رَ ْ وا مُ � َ َ وا رَ � وا ُ �� َ � َّ ا حديث جرير: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فيِ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَْعَاصِ يَقْدِرُونَ عَلىَ أَنْ يُغَيرُِّوا عَلَيْهِ فَلاَ يُغَيرُِّوا إِلاَّ أَصَابهَُمْ اللهَُّ بِعَذَابٍ : أنه قال، وفي حديث أبي بكر( 1(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا رواه أبو داود في سننه،كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي - حديث: (1( ) ، وابن حبان في صحيحيه، كتاب البر والإحسان / ذكر توقع العقاب3797 ( . )303من الله -جل وعلا- لمن قدر على تغيير - حديث
عدد الصفحات ٢٤24 � � ُ � َ وا عَ َ � َّ �� ُّ �� َ � الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ، (105 (سورة المائدة� ْ ا ا اإَ َّ � رُّ َ ا � ُ � اإَ يقول: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالمَِ فَلَمْ وإني سمعت رسول ا ، وفي (1(يَأْخُذُوا عَلىَ يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللهَُّ بِعِقَابٍ مِنْهُ قال: ( وَالَّذِي نَفْسِ بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ : أن النبيحديث حذيفة بِالمَْعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُْنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهَُّ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ .(2(عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ وقبل أن أترك الحديث عن هذه العقوبة أودُّ أن أنبه إلى أمر لا يكاد ينقضي، وهو أن بعض الناس يستغربون من قول الناصحين: إن ما أصابنا من الأحداث المؤلمة إنما هو بسبب الذنوب والمعاص، فيعزو أهلُ المعاص ما حدث إلى الأسباب المادية، وهذا منطق الذين لا تتعدى نظرتهم الحياة الدنيا، ومنطق رواه أبو داود في سننه - كتاب الملاحم- باب الأمر والنهي - حديث: (1( - باب ما جاء) ، و الترمذي في سننه - أبواب الفتن عن رسول ا3796 ( ) ، وابن حبان في صحيحه2145في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر - حديث - كتاب البر والإحسان/ ذكر البيان بأن المنكر والظلم إذا ظهرا كان على من ).305علم - حديث - باب ما جاء رواه الترمذي في سننه - أبواب الفتن عن رسول ا( 2( )، وأحمد بن حنبل 2146في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - حديث - حديث: في مسنده- مسند الأنصار- حديث حذيفة بن اليمان عن النبي ).22682 (
عدد الصفحات ٢٥25 � رَ � ْ َ ا � اإَ � َ وْ اإ َ وَ :المادِّيِّين الذين يتنكرون لوحي ا � َ َ وَ ْ ر إَ ا � َ َك ر َ �� ْ �� َ � َ وْا � وا وَا ءَا � َ رَ � ْ ُ ا � َ � إَ �� َ �� ْ وا � َ � حفَ إَ وا ُ � � � َ � �� َ َ � َ � رَ � ْ ُ ا � َ � َ وَاإ َ و َ َ َ �� َ �� َ َ � َ � َ ا ر ْ � َ َ ا ر ْ وا � إَ �� و ُ � ْ َ ى وَ �� َ � َ ْ ر إَ ا و رَ َ َ � َّ �� َ � وَ � وْ � ْ ا ا اإَلَّ �� و ُ ى َ ُ عَ ع و ْ �� �� وْ َ � َ � اإَ وَ َ � َ وَاإ ، وقال تعا (100-96(سورة الأعراف و �� َ ا لَ َ �� ْ �� إَ ا َ لَ رَ ى ا َ وا عَ ا ،(17 -16 (سورة الجن ٍ � ْ �� ُ �� َ َ ّ َ رَ ر ْ َ رَ ُ � � � ْ � َ � ُ اإُ � و ُ � ا اإَ وْلَ َ وَ وقال سبحانه رُو �� َ �� ْ �� َ َ عَ ٍ وَ �� َ و ُ ُ َ �� َ َّحْ رُ � ْ � � َ � ُّ � ُ رُ و َ �� ْ �� َ رُرٍا عَ ٍ وَا ْ � َ و ُ ُ وَ (سورة الزخرف/ �� �� ُ �� َ ّ َ آ ا َ � َ ا � َ �� َ ُ ا � .(35-33 الاختلاف والتناحر: إن من أنكى العقوبات التي - 3
عدد الصفحات ٢٦26 � تنزل بالمجتمع المهمل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتحول المجتمع إلى فرق وشيع تتنازعها الأهواء؛ فيقع ٍ � ُ � َ ْ َ � ى اإَ َ � ْ وَ ا ْ ��الاختلاف والتناحر � ُ َ َ ُ � ُ �� ْ َ وْ � ُ ُ ْحف ر �� وْ َ � ُ َ وْ � .(65(سورة الأنعام ...ٍ َ َ ��� َ � ولا يحمي المجتمع من التفرق والاختلاف إلا شريعة الله؛ لأنها تجمع الناس وَتحَْكُمُ الأهواء، وإن مما يدل على ارتباط التفرق والتناحر بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قول رُو � َ ْرَ وَ � � ى ا و َ � � ُ �� ُ � وَالله عز وجل (سورة و � ْ � و رَ وَاإُ َ � ْ َ ا وْ �� َ َ وَ رُو � ْ � وا و ُ ا وَلَ، ثم قال تعالى بعد ذلك مباشرة (104آل عمران (سورة َ ّ � َ َ وا �� َ وا وَا رَّ َ � َّ � َ ك .(105آل عمران والمتأمل في حال عدد من البلاد الإسلامية يجد أن من أهم أسباب تفرق المجتمع فيها أنهم أهملوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فترتب على ذلك شيوع الفساد. ومن صور التفرق والتمزق التي تحدث في المجتمع بسبب
عدد الصفحات ٢٧27 � ترك هذه الشعيرة أن تتفشى بين الناس منكرات القلوب من الغل والحقد والحسد والبغضاء والتناحر، وما يترتب على اختلاف القلوب من اختلاف التوجهات والآراء والأعمال والأقوال، ثم إن معاص البيع والشراء من النجش والغش وبيع المعدوم والمجهول وسائر أنواع البيوع المحرمة والمعاملات المنكرة لها من الأثر الكبير في تشتيت القلوب وتدابرها وتباغضها ما لا ينكره ذو عقل، والسكوت على هذه المنكرات هو نوع من الرضى بها وإقرارها. - تسليط الأعداء: فإن الله عز وجل قد يبتلي المجتمع 4 التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يسلط عليهم عدوًا خارجيًا، وقد مُني المسلمون في تاريخهم بنماذج من ذلك، لعل منها ما وقع للمسلمين في الأندلس، حيث تحولت عزتهم حتى صار ملوكهم وسادتهم ينادى عليهم في أسواق الرقيق، وهم يبكون وينوحون كما قال أبو البقاء الرندي: فلـو رأيت بكـاهم عند بيعـهم لهالَكَ الوجدُ واستهوتْك أحزانُ وشبيهٌ بذلك ما حدث لفلسطين حتى صارت أخت الأندلس وحتى ذهبت كما قال أحمد شوقي:
عدد الصفحات ٢٨28 � يا أخت أندلس صبرًا وتضحيةً وطول صبر على الأرزاء والنُوَبِ ذهبـتِ في لجَّة الأيـام ضـائعـةً ضياع أندلسٍ من قبلُ في الحِقبِ - عدم إجابة الدعاء: المسلمون التاركون لشعيرة الأمر 5 بالمعروف والنهي عن المنكر عندما ينزل بهم العقاب يتجهون يدعونه، ولكنه لا يستجيب لهم كما جاء في حديث إلى ا قال: (وَالَّذِي نَفْسِ بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَْعْرُوفِ حذيفة أن النبي وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُْنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهَُّ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ .(1(تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ - الأزمات الاقتصادية: قد تحل الأزمات الاقتصادية 6 بالمجتمع المفرِّط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتتلاطم به أمواج الفقر، ولقد وصلت الأزمات ببعض المجتمعات الإسلامية إلى حال من الفقر يرثى لها حتى أصبح الفرد يكدح في سبيل الحصول على لقمة العيش فلا يجدها. - باب ما جاء رواه الترمذي في سننه - أبواب الفتن عن رسول ا( 1( )، وأحمد بن حنبل 2146في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - حديث - حديث: في مسنده- مسند الأنصار- حديث حذيفة بن اليمان عن النبي ).22682 (
عدد الصفحات ٢٩29 � - الوقوع في الشهوات والإغراق فيها: لا شك أن ترك 7 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب غرق أبناء المجتمع في الملذات والأهواء التي تقعد بهم عن معالي الأمور، حتى صار الناس مرتبطين بالدنيا، أصحاب نفوس ضعيفة، غير جادين، فالشاب الذي أصبحت حياته كلها شهوته هل يستطيع أن ينعتق من إسار الدنيا، ويجدُّ في تحصيل العلم النافع؟ وهذه الحقيقة أدركها كل البشر حتى الوثنيون منهم؛ فإن اليابان - مثلاً - لما بعثت أول بعثة من أبنائها للتعليم في بلاد الغرب، ورجع أولئك المبتعثون متحللين من مبادئهم، ذائبين في الشخصية الغربية، منغمسين في الشهوات الفردية، لم يكن من اليابانيين إلا أن أحرقوهم جميعاً على مرأى من الناس ليكونوا عبرة لغيرهم، ثم ابتعثوا بعثة أخرى، وأرسلوا معهم مراقبًا كان يقدم عنهم تقارير متواصلة تبين حريتهم ومحافظتهم على تقاليدهم الوثنية وغيرها.(انظر مقال رؤية استراتيجيَّة للنهوض ) لخباب الحمد)3بالأمَّة الإسلاميَّة - الإهمال في أخذ العدة: سواء كانت عدة معنوية بقوة 8 القلوب وشجاعتها، أو عدة مادية محسوسة تجهز لمقاومة الأعداء، فإن الاستعداد لا يتقنه إلا أصحاب الهمم، أما صرعى
عدد الصفحات ٣٠30 � الشهوات فليسوا أهلاً لذلك - تغير مسار الأمة في عدد من البلاد الإسلامية والبعد عن 9 تطبيق الشريعة: وهي عقوبة جد خطيرة، فالمنافقون لم يكتفوا بإشاعة المنكرات؛ بل مضوا يخططون لسلخ الأمة عن دينها جملة؛ حتى تتحول إلى أمة علمانية لا دين لها، تقبل أن تحكم بأي شريعة، وأن يشيع فيها أي انحراف فكري أو خلقي. وهذا التحول أخطر من سيطرة الكافرين والمنافقين عسكريًا على البلاد الإسلامية، وهذا بسبب غياب المصلحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر عن الساحة، أو ضعفهم في أداء رسالتهم. إن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قضية مصيرية، .(1(يترتب عليها احتفاظ الأمة بمسارها الإسلامي *** « (1(
عدد الصفحات ٣١31 � 4 . الحرية المطلقة في عصرنا وأثرها في فشو المنكرات أصبحت هذه الكلمة - لشدة فتنة الناس بها - مطيَّة دهاقنة الحكم والسياسة إلى أهدافهم ومآربهم ومصالحهم الخاصة وليصرفوا إليهم وجوه الناس!. وأصبحت الحرية - في كثير من الأحيان - ذريعة وسبباً لوأد الحريات، وإعلان الحروب على كثير من الشعوب!. وصوروا أن الديمقراطية هي التي تحقق لهم الحرية؛ لأنها تقوم عليها، لذا جعلوا من لوازم مناداتهم بالحرية التنادي بالديمقراطية، وكأن كل واحدة منهما لازمة للأخرى ومؤدية إليها ولا بد، فمن كان محباً للحرية والتحرر لا بد من أن ينادي بالديمقراطية، ويكون محباً لها والعكس كذلك، وكل من كان عدواً للديمقراطية فهو عدوٌ للحرية.. كما زعموا !. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل الديمقراطية - كما تمارس في أرقى الدول الغربية مدنيةً - فعلاً تحقق الحرية التي يحتاجها ويريدها الإنسان، وترقى به إلى المستوى المطلوب والمنشود من الحرية؟ وما نوعية وصفة وحدود الحرية التي تحققها الديمقراطية للشعوب؟
عدد الصفحات ٣٢32 � وهل الإنسان الأمريكي أو الأوروبي مثلا فعلاً حر، وهل الحرية التي يعيشها في بلاده ومجتمعاته فعلاً هي الحرية.. أو منها؟ وهل الإسلام يتعارض مع مبدأ الحرية؟ أم يقرها ويدعو إليها؟! ثم - إن كان يقرُّها - كيف ينظر للحرية، وكيف يمارسها، وما هو الممنوع منها وما هو المسموح؟ وهل الحرية التي يريدها الإسلام هي ذات الحرية التي تريدها الديمقراطية، أم يوجد فارق بينهما؟! ثم أيهما أصدق لهجة وواقعاً مع الحرية المنشودة، الإسلام أم الديمقراطية؟! هذه الأسئلة وغيرها تحملنا على المقارنة بين الحرية كما يريدها الإسلام، وكما مارسها لأكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة خلت، ولا يزال يمارسها ويدعو إليها.. وبين الحرية كما تريدها الديمقراطية، وكما تمارس في أرقى الدول والمجتمعات الديمقراطية المعاصرة؛ لنرى أيهما أجدى نفعاً، وأصدق لهجة.. وسلامة، وأقرب للحق والصواب! - فالحرية في الديمقراطية يقوم بتحديدها وتحديد المسموح منها من الممنوع الإنسان القاصر الضعيف وفق ما تملي عليه
عدد الصفحات ٣٣33 � أهواؤه ونزواته وشهواته، وهذا يعني أن مساحة الحرية الديمقراطية تتسع أحياناً وتضيق أحياناً بحسب ما يراه الإنسان المشرِّع في كل يوم أو ظرف، وبحسب ما يظن فيه المصلحة! وهذا يعني أن الشعوب تكون حقل تجارب، وهي في حالة تغيير وتقلب مستمر مع ما يجوز لهم وما لا يجوز لهم من الحرية. بينما الحرية في الإسلام الذي يقوم بتحديدها، وتحديد تعالى- وحده، خالق –المسموح منها من الممنوع، هو الله الإنسان، والمنزه عن صفات النقص والضعف والعجز، العالم بأحوال عباده وما يُناسبهم وما يحتاجون إليه، وعليه فالحرية في الإسلام تمتاز بالثبات والاستقرار، فالذي يجوز من الحرية للإنسان قبل ألف وأربعمائة سنة يجوز له إلى قيام الساعة، فكل امرئٍ يعرف ما له وما عليه، والمساحة التي يمكن أن يتحرك بها كحق وهبه الله له!. كما أنها تمتاز بالحق المطلق والعدالة المطلقة؛ لأنها صادرة ، وهذا بخلاف الحرية في الديمقراطية الصادرة عن عن ا الإنسان الذي يحتمل الوقوع في الظلم والخطأ، والقصور! - الحرية في الديمقراطية يكون الإنسان فيها حراً في دائرة المباحات التي أذن له المشرِّعون من البشر أن يتحرك من خلالها!!
عدد الصفحات ٣٤34 � بينما الحرية في الإسلام يكون الإنسان حراً في دائرة المباحات والمسموحات التي أذن الله بها، وأذن لعبده استباحتها والتنعم بها والتحرك فيها!. - الحرية في الديمقراطية تحارب وتنكر الشر الذي يتفق عليه المشرِّعون من البشر بأنه شرٌّ، وهذا من لوازمه - بحكم جهلهم وقصورهم وعجزهم - أن يدخلوا كثيراً من الشر في دائرة الخير الجائز والمباح، كما أن من لوازمه أن يدخلوا كثيراً من الخير في دائرة الشر الممنوع والمحظور عقلاً وشرعاً! فكم من أمر أجازوه تحت عنوان الحرية ثم بعد ذلك يظهر لهم خطؤهم وظلمهم فينقضونه ويمنعونه.. وكذلك كم من أمر يحرمونه ويمنعونه ثم يظهر لهم نفعه.. فيجيزونه ويُبيحونه.. وهذا كله يقلل من قيمة الحرية التي يدَّعونها!. بينما الحرية في الإسلام.. تحارب وتنكر الشرَّ الذي حكم تعالى- عليه بأنه شرٌّ.. الذي ما بعده إلا الخير.. وذلك لما – الله ذكرناه آنفاً أن الله تعالى منزه عن الخطأ أو الزلل.. فهو لا يجيز إلا الخير والنافع، كما أنه لا يحرم إلا كل شرٍّ وقبيح! فالله تعالى جميل يحب الجمال، وبالتالي فهو لا يُشرِّع إلا الجميل والجمال، فحاشاه سبحانه وتعالى أن يشرع القبيح أو يأذن به!.
عدد الصفحات ٣٥35 � ومنه نعلم أن الحرية في الإسلام تتحرك في جميع ميادينها مع الجميل والجمال، وتبتعد كل البعد عن الخبائث والقبائح!. - الحرية في الديمقراطية تُعبِّد العبيد للعبيد، فتجعل العبيد منقادين لعبيد ربما يكونون أقل منهم شأناً، يُشرِّعون ويُقنِّنون ويحُرِّمون ويحُلُّون لهم، وليس على الآخرين إلا الطاعة والاستسلام والانقياد، والخضوع..! فأي حرية هذه مع العبودية للمخلوق؟!. بينما الحرية في الإسلام تعمل على تحرير العباد - كل العباد - من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وحده -سبحانه وتعالى-. فعبادة العبد لخالقه وحده عزٌّ، وفخر، ورفعة، وشرف ما بعده شرف، بينما عبادته للمخلوق العاجز الضعيف ظلم، وذلٌّ، وضياع وعذاب ما بعده عذاب!. - الحرية في الديمقراطية تخُضع الإنسان لكثير من المؤثرات والضغوط الخارجية التي تفقده كثيراً من حرية الاختيار والتفكير: ضغط الإعلام بجميع فروعه وتخصصاته ووسائله، ضغط إثارة الشهوات ووسائل اللهو بجميع أصنافها وألوانها - وما أضخمها!- وضغط الحاجة والسعي الدؤوب وراء الرزق والكسب، وضغط سحرة الساسة والأحبار والرهبان
عدد الصفحات ٣٦