المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي PDF

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

صفحة ٢٢ من ٢٧

وخحلاصة القول : أن الأندلس فى العصر الأموي ( ۱۳۸ - ١٤٤ھ‏ / ۷٥٦‏ - ١۴م‏ ) قد اجتمع لها من أسباب القوة ما بوأها مكان الصدارة بين الدول الإسلامية » وأصبحت قرطبة مركز ال جاذبية السياسية في غرب أوربا » إليها تتجه الأنظار في طلب المودة ونشدان العلاقات الدبلوماسية ” » إلى قرطبة جاءت وفود الدول الكبرى من أُوربا » من القسطنطينية وفرنسا وألانيا » أما نصارى شمال أسبانيا فکانوا یعتبرون عبد الرحمن الناصر ( ۳۰۰ - ۰٣۳ھ‏ | ٩۱۲‏ ¬ ١۹1م‏ ) مرجعهم وحكمهم في خلافاتهم . وخير ما نختم به هذه السطور قول العلامة أميلوجارثيا جومث : « لقد كانت ا لخلافة القرطبية بناء هائلا » لم يولد صدفة ؛ لأنه أتى ليتوج فترة طويلة من التشكل ومن السعي لتحقيق التوازن والتألف بين السلالات والعناصر الختلفة للمجتمع › فقد قامت على هدف وغاية سامية » وتشبعت بالتراث » وكان لها فن ميز ... وكان لديها نظم إدارية فعالة » وفي خدمتها عائلات متمرسة لعدة أجيال على السياسة » واقتصادها - حسبما نعلم - كان ينعم بالازدهار والصحة ؛ والدليل على ذلك أن الحكم الثاني ( ۲٠۰‏ - ۳۹۹ھ / ٩٦۱‏ - ٦۹۷م‏ ) قام قبل موته بقليل بتخفيض الأعباء الضريبية على رعاياه » لقد كانت باختصار دولة قوية متحضرة » لا منافس لها على الإطلاق في عالم الغرب » ° ا.ه . يروي المقري أن عبد الرحمن الناصر ترك في خزائنه عند وفاته ما يقرب من عشرین ملیون دنار ذهبا ” . إذا أخذنا فى الاعتبار أن هذا الذي ت ركه عبد الرحمن الناصر » وهو مبلغ هائل بحساب تلك الأيام - كان فائصًا بعد سلسلة المشاريع العمرانية الكثيرة التي قام بها مثل مدينة الزهراء والإنفاق العسكري والمدني الهائل - إذا أخذا ذلك في الاعتبار أد ركنا درجة الثراء والرخاء الاقتصادي الذي كانت تتمتع به الأندلس في العصر الأموي » والذي انعكس بدوره على الحياة الاجتماعية . دور الأمويين قي نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس : في الصفحات السابقة قدمنا صورة موجزة للغاية عن الأمويين في التاريخ )١(‏ راجع ليفي بروفنسال - تاريخ أسبانيا الإسلامية في العصر الأموي » مرجع سابق ( ص۲٠۲‏ - ٤١۳‏ ) . (۲) ليفي بروفنسال - تاریخ أسبانيا الإسلامية » مرجع سابق ( ص٠٠‏ ) . (۳) نفح الطيب ( ٠١٤١/١‏ ) وما بعدها .

عدد الصفحات ٣٥٣

ودورهم في الحفاظ على التراث الحضاري العظيم الذي ورثوه عن الدول السابقة في فارس والعراق والشام ومصر .. إلخ » وبدء ترجمة بعض هذا التراث إلى العربية › ودورهم في وضع أسس العلوم العربية والإسلامية ومفردات الحضارة الأخرى » ثم أوجزنا القول في الفح الإسلامي للأندلس وظروفه » وأعطينا صورة مجملة عن الأو ضاع السياسية والإدارية والعسكرية والسياسية في دولة الامو يين في الأندلس . وفي الصفحات التالية نحاول إعطاء صورة مجملة ايسا - لن امقام ١‏ يتسع للتطويل - عن دور الأمويين - أمرائهم وخلفائهم - في نقل الحضارة العربية الإسلامية من المشرق إلى الأندلس » فهذا الدور هو أعظم وأخلد أدوارهم في التاريخ فقد ذهبوا وذهبت دولتهم › وبقيت آثارهم التاريخية والحضارية التي لا زالت ظاهرة - بعضها على الأقل الذي نجا من التخريب والتدمير الذي دفعت إليه روح التعصب المسيحي على أيدي محاكم التفتيش - وما عصفت به روح التعصب وضاع من الأثار المعمارية الخالدة في قرطبة والزهراء والزاهرة وغرناطة وإشبيلية .. إلخ ‏ . حفظته بطون الكتب » فقد عكفت طائفة من المستشرقين - أسبان وفرنسيين وهولنديين وألان وإنجليز وغیرهم - على هذا التراث ودراسته › إضافة إلى العلماء العرب مثل محمد عبد الله عنان في دراسته الموسوعية عن دولة الإسلام في الأندلس والدكتور السيد عبد العزيز سالم والدكتور أحمد مختار العبادي والدكتور عبد الرحمن الحجي والد كتور حسين مؤنس والد كتور حسين دويدار »> كل أولئك وهؤلاء درسوا التراث الحضاري العربي الإسلامي في الأندلس وقدموا للفكر الإنساني خحدمة جليلة » ووضحوا بالأدلة والبراهين › کم كانت الحضارة العربية الإسلامية متألمَة ومتوهجة على أرض الأندلس التي كانت هي البقعة الو حيدة المضيئة في أوربا الغربية في ذلك الزمان الخالد والتي عم ضوؤها على بعض دول القارة الأوريية فأخرجتها من عصورها الوسطى المظلمة وفتحت أمامها أبواب النهضة › وكانت قرطبة وغيرها من مدن الأندلس مقصد من يطلب العلم في مدارسها ومعاهدها » ومن يطلب العلاج في مستشفياتها » بل من يطلب أدوات الزينة ووسائل الترفيه كالموسيقى والغناء .. إلخ ‏ . )١(‏ راجع عن الآثار المعمارية والفنية في المدن الأندلسية كتاب فون شاك - الفن العربي في أسبانيا وصقلية . ترجمة الد كتور الطاهر أحمد مكي » طبع دار المعارف : القاهرة » الطبعة الثانية ( ١١٤٠ھ‏ / م ) . (۲) راجع عباس العقاد - أثر العرب في الحضارة الأوروبية » طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة › سنة ( ۱۹۹۸م ) › ( ص٩۰٩‏ › ۰)٩۱‏

عدد الصفحات ٣٥٤

العربية الإسلامية إلى الأندل __ mm‏ ٥ه"‏ تتحدث كل المصادر القديمة والمراجع الحديثة التي أرحت لحياة أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس مجمعة على أنهم كانوا في معظمهم علماء وأدباء وفقهاء وشعراء » الأهم من هذا نهم کانوا مشجعین کبارا للعلم والعلماء (© » مولعين بجمع الكتب - ولا قل أن تجد له نظيرًا - في سبيل الحصول عليها » واحترامهم للعلماء أاشادت به كل المصادر والمراجع وقد سلكوا في سبيل النهوض بالأندلس والوصول بها إلى أعلى مراتب الحضارة نفس الطرق التى تسلكها الآن الدول التى تحاول اللحاق ب ركب الدول المتقدمة التي تملك ناصية العلم والقوة بكل ما تحمل كلمة القوة من معنى » فهذه الدول الآن - وبصفة خاصة الدول العربية - في سعيها الدؤوب نحو التقدم تسلك ثلاث طرق رئيسية أو : بعث أبنائها إلى الدول المتقدمة مثل أمريكا وأوربا لتحصيل العلم والعودة إلى بلادهم مزودين بكل جديد قدر استطاعتهم . ثانيا : استقدام علماء من الدول المتقدمة كأساتذة زائرين لتعليم أبنائهم في موطنهم الأصلي . الا : محاولة ترجمة كل جديد في مختلف العلوم إلى اللغة العربية ليكون في متناول أيدي أبنائها » وهذه الطرق ذاتها سلكها الأمويون عندما قامت دولتهم في الأندلس سنة ( ۱۳۸ھ = 97م( . فقد كانوا على وعي كامل بكل الظروف الحيطة بدولتهم » سواء في القارة الأوربية » أو في محيط العالم الإسلامي الفسيح الأرجایء وأدركوا أنهم بدون قوة عسكرية لا تدوم لهم دولة فالأعداء كثر ومتربصون دائما » فحاولوا - ونجحوا - في تحقيق قوة عسكرية برية وبحرية - كما سبقت الإشارة - حافظت على كيان دولعهم طالما وجد القائد التاريخي البطل الذي يستطيع استشمار تلك القوة » في الحفاظ على أمن وسلامة الدولة » وأدرك الأمويون في الوقت نفسه أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء الجد بل لا بد من العلم › » يكفي أن نشير هنا إلى أموذج من هذه المصادر والمراجع » مشل ابن الفرضي - تاريخ علماء الأندلس‎ )١( والضبي - بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس » وابن بشكوال - كتاب الصلة » واين بسام - الذخيرة‎ › في محاسن أهل ا جزيرة » والمقري - نفح الطيب » ومن المراجع الحديثة مؤلفات العلامة رينهرت دوزي‎ والأستاذ ليفيِ بروفنسال وخولیان ریبیرا ¢ وجوستاف لوبون ¢ والد كتورة سيج رید هونکه ¢ والأستاذ محمد عبد الله عنان» ود/ حسين مؤنس » ود / عبد الرحمن علي الحجي » ود/ السيد عبد العزيز سسالم ¢ ودا أحمد مختار العبادي .. والقائمة طويلة ¢ ولا نرید الإكثار من الهوامش .

عدد الصفحات ٣٥٥

“د س الأمويون ودورهم في نقل الحضارة والعلم آنغذ کان موجودا في الشرق » أي على الأرض التي يسيطر عليها العباسيون » الأعداء الألداء للأمويين » والذين كانت علاقاتهم بهم من أسواً العلاقات . فالامویون في الأندلس أقاموا علاقات ود وحسن جوار » بل تعاون وتحالف مع كثير من أعدائهم التقليديين السابقين » والنموذج الواضح على ذلك علاقاتهم بالرستميين في ا مغرب الأوسط - ال جزائر الحالية - فدولة الرستميين قامت على أُساس المذهب الأباضي وهو أحد مذاهب الحخوارج » والعداء بين الأمويين والخوارج من أبرز ظواهر التاريخ الإسلامي » بل إن الخوارج الذين أقاموا دولا في المغرب الإسلامي - الرستميون في تاهزت وبنو مدرار في سجلماسة في جنوب المغرب - جاؤوا إلى هنا فرارًا من ملاحقة الأمويين لهم في المشرق . ومع ذلك وَحد العداء للعباسيين › أو قل : دفع العداء المشترك للعباسیین کا من الأمويين في الأندلس والرستميين في المغرب الأوسط إلى التعاون والتحالف في شتى اميادين »> وقد يتسع الوقت لإعطاء ححة عن ذلك التعاون فهو جزء مکمل الإبراز دورالاًمویین في سعيهم لنقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس . لم يكن هناك سبيل إذن لإقامة أي نوع من العلاقات السياسية بين الأمويين والدولة العباسية في المشرق » التي أسقطت دولتهم وقامت ضدهم بح ركة إبادة لم ينج منها إلا أفراد قلائل كان منهم عبد الرحمن الداخحل مؤسس دولة الأمويين في الأندلس . العلاقات السياسية لا سبيل إليها » أما العلم وكل مفردات الحضارة العربية الإسلامية التي بدأت في التألق والازدهار في المشرق فلا بد من إحضارها كاملة غير منقوصة » فبذل الأمويون في ذلك كل جهد ممكن » وسلكوا - كما أشرنا قبل قليل - كل الطرق الممكنة » ومنها : ألا : تسهيل ارتحال أبناء الأندلس إلى المشرق لتحصيل العلوم » والرجوع إلى الأندلس لدشر ذلك العلم بين اهله »> ولقد وفرت فريضة الحج فرصة نادرة للارتحال إلى المشرق لأداء تلك الفريضة في مكة المكرمة وزيارة مسجد الرسول بق في المدينة امنورة » وقلما جاء عالم أو طالب علم من الأندلس إلى المشرق لأداء تلك الفريضة وعاد إلى بلاده دون أن يطوف بكل أو بعض مراكز العلم في المشرق » سواء في الحجاز أو العراق أو الشام أو مصر » وحتى في شمال إفريقيا » وبصفة خاصة مدينة

عدد الصفحات ٣٥٦

القيروان التى أصبحت - منذ أسسها القائد الفاح الكبير عقبة بن نافع ( ٠٠‏ - ٥ھ‏ / ۷۰ - ٤۷م‏ ) مرکڑًا علمیًا کبیا ٩‏ . هذه الرحلة التى كان يقوم بها أهل الأندلس كانت آمنة وميسرة إلى حد كبير حسب أسلوب ذلك العصر فى السفر والشد والترحال ؛ لأن حكام الدول الإسلامية على احتلاف سياساتهم وأوطانهم كانوا يهتمون غاية الاهتمام بتعبيد الطرق التي تربط مكة المكرمة والمدينة المنورة بأطراف العالم الإسلامي » من الأندلس غربا إلى حدود الصين شرفًا ومن آسيا الوسطى شمالا إلى الحيط الهندي جنوبًا » بل كان احکام السلمون ترون ويتنافسون في تمهيد تمهيد الطرق وتوفير الأمن رالراحة ا العمل الذي ييسر للمسلمين الوصول إلى بیت الله ارام فی مكة مكرما ومسجد رسوله - عليه الصلاة والسلام - فى المدينة المنورة ۰ وما سهل مهمة طلاب العلم من أهل الأندلس إلى المشرق لأداء فريضة الحج الإسلامي » فعلى الرغم من الحلافات السياسية بين الأمويين فى الاأندلس والعباسيين في بغداد المسيطرين على الحجاز - موطن الحرمين الشريفين - فان العباسيين لم يستطيعوا منع أي إنسان أندلسي من أن يجوب البلاد التي تحت سيطرتهم والالتقاء بالعلماء » حتى في بغداد نفسها » وقضية حرية التنقل تلك وعدم وضع موانع في طريق المسافرين يعد من أهم وسائل ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في المشرق والمخرب على السواء . ولا باس ونحن نحدث عن احج وأثره في جذب أبناء الأندلس إلى اشرق أذ أن شیر نشير إلى واحدة من أبرز البعثات التی جاءت من الأندلس لاداء فريضة ة الحج ونقلت علعا كان له عط الأ فر دولة الأمريين ف الأندلس وحياة شمبها تلك هي عة أو رحلة يحيى بن يحيى الليثي وزملائه إلى الحج › وتتلمذهم على الإمام مالك ( 4۳~ ۹ھ / ۷۱۱ - ١۷۹م‏ ) وأخذ كتابه « الموطاً » » ثم لقاؤهم بفقهاء مصر - )١(‏ إذا تصفحنا بعض المصادر التي أرحت لعلماء الأندلس » مثل : ابن الفرضي - تاريخ علماء الأندلس » وابن بشكوال - الصلة » والمقري - نفح الطيب وغيرها » لوجدنا أنه قلما وجد عالم أو طالب علم أندلسي إلا وشد رحاله لأداء فريضة الحج » وقلما حج واحد منهم وعاد دون أن يطوف براكز العلم الشرقية يتعلم وينسخ ويعود ينشر علمه في الأندلس ومن هنا انتقل علم المشرق إلى الغرب .

عدد الصفحات ٣٥٧

السك €——€لل ل e‏ الأمويون ودورهم في نقل الحضارة الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم > وعودتهم إلى بلادهم حيث نشروا المذهب المالكي الذي سيطر على الحياة الفقهية في الأندلس » سيطرة تکاد تکون تامة » وانفرد اتباعه با لمناصب الدينية العليا وبصفة خاصة مناصب القضاء » ونځى فقهاء المالكية مذهب الأوزاعى الذي كان المذهب الأول والوحيد الذي عرفه أهل الأندلس ؛ لأنه شامي » والأمويون يعدون شاميين في ميولهم › فالشام موطنهم ومستقر ملكهم ومجدهم . لكن المذهب المالكي استطاع أن يسيطر على الحياة الفقهية » ولذلك قصة ينبغي أن تعرف ؛ لأنها ذات دلالة على أثر السياسة في العلم وعلى دور الأمويين باعتبارهم اأصحاب السلاطة في نصرة مذهب على مذهب . فالإمام مالك د بن انس ( ۹۳ / ۷ه ) ( المشهور يامام دار الهجرة » كان الود مفقودًا بينه وبين العباسيين » بسہب فتواه الشهيرة التي أفتاها لأهل المدينة عندما سألوه : إن محمد بن عبد الله ب ن امسن بن الحسين بن علي بن بي طالب - المشهور بالنفس الذ كية - يطالبنا ببيعته باخلافة » ونحن سبق منا بيعة لاي + جفر التصور » أقاهم فترى حللتهم من بيعة الصور حي قال لهم : « لقد بایعتم مکرهین ولیس على مکره ین » ٩‏ . وبناء على هذه الفتوی الخطيرة هرع الناس إلى بيعة محمد النفس الذكية ؛ لا للإمام مالك من مكانة ومصداقية وهيبة في عيون الناس » وكانت حروب راح ضحيتها عشرات الآلاف من أرواح اللسلمين » فالعباسيون لم ينسوا هذا أَبدًا للإمام وناله م منهم اذى کثیر . كل هذا أدى إلى تنافر شديد بين الإمام مالك وین بی الما ر ریدو ن ذلك مرتبط با كان يكنه مالك من ود قديم لبني أمية في المشرق › بل تتحدث بعض الدراسات عن ميل مالك إلى الأمويين ومجافاته عن العلويين » يقول الشيخ أمين الخولي ‏ : « إنه - الإمام مالك - ليس علوئًا في شيء ما » ولیس له ميل سياسي نحو هذا البزب العارض = المرب الملوي - التطرق في عهد الدواين - الأنرة والعباسية - جميعًا » وهو لا يقول بتفضيل علي له حين يتحدث غير مرة عن أفضل )١(‏ ألف الأستاذ أمين الخولي كتابا قيا عن الإمام مالك في سلسلة أعلام العرب تحت ( رقم ١١‏ ) القاهرة » وأعطاه عنوان « مالك تجارب حياة » استقصى فيه أخبار ذلك الإمام الكبير والفقيه الذي قيل عنه : لا يفتى ومالك في المدينة » واشتهر بين الناس يإمام دار الهجرة . (۲) راجع القصة بتمامها في اين الأثير - الكامل في التاريخ ( ٠٠۲/١‏ ) (۳) مالك تجارب حیاة ( ص۲۹۹ ) .

عدد الصفحات ٣٥٨

العربية الإسلامية إلى الأندلر ۹ه" الاس » وحين يسأله علوي عن هذا التفضيل ولا يفضل عايًا » يقول له العلوي : واللّه لا أجالسك أبدًا » فيقول له مالك : فالخيار لك » ١.ه‏ . ويقول في موضع آخر ”: « یکن القول : إن مالکا کان ذا ميل سياسي هادئ للأمويين - يقصد الدولة الأموية الكبرى في المشرق - هذا مالك مع أموي المشرق وأما الداخلون م: منهم إلى الأندلس بعد سقوط دولتهم بالمشرق » فقد أشرنا قبل الآن إلى أن ج مالك ميلا واضحا إليهم > وأنه تمنى أن يزين الله الحرم بمثل عبد الرحمن - الداخل - وتتكرر الحكاية عن هشام بن عبد الرحمن الذي كان شه بعر بن عبد ازير » وأن مالا ال فيه ثل الذي قال في أيه من مني » وقد تجاوب الأمويون مع مالك » فتعصبوا لعلمه تعصبًا قوبًا حين جاء الراحلون من الأندلسيين به إلى بلادهم » وأخحذ هشام المذ كور الناس جميعًا بالتزام مذهب مالك وصير القضاء والفتيا عليه فى حياة مالك نفسه ... وحين أدخحل قوم من الرحالين إلى الأندلس شیئا من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وداود الظاهري › لم یتمکنوا من نشره » فمات بوتهم على اختلاف أزمانهم ... وكذلك أميت ما کان بالاأندلس من علم - في مجال الفقه - غير علم مالك من قبله كعلم الأوزاعي » الذي كان أسبق إلى الأندلس من فقه مالك كذلك عمل الترغيب في نشر علم مالك إذ كان يحيى ابن یحیی مکیئًا عند الأُمویین ولا لی قاض إلا بمشورته » وهو لا شیر إلا بأصحابه ومن على مذهبه » وكما قالت الرواية القديية نفسها : الناس سراع إلى الدنيا فأقبلوا على ما یرجون بلو ع أغراضهم منه » |.ه . ولكن رغم هذا النفوذ الكبير الذي تحع به علماء الالكية في الأندلس فإن أمراء بنى أمية كانوا يتدخلون عندما تدعو الضرورة إذا تجاوز هذا النفوذ حده في الحجر على الأفكار الأخرى ومصادرتها وغلق الساحة الفقهية على فقههم وحده . فعندما أحضر أحد علماء الأندلس - وهو بقى بن مخلد - مصنف أبى بكر بن أبى شيبة من المشرق فى رحلته العلمية وقرئ فى الأندلس أنكر عليه علماء المالكية ذلك ) » بل شنعوا عليه » وسلطوا العامة عليه » ومنعوه من قراءته مع أن الكتاب ليس كتابًا في الزندقة والإلحاد ولكنه مصنف في الحديث والفقه يحمل أفكارًا قد قد تخالف ما عليه المالكية لذلك وقفوا ضده بقوة » ليس إلا لإثبات الهيمنة على الساحة الفقهية › فلما . ) ۲۹١ › ۲۹٤ص‎ ( المرجع السابق‎ )١( . ) ٠٠١ص‎ ( راجع القصة في الضبي » بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس‎ )۲(

عدد الصفحات ٣٥٩

a‏ الأمويون ودورهم في نقل الحضارة وصل الأمر إلى سمع الاأمیر محمد بن عبد الرحمن بن الحکم ( ۲۳۸ - ۲۷۳ | ۸۸٦ - ۲‏ م ) طلب حضور « بقی » ومعه الکتاب » وطلب حضور معارضیه من فقهاء المالكية » وأمر قيا أن يتصفح الكتاب جزءًا جزءًا إلى أن أتى على آخره » وقد ظن علماء المالكية أن الأمير قد وافقهم على إنكارهم على صاحب الكتاب وأنه سيأمر بمصادرته أو منعه من القراءة والتداول » ولكنهم فوجعوا بالأمير يقول لازن الكتب : « هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه » فانظر في نسخه لنا ثم قال لبقي بن مخلد : انشر علمك وارو ما عندك من الحديث » واجلس للناس حتى ينتفعوا بك ... ونهاهم أن يتعرضوا له » ٩‏ | .هھ . بعض أولمك الذاهبين إلى المشرق للحج وطلب العلم لم يعودوا إلى الأندلس مزودين بالعلم في صدورهم فقط » بل کانوا يعودون بأعداد من الكتب » جمعوها في سنين عددًا » وإليك أموذجا من هؤلاء ذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة وهو « سلمة بن سعيد بن سلمة الأنصاري » رحل إلى المشرق وحج وأقام بالمشرق ثلا وعشرين سنة وأدب في بعض أحياء العرب ولقي أبا بكر محمد بن الحسين الآجري › وسمع منه بعض مصنفاته » وأجاز له أيصّا حمزة بن محمد الكناني » والحسن بن رشيق » وابن مسرور الدباغ » والحسن بن شعبان وغيرهم › ولقي أيصًا أبا الحسن الدارقطنى وأحذ عنه وأبا محمد بن أبى زيد الفقيه » وكان رجلا فاضلا ثقة فيما رواه » راوية للعلم »> حدث وسمع الناس منه كيرا » ذكره الخولاني وقال : کان حافظا للحديث » يلي من صدره › يشبه المتقدمين من امحدثرن > وکانت روایته واسعة وعنايته ظاهرة » ثقة فيما نقل وضبط » ... ثم يصل ابن بشكوال إلى ما نريد التنويه به > وهو أن سلمة حمل معه من المشرق ثمانية عشر حملا مشدودة من الكتب » ثم يقول : وسافر من اتجه إلى المشرق » واتخذ مصر موئلا واضطرب - أي : تجول - في المشرق سنين كثيرة جدًا يجمع في الآفاق كتب العلم » فكلما اجتمع من ذلك مقدار صالح نهض به إلى مصر » ثم انزعج - أي : رجع - بالجميع إلى الاندلس » وكانت في كل فن من العلم » ولم يتم له ذلك إلا بال کثیر حمله )١(‏ المصدر السابق ( ص١٠‏ ) » وهناك مناسبات كثيرة تدخحل فيها أمراء بني أمية للحد من تسلط فقهاء المالكية ومعارضتهم لكل رأي مخالف لارائهم » راجع في ذلك د . محمد عبد الحميد عيسى - تاريخ التعليم في الأندلس » طبع دار الفكر » القاهرة ( ۱۹۸۲م ) »> ( ص۹۸ ) وما بعدها .

عدد الصفحات ٣٦٠

العربية الإسلامية إلى الأندلر ال إلى المشرق » هذا نموذج تكرر كيرا © . وإلى جانب هذه الأعداد الكبيرة ة التي لا يكاد سيلها ينقطع ترحالا إلى المشرق › كان الأمراء ايا يبعثون بعض رجالهم في مهمات علمية خاصة » كالذي ذكره ابن سعید عن إرسال الأمير عبد الرحمن الأوسط - ابن الحکم ( “AYY [ATA ¬ ۲۰٠٣‏ ۲م ) - عباس بن ناصح إلى العراق في التماس الكتب القديمة فأتاه بالسند هند - وهو من أقدم الكتب التي ترجمت من الهندية إلى العربية » ومنه تعلم العرب الحساب والأعداد الهندية المعروفة - وغيره » وهو أول من أدخلها إلى الأندلس وعرف أهلها بها » ونظر هو فيها ° . انيا : من الطرق التي سلكها الأمويون في الأندلس للنهوض بدولتهم وبناء حضارة مزدهرة فيها ¢ استقدام علماءِ من اللشرق من البرزين لدشر علمهم في الأندلس» وهؤلاء ايسا أعدادهم كبيرة » حفلت بها المصادر الأندلسية مثل كتاب تاریخ علماءِ الأندلس لابن الفرضي الذي كان ينص على من وفد من المشرق إلى الأندلس» فعقب أن يترجم لعلماء الأندلس في آخر كل حرف يقول : ومن الغرباء في هذا الباب : فلان وفلان » ويعد من وفد من المشرق إلى الأندلس والمشرق عنده متسع جدًا » فهو يشمل علماء القيروان وصقاية .. إلخ وإذا رجعنا إلى نفح الطيب للمقري نجد أعدادا هائلة من علماء المشرق الذين رحلوا إلى الأندلس واستوطنوها للعلم واحترامهم الكبير للعلماء وسخائهم معهم لا شك أن كل ذلك جذب کثيرين من علماء المشرق - وبصفة خاصة من العراق - إلى الأندلس ؛ لأنهم أدركوا أن أمراء بني أمية في الأندلس من شدة تنافسهم مع العباسيون في المشرق في مضمار الحضارة والعلوم يبذلون كل ما في وسعهم لإكرام العلماء » فكان من الطبيعي أن شد هؤلاء رحاله إلى الأنداس ؛ لأن السلطان كما يقال فى العل : ر سوق يهب إليه ما يروج فيه » . والحق أن إكرام أمراء بني أمية وخلفائهم للعلماء كان شيئًا نادرًا عز مثاله في غير (۱) راجع ابن بشکوال - كتاب الصلة › ( رقم ٠۲١ ۰ ۲۲٤ص ( ) ٥۱۳‏ ) . (۲) راجع ابن سعيد - المغرب في حلى المغرب » تحقيق د . شوقي ضيف دار المعارف القاهرة سنة ( ص٤۳۲‏ ) » وفي ابن الفرضي » تاريخ علماء الاندلس ( برقم ۸۱ ) ( ص۹٦۲۹‏ ۰› ۲۹۷ ) .

عدد الصفحات ٣٦١

۷ سے الأمويون ودورهم في نقل الحضارة دولتهم » فعلی كثرة ما نسمع عن سماحة الخليفة العباسي الأمون ( ٠۹۸‏ - AIT |21۸‏ - ۳۲۳ م ) وإكرامه للعلماء فإن ما نقرأه عن احترام الخليفة الأموي الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر ( ۲٣۰‏ ¬ ۳۹۹ھ / ٩٩۱‏ - ١۹۷م‏ ) يفوق كل ما سمعناه عن المأمون » فقد ذ كر المقري في « نفح الطيب » حكاية لذلك الخليفة الأموي مع أحد العلماء ينبغي أن تروى ليعرف الناس كيف كان بعض حكام السلمين يعاملون العلماء » بقرل القري ما ملخصه : يروي الفقيه أب القاسم بن ت : كنت أحتلف إلى الفقيه أبي إبراهيم - رحمه الله تعالی = فيمن يختلف إليه للعفقه والرواية » فإني لعنده بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلى به قرب داره » ومجلسه حافل بجماعة الطلبة › وذلك بين الصلاتين » إذ دخل عليه حصي من أصحاب الرسائل جاه من عند اة امک ۲ فوقف وسلم » وقال له : يا فقيه » أجب أمير المؤمنين - أبقاه اله - فإن الأمر خرج فيك » وها هو قاعد ينتظرك » وقد أمرت يإعجالك » فالله الله - کأنه يستعجله - فقال له الفقيه أبو إبراهيم : سمعا وطاعة لأمير الؤمنين » ولا عجلة » فارجع إليه » وعرفه - وفقه الله - عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله تعالى مع طلاب العلم » أسمعهم حديث ابن عمه » رسول الله ي > فهم يقيدونه عني » لیس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم الجلس المعهود لهم في رضى الله وطاعته » فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة » فإذا انقضى أمر من اجتمع إلي من هؤلاء الحتسبين : . في ذات الله » الساعين لمرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى ثم أقبل على شأنه › ومضى الخصي بُهَيِيم متضاجرًا من توقفه › فلم يك إلا ريشما ادى جوابه » وانصرف سريعًا ساكن الطيش » فقال له : يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله » فأصغى إليه » وهو يقول لك : جزاك الله خيرًا عن الدين وعن أمير المؤمنين › وجماعة المسلمين وأمتعهم بك » وإذا انت اوعيت - انتهيت - فامض إليه راشدًا إن شاء الله تعالى » وقد أمرت أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وتمضي معي . فقال له : - أبو إبراهيم - حسن جميل » ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدّة ويصعب علي ركوب دابتي لشيخوختي » وضعف أعضائي » وباب الصناعة الذي يقرب إل من أبواب القصر المكرم أحوط وأقرب وأرفق بي » فإن رأى أمير . المؤمنين - أيده الله تعالى - أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه » هون على المشي » وودع جسمي » وأحب أن تعود وتنهى إليه ذلك عني » حتى تعرف رأيه فيه وكذلك حتى

عدد الصفحات ٣٦٢

العربية الإسلامية إلى الأندلس ددنت ا تعود إلي فيه › فإني أراك فتى سديدًا »> فكن على الخير معينًا . ومضى عنه الفتى » ثم رجع بعد حين وقال : يا فقيه أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت » وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله » ومنه حرجت إليك » وأمرت بملازمتك مذ كرا بالنهوض عند فراغك قال : افعل راشا وجلس الخصي جانا حتى أكمل ابو إبراهيم مجلسه كأفسح ما جرت به عادته » غير منزعج ولا قلق › فلما انفضضنا عنه قام إلى داره » فأصلح من شأنه » ثم مضى إلى الخليفة الحكم » فوصل إليه من ذلك الباب » وقضى حاجته من لقائه » ثم صرفه على ذلك الباب » فأعيد إغلاقه على اثر خروجه . قال ابن مفرج ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم يم المرور بهذا الباب المعهود يإغلاقه بدبر القصر » لنرى تجشم الخليفة له » فوجدناه كما وصف الخصي مفتو ځا » وقد حفه الخدم والاعوان منزعجین › ما بین کناس وفراش › متأهبين لانتظار أبي إبراهيم » فاشتد عجبا لذلك » وطال تحدثنا عنه . ويعلق المقري على الرواية مأخودًا بروعة هذا الكبرياء » فيقول ”“ : « هكذا تكون العلماء مع الملوك » واللوك مع العلماء قدس الله تلك الأرواح » ١.ه‏ . ليست هذه مجرد حكايات تروى » ونما هي ترجمة لسلوك ملوك كبار عرفوا قيمة العلم فاحترموا العلماء » وأحلوهم منهم المكان الذي يليق بهم » وبعلمهم . وبهذا قامت الحضارة وتأئل المجد . وبنفس هذه الروح استقبلت الأندلس أحد أبرز علماء المشرق فى اللغة والأدب » وهو أبو على القالى » هذه كنيته واسمه إسماعيل ابن القاسم » وقد استدعاه الخليفة عبد الرحمن الناصر لعلمه وفضله » وليكون معلعًا لابنه وولي عهده الحكم المستنصر » وندع الحميدي يروي لنا قصة القالي ومجيئه إلى الأندلس » فيقول ” : « إسماعيل بن القاسم » أبو علي القالي اللغوي » ولد مناڙچرڈ من ديار بكر » فنشأً بها » ورحل منها إلى العراق في طلب العمل » فدخحل بغداد في سنة ثلاث وثلاثرن وثلاثمائة »> وسمع من بي القاسم عبد الله بن عبد العزيز البغوي » وأبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم (۱) راجع القصة بتمامها في المقري > نقح الطيب ( ٠۷۷ » ۱۷١/١‏ ) » وراجع كذلك خوليان ريبيرا - التربية الإسلامية في الأندلس » أصولها المشرقية وتأثيراتها الغربية » ترجمة د . الطاهر أحمد مكي »› دار المعارف القاهرة ( ١۱۹۸م‏ ) > > ( ص۰۲ (E1‏ (۲) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الاندلس ( ص٤١۱١‏ - ۱١۸‏ ) .

عدد الصفحات ٣٦٣

۽ د الأمويون ودورهم في نقل الحضارة ابن زفر العدوي » وأبي بكر عبد الله ب بن ابي داود سلميان بن الأشعث السجستاني » وأیي بكر محمد بن الحسن بن دريد » وأبي بكر محمد بن السري » العروف باين السراج » وأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج .. وغيرهم » وقیل : إنه سمع من أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي » ومال بطبعه إلى اللغة وعلوم الدب › فبرع فيها » واستكثر منها » وأقام ببغداد حمسا وعشرين سنة » ثم خرج منها قاصدًا إلى المغرب فى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة » فى أيام عبد الرحمن الناصر » وكان ابنه الأمير أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن أحب ملوك الأندلس للعلم » وأكثرهم اشتغالا به » وحرصًا عليه » فلتقاه با لجميل » وحظي عنده وقرب منه » وبالغ في إكرامه » يقال : إنه هو كان قد كتب إليه » ورغبه في الوفود عليه » واستوطن قرطبة » ونشر علمه بها » وكان إمامًا في علم اللغة متقدمًا فيها » متقتًا لها » فاستفاد الاس منه » وعولوا عليه » واتخذوه حجة فيما نقله » وكانت كتبه على غاية التقييد والضبط والإتقان » وقد ألف فى علمه الذي اخحتص به تواليف مشهورة » تدل على سعة روايته » وكثرة إشرافه » وأملى كتا سماه « النوادر » يشتمل على أخبار وأشعار ولغة » وسمع منه جماعات وحدثوا عنه » منهم : أبو محمد عبد الله بن الربيع بن عبد الله التميمي .. . » اه . فنجتزئ بهذا القدر من ترجمة الحميدي لأبي علي الي ؛ لأنها طريلة حيث جاءت في نحو حمس صفحات . ما يدل على أهمية القالي وأهمية علمه ؛ لأن الحميدي من أصحاب الإيجاز في الترجمة » فبعض الترجمات عنده لا تزيد على بضعة سطور » وخلاصة ما تبقى من الترجمة أن أبا علي القالي > جمع عالم امشرقيون في اللغة والأدب وسافر بعلمه إلى الأندلس » فنشر ما شاء الله أن يدشر في الأندلس » واشتهر بأماليه “ . وكان أثيرا لدى الخليفة الحكم المستنصر . قوائم العلماء المشرقيين الذين ارتحلوا إلى الأندلس طويلة » لا في العلوم العربية والإسلامية فحسب » بل في العلوم الطبية وغيرها ° . ولا يسع المقام هنا لإیراد امريد » ولکن لا ب يتم الكلام في هذا امجال دون إشارة » ) م١۹٦١‎ ( راجع أحمد أمين - ظهر الإسلام » الطبعة الرابعة > مكتبة النهضة المصرية › القاهرة‎ )١( . C/۲( (۲) راجع كتب طبقات الأطباء مثل كتب ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء في طبقات الأطباء » وابن جلجل - كتاب طبقات الأطباء والحكماء » وكتاب صاعد الأندلسي - طبقات الأم لاستقصاء أخبار الأطباء المشرقيين الذين رحلوا إلى الأندلس .

عدد الصفحات ٣٦٤

العربية الإسلامية إلى الأزدل _ ٣ mm‏ إلى شخصية مشرقية قدمت إلى الأندلس في مطلع ولاية الأمير عبد الرحمن الأوسط ابن الحکم ( ۲۰۹ - ۲۳۸ھ / ۸۲۲ - ۲٥۸م‏ ) وحظیت باهتمام قلما حظیت به شخصية أخرى . وهي شخصية الموسيقي والمغني المشهور « زرياب » صاحب التأثير الكبير في حياة الأندلسيين بصفة عامة » وأهل قرطبة بصفة خاصة » ولم يكن تأثيره في مجال الموسيقى والغناء وإدخاله وترًا خامسشا للعود فحسب » إنما كان في مجالات عديدة في ألوان الطعام » ونظام الموائد » وحتى في الملابس وما يصلح منها لكل فصل من الفصول » وحتى تصفيف الشعر » وباخحتصار كل ما يدخل في ما يسميه الناس الأن فن ( الإتيكيت ) والأناقة ولذلك أطلقوا عليه ملك الأناقة » وقالوا عنه : كأنه نقل ' بغداد بكل ما فيها إلى الأندلس . والذي أعطى « زرياب » - واسمه علي بن نافع - هذه الأهمية أنه جاء إلى الأندلس في مطلع حكم الأمير عبد الرحمن الأوسط » وتروي المصادر أن الذي استدعاه كان الأمير الحكم بن هشام » ولكنه عندما وصل إلى الأندلس كان الأمير الحكم قد فارق الحياة » وأصبح ابنه عبد الرحمن الأوسط هو الأمير فاستقدم ( زرياب ) واحتفى به احتفاء عظيمًا وأغدق عليه الأموال » ذلك أن عبد الرحمن بن الحكم عاصر المأمون العباسي في نحو اثني عشر عامًا من حكمه وكان بلاط بغداد في عهد المأمون قد بلغ الغاية في الفخامة والبهاء وكان عبد الرحمن الاوسط شديد الولح بکل ما هو شرقي » و کان یرید لبلاطه أن یکون مثل بلاط بغداد او اُبهی منه » من هنا کان ترحیبه بفنان ضاقت عنه قصور بغداد بسبب النافسة بينه وبين أستاذه إسحاق الموصلى الذي ضاق به ذرعًا وحسده لا رأى إعجاب الرشيد به فكان هذا تما حمله على ترك بغداد والرحيل إلى الأندلس » ولا بد أنه كان على ثقة من حسن استقباله والاحتفاء به » وهذا هو السبب المشهور » أما أبو بكر بن القوطية فيروي سببًا آخر لهجرة زرياب من بغداد إلى الأندلس فيقول ”“ : « وقدم زرياب على عبد الرحمن بن الحكم ته » وكان - زرياب - بالحل القريب من الأمين بن هارون - الرشيد - وكان الأمون الوالى بعد الأمين » فعد عليه - على زرياب - أشياء » فلما خذل الأمين فر زرياب إلى الأندلس » فحل من عبد الرحمن بكل محل» وكان أهلا لذلك في أدبه )١(‏ تاريخ افتتاح الأندلس ( ص1۲ › ٠۳‏ ) وبراجع أيصًا خوليان ريبيرا - التربية الإسلامية في الأندلس › مرجع سابق ( ص۳٩‏ - ۹۷ ) .

عدد الصفحات ٣٦٥

٦‏ بد الأمويون ودورهم في نقل الحضارة وروایته وتقدمه في الصناعة التي کانت بيده ) .هھ . ويضيف ابن القوطية خبرًا له مغزاه » ينبغي ذکره » ملخصه أن « زریاب » غنى الأمير عبد الرحمن صونًا استحسنه » فأمر خزان بيت الال أن يدفعرا له ثلاثين ألف دینار » ولکنهم رفضوا › وقالوا : نحن وإن کنا خزان الأمير أبقاه الله فنحن خزان بيت مال المسلمين » نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم › ولا والله ما ينفذ هذا ولا منا من یرضی أن یری هذا فى صحيفته غدًا أن نأخحذ بثلاثين ألما من أموال المسلمين › وندفعها إلى مغنّ في صوت غناه » يدفع إليه الأمير أبقاه اله ما عنده - أي : من ماله الخاص وليس من مال المسلمين - فلما أخبر الأمير بذلك كان « زرياب » حاضرًا فقال : ما هذه طاعة - كأنه يحرض الأمير على خزان بيت الال ؛ لأنهم عصوا أوامره - أما الأمير عبد الرحمن فقال : هذه الطاعة » ولاولينهم الوزارة على هذا الأمر » وصدقوا فيما قالوا » ثم أمر بدفعه إلى ١‏ زرياب » ما عنده . ما أجمل الأمراء عندما يستجيبون لنصح الناصحين ! ثالًا : في الصفحات السابقة وضحنا أن الأمويين في الأندلس سلكوا في بناء نهضة حضارية عربية إسلامية على أرض الأندلس ثلاث طرق » تحدثنا عن اثنتين منها وهما : بعث طلاب العلم والعلماء إلى المشرق الإسلامي للتزود بكل جديد في كل العلوم العربية الإسلامية وعلوم الطب والفلك والكيمياء والفيزياء .. إلخ والعودة بهذا الحصاد إلى الأندلس وكانوا مدركين أنه بدون هذا التواصل العلمي مع المشرق فلن يتأتى لهم بناء الحضارة التي يتوقون إليها ويطمحون أن تضاهي حضارة بغداد . والطريق الثاني : استقدام علماء من المشرق إلى الأندلس للانتفاع بعلمهم » وفي الصفحات التالية نوجز القول فى الطريق الثالث الذي سلكه الأمويون فى الأندلس بناء نهضتهم الحضارية ؛ وهو الكتاب » فالكتاب هو سيد الموقف في الفكر الإنساني بلا حلاف » فمهما تقدمت وسائل التعلیم سیبقی هو في مکانته لیس له بدیل في ملء العقول بالعلم والفكر » من هنا أعطى الأمويون قضية الكتاب وإحضاره من الشرق والغرب أيصًا إلى الأندلس أهمية قصوى » وفى هذه المسألة ربجا كانت مهمتهم أسهل نسبيًا من مهمة العباسيين ؛ لأن العباسيين اضطلعوا بعبء الترجمة من اللغات الأجنبية » وبصفة خاصة الهندية والفارسية واليونانية إلى اللغة العريية › وهو عبء ثقيل ومكلف ماديًا > ففوق ما وجده العباسيون على الأرض التي

عدد الصفحات ٣٦٦

العربية الإسلامية إلى الأزدل ۷ل كانوا يسيطرون عليها من ثراث تلك الأم » وهو التراث الذي أشدنا أكثر من مرة بدور الامويين في الحفاظ عليه وصيانته وت ركه للعباسيين ليقوموا بترجمته إلى اللغة العربية » غير أن العباسيين لم يقنعوا با وجدوه على الارض التي كانوا يسيطرون عليها » والتي تمتد حدودها من الحيط الأطلسي غربا إلى حدود الصين شرقًا » ولا دفعهم النهم العلمي والرغبة الصادقة في بناء صرح حضاري يتناسب م عظمة الدولة العباسية وثرائها إلى الببحث عن زخائر الفكر الإنساني التي لم تكن في متناول أيديهم » وحاولوا الحصول عليها بكل الطرق » وتعددت وسائلهم في الحصول على الخطوطات في مختلف العلوم الأجنبية فأحياتًا عن طريق المعاهدات مع أباطرة الدولة البيزنطية › التي كانوا يشترطون فيها تسليمهم كميات من المخطوطات اليونانية ”“ أو عن طريق الهدايا . ويقول صاعد الأندلسي في هذا الصدد ‏ : « ثم لا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم عبد الله المأمون ... فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخرجه من معادنه بفضل همته الشريفة » وقوة نفسه الفاضلة » فراسل ملوك الروم » وأتحفهم بالهدايا الخطيرة » وسألهم صلته با لديهم من كتب الفلاسفة › فبعثوا إليه بجا حضرهم من كتب أفلاطون » وأرسطوطاليس » وأبقراط » وجالينوس » وأوقليدس » وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة » فاستجاد لها مهرة التراجمة » وكلفهم إحكام ترجمتها » فترجمت له على غاية ما أمكن » ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها » فنفقت سوق العلم في زمانه وقامت دولة الحكمة في عصره » ١.ه‏ .وأحيانا عن طريتق البعثات العلمية التى كانوا يرسلونها إلى أراضى تلك الدولة للحصول على المخطوطات » عن طريق الشراء » وكتاب الفهرست لابن النديم زاخر بأحبار تلك البعثات . والكتب التي كانوا يعودون محملين بها . لقد حصل العباسيون على عدد هائل من اخطوطات » ولم يحصلوا عليه ليحبس في خزائن الكتب » ونما ليترجم إلى اللغة العربية » ويبعث من جديد » ينقح ويصحح ويضاف إليه جديد من قرائح العلماء وعبقرياتهم » وقدموه للعالم وبصفة خاصة إلى أوربا »> التي قامت نهضتها في مطلع العصر الحديث على أساس علوم العرب (۱) راجع سیجرید هونکه - شمس العرب تسطع على الغرب » مرجع سابق ( ص٣۷٠‏ ) . (۲) طبقات الام ( ص٤٦‏ ) .

عدد الصفحات ٣٦٧

۸ دد الأمويون ودورهم في نقل الحضارة ومعارفهم » كما يشهد بذلك كل المنصفين من الأورييين أنفسهم » ولقد سبق أن اقتبسنا كثيرًا من مؤلفاتهم التي ورد ذكرها في هذا الببحث » نما يؤيد ما نقول . لذلك أنشأً الخليفة هارون الرشيد ر( ۰ - ۱۹۳ھ | ۷۸٦‏ - ۸۰۸ م ) بیت الحكمة في بغداد ليكون أول مؤسسة علمية أكاديية تضطلع بهذا الدور في التاريخ › وهو دور الترجمة » وكان أول رئيس لهذه المؤسسة العلمية العظيمة هو يوحنا بن ماسویه » وکان نصرانى الديانة سريانيا » يقول ابن أبى أصيبعة ”© : « قلده الرشيد ترجمة الكتب القدية » ما وجده بأنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم » حين سباها السلمون » ووضعه أميئًا على الترجمة » وخدم هارون الرشيد - والأمين والأمون » وبقي على ذلك إلى أيام المت وكل » ا.ه . هل يحتاج هذا الخبر إلى تعليق ولفت الأنظار إلى هذا التسامح الإسلامي من أعظم ملوك الدنيا عندئذ وهم يضعون عا نصرانيًا على راس أهم مؤسسة علمية في دولتهم ؟! . وإذا كان الرشيد قد أسس بيت الحكمة فقد بلغت ذروة مجدها وعصرها الذهبى في عهد المأمون » الخليفة العالم » الذي كان يكافئ الترجمين - فوق رواتبهم الرسمية - بوزن الكتاب المترجم ذهبا خالصًا » ما جعل المترجمين يبذلون أقصى طاقاتهم في نقل كنوز العلم القديم كله إلى اللغة العربية » وحديشنا عن الترجمة في المشرق المقصود به أن نوضح أن ما قام به العباسيون من ترجمة كان فيه خدمة هائلة للأمويين - بل لاإنسانية جمعاء - لأنهم لم يضطروا إلى الترجمة فقد وجدوا كل شيء جاهرًا ومعدًا » ففي نهایة عهد الأمون ( ۱۹۸ - ۲۱۸ھ / ۸۱۳ - ۸۳۳ م) كان معظم التراث القديم قد ترجم وأصبح يقرا في اللغة العربية » وهذه خدمة جليلة للعلم بصفة عامة وللأمويين بصفة خاصة » سيما وأن اللغة اليونانية المكتوب بها معظم هذا التراث لم تكن معروفة في الأندلس إلا في أضيق الحدود ”© . ولذلك لم . تشهد الأندلس ح ركة ترجمة كالتي حدثت في بغداد » واكتفوا بهذا وكان فيه الغناء . ولا كان الأمويون في الأندلس - وبصفة خاصة آخر العظماء منهم » وهو الحكم المستنصر - لا يقلون رغبة عن العباسيين في التعلم والتحضر فقد بذلوا أقصى طاقاتهم في إحضار كل ما كان يؤلف أو يترجم في المشرق» في أي علم من العلوم › . ) ٠۲١/۲ ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء‎ )١( . ) ٠١۹۱ » راجع خوليان ريبيرا - التربية الإسلامية في الأندلس » مرجع سابق ( ص۱۹۰‎ )۲(

عدد الصفحات ٣٦٨