المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي PDF

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

صفحة ٢٠ من ٢٧

۳۲١ الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس ملخص البحث العنون : « الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى أسبانيا » الذي سيقدم إلى الموتمر الدولى الذي تنظمه رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع معهد الفتح الإسلامي بدمشق وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة › والذي سيعقد في أسبانيا في صيضف سنة ( ۳٠٠۲م‏ ) تحت عنوان : « أثر الحضارة العربية الإسلامية في الغرب ودور أسبانيا في نقلها » . قبل ان أقدم ملخصًا لبحثي الذي سأتقدم به إلى ذلك المؤتمر أود أن أعبر عن إحساس بالسعادة الغامرة حين دعيت للإسهام في ذلك الموتمر العلمي المهم لأسباب كثيرة » أهمها أن انعقاد هذا المؤتمر يجيء في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى أن نبعث من جديد صفحات طيبة من قصة العلاقات الطويلة والمتشابكة والمعقدة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي » ولقد عرفت تلك العلاقات كيرا من المواجهات العنيفة » وعرفت کذلك کیا من اُوجه التعاون بصفة خاصة في الميدان العلمى › ومن مصلحة الطرفين الآن بعث وتزكية أوجه التعاون » وعلى الأخص صفحات إسهامات الحضارة العربية الإسلامية في إخراج أوربا من عصورها الوسطى المظلمة وتهيئتها لعصر النهضة » ولقد كانت « الأندلس » - أسبانيا والبرتغال - بلا جدال أهم حلقات الوصل والعابر التي سلكتها الحضارة العربية الإسلامية إلى أوربا . وما يزيد من أهمية ذلك المؤتمر أنه يجيء في وقت ير فيه العالم بظروف صعبة للغاية بل لا أبالغ إذا قلت : إن العالم لم ير طوال تاريخه بظروف أقسى وأصعب من تلك الظروف التي ير بها الآن ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين حيث تسيطر الأنانية والكراهية والأحقاد واستقواء الأقوياء على الضعفاء » وحيث تشن الحروب غير المشروعة وغير المبررة تارة بحجة تحرير الشعوب من حكامها الطغاة الظلمة »› وتارة أخحرى بحجة الحافظة على حقوق الإنسان » غير أن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء تلك الحروب » وهي السيطرة على ثروات الشعوب والهيمنة وبسط النفوذ أظهر من ان تخفی على أحد . في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العالم ترتفع صيحات عجيبة وغريبة نظریات أعجب وأغرب » مثل نظرية أو مقولة « صراع الحضارات » وليس في أدبيات التاريخ

عدد الصفحات ٣٢١

YY‏ الأمويون ودورهم في نقل الحضارة البشري أكذب من هذه المقولة » لسبب بسيط » وهو أن كلمتي صراع وحضارة تتناقضان تمام التناقض » والمسافة بينهما أبعد نما بين المشرق والمغرب ؛ لأن الحضارة تسامح وحب وعطاء » وكلها مفردات بعيدة كل البعد عن الصراع › فالإنسان المتحضر حضارة حقيقية لا يعرف إلا الحب والتسامح فإذا كان قوبًا أحذ بيد الضعيف ورفع عنه الظلم › وإذا كان غنًا عطف على الفقير وأعانه على أمره › وكذلك تفعل الدول القوية إذا كانت متحضرة حضارة حقيقية . اما الصراع فلا يكن أن يكون بين حضارات » وما يحدث الصراع من أجل السيطرة والهيمنة وفرض الإرادة ومن أجل المطامع الاقتصادية ... إلخ . ولقد شهد التاريخ صراعات ومصادمات عنيفة بين مسلمين ومسلمين » وهم أبناء حضارة واحدة » وحدث الشيء نفسه بين مسيحيين ومسيحيين وهم أبناء حضارة واحدة . فالحربان العالميتان الاولى ر ٤4‏ ¬> ۱۹۱۸م ) والثانیة ( ۱۹۳۹ - ١٤۱۹م‏ ) اشتعلتا على الأرض الأوربية في أقل من ربع قرن والذين أشعلوها أبناء حضارة واحدة . بل إن الصالح الاقتصادية والأهداف السياسية كانت تتغلب حتى على الدين فرأينا تحالقًا وتعاونًا يقوم بين دولة مسيحية ودولة مسلمة ضد دولة مسيحية ودولة مسلمة أخرى » كما حدث بين الأمويين في الأندلس والبيزنطيين فى القسطنطينية ضد العباسيين فى بغداد ودولة الفرنجة فى الغرب وما حدث بين الأخيرتين من تحالف وتعاون ضد الأمويين والعباسیین وکل هذه التحالفات وراءها مصالح اقتصادية وسياسية › لا أريد أن أطيل أكثر من هذا بين يدي ملخص البحث » لأني لم أرد إلا التنويه بأهمية ذلك المؤتمر الذي يعد من وجهة نظري - تية واجبة للحضارة العربية الإسلامية - وهي تستحقها لدورها العظيم في خدمة الحضارة الإنسانية بصفة عامة » والحضارة الأوربية بصفة خاصة . كما أحب أن أنوه بأن أعظم هدية قدمتها الحضارة العربية الإسلامية للبشرية هي التسامح › فالتسامح الذي تحلى به المسلمون الفاتحون الاقوياء مع الشعوب المغلوبة لا نظير له باعتراف كثير من الباحثين المنصفين من الأوربيين أنفسهم » الذين نذكر منهم على سبيل المثال السير « توماس أرنولد » في كتابه « الدعوة إلى الإسلام » › والعلامة « جوستاف لوبون » في كتابه « حضارة العرب » » والد كتورة « سیجرید هونكه » في كتابتها « شمس العرب تسطع على الغرب » . فقد أُظهر هوٌلاء العلماء كيف كان تسامح المسلمين الفاتحين مع المغلويين وت ركوا لهم الحرية الكاملة في مجال العقيدة وحافظوا على أرواحهم ومتلكاتهم وكرامتهم »

عدد الصفحات ٣٢٢

العربية الإسلامية إلى الأندل حلإ والتسامح من جانب المسلمين مع غير المسلمين ليس منحة وامتناتاٍ وإنما هي أوامر إلهية ؛ لأن الحضارة العربية الإسلامية حضارة إيان » أي : تؤمن باللّه ورسله وكتبه ولا يتسع لجال في هذه العجالة لإيراد الآيات والأحاديث النبوية التي تأمر السلمين أمرا جازمًا بالإحسان والتسامح مع غير المسلمين . هذا المؤتمر جاء في وقته عساه أن يذ كرنا بجوانب العطاء الحضاري ويعلمنا أن الحضارة حب وتسامح واحترام وتبادل منافع في كل مجالات الحياة وليست صراعًا وقهرًا . أعتذر عن الإطالة وأقدم نبذة عن أهم الموضوعات التي تناولتها في بحثي وهي کالاتي : أولا : أعطيت فكرة عن الدور الذي قام به « بنو أمية » في التاريخ العا مي › وكيف كونوا دولتهم ووطدوا أركانها وطوروا أجهزتها السياسية والإدارية وأشاعوا جوا من التسامح مع أبناء البلاد التي فتحوها » وأش ركوهم في إدارة بلادهم › ما جعل الكثيرين منهم يعتنقون الإسلام عن طواعية واختيار » وكان الحديث عن دور « بني أمية » في التاريخ ضروريًا - من وجهة نظري - لعرفة الشجرة التي انبثق الفرع الذي أقام الدولة الأموية الأندلسية » وهو « عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد املك بن مروان » » الذي قام بمغامرة شبه أسطورية - غير مسبوقة في التاريخ - وتخطى الأهوال والصعاب وحط على أرض الأندلس ليقيم دولة عظيمة استمرت ما يقرب من ثلاثة قرون ( ۱۳۸ - ۲۲٤ھ‏ / ۷٥٦‏ - ١۳١٠م‏ ) . ولقد كانت تلك القرون باعتراف معظم الباحثين من أعظم عصور التاريخ الأندلسي . اتيا : نوهت عن دور الأمويين في الحافظة على التراث الحضاري الإنساني الذي وجدوه في البلاد التي فتحوها » فكما هو معروف فتح الأمويون مناطق شاسعة من لالم القدم في آسيا وإفريقيا وأوربا » وامتدت دولتهم من حدود الصين شرقًا إلى الأندلس - شبه جزيرة أييريا - غربًا » ومن آسيا الوسطى شمالا إلى الحيط الهندي جنوبًا . وهذه المناطق كانت تحتوي على التراث الحضاري للام القدية » مثل الصينيين والهنود والفرس وأهل العراق وأهل الشام ومصر » فضلا عن التراث العظيم للحضارتين الإغريقية والرومانية » فلقد حافظ الأمويون على هذا التراث الإنساني العظيم محافظة المحب العارف بقيمته » واستمرت مراكز العلم والفكر تؤدي دورها

عدد الصفحات ٣٢٣

يم د الأمويون ودورهم في نقل الحضارة تحت الحكم الأموي وبتشجيع من الخلفاء والأمراء » فبقيت مدارس الإسكندرية وأنطاكية ودمشق والرها ونصيبين وحران وجنديسابور ... إلخ » تعمل كما كانت بل أكثر » وكان الأمويون يدخرون ذلك التراث لوم يجیء بحيث يکونون فيه قادرين على ترجمته إلى اللغة العربية » ولكن سقوط دولتهم مبکرا ودون توقع حال دون ذلك » وكان شرف ترجمة ذلك التراث كما هو معروف من نصيب العباسيين » ورغم قصر مدة حكم الدولة الأموية فقد كانت لهم محاولات في الترجمة مبكرة ومبشرة وواعدة أشرت إليها في ثنايا الببحث . ا : اقتضى هذا البخث حدينًا موجرًا عن الفتح الإسلامي للأندلس لبيان اللسرح الذي أدى عليه الأمويون دورهم الحضاري العظيم » ونوهت بسياستهم التي خلقت ال جو المناسب لنمو وازدهار الحضارة العربية الإسلامية على أرض الأندلس . رابعا : تحدثت - يإيجاز - عن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وكيف تألقت علوم كثيرة عربية إسلامية كالفقه والتفسير والحديث واللغة العربية وآدابها والتاريخ وال جغرافيا » وهذه علوم أسسها العرب المسلمون منذ بداية الفتح › فقد كانت جيوش الفتح تضم كثيرًا من التابعين وهم فقهاء في الشريعة الإسلامية وعلومها » ثم تألقت علوم الطب والرياضيات ... إلخ . وفي خلال ثلاثة القرون التي حكم فيها الأمويون الأندلس كانت هي البقعة الوحيدة المضيئة في غرب أوربا » وعاشت عصرها الذهبي » و كانت المدن الأندلسية أعمر المدن في القارة الأوربية من أقصاها إلى أقصاها فكثير من الباحثين يقولون : إن سكان قرطبة - عاصمة الأمويين - كانوا يفوقون الليون مواطن » وهذا في القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي - لم يتأت لمدينة في العالم ولا حتى بغداد نفسها . وكانت شوارع قرطبة وغيرها من كبريات المدن الأندلسية مبلطة وتضاء بالمصاييح ليلا وترش بالمياه نهارًا» وكان بها سبعون مكتبة عامة ؛ لأن الولع باقتناء الكتب لم يكن وقمًا على العلماءء بل كان ولعًا عامًا » ويتحدث المؤرخون عن أن محلا واحدًا من محلات نسخ الكتب كان يعمل به مائة وسبعون فتاة في نسخ الكتب » وهذا شيء مذهل حًا ويعني أن التعليم كان للجنسين » الرجال والنساء » وكانت مكتبة الخليفة الحكم المستنصر ( ۳۰۰ - ١٣۳ھ‏ / ٩٦۱‏ - ١۹۷م‏ ) تضم ستمائة ألف كتاب » وأنه قرأ

عدد الصفحات ٣٢٤

العربية الإإسلامية إلى الأندلس lh E‏ كثيرًا من هذه الكتب وعلق عليها بخط يده » تتواتر المصادر في أخبارها أنه إلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة ومالقة وغيرها من المدن الأندلسية في عصر بني أمية كانت تتجه وفود طلاب العلم من بعض البلاد الأوربية للترود بالعلوم » وتتجه وفود العواهل الأوربيين في طلب الأدوية أو أدوات الترف والزينة » وحتى أدوات الموسيقى والغناء . وكان الأغنياء في البلاد الأوربية الجاورة يفاخرون با يقتنونه من المنسوجات والمصنوعات المعدنية الأندلسية التي لا يجدون مثلها في بلادهم . وا حديث في ذلك ايدان يطول وسيجد القارئ تفصيلات أكثر في البحث . خامسا : كان من الضروري التنويه بالدور الخطير الذي قام به الأمويون في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية على أرض الأندلس ونقلها إلى بقية دول أُوربا . فا لمصادر التي أرحت للأمراء والخلفاء الأمويين الأندلسيين أجمعت على أن معظمهم كانوا واسعي الثقافة محبين للعلم والعلماء » والناس على دين ملوكهم › فلولا تشجيع الأمويين للحركة العلمية في الأندلس لا بلغت ما بلغته من ازدهار وتوهج › وما هو جدير بالذ كر أن الأمويين في الأندلس رغم انفصالهم السياسي عن الدولة العباسية في المشرق بل رغم العداء الذي استمر بينهم إلى النهاية إلا أنهم لم ينفصلوا عن المشرق حضاريًا » بل كانوا يعدون أنفسهم لنافسة خلفاء بغداد في مجال الاحتفاء بالعلم والعلماء ولقد اجتهدوا في أن يجعلوا عاتم قرطبة نا لبغداد في النظافة والمرافق العامة . ولقد كان الأمويون فى الأندلس متابعين جيدين للح ركة العلمية في المشرق بصفة عامة وفي بغداد بصفة خاصة > وكان لهم وكلاء مقيمون إقامة دائمة في المشرق للاطلاع على كل جديد وإرساله إلى قرطبة وكثير من مؤلفات المشرقيين كانت تعرف طريقها إلى قرطبة قبل أن تقراً في بغداد نفسها » ومشهورة قصة كتاب « الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني » الذي وصل إلى الخليفة الحكم المستنصر في قرطبة ودفع فيه الف دينار ذهبًا قبل أن يطلع عليه أحد في موطنه الأصلي في بغداد . وهذا العاهل الأندلسي كان مولعًا بجمع الكتب حتى من قبل أن يلي الخلافة » وتروي المصادر أنه جمع من من الكتب وحده ما يضاهي ما جمعه خلفاء بني العباس مجتمعين . ولقد حذت الطبقة الأرستقراطية فى قرطبة وغيرها حذو عاهلها العالم في جمع الكتب في قصورها » بل يقال : لا يكاد يخلو بيت في قرطبة من مكنبة

عدد الصفحات ٣٢٥

۳۴١‏ د الأمويون ودورهم في نقل الحضارة خاصة » وما يلفت النظر أيصًا في هذا الجال أن قنوات الأمويين الثقافية لم تكن مفتوحة على الشرق الإسلامي فقط . بل فتحوا قنوات مع الدولة البيزنطية التي عرف أباطرتها ولع الأمويين باخطوطات اليونانية القدية فكانت أأعظم هدية يقدمها العاهل البيزنطي في القسطنطينية إلى العاهل الأموي في قرطبة هي صناديق الكتب والخطوطات اليونانية القدية » ومن الأمثلة على ذلك الهدية الثمينة التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي « قسطنطين السابع » إلى الخليفة الأموي ١‏ عبد الرحمن الثالث » وكان منها كتابان » أحدهما كتاب « الأدوية المفردة » ل « ديسقوريدس » وكان باللغة اليونانية » والثاني الكتاب المعروف ب « التواريخ السبعة » ل « أورسيوس » وهو باللغة اللاتينية . أظن أن هذا القدر يكفي في هذا الملخص وسيجد القارئ الكريم كثيرا من التفصيلات عن هذه الموضوعات في ثنايا الببحث كاملا إن شاء الله تعالى . ولا يسعني في ختام هذا الموجز إلا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم التقدير أرابطة ا لجامعات الإسلامية ومعهد الفتح الإسلامي في دمشق وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة على التكرم بدعوتي للإسهام في هذا المؤتمر الهام » والله ولي التوفيق . ٠‏ بنو أمية ف التاريخ : ينتسب الأمويون إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف » فهم أبناء عمومة بني هاشم » الجد الثاني للنبي محمد - عليه الصلاة والسلام - فهم جميعًا ياتقون في عبد مناف » فهم عرب أقحاح » ومن أصرح العرب نسبًا وأعلاهم شرفًا في ام جاهلية والإسلام . ولقد قامت الدولة الأموية على يد مؤسسها معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عام ( ١٤ه‏ / ١11م‏ ) وهو العام الذي أطلق عليه المؤرحون عام الجماعة ؛ لأنه جاء بعد ما يقرب من عقد من الزمان من الفعن والحن والحروب الأهلية الطاحنة في الجمل وصفين » فكأن هذا الوصف جاء يحمل استبشارًا بالمستقبل وتعلقت الآمال بالخليفة الجديد ليضمد جراح الأمة ويعيد لها وحدتها وانسجامها » وقد کان عند حسن الظن به › فالۇٌرخحون یکادون يیجمعون على أن معاوية كان رجلا عظيمًا » سياسيًا من الطراز الأول ومن بناة الدول الكبار › يتحلى بكل الصفات اللازمة لرجل الدولة »> من حسن السياسة وتأليف القلوب

عدد الصفحات ٣٢٦

العربية الإسلامية إلى الأندل لام والتسامح والكرم ”“ ... إلخ وكانت النتيجة أنه جلس على سدة الحكم ما يقرب من عشرين عامًا أشاع خلالها الأمن والاطمئنان في ربوع الدولة » وجعلها دولة قوية متماسكة يهابها الأعداء ويرجو نفعها الأصدقاء . استمرت الدولة الأموية في الحكم في الشرق إحدى وتسعين سنة هجرية ( ٤١‏ - ۲ه/1۱٦م‏ - ١٠۷م‏ ) تولى الحكم خلال هذه المدة من بني أمية أربعة عشر خليفة » أولهم معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة » وآخرهم مروان بن محمد بن مروان ( ۱۲۷ - ۱۳۲ ھ/٥٤۷‏ - ۰٥۷م‏ ) . وکان من هؤلاء الخلفاء رجال عظماء » سهروا على رعاية شؤون الدولة ومد حدودها وحماية تلك الحدود » وكان لديهم إحساس عميق بالمسؤولية » مثل معاوية بن أبي سفيان ( 1٠ - ٤١‏ ه/ا11 - 1۸۰م ) وعبد الملك بن مروان ( ٠٥‏ - 1۸٩/٦‏ - ٥۷۰م‏ ) والولید بن عبد للك ( ۷۰٥/۵۹٩ - ۸٦‏ - ١۷۱م‏ ) وسلیمان ابن عبد املك ( ٩٩٦‏ - ۹۹ھ/٥۷۱‏ - ۷۱۸م ) وعمر بن عبد العزیز ( “۹٩۹‏ ١١٠ه/‏ ۸ -- ۷۲۰م ) وهشام بن عبد الك ( ۱۲١ - ٠۰٥‏ هھ/٤‏ ۷۲ - ٣٤۷م‏ ) . وكان منهم رجال صغار - في الحقيقة لا يستحقون وصف الرجال - لأنهم لم يكونوا أكفاء لإدارة دولة اتسعت رقعتها وامتدت حدودها من الصين شرقا إلى جنوب غرب أوربا غربًا » ومن آسيا الوسطى شمالا إلى الحيط الهندي جنوبًا » ومن هؤلاء يزيد بن عبد الملك ( ٠٠٠١ - ٠١١‏ ه/ ۷۲٠‏ - ١٤۷۲م‏ ) وابنه الوليد بن يزيد ( ۱۲۰ - ۱۲۹ ه/ ۷٤۳‏ - ٤٤۷م‏ ) وابنا عمه یزید بن الولید ( ۱۲۹ - ۱۲۷ه/ ٤‏ -- ١٤۷م‏ ) وإبراهیم بن الولید ( ۱۲۷ ه/ ٥٤۷م‏ ) فقد أسهم هؤلاء بعجزهم السياسي والإداري في سقوط الدولة إلى جانب المشكلات الكثيرة والخطيرة التي تكالبت عليها » وعلى الرغم من أن الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد بن مروان ( ۱۲۷ - ۱۳۲ ه/ ۷٤٥‏ - ۰٥۷م‏ ) کان رجلا يعد من الکبار إلا أنه لم يستطع أن يوقض التدهور الذي أدى بالدولة إلى السقوط ؛ لأن المشكلات كانت أكبر منه » وليس هنا مجال شرح الأسباب . )١(‏ انظر ترجمة معاوية في المصادر الآتية : ابن سعد - الطبقات الكبرى طبعة دار صارت بيروت (۳۲/۳ ) » مصعب الزبيري - نسب قريش » دار المعارف » القاهرة » ( ٩۱۹۷م‏ ) ( ص٤١٠‏ ) > اين الأثير» أسد الغابة في معرفة الصحابة » تحقيق د . محمد إبراهيم البنا وآخرين » دار الشعب › القاهرة ( ۱۹۷۰م ) » ( ۲٠۹/۰‏ ) .

عدد الصفحات ٣٢٧

۳۴۸ د الأمويون ودورهم في نقل الحضارة ومع أن هذا البحث ليس معني بالتأريخ للدولة الأموية الام في المشرق » إلا أنني رأيت أنه من الضروري أن تقال كلمة عن تلك الدولة » لنتعرف على أصل الشجرة التي انبثتق منها الفرع الذي شاد الدولة الأموية في الأندلس » وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان » ولنتعرف على الدور العظيم الذي قام به الأمويون في الشرق في الحفاظ على التراث الحضاري العا مي وصيانته » وهو التراث الذي نهلت منه الحضارة العربية الإسلامية في الشرق والغرب على السواء . عندما أسس معاوية الدولة الأموية سنة ( ٤١‏ ه/ا11م ) . واتخذ من دمشق عاصمة لها » كانت تتكون من شبه جزيرة العرب بكاملها » والعراق وكل أراضي الدولة الساسانية القدية والشام ومصر › بل امتد نفوذها إلى تونس الحالية » وقبل نهاية القرن الهجري الأول أوصل الأمويون حدودها إلى الصين شرفًا وإلى شبه جزيرة إيبيريا غربًا . فقد أكملوا فتح الشمال الأفريقي كله حتى الحيط الأطلسي » ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس - شبه جزيرة إيبيريا - بل فتحوا جزءًا لا بأس به من جنوب فرنسا » ثم فتحوا آسيا الوسطى » أو ما سماه المسلمون بلاد ما وراء النهر» ثم فتحوا إقليم السند في شبه القارة الهندية » وهو فتح لا يزال بعض المؤرخين في حيرة من مره وفي ارتباك شديد في تفسير اسبابه وسرعته . ولكن الأمر الذي يكاد يجمع عليه المؤرخون المنصفون في الشرق والغرب أن هذا الفتح لم يكن فتحا عسكريًا للسيطرة على الشعوب ونهب خيراتها وتدمير منشآتها بل كان فتحا دينيًا ولغويًا وثقافيا » حيث بداً الإسلام واللغة العربية ينتشران في البلاد الفتوحة بخطى حثيثة » والذي يدرس تاريخ البلاد التي فتحها المسلمون في قارات العالم القديم - آسيا وإفريقيا وأوربا - بحياد وإنصاف ونبذ للتعصب والحقد › يدرك الفرق بين ما كانت عليه تلك البلاد قبل الفتح من تخلف وما أصبحت فيه بعد الفتح من تقدم وازدهار ورقي حضاري غير مسبوق » ويدرك ان مجمل الأرضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد الفتوحة قد تغيرت إلى الأحسن والأفضل وأن شعوب تلك البلاد شعرت بالأمن والاطمغنان » والكرامة الإنسانية . ولا بأس من التذ كير هنا بشهادة بعض أبناء البلاد التي فتحها المسلمون في العصر الأموي لعرفة الفرق بين ما كانت عليه وما صارت إليه تحت الحكم العربي الإسلامي .

عدد الصفحات ٣٢٨

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي عن السند قبل أن يدخلها الإسلام ٠‏ : « كانت هذه البقعة من الأرض وما جاورها من البلدان تعيش في عزلة عن العالم يحكمها ولاة يعتبرون أنفسهم آلهة على الأرض »› والناس كانوا یکفرون بين أيديهم ويقدسونهم كتقديس العبد لربه » وكانت الأرض وخيراتها ملكا لهم » والناس عبيد عندهم يفعلون ما شاؤوا ويحكمون با أرادوا » الرقاب تحت سيوفهم > والأعراض رهينة شهواتهم » الضعيف المكافح كان أذل من الحيوان » ولم يكن الشرف إلا بالوراثة » أما من ناحية العقيدة فلم تكن هناك ديانة واحدة » بل ديانات متفرقة » ليس فيما بينها رابط جامع » وكل ما في الأمر أنهم كانوا يعتزون بطقوس وتقاليد ورڻوها من آبائهم » وتعسکوا بها جهلا وغرورًا . إن دخول الإسلام بلاد السند وبلاد الهند كان فاتحة عصر جديد » عصر علم ونور » وحضارة وثقافة ... » ثم يقول : «لم يكن العرب المسلمون من طراز أولعك الغزاة › الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها › واعتبروها بقرة حلوًا » أو ناقة ركوبًا » يحلبون ضرعها » وي ركبون ظهرها ويجزون صوفها » ثم يت ركونها هزيلة عجفاء . ولا يعتبرون أنفسهم إلا كالإسفنج يتشرب الثروة من مكان ويصبها في مكان آخر » كما كان شأن الإنجليز في الهند » وفرنسا في ال جزائر وا مغرب الأقصى » وإيطاليا في طرابلس وبرقة » وهولندا في أندونيسيا . بل وهب العرب البلاد التي فتحوها أفضل ما عندهم » من عقيدة ورسالة وأخلاق وسجايا » ومقدرة وكفاية » وتنظيم وإدارة › أقبلوا عليها بالعقل النابغ والشعور الرقيق » والذوق الرفيع › والقلب الولوع » واليد الحاذقة الصتاع » فنقلوها من طور البداوة إلى طور الحضارة » ومن عهد الطفولة إلى عهد الشباب الغض ؛ فأمنت بعد ' خحوف » واستقرت بعد اضطراب » وأخحذت الأرض زخرفها » وبلغت المدنية أوجهاء وتحولت الصحاري الموحشة والأرض القاحلة إلى مدن زاخرة وأرض خصبة »› وتحولت الغابات إلى حدائق ذات بهجة › والأشجار البرية إلى أشجار مثمرة مدنية › ونشأت علوم لا علم بها للأولين » وفنون وأساليب في الحضارة لا عهد لهم بها في الماضي » وانتشرت التجارة وازدهرت الزراعة » فكأما ولدت هذه البلاد في العهد الإسلامي میلادًا جديا ولبست وبا قشیبًا .. »| . هھ . هذه شهادة واحد من أبناء الطرف الشرقي للدولة الإسلامية > وإليك شهادة )١(‏ من تقديه لكتاب الد كتور عبد الله الطرازي - موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لبلاد السند والبنجاب - عالم المعرفة »> جدة ( ۳١٠٤١اه‏ ) ( ٠1/١‏ ۷) .

عدد الصفحات ٣٢٩

کو ڪڪ الأمويون ودورهم في نقل الحضارة واحد من أبناء الطرف الغربى وهو العلامة المستشرق الفرنسى جوستاف لوبون الذي يوضح الفرق بين الأندلس - أسبانيا - قبل وبعد الفتح الإسلامي فيقول ‏ : « كانت أُسبانيا النصرانية ذات رخاء قليل وثقافة لا تلائم غير الأجلاف في زمن ملو القوط › ولم يكد العرب يتمُون قح أسبانيا حتى بدؤوا يقومون برسالة الحضارة فيها »› فاستطاعوا في اقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين » ويعمروا خحراب المدن » ويقيموا أفخم امباني > ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأم الأخرى »> ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب » ويترجمون كتب اليونان واللاتين وينشر ؤون ال جامعات » التي ظلت وحدها ملجاً للثقافة في أوربة زمتًا طويلا » وأخذت حضارة العرب تنهض منذ ارتقاء عبد الرحمن الداخل - ( ۱۳۸ - ۱۷۲ ھ/۹٥۷‏ - ۷۸۸م ) - إلى العرش على الخصوص » أي منذ انفصال أسبانيا ... فى سنة ( -١۳۸‏ ٦٥۷م‏ ) فَعَّدَبْ قرطبة بالحقيقة أرقى مدن العالم القديم مدة ثلائة قرون ... وكانت دارا للعلوم والفنون والصناعة والتجارة » وتستطيع أن تقابلها بعواصم دول أوربة العظمى الحديثة ) ١.ه‏ . هناك عشرات الشهادات لباحثين غربيين يعترفون بفضل العرب والإسلام وحضارته لا على أوربا وحدها » بل على العالم بأسره ويكفي أن يقراً الإنسان كتاب جوستاف لوبون « حضارة العرب » أو كتاب آدم متز « الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري » » أو كتاب توماس أرنولد « الدعوة إلى السلام » أو كتاب سيجريد هونكه « شمس العرب تسطع على الغرب » ليعرف الحقيقة الساطعة » والخلاصة أن الأمويين لم يكونوا فاتحين ورجال إدارة وسياسة بارعين فحسب » بل كانوا صناع حضارة بكل ما تعني الكلمة » كما أن عصرهم هو العصر الوحيد في التاريخ الإاسلامي كله الذي كانت كلمة الدولة الإسلامية والعالم الإسلامي تؤدي معنى واحدًا» أو معنى آخر كان العالم الإسلامي كله من حدود الصين إلى أسبانيا دولة واحدة يرأسها رجل واحد يحكمها من عاصمة واحدة - هي دمشق - جيش واحد وسياسة واحدة . وقانون واحد - مع مراعاة حصوصيات الشعوب الفتوحة مراعاة كاملة - بل على الرغم من قصر مدة حكم الدولة الأموية نسبيًا - أقل من قرن - إلا أن التسامح وحسن السياسة » والعاملة الطيبة لابناء الشعوب المفتوحة » وإشراكهم في حكم بلادهم ورعاية العهود والمواثيق معهم رعاية كاملة » والوفاء بها» كل ذلك . ) ۲۷١ - ص۲۷۳‎ (

عدد الصفحات ٣٣٠

العربية الإسلامية إلى الأندل امم أدى إلى خلق مناخ صحي وهيأً الجو لأبناء البلاد المفتوحة للإقبال على اعتناق الإسلام “ . بل أدى إلى تناسق في السلوك الأحلاقي وفي العادات والتقاليد في جميع البلاد المفتوحة وأصبح هناك عالم إسلامي واحد . يقول الأستاذ جاك - ريسار ” - : « في عصر الأمويين » في القرنين السابع والثامن الميلاديين - الأول والثاني الهجريين - وعلى الرغم من تنوع الأجناس والشعوب التي تشكل الإسلام » كان المسلمون » يبينون سلما عن خصائص متشابهة› وعلى الرغم من كل ما يكن أن يفرق بين حضر وبدو » أغنياء وفقراء »> كانوا يسلكون تقريتا مسلكا واحدًا » ذلك أن أية عقيدة تقوم على أسس ثابتة » وتحدث ردود فعل ماثلة عند أقوام متفاوتة . وقد وضع القرآن قواعد التصرفات اليومية للناس » وخلق الجو المعنوي للحياة » حتى تغلغل شيئًا فشيئًا في الأفكار » فانتهى بتشكيل متناسق للعقليات والأخلاق » كما كان ثأثير الدين عظيمًا بسبب انتشار اللغة وبسبب نتائج السياسة الخارجية المشتركة وكذلك بسبب نظام اجتماعي معمم )| . ه هذا ما يكن أن يقال يايجار شديد عن الدولة الأموية في الشرق كتوطئة أو تمهيد لعرفة الدور العظيم الذي قام به افرع الأموي الذي أقام الدولة الأموية في اسبانیا - الأندلس أو شبه جزيرة إيبيريا - في النهضة الحضارية الهائلة التي قامت على تلك الأرض ( ثم فاضت على بقية دول وربا وکانت من أهم روافد الحضارة التي قامت عليها النهضة الأوربية نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة . ٠‏ الأمويون والحضارة الإنسانية : يعرف مؤرخو الحضارة العربية الإسلامية جهود العباسيين فى ترجمة التراث العلمي العظيم الذي خلفه الأقدمون في كل اللغات التي كتب بها ذلك التراث › مثل اللغة الهندية والفارسية والسريانية والعبرية واليونانية واللاتينية ... إلخ يعرف مؤرخحو الحضارة العربية الإسلامية ذلك الجهد العظيم للعباسيين ويشيدون به ؛ لانه إنقاذ للحضارة الإنسانية وحفظ لها من الضياع » فلولا ترجمة هذا التراث إلى اللغة العربية لضاع على الإنسانية كنز حضاري لا يعوض »› واختفت علوم كثيرة مثل )١(‏ يراجع في ذلك كتاب توماس أرنولد - الدعوة إلى السلام » ترجمة د/ حسن إبراهيم حسن وآخرين » طبعة دار النهضة المصرية ( ۰م ) › فھو أوفی المراجم العلمية في هذا الموضوع . (۲) الحضارة العريية ( ص٠ ٠‏ ) ترجمة غنيم عبدون - الدار المصرية - للتأليف والترجمة .

عدد الصفحات ٣٣١

م د الأمويون ودورهم في نقل الحضارة الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات والفلسفة ... إلخ تقول الد كتورة سيجريد هونکه ٩(‏ : « إن ما قام به العرب لهو عمل إنقاذي له مغزاه الكبير في تاريخ العالم » وإن حضارة قد هوت وتحطمت » وكانت على وشك الفناء امام أعين خالقيها » الذين صار لهم الآن هدف آخر يسعون إليه » ولا يت لهذا العالم بصلة » فما بقي من هذه الحضارة يجب أن تشكر عليه البشرية اليوم العرب وحبهم للعلم » | . ه ولقد أخذ العباسيون حقهم من الاعتراف والإشادة بعملهم العظيم في الحضارة الإنسانية با ترجموا وبا ابتكر العلماء وأضافوا ويا صححوا من أحطاء السابقين ونقحوا › غير أن الأمويين لم يأخحذوا حقهم في هذا امجال إلى إلآن ؛ لأن ما قاموا به من الحفاظ على التراث الحضاري الإنساني القديم وصيانته من الضياع لايقل أَبدًا عما قام به العباسيون . لقد فتح الأمويون مناطق كثيرة في قارات العالم القديم - آسيا وإفريقيا وأوربا - وامتدت دولتهم من حدود الصين شرقًا إلى شبه جزيرة أيبيريا غربًا ومن آسيا الوسطى شمالا إلى الحيط الهندي جنوبًا - كما سبقت الإشارة - وهذه المساحة الشاسعة من الأرض كانت تحتوي على الكنوز الحضارية التي تركتها الأم القدية » مثل الهنود والصينيين والفرس واليونانيين والرومان والمصريين ... إلخ . فماذا صنع الأمويون بهذا التراث الحضاري العظيم خلال ما يقرب من قرن من الزمان ؟ لقد حافظوا عليه وصانوه صيانة كاملة فلم تمتد إليه يد التخريب والتدمير » ولم يسجل التاريخ حادثة واحدة أقدم فيها المسلمون خلال العصر الأموي على المساس عمدًا بأي أثر حضاري ‏ » رغم كثرة الحروب سواء مع غير المسلمين أو مع الثائرين عليهم من المسلمين الشيعة والخوارج والطامعين في الحكم من أمثال الختار بن أبي عبيد الثقفي وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعت ويزيد بن (1) شمس العرب تسطع على الغرب » ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي » نشر دار الجيل . بيروت » الطبعة الثامنة ( ۱۳٤۱ھ‏ - ۱۹۹۳م ) › ( ص۳۷۷ ) . (۲) وليس صحيحًا ما تدعيه الد كتورة متليدة لوبث سرانو » التي أرحت للعصر القوطي في سلسلة تاريخ أسبانيا من أن العرب دمروا كل المكتبات القوطية فاخحتفت الخطوطات لأن معظم من أرخوا لأسبانيا أجمعوا على أنها كانت في وضع حضاري متواضع إلى أبعد الحدود » ولم يكن هناك مكتبات يعتد بها ولم يشر أحد يوثق به إلى أن العرب عند فتحهم لأسبانيا دمروا أو أحرقوا أية مكتبات . انظر د . الطاهر أحمد مكي بحث بعنوان حضارة الإسلام في الأندلس » مجلة الهلال ( عدد یونیو ۱۹۷7م ) ( ص۲٩‏ - ).۰

عدد الصفحات ٣٣٢

المهلب بن ابي صفرة وغيرهم .. إلخ . والحروب عادة تكون مصحوبة بعمليات هدم وتدمير وإحراق وسلب ونهب » أّما حروب المسلمين فى العصر الأموي فقد برئت من هذا كله » وكانت حروبًا نظيفة ؛ لأن المسلمين قرؤوا كتاب ربهم وسنة نبيهم » وتوجيهاته في عدم المساس بالأهداف المدنية على إطلاقها » فقد نهى النبي بر عن هدم المباني العامرة وحرق الزروع والاشجار ؛ لان الإسلام جاء ليعمُر الحياة لا ليهدمها ويدمرها . ولقد كان المسلمون يعون الإشارات التي كانت تصدر من النبي ر في هذا جال ويعملون بها » فعندما فتح النبي بل خيبر » كان ضمن الغنائم بعض صحائف من التوراة وقد طلب اليهود استثناءها من الغنائم التي حصل عليها المسلمون الفاتحون وتسليمها لهم لأهميتها عندهم » فأمر النبي بي بتسليمها لهم » وهذا غاية الاحترام لتراث الآخرين حتى ولو کانوا مغلوبین . ولقد كان الأمويون يعرفون قيمة العلوم القدية - ولقد ترجمت في عهدهم بعض العلوم الطبية - كما سنشير إلى ذلك فيما بعد . ولكن وسائلهم لم تكن كافية للقيام بعملية ترجمة في كل العلوم على نطاق واسع » وسنعرف الأسباب بعد قليل » لكن الذي نؤكد عليه هنا أنهم يعرفون أن دينهم هو دين العلم والمدنية ؛ لأن أول الآيات التي نزلت في القرآن لک على رسول ال ر ا صريحا بالقراءة ؛ قال تعالی :‏ افا اسر رف ایی علق ھ علق اسن ِن عن م افا ك آلاأَکمٌ ۾ الى عر قر @ عر لسن ما ر ب [الملى : ٠ - ١‏ » ولقد أقسم الحق تبارك وتعالى بالقلم » فقال تعالی : وت والقار وم سطرونَ 4 [القلم : ]١‏ » وأقسم بالکتاب فقال تعالی : ولور @ ركب سور ) [الطور: ١ء‏ ۲] ؛ وهذا أعظم تكريم لوسائل العلم . أما الآيات القرآنية الكرية والأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على العلم » وترفع من شأنه وشأن العلماء فهي أكثر من الحصر © . لكل هذا حافظ الأمويون على ذلك التراث العلمي العظيم الذي كان منتشرًا في دولتهم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق » وبصفة خاصة في مواطن الحضارات القديية » مثل مصر والشام وبين النهرين - العراق - وبلاد فارس ... إلخ . )١(‏ يكفي أن يطالع الإنسان في هذا ما جاء في كتب الحديث الصحيحة مثل صحيحي البخاري ومسلم

عدد الصفحات ٣٣٣

ع لے الأمويون ودورهم في نقل الحضارة فالعلم القديم لم ينقطع من هذه البلاد تحت الحكم الأموي » وبقي العلماء يعلمون › والتلاميذ يتعلمون تحت رعاية الخلفاء والأمراء وبفضل سخائهم معهم ٠‏ » وعندما نتذكر مدنا كمدينة جندي سابور في إقليم خوزستان في بلاد فارس وكيف بقيت الحركة العلمية فيها حية » وبصفة خاصة في العلوم الطبية » وأنها أصبحت في العصر العباسي مركا طيا هالا » ولا يتسع المقام هنا لذكر سلسلة الأطباء الذين تخرجوا في هذه امدينة » وعندما نتذ كر مدينة كحران في إقليم الجزيرة في العراق والعلماء الذين برزوا فيها فى عصر الترجمة فى العصر العباسى فى علوم الفلك والرياضيات » وعندما نتذ كر مدينة الإسكندرية ”“ وعلماءها الذين كانوا من أول من قام بالترجمة في العصر الأموي لواحد من أمراء البيت الأموي نفسه » وهو خالد بن يزيد بن معاوية بن ابی سفیان . وكذلك كان الحال فى بقية المدن فى الشام والعراق وفارس » مل أنطاكية والرها ونصيبين إلخ . وعندما نعرف أن الأديرة المسيحية في مصر والشام والعراق كانت مراكز علمية وبها مكتبات لم تكن قاصرة على علوم اللاهوت باعتبار الأديرة قامت أصلا للعبادة » ولكن إلى جانب علوم اللاهوت كانت توجد في كل دير مكتبة فيها الكثير من الكتب التي تحتوي على علوم مدنية ”“ . وبقيت هي الأخرى تمارس عملها في حرية كاملة دون أي تضييق . عندما نعرف ذلك كله - وهو قليل من كثير - ندرك قيمة العمل الذي قام به الامويون فى حفظ التراث البشري وتسليمه للعباسيين الذين قاموا بترجمته إلى اللغة )١(‏ انظر ابن أبي أصيبعة - عيون الأنباء في طبقات الأطباء » دار الثقافة » یروت › ( ۱۹۷۹م ) » ( ۳/۲ ) وما بعدها » وانظر أحمد أمين - فجر الإسلام » مكتبة نهضة مصر - الطبعة الحادية عشرة (١۱۹۷٠م)‏ »› ( ص١٠٠‏ » ٠٦١‏ ) . وانظر دي لاسي أوليري - الفكر العريي ومركزه في التاريخ › ترجمة إسماعيل البيطار - نشر دار الكتب اللبناني - بيروت ( ۱۹۸۲م ) » ( ص1۲ ) . (۲) راجع عن أطباء الإسكندرية الذين استمروا في عملهم تحت الحكم الأموي وكان لهم إسهاماتهم في ترجمة الطب اليوناني إلى اللغة العربية في أواحر العصر الأموي . ابن أي أصيبعة اللصدر السابق » ( ۳/۲ ) وما بعدها . ثم راجع كتاب ابن النديم - الفهرست » طبعة دار المعرفة بيروت » الذي ألفه في نهاية القرن (۳) ولم يحدث قط أن شكا أحد من أهل هذه الأديرة من تدخل الدولة في شؤونهم ولا في ماذا يدرسون من علوم بل كانت لهم الحرية كاملة في كل ما يعملون ويدرسون .

عدد الصفحات ٣٣٤

العربية الإسلامية إلى الأندلس lh Ea‏ أو : كان الأمويون مشغولين بالفتوحات وتثبيت أركان الدولة وتوطيد أجهزتها ومؤسساتها المدنية والسياسية والإدارية وهذا كله كان يحتاج إلى جهد كبير فكان من الحكمة أن يعطوا الأولوية لهذا العمل » وهو عمل شاق ويحتاج إلى وقت طويل . ثانا : هذه العلوم الكثيرة التى تركها الأقدمون مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء والفلسفة تحتاج إلى استعداد كبير وإلى كثيبة كبيرة بل كتائب من الترجمين » وهذا لم يكن ميسرًا للأمويين » لدرجة أنهم أبقوا على بعض اللغات الأجنبية مستخدمة في أهم أجهزة الدولة » وهي دواوين الخراج التي كانت ثل وزارة الخزانة للدولة فقد بقيت اللغة الفارسية مستخدمة في ديوان الخراج في العراق وبلاد فارس وبقيت اللغة اليونانية مستخدمة في ديوان الخراج في مصر والشام وكانت تلك ضرورة تعامل معها الأمويون بذكاء وتسامح وسعة أفق ولكنهم أخذوا يستعدون ويعدون الرجال الذين سينهضون بترجمة هذه الدواوين ونقلها إلى اللغة العريية واستغرق ذلك عشرات السنين » ولم تبداً عملية التعريب إلا في منتصف خلافة عبد الملك بن مروان ‏ نحو سنة ( ٤‏ ۷ه - 1۹۳م ) واستغرقت نحو نصف قرن ؛ لان آخر دیوان تم تعریبه کان دیوان خراسان ( ۱۲۹ھ - ٩٤۷م‏ ) فإذا کان تعريب الدواوين - وهي رغم أهميتها تعد محدودة - احتاج إلى هذا الوقت الطويل » فإن تعريب العلوم وهي كثيرة ومتنوعة لا بد أنه يحتاج إلى وقت أطول › ولو بقيت الدولة الأموية وعاشت فترة أطول لبدأت عملية ترجمة العلوم رما فى وقت أبكر من الوقت الذي بدا فيه العباسيون عملية الترجمة ؛ لأن كثيرين من الذين اضطلعوا بعبء الترجمة في العصر العباسي كانوا من الذين تعلموا اللغة العربية في العصر الأموي » فكثير من الموظفين غير العرب الذين كانوا يعملون في دواوين الخراج اضطروا لتعلم اللغة العربية عندما عربت هذه الدواوين ليستمروا في عملهم › وهذا أدى إلى ذيوع اللغة العربية وانتشارها على نطاق واسع بين أبناء البلاد المفتوحة وهذا التطور الحضاري الكبير كان فى مصلحة حر كة الترجمة الواسعة النطاق للعلوم النقلية والفلسفية التي شهدها العصر العباسي . حلاصة القول : أن الأمويين لم تكن تنقصهم الهمة ولا كانوا غافلين عن أهمية ترجمة تلك العلوم إلى العربية ولكن فقط كانت تنقصهم الوسائل وكانوا يحتاجون (۱) ابن الندم - الفهرست ( ص۳۳۸ › ۳۳۹ ) .

عدد الصفحات ٣٣٥

aan û N Î‏ الأمويون ودورهم في نقل الحضارة إلى الوقت » وحسبهم أنهم حافظوا على هذا التراث البشري محافظة تامة وفي الوقت نفسه كانت لهم محاولات أولية في الترجمة ( . : الأمويون والترجمة‎ ٠ قبل أن ننوه بدور الأمويين في ترجمة العلوم غير العربية الإسلامية لا بد من التنويه بدورهم في العلوم العربية الإسلامية ؛ لأن الحركة العلمية التي بدأت منذ عهد الرسول يله وفي مسجده وحمل لوءاها بعده الصحابة والتابعون » وأحذت في الازدهار في العصر الأموي » بدأت تتبلور وتتميز كل العلوم العربية الإسلامية وتصبح لها مدارس مستقلة » فبعد أن كان الصحابي أو التابعي يجلس في المسجد - سواء مسجد الحرام بمكة المكرمة أو مسجد الرسول ب أو مسجد الكوفة أو البصرة أو دمشق أو الفسطاط - ليعلم الناس ويتحدث في الجلس الواحد في علوم كثيرة كالتفسير والحديث والفقه واللغة العربية وآدابها ... إلخ ؛ بدأت في أواخر العصر الأموي تنفصل هذه العلوم ويصبح هناك علماء للفقه وآخرون للتفسير وغيرهم للحديث ... إلخ . فمثلا اثنان من علماء أهل السنة في الفقه وهما الإمام أبو حنيفة النعمان ( ۸۰ - ٠٠١‏ ه / 1۹٩‏ - ۷٦۷م‏ ) وإمام دار الهجرة مالك بن انس ( ۹۳- ` ۹ھ / ۷۱١‏ - ١۷۹م‏ ) ولدا وتكونا علميًا وأصبحا علمين من علماء الإسلام في الفقه في العصر الأموي وقس على ذلك في بقية العلوم العربية والإسلامية . وما يذ كر للأمويين بكل التقدير - خلفائهم وأمرائهم - أنهم لم يتدخلوا في تلك ا لحر كة العلمية ولم يسجل التاريخ أن عالا في أي علم من العلوم ضيق عليه وسجن من أجل علمه » فقد تمتع العلماء بحرية كاملة في بحوثهم وعلومهم ” . هذا يإيجاز شديد هو دور الامويين في الح ركة العلمية العربية الإسلامية وليس هنا مقام الحديث عن ذلك تفصيلا . ٠‏ أما فيما يتعلق بترجمة العلوم الأجنبية » مثل الطب والفلك والكيمياء ... إلخ . فقد بدأت في أواخر العصر الأموي بداية متواضعة للأسباب التي سبق ذكرها » وأول علم اهتم به الأمويون هو علم الطب الذي لا يستغني عنه الناس في كل زمان ومكان )١(‏ انظر محمد كرد علي - الإسلام والحضارة العربية » الطبعة الثالثة ء القاهرة ( ۸١۱۹م‏ ) › ( /١‏ ¥( . (۲) راجع أحمد أمين - فجر الإسلام » فقد أرخ للحركة العلمية في العصر الأموي .

عدد الصفحات ٣٣٦