۸١ دد الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر الإسلام - الذي أحذ شأنه اليوم يضعف في جهات آسیا الأخرى - وقد غدا في بخارى اليوم ( ۱۸۷۳م ) على الصورة التي كانت عليها أيام الخلفاء الراشدين » (^ بل إن لدينا من الشواهد ما يحملنا على الاعتقاد بأن کٹثیرین من أبناء ما وراء النهر قد اعتنقوا الإسلام في وقت مبكر » وحتى قبل استقرار الفتوحات في بلادهم » ففي الغزوات التمهيدية التي كانت تنوالى قبل فتوحات قتيبة كان الغزاة المسلمون يعودون إلى خراسان ومعهم آأعداد كبيرة من اُسری بلاد ما وراء النهر » وكانوا يقسمونهم فيما بينهم وكانوا يعايشونهم ويعاملونهم معاملة حسنة فعملت تلك المعاملة عملها في جذب کثیر منهم إلى الإسلام » ففي غزوة واحدة عاد عبيد الله بن زياد بأعداد كبيرة من أُسری بخاری قد بلغ عددهم أربعة آلاف أسير » وقدم بهم البصرة »› وفرض لهم العطاء © . كل الشواهد إذن تدل على أن خحطى الإسلام قد اطردت في بلاد ما وراء النهر وأحذت تترسخ مع خحطوات الفتح الأولى » وكان الفاتحون المسلمون يشجعون الناس على اعتناق الإسلام بالقدوة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة » وتلك هي مهمة الفاتحين الأولى التى كانوا يعطونها الاعتبار الأول » فما من مدينة فتحها قتيبة بن مسلم إلا بنى فيها المساجد وترك فيها الدعاة ينشرون الإسلام ويفقهون الناس فيه ” وأقبل الناس على اعتناق الإسلام على نطاق واسع ولا أدل ذلك من مشكلة الجزية التي برزت على السطح كنتيجة من نتائج زيادة المقبلين على الإسلام من أبناء البلاد امفتوحة » حيث أبقى عمال بنى أمية الجزية على المسلمين الجدد الذين تزايد عددهم وأدى إلى تناقص امجزية ونضوب الأموال » وهو الأمر الذي أزعج المسلمين العرب وأثار سخطهم على العمال ورفعوا الأمر إلى عمر بن عبد العزيز الذي أمر على الفور برفع ال جزية عن كل من يسلم من أبناء البلاد المغتوحة كما ذكرنا من قبل » ولقد أدت سياسة عمر بن عبد العزيز » في رفع الجزية عن المسلمين - وهي السياسة السليمة التي يقررها الإسلام - أدت إلى زيادة انتشار الإسلام » خاصة وأن سمعة عمر الطيبة قد ذاعت وانتشرت في كل البلاد » ولم تقتصر سياسة عمر على رفع الجزية عن المسلمين الجدد بل إنه أوقف الحروب » بعد أن رأى أنها اتسعت أكثر من اللازم - بل كان يريد سحب اليوش الإسلامية من بعض البلاد ومنها بلاد ما وراء (۱) تاریخ بخاری ( ص1۷ ) . (۲) البلاذري فتوح ( ص۰۷٩ ) . (۳) المصدر السابق ( ص۱۸٥ ) .
عدد الصفحات ٢٨٦وانتشار الإسلام هنالو ١/۷ mm النهر › ویدلا من إرسال الجيوش والجنود إلى البلاد المفتوحة أحذ يرسل الدعاة ينشرون الإسلام ويعلمون الناس أصوله وقواعده وأرسل إلى الملوك والأمراء رسائل يدعوهم فيها إلى الإسلام وقد استجاب کثیرون منهم ° . والحق أن عهد عمر بن عبد العزيز القصير ( ۹٩ - ١١٠ه ) قد شهد - لعدله وسمعته الطيبة - إقبالا على الإسلام في كل البلاد المفتوحة » ومنها بلاد ما وراء النهر ولقد سبق أن ذكرنا موقفه من أهل سمرقند الذين شكوا إليه غدر قتيبة وكيف أنصفهم ؛ ما كان له أكبر الأثر عليهم وزاد من إقبالهم على الإسلام . ولقد استمرت السياسة الأموية بعد عمر بن عبد العزيز » في الدعوة إلى الإسلام في بلاد ما وراء النهر » فقد عهد الخليفة هشام بن عبد ا ملك ( ٠٠٠١ - ١٠٠ه) بولاية حراسان إلى أشرس بن عبد الله السلمي » الذي سماه الناس : الكامل ؛ لفضله وصلاحه © . ويقول عنه الطبري : فلما استقر في خراسان عزم على توجيه الدعاة إلى ما وراء النهر يدعون الناس إلى الإسلام » فقال خاصته : أبغوني رجلا له ورع وفضل اوجهه إلى من وراء النهر فيدعوهم إلى الإسلام » فأشاروا عليه بأبي الصيداء » صالح بن طريف . فاستدعاه وعرض عليه القيام بتلك المهمة » ولكن أبا الصيداء اشترط على الوالي الا تؤخذ الجزية ممن يسلم فقبل الوالي هذا الشرط » فقال أبو الصيداء لأصحابه : « فإني أحرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم » قالوا : نعم » ©) . يفهم من كلام الرجل الصالح أبي الصيداء» وتشدده » واشتراطه على الوالي بصراحة رفع امجزية عمن يسلمون » يفهم من هذا أن الولاة الأمويين بعد عمر بن عبد العزيز قد عادوا إلى سياستهم الخاطئة والضارة معا » وهي أخذ ال جزية من كانوا يسلمون . على كل حال ذهب أبو الصيداء إلى بلاد ما وراء النهر » وأحذ يدعو أهل سمرقند وما حولها إلى الإسلام > وان شرطه الذي اشترطه على الوالي » وهو رفع الجزية عمن يسلمون قد ذاع أمره - فسارع الناس إلى الإسلام ”) » وأثمرت دعوته لدرجة اصطدامها مرة أحرى بمشكلة ال جزية » فقد هال العمال كثرة إقبال الناس على (o4/o ( انظر الكامل في التاريخ لابن الأئير )١( (۲) انظر زين الأخبار » لأبي سعيد الكرديزي - مصدر سابق ( ٠۸١/١ ) . ) ٥٤/۷ ( المصدر السابق )٤( . ) ٥۲/۷ ( الطبري )۳( . ) ٠١/۷ ( الطبري )١(
عدد الصفحات ٢٨٧mm“ الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر على الهداية - إلى السياسة القديمة الخاطعة وفرضوا ال جزية على المسلمين الجدد » وهو الأمر الذي لم يقبله الداعية الكبير أبو الصيداء ولم یحتمله ضمیره > وییدو ان الرجل کان يتوقع حدوث مثل هذا » بدلیل انه اشترط على الوالي شرس بن عبد الله صراحة رفع الجزية عن من يسلمون » ولقد ساءه نكوص الوالي عن شرطه واستجابته لحجة العمال الذين تذرعوا بتناقص الأموال والإضرار ببيت الال نتيجة لرفع ال جزية عن المسلمين الجدد . ودلیل آخر على تو قع أي الصيداء حدوث مثل هذا انه کان قال لعدد من أصدقائه الخلصين لدينهم عندما عرض عليه الوالي اُشرس بن عبد الله القيام بمهمة الدعوة إلى الإسلام فى بلاد ما وراء النهر > قال لهم : : ١ فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم » قالوا : نعم » ٩” الآن جاء وان وفائهم - بعد أن نكص الوالى وعماله - فاجتمع بهم ابو الصيداء وتعاهدوا على مقاومة إجراءات العمال ولو بالقوة > وقوؤّت حركة أي الصيداء وحماسه وغيرته على الدين هو وأصدقاژه »> من عزم مسلمي ما وراء النهر › > فلم يرضخوا لإجراءات العمال » وأبوا دفع الجزية بعد أن أكرمهم الله تعالی بالإسلام » واستمروا في إصرارهم على عدم دفعها ! إلى أن جاء نصر بن سيار واليا على خراسان في أواخر عهد هشام بن عبد اللك © سنة ( ۲۰٠ھ ) واستمر إلى قيام الثورة العباسية سنة ( ۲۹١ه ) فصحت عزيته على تصحيح الأمر » وعبر بنفسه إلى بلاد ما وراء النهر وأعلن في حشد كبير رفع الجزية عمن أسلموا » وكان لذلك أثر طيب للغاية عند الناس وأسرعوا إلى اعتناق الإسلام » ويقول الطبري : ١ فما كانت الجمعة التالية - يعنى الجمعة التالية للتى أعلن فيها قراره - حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم » وهذا لی روخ الات فی لو و نتوقع أن أعدادًا كبيرة تكون قد أقبلت على )0 )4( (۲) انظر : زين الأحبار » لأبي سعيد الكرديزي - مصدر سابق ( ۱۸۷/١ ) . (1T/Y ) (( .
عدد الصفحات ٢٨٨ومضت في طريقها بثبات وخطى حئيثة رغم المعوقات التي كانت تأتي للأسف غالبا من جانب بعض الولاة الذين کانوا یعنون با مجباية أكثر من الهداية › والأمر الجدير بالملاحظة والتنويه » والذي يسعد الباحث المسلم أن الضمير الجمعي للمسلمين هناك لم يستسلم لإجراءات الو لاة وقاومها بقوة وأ اجعة أن ر لاطا يستسلم لإجراءات الولاة وقاومها بقوة واجبرهم على مر نفسهم وتصحيح الخطا » وهذا شيء جميل « فالسلام هو الذي علم الناس كيف يدافعون عن حقوقهم . وييدو لي أن استياء مسلمي ما وراء النهر من دفع ال جزية ليس راجعًا إلى كونها عبتا ماليا » ولكن لإحساسهم بالمهانة من دفعها وهم مسلمون » وبعد أن علمهم فقهاء المسلمون أنه لا جزية على مسلم . ٠ العباسيون وانتشار الإسلام فيما وراء النهر : gg رأينا فيما سبق من هذا البحث أن العباسيبن - منذ قامت دولتهم سنة ( ۳۲١ھ ) - واصلوا سياسة الدولة الأموية فى تثبيت الفتوحات فيما وراء النهر » بل التصدي لخطر الأتراك الشرقيين » ثم حطر الصين عندما ظهر » ومعنى هذا أن تغيير الحكومة الإسلامية » وانتقال الخلافة من الأسرة الأموية إلى الاسرة العباسية لم يغير من السياسة العامة للدولة الإسلامية » وهي تثبيت الفتوحات وعدم التفريط في أي إنجاز تحقق في البلاد المفتوحة وتهيتتها لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا » في حرية تامة . ومن الجدير بالذ كر والتنويه أن العباسيين مضوا خحطوات أبعد ما فعل الأمويون أنفسهم في تحقيق الأهداف الإسلامية العليا - وليس هذا اتهاما للأمويين بالتقصير وإنما تطور الظروف ساعد العباسيين وكان مواتيا لهم أكثر - أي : إنهم لم يقفوا عند مجرد مواصلة جهود الأمويين فى الحفاظ على الفتوحات الإسلامية في بلاد ما وراء النهر » وإخضاع الأتراك الشرقيين للسيادة » والتصدي للخطر الصيني وإيقافه عند حده » بل مضوا بح ركة انتشار الإسلام قدمًا إلى الأمام » وأعطوا بلاد ما وراء النهر عناية كبيرة ولم ينسوا أنها أسهمت بنصيب كبير في قيام دولتهم » وكانت تربة صالحة لنمو بذور دعوتهم » ولم يكن ذلك ممكئا لو لم تكن أقدام الإسلام قد رسخت فى تلك البلاد منذ العصر الأموي › فالدعوة العباسية رفعت شعارات إسلامية وقامت على مرتكزات إسلامية من أهمها شعار المساواة بين المسلمين » من العرب وغيرهم » وهذا كان شعارًا جذابا لأهل خراسان وما وراء النهر الذين كانوا يحسون أنهم يعاملون معاملة أقل من معاملة المسلمين من العرب .
عدد الصفحات ٢٨٩,ود افتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر ووجد أهل البلاد المتطلعون إلى مزيد من النفوذ والسلطان في الدعوة الجديدة ما يحقق آمالهم واستطاع أبو مسلم - الخراساني - أن يجتذب الدهاقين والفلاحين إلى دعوته ”“ » وأن یعبئ الجماهیر فى خراسان وما وراء النهر تحت رايته - لحساب العباسيين - ونجح في ذلك نجاحا كبيرا وضرب الضربة الأولى في إسقاط الدولة الأموية . فلما قامت الدولة العباسية كان عليها أن تفى بوعودها وتحقق شعاراتها وتثبت أنها عند حسن ظن الناس » وإلا كان رد الفعل عنيمًا وخطيرا . والحق أن العباسيين بذلوا جهودًا كبيرة في هذا لجال » وحاولوا محاولات جادة لتحقيق الشعارات التي رفعوها » ومكافأة الذين ساعدوهم في إقامة دولتهم ومنهم أهالي ما وراء النهر » وكان من وسائل ذلك توسعهم في استخدامهم في الإدارة وفي الجيش » وقد وضحت هذه الظاهرة منذ عهد المأمون وازدادت برورًا فى عهد المعتصم وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ۰ وکانت کل تلك الإجراءات تصب في مجرى تعميق الإسلام عقيدة وفكرًا وثقافة وسلو کا في بلاد ما وراء النهر » وسيزداد الإسلام رسوخا في البلاد مع مضي السنين خاصة تحت حكم الأسر التي حظيت بنوع من الاستقلال عن الخلافة العباسية كالاسرة الطاهرية ( ۲٠٤ - ۹ھ ) والاأسرة السامانية ( ۲٣۱ - ۳۸۹ه) . والتي كان ظهورها في حد ذاته جزءًا من السياسة العباسية ومكافأة الذين أخلصوا للخلافة ولم يتمردوا عليها » وكان ظهور هذه الاسر بالفعل دفعة قوية لالإسلام في بلاد ما وراء النهر » فقد واصل الطاهريون السياسة التي وضع أسسها الأمويون › وعمقها العباسيون » وهي سياسة التمكين للإسلام في الداحل ودرء الأخطار الخارجية » بل يمكن القول : إن الطاهريين كانوا أكثر إدراكا للخطر الذي هدد البلاد من الأتراك الشرقيين . والذي مكن الطاهريين من القيام بدورهم الكبير في التمكين لاإسلام في بلاد ما وراء النهر وفاؤهم للخلافة العباسية واحتفاظهم بعلاقات ودية قوية معها » فلم يیددوا طاقاتهم وطاقاتها في التمرد ومحاولة الاستقلال الكامل عنها - كما فعل الصفاريون مثلا - بل حافظوا على الود واحترام الخلفاء إلى آخر عهدهم » والخلافة ۰.) ٠٠١١ص ( د. حسن أحمد محمود - الإسلام في آسيا الوسطى )١( . ) ٠١۷ص ( المرجع السابق )۲(
عدد الصفحات ٢٩٠پۉۋ۽ نفسها حفظت لهم ذلك الموقف ووقفت معهم في صراعهم مع الصفاريين © . وإذا كان الطاهريون قد قاموا بدور كبير ومهم في التمكين للإسلام والثقافة الإسلامية فيما وراء النهر » فإن السامانيين كان دورهم أكبر وأعظم أثرًا فرغم أن كلا الأسرتين من أصل فارسي » إلا أن السامانيين كان دورهم فيما وراء النهر أعظم ؛ لأن الطاهريين حكموا ما وراء النهر من خراسان » فقد كانت عاصمة دولتهم نيسابور » أما السامانيون فقد حكموا خراسان من وراء النهر فقد كانت عاصمتهم مدينة بخارى » لذلك كان من الطبيعي أن يكون اهتمامهم با وراء النهر أعظم - لأنه مقر حكمهم وم ركز دولتهم - ففي عهد السامانيين وضحت ثمار الجهود التي بذلها العرب في رفع مكانة الإسلام هناك طيلة قرنين من الزمان تقريتا » وأحرزت الح ركة الإسلامية نجاحها المرجو » فثبت الإسلام في قلوب الأتراك الغربيين » بل أخذ ينتشر بين الأتراك الشرقيين » ودخلت الأمة التركية في الإسلام ”“ وقامت بدورها الكبير في عالم الإسلام . والحق أن الأمراء السامانيين لم يعملوا على تثبيت أركان الإسلام في بلاد ما وراء النهر فحسب.» بل أولوا عنايتهم واهتمامهم للعلوم الإسلامية › فازدهرت الحضارة الإسلامية في عهدهم » وكانت عاصمتهم - بخارى - منارة من منارات العلم في العالم الإسلامي » وقد مدحهم الرحالة المسلمون الذين زاروا البلاد في عهدهم ومنهم المقدسي الذي قال عنهم : إنهم أحسن الملوك سيرة وإجلالا للعلم والعلماء › ولم تكن عنايتهم بالعلوم الدينية فقط » وإنما بالعلوم الطبيعية والأدبية » فنبغ في عهدمم الرودکي ازل شاعر غنائي فارسي - وفي عهد الأمير منصور بن نوح ترجم إلى الفارسية كتاب « تاريخ الام والملوك للطبري » › من العلماء الذين لعوا ونبغوا في عهدهم الفيلسوف والطبيب الشيخ الرئيس علي بن سينا . تحدثنا حتى الآن عن الجهود الرسمية - جهود الحكومات الإسلامية في نشر الإسلام في بلاد ما وراء النهر - ابتداء من الأمويين > ومرورا بالعباسيين » ثم الطاهريين والسامانيين › ولم نتحدث عن الجهود غير الرسمية › التي قام بها أفراد أو جماعات كعمل تطوعي لنشر الإسلام » مثل الصوفية › يقول بارتولد : « وكان (۱) عصام عبد الرؤوف - تاريخ الإسلام في جنوب غرب آسیا ( ص۱۷ ) . (۲) انظر د. حسن أحمد محمود - الإسلام في آسیا الوسطی »› مرجع سبق ذکره ( ص ۱۹۹ ) .
عدد الصفحات ٢٩١ڪڪ 1 الإسلامي لبلاد ما وراء النهر ظهور التبشير الفردي الإسلامي - سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه - مرتبطًا بالتصوف الإسلامي فيحكى دائمًا في مناقب الصوفية أنهم استطاعوا إدخحال كثيرين من الكفار في الإسلام وكان هؤلاء الصوفية يذهبون إلى الصحارى لإدخال الأتراك في الإسلام» وقد ظلوا حتى وقت قريب أكثر توفيقًا من العلماء الذين درسوا في المدارس » ویری بارتولد أن توفيق الدعاة المسلمين ونجاحهم في نشر الإسلام بين الأتراك کان يعتمد على حقيقة راسخة وهي تفوق الإسلام على الديانات الأخرى من ناحية » فهو يقول : « ومن عوامل انتشار الإسلام بين الأ تراك خاصة امتاز بها الإسلام على سائر الاديان العا ية » فعلى الرغم من أن أتباع البوذية وأتباع المسيحية أكثر عددًا من المسلمين فإن الإسلام دين عالمي بمعنى الكلمة » أي ليس مقصورًا على جنس أو مدينة » ولفن كانت بعض الديانات قد بذت الإسلام في هذه الناحية فإن توفيقها كان مؤقتًا » ولم تستطع الحصول على نتائج دائمة كالإسلام » ”> وكان توفيق الدعاة ونجاحهم في الدعوة إلى الإسلام يعتمد كذلك على تفوق العالم الإسلامي ماديا ومعنويًا على كل البلاد المتمدينة ° > من ناحية ثانية » إن تفوق العالم الإسلامي في كل مجالات الحياة جذب إليه أناسًا آخرين » خارج بلاد ما وراء النهر » وأظن أن بلغار الفوم جا يصلحون مثالا على ذلك » ققد اعتنقوا الإسلام طواعية › دون أن يصل يصل إليهم سلطان المسلمين السياسي » ففي سنة ( ١۹۲م ) » وفد على الخليفة المقتدر بالل العباسي في بغداد سفراء من البلغار » الذين اهتدوا إلى الإسلام» وطلبوا منه أن يرسل إليهم بعض العسكريين المتخصصين في بناء القلاع والاستحكامات » وكذلك بعض العلماء لتدريس الإسلام وكان بين البعثة التي أرسلها الخليفة ابن فضلان » الذي وصف الرحلة من بغداد إلى بلاد البلغار » ثم العودة إلى بغداد - فيما عرف برحلة ابن فضلان - مرورًا ببلاد الخزر n والظاهر أن ابن فضلان كان هو المكلف بتعليم البلغار تعاليم الإسلام ° . ويستنتج الأستاذ بارتولد من رحلة ابن فضلان هذه أن اتصال بلغا الفومجا بالعالم الإسلامي قد تم عن طريق الولايات الإسلامية التابعة للخوارزميين والسامانيين ؛ لأن ٠ ۲( ۳) المرجع السابق ( ص١۷ ) . )٤( المرجع السابق ( ص١٠ ) .
عدد الصفحات ٢٩٢وانتشار الإسلام هناك ۹۳ صلة البلغار بهذه الولايات الإسلامية قديمة ؛ لكان الأولى أن تسلك الرحلة الطريق الأقصر إلى حوض الفول جا » وهو الطريق الذي ير عبر قافقاسيا ”© . هذا یدل بوضوح على رسوخ الإسلام في بلاد ما وراء النهر » وأنه أفاض على ما حولها من بلاد بطريق سهل وفي حرية تامة لعالمية الإسلام من ناحية » وتفوق العالم ومن الجهود غير الرسمية التي تستحق التنويه فی نشر الإسلام بين الترك » جهود التجار المسلمين الذين كانوا يجوبون الطرق التجارية التى تخترق تلك البلاد › إلى جانب تجارتهم كانوا يقومون بدور الدعاة إلى الله تعالى ” » وكانوا لبساطتهم في الدعوة ولختهم السهلة وصدقهم وأمانتهم وحسن معاماتهم للناس أكثر تأثيرا من الدعاة الرسميين في جذبهم لااسلام « وما يسر للتجار السلمين مهمتهم تلك العلاقات الطيبة التى قامت بين الدولة الأموية وإمبراطورية الصين » فقد ذكر توماس آرنولد “ نقلا عن المصادر الصينية أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك أرسل في ( ۱۰۸ ھ/ ۷۲۹م ) سفیرًا اسمه سليمان » إلى إمبراطور الصين هزوان كنج › ومع أن آرنولد لم يحدثنا عن طبيعة هذه السفارة ولا عن مهمتها » إلا أنها تدل على حسن العلاقة بين الدولة الأموية وإمبراطورية الصين - وسبق أن ذكرنا ما حدث من اتصال بين الفريقين أثناء فتوحات قتيبة ووصوله إلى كاشغر وسفارته إلى ملك الصين - تلك العلاقة التى تطورت إلى أفضل مع العباسيين - بعد الصدام الذي حدث بين الفريقين في معركة طالاس » التي سبقت الإشارة إليها سنة ( ١١۷م ) . فيذ كر آرنولد أن إمبراطور الصين سوتسوج - وهو ابن الإمبراطور السابق - قد استغاث با لخليفة العباسي ابي جعفر ا لمنصور ضد ثورة قامت عليه سنة ( ٦/٠۳۹ ١۷م) فأغاثه المنصور بفرقة من الجيش الإسلامي » التي لم تعد إلى بلادها بعد القضاء على الثورة › بل بقي اجنود المسلمون في الصين وتزوجوا وعاشوا هناك )6( ¢ والذي نقصده من الحديث عن حسن العلاقات بين المسلمين والصين أن الطرق التجارية )١( المرجع السابق ( ص1٠ ) . (۲) د. حسن أحمد محمد - مرجع سابق ( ص١٣٣۱ ) . (۳) الدعوة إلى الإسلام ( ص۳۳۲ › ۳٣٣۳ ) . )٤( المرجع السابق ( ص۳٣۳۳ ) .
عدد الصفحات ٢٩٣۹٤ اأُصبحت آمنة للتجار المسلمين يجوبونها مطمئنين يمارسون التجارة والدعوة إلى الإسلام في الوقت نفسه . وخلاصه القول - في هذا البحث المتواضع - أن الإسلام منذ أن أدخله قتيبة بن مسلم الباهلي إلى بلاد ما وراء النهر - في نهاية القرن الأول الهجري - وهو يشق طريقة في ثبات وثقة » ويزداد رسوحًا يومًا بعد يوم بين السكان وأصبحت تلك البلاد العزيزة جزءًا رئيسيًا من العالم الإسلامي تأثرت به وبتاريخه وأثرت فيه تأثیرا عظيمًا » وازدهرت فيها الثقافة الإسلامية » وخرجت للعالم الإسلامي عددًا كبيرًا من الفقهاء والمفسرين والحدثين والمؤرخين والأطباء والفلاسفة » وأصبحت مدن كبخارى وسمرقند من أعظم وأشهر المراكز الحضارية في العالم الإسلامي ولا دل على رسوخ الإسلام في تلك البلاد من صموده وتمسك الناس به على مدى القرون الماضية » رغم الحن والخطوب الهائلة التي مرت بها بها » والتي کان آخرها محنة وقوعها تحت برائن الحكم الشيوعي الملحد » منذ بداية هذا القرن » ذلك الحكم الذي مارس كل الأساليب الوحشية والهمجية للقضاء على الإسلام ومحوه من تلك البلاد » ولكنه فشل فشلا ذريعًا - كما فشلت كل الحاولات السابقة - وأخيرا أذن الله تعالی بانقشاع الغمة وزوال الحنة فاندحرت الشيوعية وخرت صريعة بالسكتة القلبية » وأذهب الله تعالى عن بلاد ما وراء النهر ال حزن والغم والهم وعادت بلادهم إلى حظيرة العالم الإسلامي لتستأنف دورها الحضاري العظيم وصدق الله العظيم الذي تکفل بحفظ دینه حيث يقول تعالی : إا سحن برا اَذَك ور َم نطو 4 الحجر: ١ » والذي تكفل بإزهاق الباطل وإحقاق الحق » ووعد وعده الحق بنصر اممنین فقال تعالی : [ ا عقا نا َل لزم ) رار : ٤۷ . #RK #
عدد الصفحات ٢٩٤e 8 KENIN A NNE e Na AY U 8 یں ےا و ا ای ےکک مک یروک کے مھ سے ر کیہ و و کہ ٍ راء ورۇ د جیده تبادل الوقود والهدايا بين خلفاء السلمين والأباطرة البيزنطيين
عدد الصفحات ٢٩٥تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين © ه مقدذدمة : ما أحوج عالمنا المعاصر » الذي يوج بالفتن والاضطرابات والحروب الإقليمية › والذي تندشر المجاعات والاوبئة في كثير من أجزائه » خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث » بل وبعض ما كان يسمى بالعالم الثاني » ما أحوج هذا العالم إلى أن تسوده روح الأحوة الإنسانية والتسامح » ونبذ التعصب » وإلى أن تشيع فيه روح الإيثار بدل الأثرة والأنانية » وأن يحل مشكلاته بالحوار والتفاهم » بدل الحروب المدمرة › التي تستنزف موارده » خاصة فى الدول الفقيرة » وأن تخصص نفقات تلك الحروب لإطعام الجائعين » الذين يقتلهم الجوع » وعلاج المرضى الذين تفتك بهم الأوبعة والأمراض ٤ وکل أولفك وهؤلاء يعدون بعات الملايين من البشر . وليس هناك ما يكن أن يسهم إسهامًا إيجايًا في تحقيق تلك الغايات الإنسانية النبيلة سوى مبادئ الأديان السماوية السمحة › التي تحعض على الأخوة الإنسانية › وتقوية الروابط بين الإنسان وأخيه الإنسان » من حيث هو إنسان » بصرف النظر عن دينه ولغته وجنسه . فلا شك أن بين الأديان السماوية - اليهودية والمسيحية والإسلام - قدرًا مشت ركا من الأصول المتفق عليها فيما يتعلق بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان » أقصد أصول الأديان ونصوصها المقدسة » لا التفسيرات التي تجنح إلى التعصب والتمييز العنصري والدينى وبث الفرقة بين أبناء آدم . وليس أنجع في تحقيق كل ذلك من الندوات واللقاءات التي تجمع بين أبناء تلك الديانات » وإجراء حوار أخوي إنساني متسامح » وبعث الصفحات المشرقة في تاريخ علاقاتهم » لتدمية روح التسامح والأخوة الإنسانية » والتغاضي عما حدث في الماضي البعيد من حروب وصراعات ¢ والتتخلص من نزعة الثأر والانتقام ¢ فالتسامح هو أعظم ما أهدته الأديان السماوية للبشرية . )١( ألقي هذا البحث في الندوة العلمية التي عقدت في رحاب جامعة فلورنسا يإيطاليا » بالاشتراك مع جامعة الأزهر في شهر الحرم ( ۱۸٤۱ھ / مایو ۹۹۷١م ) تحت عنوان « الإسلام وأوربا ثلاثة عشر قرنًا من التاريخ المشترك » .
عدد الصفحات ٢٩٧وإسهامًا مني في هذه الندوة الطيبة التي تعقد في رحاب جامعة فلورنسا يإيطاليا بالاشتراك مع جامعة الأزهر بمصر » فإني أتقدم بهذا البحث المتواضع عن زاوية من زوايا العلاقات المتنوعة بين المسلمين والبيزنطيين » زاوية لم تسلط عليها الأضواء بشکل كافي حتى الآن » وهي زاوية تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين » فإن دراسة هذه الزاوية من زوايا علاقات الدولتين الكبيرتين »› قد تكشف لنا عن أشياء لم تكن معروفة من قبل » وعن أن تلك العلاقات لم تكن دائمًا عدائية تسودها الحروب والنازعات » بل عرفت تلك العلاقات أوقات صفاء كثيرة وحسن حوار » وجنوحا إلى السلام والتعايش السلمي »› وتبادل المنافع » في شتى الميادين » العلمية والتجارية » بل والعمرانية » وليتنا على ال جانبين - الإسلامي والغربي - في هذا العصر نعنى يبعث تلك الصفحات المشرقة قة في العلاقات الإسلامية البيزنطية » لنمحو من الأذهان فكرة أن العداء كان الطابع العام والدائم لتلك العلاقات الإسلامية البيزنطية »> وحتی نھیئ للأجيال المعاصرة واللاحقة الأجواء الثقافية والنفسية للعيش معا على كوكب واحد بروح إنسانية متسامحة . ه العلاقات الإسلامية البيزنطية قي عهد النبي والخلفاء الراشدين : ت بدأت تلك العلاقات بشكل رسمي منذ أرسل الرسول ته رسالة إلى الإمبراطور هرقل > في مطلع العام السابع الهجري ( 1۲۸م ) » يدعوه إلى الإسلام » وكانت دعوة سلمية ؛ لا تتضمن أية إشارة إلى استخدام القوة لإجباره - هو أو غیره - على اعتناق الإسلام ؛ لأن القرآن الكريم واضح في هذه القضية » ونصوصه صريحة في عدم إكراه الناس على الدخول في الإسلام » يقول الله تعالی : ل راء ف ان مد ن رَد مِىَ الي [البقرة : ۱] وکان نص الرسالة كما ورد في أوثق المصادر الإسلامية على النحو التالي : ١ بسم الله الرحمن ن الرحيم . من محمد عبد الله ورسوله » إلى هرقل عظيم الروم › > سلام على من اتيع الهدى » أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام » أسلم تسلم » وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين » فإن توليت فإنغا عليك إئم الأريسيين “ . ۾ فل ياه الكت تارا إل ڪلم سوم تتا ویښن آل بد إلا له ولا شرك بو شيا ولا يسَخْد بعضسا مسا رياب بنا یو » ° . با من دون آله إن ولوا ولوا شهدا . الأريسيين وجاء مكانها في روايات أحرى الأكاريين » يبدو أن المقصود منها رعايا الإمبراطور هرقل )١( . ) ۳۲/١ ( انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري )۲(
عدد الصفحات ٢٩٨المسلمين والأباطرة البيزنطين به" وهذه الرسالة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليق » إنما يكفي أن نقول : إن الإسلام قد أقام علاقات المسلمين بغيرهم - وبصفة خاصة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - على أسس وقواعد ثابتة يمكن تلخيصها فيما يأتي : ١ - أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم من الأم هو السلام » وأن الحرب هي الاستثناء الذي لا يلجا إليه إلا عند الضرورة القصوى . فالسلام دين السلام » واسمه نفسه مشتق من السلام بل إن الإسلام ينظر إلى الحرب على أنها من إغواء الشيطان » ولذلك يدعو المسلمين جميعًا إلى تجنبها والدحول في السلام » بقوله تعالی : إ بايا ایت ١امنوا دلوا فى لر اى ولا يعوا خطوت ألسَيطنٍ ! که کڪ دو مين ل [البقرة :۸ ٠ کا یام الإا السلمين بالجنوح إلى السلام إذا جنح الأعداء » بقول الله تعالی : ران جَتا لالم اتح فا وکو على َم ر الأفال : ]٠١ » وحتى في أثناء الحرب إذا كف العدو عن القعال فيجب أن يكف عنه المسلمون فورا » ویقول تعالی : کن آغکرلوکم مم بقلو ألو کک اسم فا جعل اھ لكر لمم سيا & [النساء: ]٠٠ . والنصوص في هذا الباب في القرآن والسنة لا حصر لها . ۲ - الأصل الثاني الذي تقوم عليه علاقات المسلمين بغيرهم ؛ هو النظر إلى الناس جميعًا على أنهم أمة واحدة » ومن أب واحد وأم واحدة » دون تفرقة على أساس ال جنس أو اللون أو اللغة » وقد صرح القرآن الكرم بهذه الوحدة الإنسانية في أصل التلقة في کثیر من آیاته منها قوله تعالی ا ن ککر وای جنک سس وال لارا له ڪرم عند اله شنک 4 [الحجرات : ]٠۳ وكذلك صرحت السنة النبوية بذلك في احادیث تفوق الحصر . ۳ - الأصل أو الأساس الثالث الذي أقام عليه الإسلام علاقات المسلمين بغيرهم » هو الوفاء بالعهود والمواثيق التي تنظم تلك العلاقات » وهذه قضية أكد عليها الإسلام تأكيدًا شديدًا » ولم يبح للمسلمين تحت أي ظرف من الظروف نقض معاهداتهم مع غيرهم أو نكثهم بها » حتى ولو لحقهم ضرر من التمسك بها ؛ لأن أي ضرر - مهما كان - أخف من نقض العهد وما يترتب عليه من فقدان الثقة بين الأم والشعوب ؛ لأن معظم الحروب والكوارث التي تحدث بين الدول والأم والشعوب لا تحدث لعدم وجود معاهدات - فما أكثر المعاهدات - ولكن تأتي من
عدد الصفحات ٢٩٩۾ ببادل الوفود والهدايا بین خلفاء عدم احترامها ونقضها عند أول فرصة يتصور القوي أنه قادر على فرض إرادته على الضعيف » أما الإسلام فلا يفعل ذلك أبدًا ؛ لآن العهد الذي يرتبط به المسلم مع ع غیره لا برتبط به مع البشر فقط » ما مع خالقه 8 > فهو مسؤول عنه أمام الله » . والله كفيله على ذلك وشهید › یقول تعالی : « واوا بعد آله إا هدنر ول فصوا الاين بد يدها ومد جلثم له يم كيبلا المحل: ٠١ فالالترام بالعهد من وجهة نظر الإسلام في مجال العلاقات الدولية ليس مبداً أخلاقًا فحسب » نما هو واجب ديني يلتزم به المسلم حتى لو أصابه من جراء ذلك الضرر › وهل هناك ضرر أكبر من أن تتعرض فة مسلمة لعدوان دولة أجنبية » فتطلب تلك الفغة من الدولة الإسلامية أن تعينها وتنصرها » ولكن الدولة الإسلامية لا تستطيع أن تفعل ذلك » لا لشيء إلا نها قد ارتبطت مع تلك الدولة الأجنبية بعهد سابق »› ويقول اله تعالى : إن اتمم ف الزن ميم الت إلا عى كنم بتكم ويم ميق & [الأنفال : ]۷٣ . لا نريد أن نسترسل في إيراد النصوص فهي كثيرة في هذا الباب » والواقع العملي في عهد الرسول وخلفائه يؤكد ذلك ويدعمه . ومع ذلك فقد بدأت الحروب على نطاق واسع - بعد وفاة الرسول - بين المسلمين والبيزنطيين » واستطاع المسلمون أن يفتحوا الشام ومصر »› وبدأت جيوشهم التوغل في شمال أفريقيا » فما السبب في ذلك ؟ الأمر الم كد أن الإمبراطور هرقل لم يقبل دعوة النبي بلي للدحول في الإسلام » والأمر امو كد كذلك ان النبي لم يتخد أي إجراء کرد فعل لرفض هرقل الدحول في الإسلام » هو وقومه . والشىء الؤكد - مرة ثالفة - أن البيزنطيين اعتدوا على المسلمين فيما عرف بغزوة مۇتة سنة ( 1۲۹/۵۸ م ) اعتداء سافرًا دون مبرر وقد عَذّ هذا العدوان بثابة إعلان حرب على الإسلام والمسلمين » وهذا هو السبب الرئيسي في نشوب الحرب بين الفريقين ؛ لأن عدوان الروم تكرر كثيرا بعد ذلك » بل حاولوا الاعتداء على المسلمين داحل شبه الجزيرة العربية » نما جعل الرسول بث يغزوهم بنفسه فيما عرف بغزوة تبوك سنة ( ۹ه/٠1۳م ) ولا انسحبوا أمامه هاربين إلى داخل الشام لم يلاحقهم لإلحاق الهزيية بهم . بل بقي في تبوك ولم يتجاوز حدود شبه جزيرة العرب » ولم يدخحل
عدد الصفحات ٣٠٠الملسلمين والأباطرة البيزنطن سسس ۳۰4 الشام » ليبرهن لهم على أنه لا يريد حربهم أبدًا . بل كل ما يريده منهم أن يت ركوا المسلمين يدعون إلى دينهم في حرية وأمان › ولكنهم لم يكونوا مستعدين نفسيًا لذلك » فهم كانوا منتصرين على الفرس آنذاك » وكانوا يعدون أنفسهم أسياد العالم » بعد أن قضوا على قوة منافسهم الوحيد على تلك السيادة » ولذلك تكرر اعتداؤهم على المسلمين في مطلع خلافة أبي بكر الصديق » بل قضوا على جيش بكامله من جيوش المسلمين التى كانت تقاتل المرتدين » بقيادة خالد بن سعيد بن العاص » ومن هنا بدأت الحرب » ولم تتوقف إلا عند جبال طوروس في شمال الشام » واستمرت الجيوش الإسلامية في فتح مصر وشمال أفريقيا » والقصة كلها معروفة » ولقد رأيت أن أنوه بتلك البداية للعلاقات الإسلامية البيزنطية » لنعرف موقف كل طرف ودوره ومسؤوليته » ورأيت أن هذا قد يكون مفيدًا ونحن نحاول الكشف عن ال جوانب المضيئة في تلك العلاقات » لنستفيد من تجارب التاريخ » بخيرها وشرها وحلوها ومرها . العلاقات الإسلامية البيزنطية قي الحهدين الأموي والعباسي : استمرت الحروب متقطعة بين المسلمين والبيزنطيين بعد عصر الخلفاء الراشدين › لكن مع نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي بدا واضكًا أن الطرفين كليهما قد اقتنعا بأنه من الأفضل لهما ترتيب علاقاتهما على أساس الاحترام المتبادل ورعاية حقوق كل منهما لدى الآحر » ذلك أن تجارب الماضي قد علمتهم أن التعايش السلمي وتبادل المنافع أفضل كثيرا من الحروب وسفك الدماء . والدليل على ذلك أن العلاقات بين أكبر دولتين فى ذلك الزمان قد زخرت بكل أنواع النشاط الدبلوماسي الذي لا يقل عما تراعيه الدول في علاقاتها في وقتنا الحاضر » وما يجدر التنويه عنه أن المسلمين والبيزنطيين قد أرسوا فى تلك العصور الوسطى كثيرًا من الأسس والقواعد والتقاليد الدبلوماسية الحقة في العلاقات الدولية وتمشل ذلك في طريقة عقد معاهدات الصلح » وتبادل الوفود والمراسلات والهدايا ء والبعثات العلمية » وحتى امجاملات كان لها مكان بارز في تاريخ العلاقات بين الدولتين » فكثيرًا ما وصلت بعثات دبلوماسية ووفود من عاصمة إحدى الدولتين إلى عاصمة الدولة الأخرى للتهنعة بحدث كبير » كتولية خليفة أو إمبراطور » على سبيل المثال » كما كانت الدولتان تتعاونان في مجال المشاريع العمرانية » والتأثيرات المتبادلة
عدد الصفحات ٣٠١۴ ددس تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء فى هذا المجال تلا المصادر التاريخية » الإسلامية والبيزنطية على السواء . ٠ تبادل الوفود لعقد معاهدات الصلح : من المعروف أنه في تلك العصور التي نتحدث عنها لم يكن هناك تمثيل دبلوماسي دائم بين الدول » أي لم تكن هناك بعثات دبلوماسية لها مقرات دائمة - سفارات أو قنصليات - وإغا كانت الدول تتبادل الوفود والبعثات عند الحاجة » وكذلك كان الحال بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية فقد قامت علاقاتهما على أسس راسخة »› وتقاليد ثابتة » من حيث اختيار السفراء والمبعوثين » من ذوي القافة العالية والكفاءة واللباقة وقوة الشخصية والقدرة على التأثير » إلى جانب الفطنة والذكاء وقوة الحافظة » ومن حيث نظام استقبالهم على قدر مکانتهم في بلدهم - وتسهیل مهماتهم - ورعاية حقوقهم › وتوفير الحصانة لهم وضمان عودتهم إلى بلادهم سالين ۳ وكانت المهمات الرئيسية لتبادل الوفود والبعثات الرسمية بين الدولتين - الإسلامية والبيزنطية - التفاوض من أجل عقد معاهدات الصلح أو تبادل الأسرى » وكانت تأي بعثات من كلا الجانبين إلى الآحر جرد الجاملة . ولقد عرف تاريخ العلاقات الإسلامية البيزنطية تبادل الوفود منذ وقت مبكر » فقد عرفنا أن الرسول ب قد أرسل وفدًا يحمل رسالته إلى هرقل وكان رئيس ذلك الوفد الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي والمصادر وتنحدث عن أكثر من رسالة من النبي إلى هرقل » كما أن الطبري يحدثنا عن وفد أرسله عمر بن الخطاب له إلى الإمبراطور هرقل وكان يحمل بعض الهدايا ”“ لكن أول معاهدة صلح تحدثنا عنها المصادر تلك التي أبرمها معهم معاوية بن أبي سفيان ## سنة ( ٠٠ ه/ ٠1۸م ) » في آخر سنة من حياته » وكانت مدتها ثلاثين عامًا ” ؛ الأمر الذي يدل على الرغبة فى استمرار السلام » فالدولتان اللتان تعقدان معاهدة صلح مداها ثلاثون عامًا لا یکن ان تکونا راغبتین في الحرب . )١( راجع في ذلك كتاب ( رسل الملوك ) لابن الفراء - تحقيق د . صلاح الدين المنجد - القاهرة سنة (۷٤۱۹م) . (۲) سنشير إلى هذا الوفد فيما بعد عند الحديث عن تبادل الهدايا . (۳) د . محمد فتحي عثمان - الحدود الإسلامية البيزنطية ( ۳۹٤/١ ) . دار الكتاب العربي القاهرة سنة ( ۹11م ) .
عدد الصفحات ٣٠٢