المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي PDF

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

صفحة ١٧ من ٢٧

Ea 1‏ الفتح الإسلامي لیلاد ما وراء النهر وأسرا كيف شاؤوا » واعتصم من دخل المدينة بالمدينة - وهو قليل - فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها » فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليها رجلا من بني قتيبة © . هذا هو تلخيص الطبري لمعركة الاستيلاء على مدينة بيكند » التي لم يلبث أهلها أن تقضوا الصلح » وقنيبة منهم على خمسة فراسخ » ما اضطره أن يرجع إليهم وأن يقتل من كان بها » وأن يغنم غنائم كثيرة » قوي بها أمر المسلمين واشتروا السلاح والخيل وتنافسوا في حسن الهيئة - على حد تعبير الطبري - ” ثم عاد قنيبة إلى مرو ليستريح ليبداً مرحلة جديدة من جهاده » فواصل حملاته على إقليم بخارى › ففي سنة ( ۸۸ه ) ترك أخاه بشارًا على مرو » وعبر هو النهر ففتح نومشكت ودامثنة - من أعمال بخارى - صلا » بناء على طلب ورغبة أهلها ° . ولكنهم لم يكونوا صادقين في طلب الصلح » بل كانت قلوبهم تنطوي على الخديعة والمكر » فقد فاجؤوا قنيبة بتجمع هائل من الام المجاورة - فرغانة والصغد - يقوده ابن أحت ملك الصين » ما يدل على أن الأم في تلك البلاد قد تداعت وتحالفت على المسلمين وأن الصين قد ألقت بثقلها في المع ركة لكن الله نصر جنده - على حد تعبير الطبري - ° . وفي العام التالي ( ۸۹ه ) استأنف قتيبة غزوه › الذي كان يقوم به في فصل الصيف - لقسوة الشتاء في تلك البلاد - وهذه السنة قصد بخارى » بناء على تعليمات وأوامر من الحجاج » فلقيه في طريقه جمع من هل كش ونسف فظفر بهم » ومضی إلى بخاری فتصدی له ملکها - وردان خداه - فلم یستطع الاستیلاء عليها » فرجع إلى مرو » وكتب إلى الحجاج بخبره » فطلب منه أن يصورها له › فبعث إليه بصورتها » فنصحه وأمره وعرفه الموضع الذي يأتيها منه » فسار إليها ثانية سنة ( ١٠۹ه‏ ) » وفتحها بعد معركة انتصر فيها على جمع كبير من الصغد والترك الذين كان ملكها قد استعان بهم » وبهذا توج قتيبة أعماله في هذه المرحلة بفتح بخاري التي سيكون لها في تاريخ الإسلام والمسلمين شأن عظيم . المرحلة الثالثة ( ٩۳ - ٩۰‏ ه): في هذه المرحلة التي استغرقت ثلاث سنوات كسابقتها استطاع قنيبة أن بيسط )١(‏ الطبري ( ٤١١/١‏ ) وابن الأثير - الكامل في التاريخ ( ٠۲۸/٤‏ ) (۲) المصدر السابق ( ٤۳۲/١‏ ) . (۳) الطبري ( ٤۳١۹/١‏ ) . )٤(‏ المصدر السابق ( ٤۳١/١‏ ) .

عدد الصفحات ٢٧٠

وانتشار الإسلام هاا ل د إ۷ السيادة الإسلامية على كل ما وراء نهر جيحون » وتوج ذلك بفتح مدينة سمرقند أعظم مدائن الإقليم » وكان طرخحون ملك الصغد قد أرسل إلى قتيبة بعد انتصاره في معركة بخارى سنة ( ١۹ه‏ ) يطلب الصلح فأجابه وصالحه ورجع إلى مرو © . . لكن الملك نقض الصلح - الذي كان هو الداعي إ! ليه - وامتنع عن دفع الجزية التي کان قد الترم بها » > ما جعل قتيبة يغضب » ويقرر أن يضع حدًا لهذا العبث » وأن يلقن هذا الملك الغادر درسًا لن ينساه وليكون عبرة لغيره » فجيّز أخاه عبد الرحمن بن مسلم في عشرين الف مقاتل وسيره أمامه » ثم تبعه هو في اهل خوارزم وبخارى » وضرب الحصار على المدينة وقال : « إنا إذا ترلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » ؛ تيمُتًا بقول النبي ر عندما حاصر خيبر فلما رأى أهل سمرقند عزمه على فتح المدينة بالقوة كتبوا إلى ملوك الشاش وفرغانة يستغيثون بهم » وقالوا لهم محرضین : إن العرب إذا ظفروا بنا عادوا عليكم ثل ما أتونا به » فانظروا لأنفسكم 7 فاستجاب هؤلاء ملوك » واختاروا عدذا من أهل النجدة والبأس من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال » ووضعوا إليهم خطة لمفاجأة معسكر المسلمين - أثناء انشغالهم بحصار سمرقند - ولكن قتيبة لم يكن بالقائد الذي يؤخذ على غرة » ولم يغب عن فكره حدوث مثل هذه المفاجات » فعلم بخبر هذا التجمع » وفاجأهم قبل أن يفاجئوه » بفرقة من جيشه بقيادة أخيه صالح اين مسلم » فهزمهم وبدد شملهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلا الشريد ‏ › وغنم المسلمون أمتعتهم وأسلحتهم » وتدهورت معنويات الصغد بعد أن رأوا هزية أهل فرغانة والشاش » وهذا النصر قوى من عزية المسلمين ورفع معنوياتهم › وقرر قتيبة تشديد الحصار على سمرقند » ونصب عليها المنجنيق » وأحدث بها ثلمة وصاح كالاسد الهصور : حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان ؟ إنى والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية » فلما أصبح أمر الناس با جد في القتال » فقاتلوهم واشتد القتال » ولا رأى أهلها أن هزيتهم أصبحت حتمية طلبوا الصلح › فصالحهم قتيبة على ألفي ألف مثقال ومائتي ألف كل عام » وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس » وأن يخلوا المدينة فلا يكون لهم فيها مقاتل » فيدخلها ويبني فيها )١(‏ الطبري ( ٤٤٤٥/١‏ ) . (۲) المصدر السابق ( ٤۷۳/١‏ ) . (۳) الطبري المصدر السابق ( ٤۷٤/١‏ ) .

عدد الصفحات ٢٧١

1 س الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر ٠‏ بتخويفه منها »> حيث قال له أحدهم : لا تتعرض لهذه الأصنام فإن بها أصنامًا من أحرقها أهلكته » فقال : أنا أحرقها بيدي : فأمر بإشعال النار » وكبر ثم أحرقها › فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خحمسين ألف مثقال ٠”‏ . وهكذا بسط قتيبة السيادة الإسلامية على كل أقاليم ما وراء النهر ثم عاد إلى مرو ليستريح ويريح جنده استعدادًا -لجولته الاخيرة التي سيفتتح فيها المناطق السيحونية . المرحلة الرابعة ( ٩٩ - ٩۳‏ ه) : رأينا في الصفحات السابقة اشتراك آهل فرغانة والشاش في حرب الملسلمين إلى جانب الصغد الذين حرضوهم على المسلمين وخوفوهم منهم وقالوا لهم : إن العرب إن هزمونا عادوا عليكم واستولوا على بلاد كم » الأمر الذي جعل من الحتم على قائد حصيف مثل قتيبة ]1 ینتظر حتی يهاهجموه › فقرر أن یکون زمام البادرة بيده دائما» ففي سنة ( ٤‏ ۹ه ) عبر نهر سيحون ولأول مرة » ومعه قوات هائلة منها أربعة وعشرون ألما من اهل بخاری وكش وخوارزم » فوجه قسمًا منهم إلى الشاش وتوجه هو على القسم الآخر إلى فرغانة ” » فخاض معركة شرسة حول مدينة حجندة ويبدو أن نتيجة المع ركة لم تكن حاسمة ؛ لأن قتيبة توجه إلى كاشان قبل أن يحسم أمر حجئدة » وهناك أتاه جنوده الذين كان أرسلهم إلى الشاش »› ومن الواضح أنه لقي مقاومة عنيفة من الترك مما جعله يطلب مددًا من الحجاج الذي لم يتوان عن إمداده بقرات من المراق » بل أمر محمد بن القاسم الثقفي أن يوجه إليه ايا مددا من السند فاحتيا- قتيبة إلى إمدادات من العراق والسند فوق ما معه من قوات كبيرة يعكس المقاومة الشرسة التي لقيها في أقاليم سيحون » وأنه كقائد عسكري ممتاز لم يشأً أن يخوض معهم المعارك الحاسمة إلا بعد أن يضمن التفوق عليهم حتى يتحقق له انعر ء وقد بجحت خطط قبية وة ی ام ل وزغا کہ ( ما اماز الات ویگن لین الم في تلك ايلاد « قبیل موت الحجاج » الذي توفي في . ) ٤۷٥/٦ ( نفسه‎ )۱( (۲) الطبري ( ٤۷1/٦‏ ) وابن ن الأثير ( (CovrIt‏ (۳) أبو سعيد الكرديزي - زين الأخبار ( al‏ (. )٤(‏ الطبري ( ٤۹۲ - ٤۸٦/1‏ ) .

عدد الصفحات ٢٧٢

وانتشار الإسلام هال mmm‏ ۷ل هذه السنة - سنة ( ٩١‏ ه ) - وقد أثر موت الحجاج في قتيبة تأثيرا كبيرًا » فهو الذي كان يقف خلفه يشد من أزره بكل عزم وتصميم وأهم من هذا كله الثقة الكبيرة بين الرجلين والتي هي من أهم عوامل النجاح » يقول الكرديزي : « وحينما سمع قتيبة بجوت الحجاج اغتم غما شديدًا » © . ولقد حزن قتيبة حزتًا عميقًا على موت قائده الكبير الحجاج » وتمثّل بهذين البيتين من الشعر ؛ فقال : عفري يعم الفَمّى من آل عفر بحوران أمسى أعَلَمَنة البائل فان تي لا ملل ڪياتي وان مُت ّما في عياة بعد مَك طائل : موقف الخليفة الوليد من فتيبة‎ ٠ بعد أن اتم قتيبة فتح أقاليم الشاش وفرغانة عاد إلى مرو - عاصمة خراسان - وقد. ترك هناك حاميات لحفظ النظام » وانتظر ما تأتي به الأيام بعد موت الحجاج » ولقد كان الخليفة الوليد بن عبد املك يعرف طبيعة العلاقة بين الحجاج وقتيبة » ويعرف قدر الرجلين » وأن الثقة المتبادلة بينهما والتعاون كانت له ثمار طيبة وكان فى مصلحة الإسلام والمسلمين > بل مصلحة الدولة › وإذا كان الحجاج قد مات فلیحاول الخليفة الاحتفاظ بقتيبة لیواصل جهاده وجهوده في حدمة الإسلام ولذلك کتب له يز كيه ويشجعه ”) » وكان ما قال له : « قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء اللسلمين ¢ وأمير المؤمنين رافعك ¢ وصانع بك الذي یجب لك » فام مغازيك وانتظر ثواب ربك » ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبك »› كأني انظر إلى بلادك والثغر الذي أنت فيه » ”° . أحدثت هذه الرسالة أثرا طيبا فى نفس قتيبة » وأعطته دفعة قوية من العزم والتصميم › فعاوده نشاطه ورغبته في الغزو والجهاد فخرج من مرو لیواصل فتوحاته › حيث وصل إلى كاشغر » التى يقول عنها الطبري : إنها أدنى مدائن الصين ويلخص ء٤‎ ّ ٤ : الطبري أعمال قتيبة فى هذه المرحلة الأخيرة من مراحل جهاده فى سبيل الله فيقول‎ (۱) زین الأخبار - مصدر سابق ( ۱۷۹/۱ ) . (۲) زین الأخبار ( ۱۷۹/۱ ) . ٠‏ (۳) الطبري ( ٤۹۲/١‏ ) .

عدد الصفحات ٢٧٣

اُشراف من معکم یخبرنا عنکم » ونسائله عن دینکم ) ٩‏ . احتار قتيبة عشرة - وقيل : اثنى عشر - من خيرة رجاله › برئاسة هبيرة بن المشمرج الكلابي » وأرسلهم إلى ملك الصين » ويقص الطبري خبر تلك السفارة الإسلامية إلى بلاط ملك الصين في حديث طويل › ونكتفي منه با انتهى إليه الحوار »> حيث قال ملك الصين للوفد المسلم في أسلوب تغلب عليه نبرة التهديد : انصرفوا إلى صاحبكم » فقولوا له : ينصرف عن بلادنا » فإني قد عرفت حرصه وقلة اأصحابه » وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه فرد عليه رئيس الوفد » في شجاعة وعزة المؤمن : أيها الملك كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله فى بلادك 4 ~~ وآخرها في منابت الزيتون » وکيف يکون حريصًا من خلف الدنيا وراءه قادرا عليها وغزاك فى بلادك » وأما تخويفك إيانا فإن لنا آجالا إذا حضرت وأكرمها الله بالقتل فلسنا نکرههه ولا نخافه ٩‏ . أعادت هذه المقالة ملك الصين إلى صوابه › وأيقن انه أمام قوم ل يجدي معهم التهديد ولا الوعيد » فاعتدل فى كلامه » وقال لهبيرة فى نبرة جديدة غير نبرة التعالى الأولى : فما الذي يرضي صاحبكم ؟ قال هبيرة : إنه حلف ألا يتصرف عن بلا دكم حتى يطاً أرضكم ويختم ملوككم » ويْعْطّى - أي : يأخحذ منكم - الجزية . قال الملك : فإنا نخرجه من يمينه » فنبعث إليه ترابا من أرضنا فيطؤه » ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم » ونبعث إليه بجزية يرضاها » ثم دعا بصحاف من ذهب وملأها ترابا » وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء الملوك ¢ ثم أجاز الوفد جوائز حسنة ¢ فعادوا إلى قتيبة > فرضي وقبل ال جزية وختم الغلمان » ووطئ التراب " . اكتفى قتيبة بهذا من ملك الصين » ويبدو أن الذي حمله على التساهل وقبول الحل الوسط الذي عرضه املك ما حدث فى داحل الدولة الإسلامية فقد توفى الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة ( ٩٦‏ ه ) » ولم تكن علاقة قتيبة على ما يرام مع الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك ۳ ( ٩٩‏ - ۹۹ه ) لذلك لم ير أنه من وعلى كل حال حسب هذا الرجل العظيم والفاح الكبير أنه في غضون عشر )١(‏ تاريخ الطبري ( 5١۴ - ٠٠١/٦‏ ) . (۲ الطبري ( )٥٠۳ - ٥۰۱/٦‏ . (۳) المصدر نفسه ( ٥٠۴/١‏ ) . )٤(‏ انظر زین الأعبار - مصدر سابق ( ۱۷۹/۱ ) .

عدد الصفحات ٢٧٤

وانتشار الإسلام هاا س ددد ن۷ سنوات فتح بلادًا شاسعة فيما وراء النهر » ثم عبر نهر سيحون وفتح الشاش وفرغانة وأشروسنة وکاشغر 4 کما رهب ملك الصين وحمله على دفع الجرية ٠‏ وسيبقى اسم قتيبة بن مسلم الباهلي من الأسماء المضيئة في التاريخ الإسلامي › فقد أضاف للعالم الإسلامي إضافة رائعة » ووجه مدنا كبخارى وسمرقند وغيرها لتكون مراكز مشرقة للحضارة الإسلامية فى وسط آسيا . : بلاد ما وراء النهر بعد قتيبة‎ ٠ توقفت فتوحات قتيبة عند مقاطعة كاشغر » ملامسا بذلك حدود الصين » ولم تسمح التطورات التي حدثت في الدولة الاموية بعد موت الخليفة الوليد بن عبد املك سنة ( ۹ه ) باستمرار الفتوحات ؛ لأن الفا البطل نفسه قتيبة قد قتل “ في حر كة شب وسوء فهم من الد - لا جال اتضسيرها > هنا ولك الدولة الأوية ون كانت لم تواصل ح ركة الفتوحات إلا نها لم تفرط في الإنجازات التي حققها قتيبة في تلك البلاد » بل كرست جهودها فيما تبقى لها من أيام في تثبيت الفتوحات والسيادة الإسلامية » وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرًا وثقافة » وقد اقتدی خلفاء بنی أمية في هذا الجال - خاصة سليمان بن عبد اللك وعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك - بعمل معاوية بن أبي سفيان هه في بلاد فارس - وقد أشرنا إلى ذلك من قبل - وكما نجحت سياسة معاوية وتحولت إيران بشكل تدريجي وسريع إلى الإسلام › بل أأصبحت بلاد فارس من أول المدافعين عن الإسلام » وأصبحت قاعدة الانطلاقة الكبرى التي قادها في بلاد ما وراء النهر . فقد نجحت كذلك جهود الأمويين الأواخحر - رغم ما صادف دولتهم من مشكلات كبيرة - كان أخحطرها الدعوة العباسية - أقول رغم ذلك نجح الأمويون في مع ركة تثبيث الفتوحات في بلاد ما وراء النهر » والتمکین للنفوذ الإسلامي › وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا » وأصبحت بلاد ما وراء النهر بدورها مدافعة بحماس عن الإسلام وعاملة على نشره بين الأتراك الشرقيين ولم تكن تلك المهمة سهلة ؛ بل كانت أصعب من مهمة الفتح ذاتها » وكانت بعيدة الأثر في تاريخ الإسلام بصفة عامة › وتاريخ أواسط آسيا بصفة خاصة ولقد حلصت بلاد ما وراء النهر للإسلام كل الإخلاص وغدت جزءًا من أهم أجزائه » غيرة عليه . )٠۱۸٠١/١ ( المصدر السابق‎ )١(

عدد الصفحات ٢٧٥

————— ي الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وقسكا به » فمنذ أن أدخل قنيبة قتيبة بن مسام الباهلي الإسلام في هذه البلاد »> وهو صامد وثابت كال جبل الأشم » رغم الحن والخطوب الهائلة التي تعرض لها عبر تاريخه الطويل هناك » والتي كان آخرها محنة السيطرة الشيوعية - والتي استمرت نحو ثلائثة أرباع القرن - والتي بذلت كل جهودها وأساليبها الوحشية والهمجية في القمع والتنکیل بالمسلمين لزعزعة الإسلام » وهز مكانته بل محوه من البلاد ولكنها - بحمد الله وفضله - فشلت » وذهبت الشيوعية إلى سلة قمامة التاريخ › وبقي الإسلام وسيبقى يإذن الله تعالى إلى قيام الساعة وصدق الله العظيم حيث يقول : ل ان لري فدهب جا واا ما َه َع الاس فیک ف الأرض q‏ [الرعد: ]١۷‏ . ولقد عبر أحد علماء السلمين من تلك البلا - والذي حضر احفال مصر بليلة القدر ويوم الدعاة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ( ١٤١١‏ )۰ عن فرتم بزوال الكابوس الشيوعي بقوله تعالی : « المد ائ ذهب عا لرن [ فاطر : ¢[ . نعود إلى جهود الأمويين التي بذلوها للتمكين للإسلام في تلك البلاد - والتي لم تأحذ حقها من الدراسة والتنويه حتى الآن - فقد واجهوا الموقف بكل تعقيداته ومشاكله برجولة وإقدام » ولعل تذكر طبيعة تلك البلاد وما كانت عليه أحوالها السياسية والاجتماعية يرينا إلى أي مدى كان الموقف صعبًا » ولقد قاومت تلك البلاد الفاتحين المسلمين بضراوة » وكانت تلك المقاومة نابعة من عدم فهمهم لطبيعة الإسلام وما یحمله لهم من خير وسعادة وعرة وكرامة . ولكنهم بعد أن عرفوا قيمة الإسلام وأهدافه غيروا موقفهم من العداء الشديد إلى الحماس الشديد للإسلام » ومن خير ما يصور هذا التغيير ما يقرره المؤرخ والمستشرق امجري أرمينيوس فامبري في کتابه « تاریخ بخاری » ؛ حيث يقول : « إن بخارى التي قاومت العرب في البداية مقاومة عنيفة » قد فتحت لهم أبوابها لتستقبلهم ومعهم تعاليم نبيهم » تلك التعاليم التي قوبلت في البداية بمعارضة شديدة » ثم أقبل القوم من بعد عليها فى غيرة شديدة » حتى لترى الإسلام - الذي أحذ شأنه اليوم يضعف في جبهات آسیا الأخرى - وقد دا في بخاری اليوم > ) (PIAVT‏ ¬ على الصورة التي كان عليها أيام الخلفاء الراشدين » © . هذه شهادة مؤرخ باحث أوربي على التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في بلاد (۱) تاریخ بخاری ( ص1۷ ) .

عدد الصفحات ٢٧٦

وانتشار الإسلام ها للد ۷۷ ما وراء النهر » والذي لم يسبق له مثيل في تاريخها » بل ولا في تاريخ غيرها » فلم يحدث أن غيرت أم بأكملها عقائدها وتحولت إلى دين جديد كما تحول سكان ما وراء النهر » تاركين عقائدهم القدية » وقد تم ذلك التحول بحرية كاملة ويؤيد الباحث الروسي بارتولد ما يراه فابري حیث يقرل عن الوضوع : « ولكن الانضمام إلى عالم الإسلام المتمدين لم يكن ممكئًا لهؤلاء البدو إلا إذا دلوا في الإسلام من حيٿ هو دين » ومن العوامل التي ساعدت على اتتشار الإسلام , بين الترك » خحاصة اماز بها الإسلام على سائر الأديان العا ية » فعلى الرغم من أن أتباع البوذية ا المسيحية أكثر عددًا من المسلمين » فإن الإسلام دين عالمي بعنى الكلمة » أي : ی موا ع ج ار قرا رای انت مس لر ات د بات الاسام ا هذه الناحية فإن توفيقها كان موتا » ولم تستطع الحصول على نتائج دائمة كالني أحرزها الإسلام » فالديانة المانوية مثا كانت فى وقتٍ ما ديا عاليا وكان أتباعها متشرين في أماكن تد من جنوب فرنسا إلى الصين » ولكن هذه الخاصية لم نع امانوية من الاضمحلال الكامل > وقد بدت البوذية نشاطها فى الغرب فانتشرت هنالك › ولكنها في نهاية الأمر ظلت ديتًا للشعوب المتحضرة في شرق آسيا فقط . ثم يمضي بارتولد في سوق الأدلة والأمثلة على تفوق الإسلام على كل الأديان فيقول : وفي التاريخ أمثلة كثيرة كثيرة لام بوذية ومسيحية » تركت ديانتها ودخحلت في الإسلام » ولکننا لا نجد أمة إسلامية واحدة تخلت عن دينها ودخلت في البوذية أو المسيحية © . على كل حال واجه الأمويون الأواخر مشاكل جكّة فى بلاد ما وراء النهر > كان أبرزها طموحات الأمراء الأتراك الذين أبقاهم الأمويون يحكمون بلادهم تحت السيادة الإسلامية » وكان معظم هؤلاء تربطهم بالدولة الاموية معاهدات نظمت العلاقات بين الطرفين » وبصفة خاصة التعاون العسكري والالى » ولكن هؤلاء الأمراء كانوا يحاولون القفز فوق تلك المعاهدات مستغلين فترات الضعف والاضطراب التى كانت تمر بها الدولة الأموية في آخر أيامها التي امتلأت بحوادث الصراع بين الأمراء الأتراك الثائرين والعمال الأمويين » ومن أمثلة ذلك ثورة أمير فرغانة - بعد وفاة قتيبة - ومحاولة استرداد نفوذه القدم وثورات بخارى وسمرقند » لكن الدولة الأموية لم تتهاون في مواجهة تلك الثورات وقمعها » ونجحت في إخضاع أغلب الأمراء » الذين بدؤوا يدخلون في الإسلام خاصة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز - الذي دعاهم . )۷١ › بارتولد - تاريخ الترك في آسيا الوسطى ( ص۷۰‎ )١(

عدد الصفحات ٢٧٧

ا ذد ا الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر للدحول في الإسلام - وبعده » وبدؤوا يتأقلمون مع الوضع الجديد ويتآلفون مع العرب “ » بل بدؤوا يدافعون عن الإسلام بحماس ضد الأتراك الشرقيين » الذين توالت إغارتهم على بلاد ما وراء النهر حتى أخذوا يشكلون خطرا على الدولة الأموية التي تصدّت لذلك الخطر بجراءة وجسارة » وقام الولاة الأمويون مثل الجراح ابن عبد الله الحكمي » وعبد الله بن معمر اليشكري » الذي تايع الغزو في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد ونسب إليه أنه هم بغزو الصين نفسها . وظلت الدولة الأموية والأتراك الشرقيين في صراع يتبادلون النصر والهزبية حتى تغلبت كفة الدولة الأموية على يد الوالي الشجاع سد بن عبد الله القسري ( ۱۱۷- ۱۲۱ھ ) ونصر بن سیار ( ۱۲۱ - ۲۹٠ه‏ ) الذي حظى بمكانة فى تاريخ الجهاد الإسلامي في تلك الاد لا تقل عن مكانة قيية بن مسلم ٠‏ فهو الذي حمى بلاد ما وراء النهر من خطر الأتراك الشرقيين ١‏ وخلاصة القول : أن فتح بلاد ما وراء النهر وتشبيت ذلك الفتح وتهيتها لقبول الإسلام » عقيدة وفكرًا وثقافة وسلوكا يعتبر من أهم منجزات العصر الأموي . ه العباسيون وبلاد ما وراء النهر : ظل الأمويون يخوضون معارك تثبيت الفتوحات الإسلامية فيما وراء النهر » وحمايتها من خطر الأتراك الشرقيين إلى آخر أيامهم » فلما سقطت دواتهم سنه ( ۱۳۲ هھ ) وقامت الدولة العباسية واصلت - تلك الأخيرة - السياسية نفسها بل إن العباسيين واجهوا حطرا جدیدًا »> وهو الخطر الصينى > فقد رنت الصين إلى السيطرة لا على الأتراك الشرقيين فحسب » بل على بلاد ما وراء النهر ذاتها » ولم تكن الأطماع الصينية تقف عند حد السيطرة السياسية » وإنما كانت ترمي إلى الاستيلاء على طرق التجارة التي تعبرها القوافل من الشرق الأقصى إلى بلاد ما وراء ار ۳ إلى وای ع البحرين الأسود والأيض او ئم إلى أوريا ¢ وهذه المطامع ۲ م ) والتي انتصر فيها الجيش العباسي انتصارًا عظيمًا » كان أعظم الانتصارات )١(‏ د. حسن أحمد محمود - الإسلام في آسيا الوسطى ( ص١٠٠‏ » ٥۱‏ ) . (۲) المرجع السابق ( ص۲١٠‏ » ٠١۳‏ ) .

عدد الصفحات ٢٧٨

وانتشار الإسلام ھیالو ۷۹u‏ العربية في وسط آسيا ”© وبعد هزيتهم تراجع الصينيون » بل كان أثر الهرية شديدًا عليهم إلى درجة انهم تقاعسوا عن نصرة مير أشروسنة عندما استغاث بهم ضد السلمين » وكان هذا يعني أن العباسيون قد نجحوا في إبعاد الصين عن المعركة » وبات على الأتراك الشرقيين أن يواجهوا العرب معتمدين على أنفسهم وكان هذا فوق طاقتهم ۽ لان العباسيين أولوا المنطقة عناية كبيرة » وواصلوا جهودهم في صد العدوان إلى أن زال خحطر الأتراك الشرقيين » واندشر الأمن على الحدود » وارتفع شأن الحكومة الإسلامية في عيون الناس » ما مكن للإسلام أن يمضي قدمًا في طريق الانتشار والنجاح » وقد واكبت السياسة العباسية هذا التطور » وشجعت الأتراك علىاعتناق الإسلام بالإكثار من استخدامهم في الإدارة بل في الجيش نفسه › والحق أن العباسيين اقتدوا في ذلك بالأمويين » الذين سبق أن استخدموا غير المسلمين في الجيش » فجاء العباسيون وتوسعوا في هذا المجال » فقد أنشأً الفضل بن يحبى البرمكى - فى عهد هارون الرشيد - فرقة كبيرة فى خراسان من الأتراك الغرييين › بلغ عدد أفرادها حمسين ألف مقاتل بعث منهم عشرين ألمًا إلى بغداد » وأطلق عليهم اسم الفرقة العباسية واشترك في قوات علي بن عبسي رجال من الصغد › وکان جیش طاهر ب بن الحسون يضم سبعمائة من الخوارزمية › والجديد في الأمر هنا هو استخدام اجنود الأتراك في بغداد نفسها . کما استن الخلیفة امون ( ۱۹۸ - ۲۱۸ ه ) سنَة جديدة » حيث دعا كثيرين من زعماء الأتراك إلى الدخول في خدمته في بغداد ومنحهم الصلات والعطايا › وألحق كثيرا من فرسانهم با حرس الخليفي ° . وفي عهد الخليفة العتصم ( ۲۱۸ - ۲۷۷ ه ) وضح أن الإسلام قد تمكن في بلاد ما وراء النهر » ورسخت أقدامه » حتى أن الأتراك الغربيين أنفسهم قد أصبحوا مادة ا جهاد في سبيل الله ء والدفاع عن الإسلام ونشره بين الأتراك الشرقيين » يقول البلاذري : «والمعتصم باللّه جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر » من الصغد والفراغنة وأهل الشاش وغيرهم » وحضر مل وكهم ببابه » وغلب الإسلام على ما هناك » وصار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك ففتح مواضع لم يصل إليها أحد من قبله »‏ . )١(‏ المرجع السابق ( ص۷١٠‏ ) . (۲) المرجع السابق ( ص۲١۱‏ » ٠١۳‏ ) . (۳) فتوح البلدان ( ص۳۱٤‏ ) .

عدد الصفحات ٢٧٩

=m ۸۰‏ الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وهكذا مضى العباسيون قدمًا فى تنفيذ السياسة التى رسمها الأمويون لأسلمة بلاد ما وراء النهر » وحققوا نجاحات هائلة » وسارت الثقافة الإسلامية فى ركاب الإسلام» وتوطدت أ ركانها بين أهل البلاد ولم تعد ثقافة الوافدين » وبداً أهل البلاد يتعلمون اللغة العربية » وإذا كانت المراكز الثقافية فيما وراء النهر - خاصة في بخارى وسمرقند - لم تبرز وتحدد معالمها إلا في عهد الطاهر بین ( ۲۰۵ - ۹٣۲ھ‏ | ۸۲۰ ¬ ۸۷۳م ) والسامانیین ( ۲۹۱ - ۳۸۹ھ / ۸۷٤‏ - ۹۹۹م ) إلا أن الخطوات الأولى التي أدت إلى ذلك التطور قد بدأت في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي . ومن أراد أن يعرف ال جهود التي بذلها أهل ما وراء النهر وإسهاماتهم في الثقافة الإسلامية ويقدر كل ذلك حق قدره فما عليه إلا أن يرجع إلى كتب طبقات العلماءء مثل طبقات الأطباء » والحفاظ » والفقهاء » والمفسرين › والحدثين › والنحاة » واللغويين » والشعراء ... إلخ وما لا شك فيه أن بروز علماء كبار من أهل تلك البلاد من أمثال الإمام البخاري - لا على مستوى بلاد ما وراء النهر فحسب » بل على مستوى العالم الإسلامي - لم يتم بين عشية وضحاها بل لا بد ان يكون هذا الجيل من العلماء مسبوقًا بأجيال كثيرة مهدت له الطريق (“ . ه انتشار الإسلام قي بلاد ما وراء النهر : عهید : قبل الحديث عن انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر » يجدر بنا أن نقول كلمة موجزة عن طبيعة الدعوة الإسلامية والعوامل التي مكنت للإسلام من الانتشار والقبول في جميع الأقطار التي فتحت بصفة عامة › وفي بلاد ما وراء النهر بصفة خاصة . أما عن طبيعة الدعوة الإسلامية وماهيتها فهى طبيعة عالمية » والدين الإسلامى دين عالمى بعنى الكلمة ” ؛ فقد جاءت الرسالة الإسلامية للجنس البشري كله »> وليس لشعب دون شعب » ولا لأمة دون أمة » وهذه الحقيقة نصت عليها آي الذكر الحكيم في وضوح مثل قوله تعالی : وا رسلگ إلا َة َس با كنبا ) [سبأ: ٨۸‏ › وقوله تعالی :‏ وما ارسلتک إل رمه لعي الأنياء : ]٠٠۷‏ » وقوله تعالى : ظ فل تاا الاش إن سول آم ّم يجا & 1 الأعراف : ٠٠۸‏ » إلى غير ذلك من الآيات (۱) د. حسن أحمد محمود - المرجع السابق ( ص۳١۱‏ »ء ٠١١‏ ) . (۲) انظر بارتولد - تاريخ الترك في آسيا الوسطى ( ص١۷۰‏ ) .

عدد الصفحات ٢٨٠

القرآنية الكرية التي تقرر عالمية الإسلام » وأنه الرسالة الخاتمة لرسالات السماء » فليس بعد القرآن الکربم کتاب سماوي » ولیس بعد محمد رسول ؛ تا کان محمد با اح من ریک وکن رسو اله وات اَن [الأحراب: ]٤٠‏ . ومن أحاديث الرسول لني التي تقرر تلك الحقيقة قوله : « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمشل رجل بنى بيا » فأحسنه وأجمله » إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له » ويقولون : ما أجمل هذه البيت لولا هذه اللبنة . فأنا اللنة وأنا حاتم النبيين » © . بناء على تلك النصوص الكرية يتبين لنا أن طبيعة الرسالة الإسلامية تختلف عن طبيعة الرسالات السماوية التى سبقتها » فتلك الرسالات كانت محدودة الزمان ومحدودة المكان ومحدودة البيعة البشرية » لذلك ند أكثر من رسول متعاصرين ومتجاورين » كما كان الحال بالسبة لإبراهيم ولوط بإإئاا » وهذا بطبيعة الحال لايقلل من شأن الرسالات السابقة - حاشا لله - لأن محدوديتها أمر اقتضاه تطور ا لجنس البشري في مدارج الكمال العقلي » وكل رسالة جاءت في موعدها » وكل رسول أدى دوره وكان لبنة صالحة في صرح عقيدة التوحيد إلى أن جاء الوقت الملائم وأصبحت البشرية مستعدة لقبول الرسالة العالمية الخاتمة فكانت رسالة الإسلام عل يد خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله . وقد يتبادر إلى بعض الأذهان أن معنى عالية الإسلام أنه يجب أن يكون كل الناس مسلمين » وأنه يجب على المسلمين حمل السيف دائمًا لإجبار الناس على اعتناق الإسلام . وهذا ليس مقصودًا » بل معنى عالمية الإسلام - بكل بساطة ووضوح - أنه دين مفتوح لكل البشر » من جميع الأجناس » دون قيود أو حدود » وليس ديا خاصًا بشعب مختار » وأنه دين الفطرة الذي يلائم كل الناس » في كل زمان ومكان ليسره وسهولته فأي إنسان یرید أن یکون مسلمًا » فليس مطلوبًا منه إلا أن يقول : أشهد ألا إله إلا الله أن محمدًا رسول الله »> وبعدها يصبح مسلمًا له حقوق المسلمين وعليه واجباتهم . ومن ناحية أخرى فإن حمل الناس جميعًا على اعتناق دين واحد مر لم يحدث

عدد الصفحات ٢٨١

د افتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر في الواقع في كل التاريخ البشري » بل إن نصوص القرآن الكربم تبين لنا في جلاء أن حمل الناس جميعًا على اعتناق دين واحد أمر صعب بل یکاد يكون مستحيلا . انظر على سبيل المثال إلى قوله تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : ل ولو سا ريك لمن من فی الأرض ڪلم جیما آفات که الاس ی كردا رمدت ) [ يونس : 1۹] ٠‏ وقوله تعالی : ومآ َة الاس ولو حرصت بمُومی بوسف : ۱۰۳] » وقوله تعالی : ر سر اورا رر و س ور 2 ر 2 و وکو سا رك ل القاس امه وید ہکا رالو غیت @ إلا سس جم رك لكر لهد 4 [هود: 11۸› 11۹] . فمعنى عالمية الإسلام إذًا أنه دين مفتوح لكل البشر وملائم لفطر كل الناس »› والدعوة إليه لا تكون بالسيف - كما يدعى خحصومه - بل بالحكمة والموعظة الحسنة کما یقول الله تعالى : « ل راء ن الي ) (القرة: ٠٠١‏ » ولا يستطيع أي إنسان أن يدلنا على مشل واحد أجبر المسلمون فيه أحدًا على اعتناق الإسلام بالقوة في أي زمن وعلى أية أأرض . وإما الثابت تاريخَيًا والذي يو كده الباحثون الغربيون ” - قبل المسلمين - أن الذين اعتنقوا الإسلام في كل زمان وفي كل أرض » اعتنقوه عن قناعة وحرية مطلقة » ولو كانت القوة هي وسيلة الإسلام للانتشار لا بقي إنسان واحد في كل البلاد المفتوحة على دين غير دين الإسلام . وهناك مجموعة من العوامل شجعت الناس على اعتناق الإسلام » إضافة إلى طبيعته العالمية نوجزها فيما يلي : ١‏ - المعاملة السمحة الكرية التى عامل بها الفاتحون المسلمون أبناء البلاد امفتوحة » واحترام آدميتهم وكرامتهم » ولقد تجلت تلك العاملة لا في نصوص المعاهدات التي نظمت العلاقات بين المسلمين الفاتحين وبين أبناء البلاد المفتوحة الذين فضلوا البقاء على أديانهم فحسب » بل في الوفاء من جانب المسلمين بتلك المعاهدات والالتزام بها بأمانة وشرف . فلم يحمل الظفر والنصر المسلمين على البطر والتكبر والتجبر على أبناء البلاد امفتوحة وإهانتهم وإذلالهم › بل بالعكس كانوا كرماء معهم - حتى مع الذين )١(‏ انظر على سبيل المغال الكتب الآتية : الدعوة إلى الإسلام» مۇلفه توماس آرنولد ‏ تاريخ الترك في آسیا الوسطی - لؤلفه بارتولد » تاریخ بخاری » لممؤلفه آرمينيوس فاميري › وکلهم باحثون أوربیون ؛ لتقف على مدى سماحة الإسلام والمسلمين في معاملة أهالى البلاد المفتوحة وأثر تلك السماحة في انتشار الإسلام .

عدد الصفحات ٢٨٢

وانتشار الإسلام هناك ۸۳ قاوموهم بعنف - فبعد إلقاء السلاح > کان التسامح هو طابع السلوك الإسلامي العام مع المغلوبين » ونتحدى أن يكون التاريخ البشري قد سجل في صفحاته حالة واحدة تفوق فيها غير المسلمين من الغالبين على المسلمين » وكانوا أكثر تسامحا منهم » بل حتى ساووهم في التسامح والإنسانية مع المغلوبين الذين أصبحوا تحت السيادة الإسلامية » ووفاء المسلمين با معاهدات - نصا وروحا - أصبح من الحقائق التاريخية التى لا يجادل فيه باحث منصف لدرجة أنه لما حالف أحد القادة الفاتحين هذه القاعدة وشذ عليها » سجل التاريخ الإسلامي تلك الحالة الوحيدة » وأزال خايفة المسلمين تلك الخالفة ؛ والحالة هي حالة قتيبة بن مسلم » عندما دحل سمرقند على شروط معينة › ولكنه لما دخلها لم يف بالشروط » فلما جاء الخليفة عمر بن عبد العزیز ( ۹٩‏ - ١ه‏ ) رفع إليه آهل سمرقند شكواهم » وقالوا : إن قتيبة دحل مدينتهم على وعد بالخروج منها » ولكنه لم يف بوعده » أي : غدر بهم » فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على بلاد ما وراء النهر أن ينصب لهم قاضيًا ينظر في شكواهم» قإن قضى يإخراج المسلمون من المدينة أخحرجوا منها » فأقام لهم الوالي القاضي حاضر بن جميع » الذي نظر في القضية » ورأى أن الحق مع أهل سمرقند - المغلويين - فحكم يإخراج المسلمين من المدينة على أن ينابذوهم على سواء » ولكن أهل سمرقند - وقد أذهلهم هذا السلوك الإسلامي الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري - كرهوا الحرب وأقروا المسلمين على الإقامة في مدينتهم ”© . هذا هو الإسلام » وذلك هو سلوك المسلمين وهذا المخل الوحيد - الذي خالف فيه قتيبة ما اتفق عليه مع أهل سمرقند - وسط كل تلك الحروب المتواصلة والأحداث المتلاحقة » وكثرة الانتقاض ونكث العهود من أهل تلك البلاد » يدل على أن البداً الأصيل هو التزام المسلمين بالوفاء بالعهود » وأن السلطة الإسلامية العليا - الخلافة - كانت ساهرة على حفظ وصيانة المعاهدات » وتصحيح أي خحطاً قد يحدث من أي عامل في أي مکان . فعلى سبيل الخال عندما أحطاً بعض العمال - لا تزايد إقبال الناس على اعتناق الإسلام » وأدى ذلك إلى تناقص ال جزية - وظلوا يأحذون ال جزية من المسلمين الجددء مؤثرين ال جباية على الهداية » مخالفين بذلك قواعد الإسلام » وعندئذ لم يحتمل ضمير . ) ٨۱۹ص‎ ( انظر تفاصيل القصة في فتوح البلدان للبلاذري‎ )١(

عدد الصفحات ٢٨٣

۴سد الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر الأمة الإسلامية هذا الخطاً الجسيم » الخالف لبادئ الإسلام التي تمنع أخذ الجزية من السلم “ وسخط المسلمون العرب - قبل غيرهم - على هؤلاء العمال الذين ارتكبوا هذا الخطاً » ورفعوا الأمر إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز » الذي غضب غضبًا شديدًا 8 هؤلاء العمال وأمرهم على الفور برفع الجزية عمن يسلم » وصاح صيححته المشهورة قبح الله رأیکم > فإن الله قد بعث محمدًا هاديا ولم يبعثه جابا» ° . Ly‏ فى هذا الجال كثيرة » وحلاصة القول : أن معاملة المسلمين الكرية وسماحتهم مع أبناء البلاد المفتوحة كانت من أهم عوامل جذبهم إلى الإسلام . ۲ - العامل الثاني الذي كان له أثر كبير في انتشار الإسلام في البلاد المفتوحة هو إشراك أبناء البلاد في إدارة بلادهم » فالفاتحون المسلمون لم يصنعوا صنيع الحكومات السابقة عليهم » ويحرموا أبناء البلاد من إدارة بلادهم . فالمسلمون لم يحتفظوا إلا بعدد قليل جدًا من المناصب » مثل الإمارة وقيادة ا-جيش والقضاء - وكان ذلك ضروريًا - وما عدا ذلك من الوظائف فقد كان متاځا لابتاء البلاد المفتوحة الذين بقوا على أديانهم » ووصل عدد كبير منهم إلى أعلى المناصب الإدارية التي کانوا محرومين منها في عهود ما قبل الحكم الإسلامي » وکانت حكومة الخلافة الإسلامية ڌ تضع ثقتها في هل الأمانة منهم دون أية حساسية . ويکفي أن نقدم على ذلك مثلا واحدًا من العصر الأموي »> حيث بقي ديوان الخراج ال ركزي في دمشق عاصمة الخلافة - وهو أهم دواوين الدولة - تحت رئاسة أسرة مسيحية » وهي أسرة سرجون بن منصور الرومي » طوال عهود الخلفاء : معاوية ابن بي سفیان وابنه يزيد » ومروان بن الحكم وابنه عبد املك » وكان ديوان خراج العراق في الفترة ذاتها تحت رئاسة رجل فارسي » هو زادان فروخ " » ولم يكن سرجون بن منصور - وهو مسيحي - رئيسًا لديوان راج عاصمة الخلافة فقط › وإنما كان مستشارًا سياسيًا للخليفة معاوية بن أي سفیان ^ . وقد توسع الأمويون في استخدام أبناء البلاد المغتوحة في الإدارة ما أشعرهم بالأمان والاطمئنان إلى الحكم الإسلامي وجعلهم يقبلون على اعتناق الإسلام بملء (۱) انظر کتاب الخراج لأبي يوسف ( ص٤٠٠‏ ) . (۲) انظر فتوح مصر لابن عبد الحكم ( ص۷١٠‏ ) . (۳) انظر فتوح البلدان للبلاذري ( ص۳۹۸ ) . ٤(‏ ) انظر تاریخ خليفة بن خياط ( ص۲۲۸ ) › والطبري ( ۳۳۰/۰ ¬ ۳٤۸‏ ) .

عدد الصفحات ٢٨٤

وانتشار الإسلام هناك Ao‏ إرادتهم الحرة . عرفنا فيما سبق من صفحات هذا البحث أن بلاد ما وراء النهر قد فتحت في نهاية القرن الهجري الأول »› > في خلافه الوليد بن عبد الملك ( ۸٦‏ - ٩۹ه)‏ وأن ما تبقى من عهد الدولة الأموية بعد ذلك - سقطت سنة ( ۱۳۲ھ ) - كان جهودًا متواصلة لتثبيت الفتوحات وتأمين بلاد ما وراء النهر من غارات الأتراك الشرقيين . وعلى الرغم من أن أقاليم ما وراء النهر فتحت متأحرة » بل كانت من آخر الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي » وعلى الرغم من مقاومة أهلها مقاومة عنيفة » إلا أن أل تلك البلاد سرعان ما بدؤوا يفكرون في الإسلام ؛ دين الفاتحين » وسرعان ما أد ركوا انه دعوة خالصة لتوحيد الله عا » وانه دين سمح عادل رحيم » من مبادئه الأصيلة المساواة بين الناس جميعا » وأنه دين العزة والكرامة ومن ع الطبيعى ن يكونوا قد قارنوا - ولو داحل نفوسهم - بين الإسلام وبين الأديان الوثنية التي كانت تنتشر بينهم » فجاءت المقارنة في صالح الإسلام » خحاصة عندما رأوا الفاتحين يحطمون الأصنام بأيديهم ويحتقرونها . عندئذ زالت عنهم الغشاوة التي كانت تغطي عقولهم » وأدر كوا أن تلك الأصنام لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر » وأنه من السخف عبادتها » فأمام أعينهم أحرق قتيبة بن مسلم الأصنام في سمرقند ولم يصبه أي أذى ما كانوا يخوفونه منه › كان لتلك الحادثة أثر كبير في إقبال الناس على الإسلام ‏ » فإن قتيبة عندما سار بعدها لفتح إقليم الشاش خلف نهر سيحون كان جيشه يضم عشرين ألما من اهل بخاری وكش ونسف وهؤلاء كانوا قد قاوموا المسلمين فى البداية مقاومة عنيفة ولكنهم سرعان ما حدث التحول الخطير في حياتهم حيث هداهم الله إلى الإسلام فأصبحوا من جنده الخلصين المدافعين عنه بحماس . ومرة أخرى نستشهد بكلام المؤرخ الجري فامبري حيث يقول : « ولقد غزا السلمون بخاری ثلاث مرات من قبل ونشروا دینھم بها ولکن اهلها کانوا یرتدون إلى عقيدتهم القدية عقب رحيل الغزاة عنهم في كل مرة وها هي تفتح أبوابها للمرة الرابعة لتستقبل الفاتحين ومعهم تعاليم نبيهم » تلك التعاليم التي قوبلت أول الأمر بمعارضة شديدة » ثم أقبل القوم من بعد ذلك عليها في غيرة شديدة » حتى لترى . ) انظر فتوح البلدان لابلاذري ( ص۱۸‎ )١(

عدد الصفحات ٢٨٥