المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي PDF

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

صفحة ١٥ من ٢٧

صناعته » واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية ما » وتكررت مارستهم البحر وثقافته » واستخدموا بصراء بها » فتاقت نفوسهم إلى الجهاد فيه › وأنشؤوا فيه السفن والشواني » وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح » وأمطوها العساكر المقاتلة لمن وراء البحر من أم الكفر » واختصوا بذلك من مالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى حافته » (© . كانت مصر أول بلد استفاد العرب الفاتحون من خبرته في بناء أساطيلهم البحرية ” ولم يدخر أبناء مصر - من أسلم منهم ومن بقي على مسيحيته - وسعًا في تقديم خبرتهم للعرب الفاتحين » وفي التفاني في خدمتهم هما رأوه منهم من تسامح وحسن معاملة . ٠‏ دار الصناعة قي الإسكندرية : كانت الإسكندرية عاصمة مصر منذ أنشأها الإسكندر الأكبر المقدوني ( سنة ۲ ق.م ) إلى الفتح الإسلامي لمصر . وكانت من أكبر دور صناعة السفن لا الحريبة فقط » بل التجارية أيصًا ؛ لأنها كانت من أكبر أسواق العالم » وأكثر ثغوره ازدحامًا وحركة في تجارة القمح والكتان والورق والزجاج » وغير ذلك من منتجات البلاد الزراعية والصناعية . وكان تصدير هذه المنتجات يحتاج إلى أسطول من المراكب التجارية لنقلها إلى شتى موانئ البحرين الأحمر والأبيض المتوسط . وإلى جانب المراكب التجارية كانت مصر تصنع السفن الحربية للدولة البيزنطية › التي كان بعضها يسع ألف رجل » وهي السفن التي كانت تشبه ما يطلق عليه البوارج في العصر الحاضر » وهناك سفن كان حجمها أصغر » تسع الواحدة منها مائة رجل»› وييكن تسمية ذلك النوع الصغير بالطرادات © . كان من الطبيعي وقد انعقد عزم العرب على بناء أساطيلهم البحرية أن يهتموا بالقائم من دور الصناعة » وبصفة خاصة في مصر » وكان من الطبيعي أن تكون مدينة الإسكندرية من أوائل المدن البحرية التي يولونها عنايتهم » خحصوصًا وأنها معرضة أكثر من غيرها لهجمات الأساطيل البيزنطية » فالبيزنطيون لم يرفعوا عيونهم )١(‏ مقدمة اين خلدون ( 1۹٠/۲‏ ) . تحقيق د . علي عبد الواحد وافي . (۲) د. إبراهيم العدوي - الأساطيل العربية في البحر الأبيض التوسط ( ص۱۷ › ١۸‏ ) . (۳) د. سعاد ماهر - البحرية في مصر الإسلامية ( ص ۷۳ › ۷٤‏ ) .

عدد الصفحات ٢٣٧

YA‏ پس wvwvwvw۵wپپپپپللكك ‏ یپ پپپ الصريين عنها منذ أن فتحها العرب » ولم يفقدوا الأمل في استعادتها منهم » كما نجحوا في استعادتها من الفرس من قبل . وما زاد من عناية العرب الفاتحين بالإسكندرية تعرضها لهجوم بحري بيزنطي خطير بعد فتحها › نما يدل على إصرار البيزنطيين على استردادها . ففي سنة ( ٥ھ‏ / 14م ( هاجم اأُسطول بيزنطي ضخم مدينة الإسكندرية واستطاع أن يستولي عليها بمساعدة من بقي فيها من الروم › الذين أبقاهم السلمون ومنحوهم الحرية والأمان » ولكنهم لم يحفطوا هذا كله » بل غدروا وتعاونوا مع الأسطول البيزنطي » وسهلوا له الاستيلاء على الإسكندرية » ولم يقنع قائد الأسطول البيزنطي مانويل بالاستيلاء على الإسكندرية » بل سار بقواته جنوبًا إلى حصن بابليون لاستعادة مصر كلها . الأمر الذي جعل الخليفة عثمان بن عفان يعهد إلى عمرو بن العاص - فاح مصر والذي كان قد طلب إعفاءه من ولايتها - بمهمة طرد الروم منها ثانية . ولم يتردد القائد الكبير والفاح العظيم في القيام بواجبه » وقد جح في طرد الروم من مصر كلها مرة أخرى وإلى الأبد ”© . هذه الحادثة قوت عزية المسلمين وأقنعتهم بضرورة الإسراع في بناء قوتهم البحرية الذاتية » وأكدت أن معاوية ب بن ابي سفیان کان على حق » وکان رجلا بعيد النظر حين فكر في بناء الأساطيل البحرية الإسلامية » وإصراره على تنفيذ مشروعه » مهما كانت العقبات والمعارضات . كانت الإسكندرية إذن من أوائل الموانئ المصرية التي أحيا فيها العرب الفاتحون صناعة بناء السفن » ولم تصبح م ركرا من أهم مراكز صناعة السفن الحربية فحسب»› بل اأصبحت قاعدة لانطلاق الأساطيل المصرية في العصر الإسلامي لغزو بلاد الروم نفسها . ولم تكن تمد الأسطول المصري وحده بالسفن اللازمة » بل كانت تبني فيها السفن اللازمة للأسطول الشامي » بناء على طلب معاوية بن أبي سفيان “ الذي أصبح خليفة من سنة ( ا٤ھ‏ | ٠م‏ ) وأصبح صاحب القرار » وليس في حاجة إلى استعذان أحد » ومن هنا كانت انطلاقة المسلمين البحرية . ويتضح من أوراق البردي العربية » والتي اكتشفت بالصدفة في كوم شقاو - أفروديتو - من أعمال محافظة أسيوط » يتضح من هذه الأوراق أن الإسكندرية (۱) ابن عبد الحکم - فتوح مصر ( ص۱۱۷ › ۱۱۸ ) . (۲) تاريخ البحرية المصرية - تأليف لفيف من أساتذة جامعة الإسكندرية ( ص۲٤۳‏ ) .

عدد الصفحات ٢٣٨

أصبحت مر كرا هامًا لصناعة السفن بعد الفتح الإسلامي بسنوات قلائل » وأن الأساطيل كانت تخرج منها للغزو » ففي إحدى البرديات يطلب والي مصر قرة بن شریك ( ٩۰‏ - ٩٩ھ‏ / ۷۰۸ - ٤۷۱م‏ ) من باسیلیوس » حاکم کوم شقاو رسال الزبد من أجل المقاتلين بالأسطول الهجومي المصري إلى تيودور الجسال الذي كان يقود الأسطول في الإسكندرية » وكان مسيحيًا على ما هو ظاهر من اسمه . وتحتوي بردية أخرى على طلب عاجل » يطلب فيه الوالي ملاحين وعمالا مهرة للعمل في أسطول الإسكندرية . إضافة إلى المعلومات الوفيرة التي زودتنا بها برديات كوم شقاو عن دار صناعة السفن بالإسكندرية » فإننا نجد حشدًا كذلك من المعلومات عن الموضوع نفسه في كتب الجغرافيين والمؤرخين والرحالة المسلمين » فقد تحدث هؤلاء يإطناب - أحيانًا - عن الإسكندرية ودار صناعتها ومكانتها الكبيرة في نشاط الأساطيل الإسلامية › وتزویدها بکل ما تحتاج . کما تحدثوا عن منارتها - إحدى عجائب الدنيا - التى كانت لا تزال موجودة عند الفتح الإسلامي » واستمرت بعده تؤدي رسالتها في خدمة الأغراض البحرية » كما وصفوا مراتها التي كانت تعلوها » وقالوا : إنها كانت تستخدم في رؤية العدو من بعد إذا قدم من بلاد الروم » وفي خطط المقريزي ”© كثير من هذه المعلومات . وقد ذكر الرحالة الفارسي ناصر خحسرو - الذي زار الإسكندرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر فیما بین سنتی ( ٠١٤۷ / ھ٤٤۲ - ٤۳۹‏ - ١٠٠٠م‏ ) - أن منارة الإسكندرية کانت لا تزال موجودة تؤدي رسالتها عند زيارته للإإسكندرية « ومن قوله فى ذلك الشأن : وفى الإسكندرية منارة كانت قائمة وأنا هناك » وقد كان فوقها مرآة محرقة » فلما جاءت سفينة رومية من القسطنطينية أصابتها نار من هذه الحراقة فأحرقتها ”© . وتتجلى أهمية قاعدة الإسكندرية في أن لها ميناءين عظيمين » يتسع كل منهما لعدد كبير من السفن » فضلا عن هدوء الياه في هذين الميناءين » بسبب وقوع جزيرة تدعى جزيرة فاروس شمالي الإسكندرية » وتتد إلى حوالي ثلائة أميال › ٩۱/۱ ( )۱(‏ ) وما بعدها . (۲) نقلا عن تاريخ البحرية المصرية - مرجع سابق ( ص۲٤۳‏ » ۳٤۳‏ ) .

عدد الصفحات ٢٣٩

وع um‏ دور المصريين بحيث تقلٌل من تلاطم أمواج البحر على الشاطئ » وقد اتصلت تلك ال جزيرة بمدينة الإسكندرية منذ نشأتها بجسر عظيم أتاح لها مرسى آمتًا للسفن حين تعصف الأنواء بمیاه البح (© ومنذ أتم العرب فتح مصر أصبحت الإسكندرية موضع اهتمامهم › وأقاموا فيها أكبر قاعدة بحرية على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط . ٠‏ دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس : رشيد مدينة مصرية قدية تقع على مصب انيل الغربي وهو الفرع العروف باسمها ؛ فرع رشيد » والذي ياتقي فيه النيل بالبحر الابيض المتوسط » وعن طريقه تصل السفن القادمة من البحر إلى النيل والعكس » وبعد الفتح الإسلامي لمصر أصبحت رشيد أحد المراكز البحرية المهمة » وكان يديرها موظف مسيحى » كما کان الحال في الإسكندرية . ٠‏ وتمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن دار صناعة السفن فى رشيد › وعن دورها فى الجهاد البحري » وتشير إحدى البرديات إلى الإمدادات المطلوبة للمقاتلين على السفن » وتوضح أئمان السلع المرسلة إلى حاكمها المسيحي بافنتو ڻيو س PAPHNTUTHIS‏ ° . أما دمياط فتقع على مصب الفرع الشرقي للنيل والمنسوب إليها » وأوراق البردي حافلة بالمعلومات عن دار صناعة السفن إليها فى العصر الإسلامى > وتشير إحدى تلك البرديات إلى كمية الإمدادات والمواد التموينية من الدقيق والنبز والبقول والزيت والخل والملح » اللازمة لعشرين بارا من العاملين بالأسطول الهجومي للشرق › والمرابط في دمياط ° . وقد اهتم الخلفاء المسلمون بدمياط ودار صناعتها اهتمامًا كبيرًا » وأولوها عناية فائقة ؛ لأنها كانت معرضة دائمًا لهجمات الأساطيل البيزنطية . يقول المقريزي عن دمياط ©“ : « إنها ظلت بيد المسلمين منذ الفتح الأول على يد عمرو بن العاص » إلى أن نزل عليها الروم سنة تسعين من الهجرة › فأسروا خالد )١(‏ د. إبراهيم العدوي - الأساطيل العربية ( ص١٠٠‏ ) . (۲) تاريخ البحرية المصرية ( ص٤٤۳‏ ) . (۳) المرجع السابق ( ص٤٤۳‏ ) . )٤(‏ الخطط ( ۲١٤/١‏ ) .

عدد الصفحات ٢٤٠

في إنشاء البحرية الإسلاية gŠggĞ‏ دابل ابن كيسان » وكان على البحر - أي : قائد الأسطول - هناك وسيروه إلى ملك الروم » فأنفذه إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك من أجل الهدنة التى كانت بينه وبين الروم » فلما كانت خلافة هشام بن عبد املك ( ٠۰١‏ - ١۲٠ھ‏ / ۷۲۴۳ - ۲١‏ ,م ) نزل الروم دمياط في ثلاثمائة وستين م ركبا » فقتلوا وسبوا » وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة » . ثم يوالي المقريزي حديثه » فيقول : ‹ وكانت الفتنة بين الأحوين ؛ محمد الأمين وعبد الله المأمون > وكانت الفتن بأرض مصر » فطمع الروم في البلاد » ونزلوا دمياط » في أعوام بضع ومائتين » ثم لا كانت خلافة أمير المؤمنين » المت و كل على الله ۸٤١ /| ۲٤۷ - ۲۳۲ (‏ - ١١۸م‏ ) وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق » نزل الروم دمياط يوم عرفة ؛ سنة ثمان وثلاثين ومائتين » فملكوها وما فيها » وقتلوا بها جمعًا كثيرا من المسلمين » وَسَيُوا النساء والأطفال وأهل الذمة » فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق » يوم النحر في جيشه » ونفر كثير من الناس إليهم » فلم يد ركوهم » ومضى الروم إلى تنيس » فأمر المت وكل ببناء حصن دمياط .. ثم يوالي المقريزي حديثه عن هجمات الروم المتوالية في السنوات التالية » مما جعل ولاة الأمر > سواء الخلفاء العباسيون وولاة مصر في عهودهم » أو حتى حكام مصر في عهود الاستقلال مثل الطولونيين والإحشيديبن - يوالون الاهتمام بدمياط وتحصينها » يقول المقريزي : « وكان بدمياط دار لصناعة السفن يديرها أهل الخبرة في هذا الفن » © . أما تنيس فيقول عنها ياقوت الحموي ”“ : جزيرة في بحر مصر » قريبة من البر » ما بين الفرما ودمياط » والفرما في شرقيها .. ويقول : « إنها كانت أجمل من دمياط .. ولا فتحت مصر في سنة عشرين من الهجرة كانت تنيس حينغذ خصاصًا من القصب » وكان بها الروم » وقاتلوا أصحاب عمرو بن العاص » وقتل بها جماعة من المسلمين » وقبورهم معروفة بقبور الشهداء » عند الرمل فوق مسجد غازي › وكان بتنيس ميناء يسمى أشتوم » يستقبل السفن القادمة من سوريا والمغرب » ويذ كر الرحالة الفارسى ناصر خحسرو أن ألف سفينة كانت ترسو هناك . ويذكر ابن حوقل أنها كانت من أهم الجزر التي اعتمدت كلية على السفن في اتصالاتها » وقد دهش لبراعة الملاحة البحرية فيها ”) . )١(‏ المصدر السابق » ( ۲٠٤١/١‏ ) . (۲) معجم البلدان ( ۱/۲ ) وما بعدها . (۳) نقلا عن تاريخ البحرية المصرية مرجع سابق ( ص٤٦٤۳‏ ) .

عدد الصفحات ٢٤١

٣‏ سسس دور المصريين دار صناعة السفن بالقلزم - السويس - : كانت القلزم التي تقع على الطرف الشمالي للبحر الأحمر دارا لصناعة السفن منڏ العصر الفرعوني > واستمرت تؤدي هذا الدور بعد الفتح الإسلامي » بل ازدادت أهميتها ؛ نظرًا لأنها تمثل حلقة وصل بين البحر الاأبيض المتوسط والبحار الشرقية . خحصوصًا بعد أن أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بحفر الخليج الذي نسب إليه › لربط النيل بالبحر الأحمر ؛ لتسهيل حركة السفر والتجارة بين مصر والمدينة النورة عاصمة الخلافة الإسلامية فى ذلك الوقت ‏ . وقد ازدهرت صناعة السفن الحربية في القلزم - السويس - بعد الفتح الإسلامي - وأيصّا هنا تمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن ازدهار دار صناعتها » وذلك من خلال المراسلات التي دارت بین امير مصر قرة بن شرك ( ٩۰‏ - ٩۹ھ‏ / ۷۰۸ - ٤٠۷م‏ ) وين حاكم إقليم كوم شقاو » وهو مسيحي يسمى باسل » أو باسيليوس » في هذه المراسلات التي سجاتها مجموعة أوراق بردي كوم شقاو يطلب الأمير من حاكم الإقليم توفير العمال المهرة للعمل في بناء السفن في ميناء القلزم »> وكذلك يطلب منه الأموال امغروضة على ذلك الإقليم لتحقيق نفس الغرض » وهكذا يتضح من الإشارات العديدة التي وردت في تلك البرديات أن القلزم كانت مر كرا بحريًا هاما تحت إدارة موظف عربي يدعی محمد بن أبي جيلية » وبعض البرديات تحتوي على قوائم بالاشياء المطلوبة من إقليم كوم شقاو » من نقود وبحارة لسفن الاسطول بالقازم . ه دار صناعة السفن بجزيرة الروضة : تقع جزيرة الروضة في وسط النيل » غريي حصن بابليون » وأحيانًا يطلق عليها الجزيرة فقط » لشهرتها إذا سمع المتكلم اسم الجزيرة عرف أنها هي » وأحيانا كانت تضاف إلى مصر . وتذ كر مصادر التاريخ ”“ أن دار صناعتها أنشقت في عهد والي مصر مسلمة بن مخلد الاأنصاري ( ٤۷‏ - ۲ه / ٦٦1۷‏ - ١1۸م‏ ) من قبل الخليفة معاوية بن أبى سفيان . وقد بدا العمل في دار صناعتها سنة ( ٠٤‏ ه / ٦۷٤‏ م ) ” أي في السنة التالية . ) ۳٤٦ص‎ ( تاريخ البحرية المصرية‎ )١( . ) ١٠۲ص‎ ( ابن عبد الحكم - فتوح مصر‎ )١( . ) ۳٠۳١ص‎ ( د. سعاد ماهر - البحرية في مصر الإسلامية‎ )۳(

عدد الصفحات ٢٤٢

لإغارة قام بها الروم على مدينة البرلس . وإنشاء دار لصناعة السفن في جزيرة الروضة عدا الدور التي سبق الحديث عنها في الإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والقازم ما يدل على الحاجة إلى مزيد من السفن اللازمة للأسطول البحري الإسلامي » وبصفة خاصة في مصر ؛ لأن ذلك التاريخ يواكب بعث حركة الفتوحات في شمال أفريقيا » وهي مناطق ساحلية وحاجتها إلى سفن لنقل الخيول والمعدات حاجة ماسة وكذلك لحماية تلك الشواطئ من هجمات الروم » وكان إنتاج دار صناعة السفن با جزيرة ذا أهمية كبيرة ؛ لأنها كانت تنتج أنواعًا كبيرة » مثل الشواني » ولم تكن جزيرة الروضة مجرد دار لصناعة السفن وإنما كانت قاعدة بحرية عسكرية › أي فيها قوات بحرية مستعدة للقتال إذا دعا داعى الجهاد » ويصف المقريزي اهتمام الأمراء بأمر دار صناعة جزيرة الروضة » والقوات المرابطة فيها » فيقول : « وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هى لغزاة البر » وانتدب الأمراء لها الرماة » فاجتهد الناس بمصر فى تعلیم أولادهم الرماية » وجميع أنواع الحاربة » وانتخب له القادة العارفون بمحارية العدو » وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب ؛ هذا ع ك £ وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء الله وإقامة دينه > لا جرم أن كان لخدام الأسطول حرمة ومكانة » ولكل واحد من الناس رغبة في أن يعد من جملقهم › فیسعی بالوسائل حتی یستقر فيه » وکان من غزو الاسطول بلاد العدو ما قد شحنت به کتب التاریخ © وتمدنا برديات كوم شقاو بمعلومات إضافية عن طلب والي مصر » قرة بن شريك من حاکم کوم شقاو إمداد دار الصناعة بال جزيرة بالعمال المهرة في صناعة السقن › فتشير إحدى البرديات إلى أوامر بتصنيع مسامير وطلب حدادين ونجارين وقلافين › لإصلاح وبناء وتنظيف السفن › وتشير بردية أخرى إلى طلب أخحشاب وسلاسل نحاسية وحبال ووسائد ووبر - شعر - وأقمشة مطلوبة من أجل بناء السفن » كل هذا يدل على اتساع نطاق العمل في جزيرة الروضة › فهي دار لصناعة السفن وصيانتها » وهى ثكنات عسكرية بحرية مقاتلة » كما أنها كانت قلعة قوية لوجود حصن بابليون شرقيها » وكانت تقوم بحماية الملاحة النهرية في النيل ”© . هذه المعلومات للمهمة التي أمدتنا بها برديات كوم شقاو » التي اكتشفت (۱) الخطط ( ۱۹۱/۲ ) . (۲) تاريخ البحرية المصرية » مرجع سابق ( ص۹٤۳‏ ) .

عدد الصفحات ٢٤٣

يعم س دور المصرين بالصدفة » وحديثها كله عن كوم شقاو وحده » والذي يبدو أنه كان من الأقاليم المشهورة فى كل ما يتعلق بصناعة السفن » من تجارة وعمال مهرة › وأدوات صناعة من الأحشاب إلى المسامير والحبال .. إلخ . ولم يكن هو الإقليم الوحيد بطبيعة الحال » لكن حظه كان أحسن من غيره لاكتشاف بردياته » التي ألقت الضوء على ما كان يقدمه لصناعة السفن » وربا تكشف لنا الأيام عن أُوراق بردي أخرى في أماكن أخرى تلقي الضوء على مناطق عديدة غير كوم شقاو كانت تمد الأساطيل بحاجتها من العمال المهرة وأدوات الصناعة » فتعدد الأساطيل » وتعدد دور الصناعة وتباعدها يقتضى الكثير من المراكز التي تمدها بحاجياتها من العمال والأدوات . فقبل أن ينتهي القرن الهجري الأول كان المسلمون قد امتلكوا ثلاثة أساطيل بحريةِ كبرى : الأسطول الشامي › والأسطول المغربي - وسيأتي الحديث عنهما وشیکا - والأسطول المصري »› وهو اكبرها وأكثرها أهمية > کما کان أمير البحرية الصرية هو القائد العام جميع هذه الأساطيل (“ » وكثيرا ما اشترك الأسطولان الشامى والصري فى عمليات عسكرية واحدة » كما حدث في غزو جزبرة قبرص سنة ( ۲۸ھ / ۸٤1م‏ ) . وفي غزوة ذات الصواري الشهيرة سنة ( ٤ه‏ / ٤٥٠م‏ ) وكان قائدها العام » الذي قاد القوات المشتركة من الأسطولين الشامي والمصري » هو أمير مصر عبد الله بن سعد بن ابي السرح ‏ » وعلاوة على هذه الأساطيل الثلاثة الكبرى كانت هناك قوة بحرية أصغر حجكا في البحر الأحمر لراسته » وكانت تحت قيادة قائد الأسطول الملصري » وال جهد الأكبر والفضل الأول في بناء كل الأساطيل يرجع إلى هل مصر . ٠‏ المصريون يبنون أساطيل الشام : ذکرتا من قبل آن أول من أدرك حا حاجة المسلمين إلى امتلاك قو بحري لحماية ذلك قوة واصرار ٠‏ هر مر الشام ‏ معارية بى أي فيان ٠‏ غير أن دعرته اصطدمت بمعارضة قوية ممن بيده القرار » وهو الخليفة عمر بن الخطاب » ولكن على الرغم من )١(‏ د. سعاد ماهر - البحرية في مصر الإسلامية » مرجع سابق ( ص۸۷ ) . (۲) د . إبراهيم العدوي - الأساطيل العربية ( ص۳۹ ) › د . . حسين مؤنس - تاریخ خ المسلمين في البحر المتوسط ( ص٠1‏ »> 1١‏ ) .

عدد الصفحات ٢٤٤

ذلك فإن معاوية لم ييأس » بل انتظر إلى أن لقي عمر بن الخطاب ربه » ففاح الخليفة الثالث عثمان بن عفان » الذي عارض هو بدوره متأثرا بمعارضة عمر بن الخطاب › إلا أن معاوية نجح في النهاية يإقناعه وظفر بوافقته وبداً على الفور في إنشاء قوة بحرية هائلة ظهر أثرها واضحًا بعد سنوات قلائل من البداية » في غزوة جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وفي الانتصار على أساطيل الروم » في اول وأكبر معركة بحرية دارت بينهم وبين المسلمين على شواطئ مصر الغربية » وهي مع ركة ذات الصواري › التي غيرت تاريخ البحر المتوسط » وجعلته بحر المسلمين » وكان قائد امع ركة هو أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح - كما مر ذكره . ومعاوية عندما نهض بهذا المشروع العظيم » الذي يرجع الفضل إليه وحده في قيامه كان يعوّل في المقام الأول على أهل مصر » وعلى دور صناعة السفن في مصر› ولم يجد أية صعوبة في تعاون المصريين معه ؛ لأن الشام ومصر كانتا ولايتين من ولايات الدولة الإسلامية الواحدة من ناحية » ومن ناحية ثانية فقد كان التفاهم قائمًا على أفضل ما يكون بينه وبين والي مصر » عبد الله بن سعد بن ابي السرح » وكان كلا الرجلين يدرك تمام الإدراك أهمية الارتباط الأمني الوثيق بين الشام ومصر . ولم يقتصر دور المصريين على إمداد الاسطول الشامي بالسفن التي يحتاجها › والتي يتم تصنيعها على أرض مصر » وفي دور صناعتها » بل إن العمال المهرة المصريين ذهبوا إلى هناك إلى الموانرء الشامية التي أنشأها معاوية الذي أصبح أمير المؤمنين » والقرار بيده وحده » فقد أمر يإنشاء دار صناعة فى عكا على أثر غارة بيزنطية ضخمة على شواطئ الشام سنة ( ۹٤ه‏ / 11۹م ) وتدل أوراق البردي المصرية » على أن العمال المصريين قد أسهموا إسهامًا كبيرًا في بناء السفن في ميناء عكا » وكانوا أيصّا من إقليم كوم شقاو ”© الذي مر ذكره كثيرا › ولقد توسع معاوية في صناعة السفن في الموانئ السورية » مثل صور وصيدا واللاذقية وطرطوس » اعتمادًا على الأيدي المصرية العاملة فى هذا الميدان ؛ لأنه كان يفكر فى مشروع كبير يحتاج إلى أعداد هائلة من السفن الحربية ذات الأحجام الختلفة » ذلك المشروع الذي كان معاوية يفكر فيه هو غزوة مدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية » العدو الأول والأكبر والأخحطر للمسلمين في ذلك الوقت » فقد كان معاوية . ) ٠٠۷ص‎ ( تاريخ البحرية المصرية - مرجع سابق‎ )١(

عدد الصفحات ٢٤٥

٤٦‏ حح دور المصرین يريد الاستيلاء على هذه المدينة العتيدة » وكان على قناعة تامة أنه إذا استطاع الاستيلاء عليها فإن الدولة البيزنطية نفسها سوف تسقط وتنتهي » لأن العواصم للدول بثابة مركز الأعصاب للإنسان » ولقد كان متأثرا في ذلك با حدث للدولة الفارسية » فعندما نجح السلمون في الإستيلاء على عاصمتها المدائن » انهارت مقاومة الفرس بعدها › وفتح المسلمون كل بلادهم وزالت الدولة الفارسية العتيدة والتي كانت تنافس الروم في زعامة العالم يومئذ » ولم يعد لها وجود . لذلك كرس معاوية جهوده وحشد أساطيله » وغرزا عاصمة القياصرة أكثر من مرة سنة ( ٤٩‏ - ١٠ه‏ / 11۹ - ١1۷م‏ ) . ومرة أخرى استمر غزوه وحصاره لها نحو سبع سنوات )٩(‏ ( ° - ۰ھ c (PIA — 1Y4‏ وقد اشترك الأسطول المصري مع الأسطول الشامي في هذا الغزو بعدد هائل من المراكب » نحو ثلاثمائة مركب من المراكب الكبيرة » المزودة بالات القذف التي تتكون من امجانيق وآلات رمي الحجارة © . وهكذا أدى التعاون الوثيق بين مصر والشام في ميدان بناء الأساطيل البحرية إلى بروز قوة بحرية » لم تنجح في حماية شواطئهما من هجمات الروم فحسب » بل أصبحت خطرًا على عاصمتهم - القسطنطينية - نفسها » وإذا كان معاوية لم ينجح في فتح القسطنطينية لاسباب كثيرة يطول شرحها › فإنه قد ينجح في جعل الدولة البيزنطية العتيدة تقف موقف الدفاع عن كيانها وعن عاصمتها » كما أن نظرية معاوية كانت سليمة تماما » فإن ما قدره وجعله هدفه قد تحقق بعده بنحو ثمانية قرون » فعندما نجح السلطان العثماني محمد الفاح في فتح القسطنطينية والاستيلاء عليها سنة ( ۷١۸ه‏ / ١١٤٠م‏ ) سقطت الدولة البيزنطية على الفور وانتهت من الوجود » وأصبحت عاصمة القياصرة عاصمة للدولة العثمانية . ٠‏ دور المصريين قي إنشاء أسطول المغرب العربي : تأحر فتح المغرب العربي وأخذ وتنا طويلا » حيث استغرق نحو سبعين عامًا من الزمان » وأسباب ذلك كثيرة ٠”‏ ؛ منها انشغال الدولة الإسلامية بالفتن والحروب . ) ۲۹۳/۲۳۲/۰ ( تاريخ الطبري‎ )١( (۲) د. سعاد ماهر - البحرية في مصر الإسلامية - مرجع سابق ( ص١٠‏ ) . (۳) من أهم الأسباب كذلك أن سكان المغرب العربي » الذين يشيع إطلاق كلمة البربر عليهم وهي تسمية لا يرتاحون إليها هم ؛ لأن الرومان هم الذين كانوا قد أطلقوها عليهم » أما هم فيرتاحون إلى تسميتهم بالأمازيغ » أي الأحرار بلغتهم . هؤلاء الأمازيغ لديهم عزة وأنفة واعتزاز بكرامتهم لا يقل عما =

عدد الصفحات ٢٤٦

فى إنشاء البحرية الإسلامية :ادد ۷ج الأهلية » أثناء الفتنة الأولى التى اندلعت بين المسلمين منذ منتصف خلافة عثمان بن معركترن مشؤومتين : في الجمل سنة ( ١۳ه‏ ) »> وصفين سنة ( ۳۷ه ) » راح ضحيتهما عشرات الألوف من المسلمين » وفى النهاية فقد الخليفة علي نفسه حياته على خليفة واحد ؛ هو معاوية بن أبى سفيان سنة ( ٤١‏ ه ) » السنة التى سماها المؤرخون : عام الجماعة . وبعد أن تمكن معاوية من الأمر بدأ يستأنف الفتوحات فى النجاح في ذلك » خحصوصًا عندما عهد بقيادة الفتوحات فى هذه الجبهة لقائد من كبار القادة الفاتحين ؛ عقبة بن نافع » الذي سس مدينة القيروان ( ٠١‏ - ١٥٥ھ‏ ) لتكون قاعدة ثابتة للمجاهدين ينطلقون منها ثم يعودون إليها » لأنه رأي أن خحطوط إمداداتهم من مصر كانت طويلة . وتوالى على المنطقة عدد من القادة العظام بعد عقبة ؛ مثل أبى المهاجر دينار -٠١(‏ ۲ھ ) » ثم عقبة ثانية ( ٦۲‏ ¬ ۳٦ھ‏ ) » ثم زهير بن قيس البلوي ( ٦۳‏ - ۹٦ھ‏ ) وفى هذه الأثناء داهمت المسلمين الفتنة الثانية التى اندلعت بعد موت الخليفة يزيد بن معاوية سنة ( 1٤‏ ه ) والتي استمرت نحو عشر سنين » ولم تنته إلا بقضاء عبد الملك وأعاد عبد الملك الوحدة إلى الدولة الإسلامية » وسمى المؤرخون هذا العام بعام الجماعة الثانى . عندئذ بدا عبد الملك فى إعادة الحياة إلى حركة الفتوحات الإسلامية فى شمال إفريقيا » وعهد بالأمر إلى قائد عظيم » من سلالة الغساسنة وهو حسان بن النعمان © » = لدى العرب » وعندما طرق العرب بلادهم فاتحين لم يفهموا في البداية ماذا يريد منهم هؤلاء العرب ؟ وظنوهم مستعمرین جددا یریدون الاستيلاء على بلادهم ¢ فقاوموهم بضراوة سشديدة ٠‏ والمقاعب التي صادفها العرب في فتح شمال أفريقيا لم يصادفوا مثلها في أي مكان آخر . غير أن هؤلاء الأمازيغ عندما بدۇوا يفهمون الإسلام وأهدافه ¢ وما يحمله لهم من خير وعدل وتسامح ومساواة سارعوا لا لی الإيان به فحسب » بل إلى الجهاد في سبيله . فمن المعروف أن الجيوش التي فتحت الأندلس كانت الغالبية العظمى منها من هؤلاء الأمازيغ » سكان الشمال الإفريقي . )١(‏ ابن الأثير - الكامل في التاریخ ( ۳٠۹/٤‏ ) .

عدد الصفحات ٢٤٧

۸ س دور المصرین الذي لقب بالشيخ الأمين » وقد استطاع حسان فتح معظم الشمال الإفريقي في غضون نحو عشر سنوات ( ۷٤‏ - ۸۰ھ / 1۹۳ - ٤۷۰م‏ ) وعمل على تنظيم البلاد ووضع الأسس الإدارية لها » وأسس مدينة جديدة » هي مدينة تونس » وأحس بحاجته إلى أسطول بحري مستقل يواجه به هجمات الأساطيل البيزنطية بدلا من الاعتماد على الأساطيل المصرية المرابطة فى قاعدتى برقة والإسكندرية لطول المسافة ونحن نعرف أن برقة منذ فتحها عمرو بن العاص سنة ( ۱ھ / ١٤٦م‏ ) أصبحت هى القاعدة الحصينة التى تلجأ إليها القوات الإسلامية العاملة فى شمال إفريقيا عند الضرورة » وكانت عندئذ تحت إدارة والى مصر » وظلت كذلك إلى قيام الدولة الفاطمية في تونس سنة ( ٩٦۲۹ھ‏ / ۹٠۹م‏ ) فيكون من الطبيعي أن تكون فيها قاعدة بحرية تعتمد اعتمادًا كليًا على دور صناعة السفن في مصر ؛ لان كيرا من الغزوات التي انطلقت لغزو جزر البحر الأبيض المتوسط كانت تنطلق منها . ثم رأى حسان بن النعمان إنشاء قاعدة بحرية خاصة بشمال إفريقيا » فأنشاً قاعدة تونس البحرية بعد أن دمر مدينة قرطاجنة التي كانت عاصمة شمال إفريقيا تحت الحكم البيزنطي » وطرد البيزنطيين نهائيا من كل الشمال الإفريقي . ولقد كان الرجل بعيد النظر » ويتمتع برؤية استراتيجية عظيمة › وإحساس بالمسؤولية كبير » فقد أيقن أن الاحتفاظ بالانتصارات التى حققها على البيزنطيين والبربر معا » في المغربين الأدنى والأوسط - تونس والجزائر الحاليتان - يتطلب إنشاء قاعدة بحرية حصينة » ودار صناعة لصناعة السفن ومستلزماتها » وأن الآوان قد حان ليعتمد شمال إفريقيا على قواعده وأساطيله الخاصة في الدفاع عن نفسه لطول خحطوط مواصلاته مع القواعد التي كان يعتمد عليها في الإسكندرية وبرقة . ولعل حسان بن النعمان » وهو قائد ذو بصيرة عسكرية ورؤية سياسية واضحة › كان يستشرف المستقبل » ويرى بعين المؤمن وحدسه ما تم على يد خليفته في قيادة الفتوحات في المغرب ؛ القائد العظيم موسى بن نصير » وقائده الفذ العبقري طارق ابن زياد » ومن جاء بعدهما » من فتح الأندلس » وال جزائر الغربية في البحر الأبيض امتوسط . وأن ذلك كله لن يتم إلا إذا كان للمسلمين قوة بحرية فعالة في غرب البحر الأبيض المتوسط . عندما فكر حسان بن النعمان في إقامة صرح عسكري بحري إسلامي للجناح الغربي من الدولة الإسلامية » كان يعلم أنه بدون الخبرات

عدد الصفحات ٢٤٨

الصرية فلن تقوم لمشروعه قائمة » وكان على يقين في الوقت نفسه أن هذه الخبرات ستكون في متناول يده ؛ لأن الهدف الذي يسعى لتحقيقه يهم الدولة الإسلامية التي كان يحكمها آنعذ خليفة من فحول الخلفاء وأفذاذهم على مدى التاريخ الإسلامي كله ؛ وهو عبد الملك بن مروان » الذي لم يتردد في تلبية كل ما طلبه حسان بن النعمان لإقامة ترسانة بحرية عظيمة في تونس . ولإحساس حسان بأهمية الأمر فقد أرسل أربعين رجلا من أشراف العرب إلى الخليفة يشرحون له حقائق الموقف › وأهمية الشروع الذي ينوي حسان القيام به » ومدى حاجته إلى المهندسين والعمال الملصريين لبدء العمل . وبعد أن سمع عبد املك بن مروان من وفد حسان أصدر تعليماته على الفور إلى أخيه عبد العزيز بن مروان أمير مصر بأن يوجه دون إبطاء ألف رجل من المهندسين والبحارة والعمال المهرة المصريين بأسرهم للعمل في دار الصناعة في تونس › وتحت إدارة أميرها حسان بن النعمان » وكانت تعليمات الخليفة لأخيه الأمير أن يوفر لكل هؤلاء كل ما يحتاجون إليه في عملهم وفي معاشهم وأن يُحسن عونهم › وهذا العدد - الف رجل بأسرهم - هو أكبر عدد نقراً أنه حرج من مصر إلى مثل هذا العمل في مکان آخر © . وكتب عبد املك بن مروان إلى حسان بن النعمان بأن يحسن استقبالهم ومعاملتهم » وأن يوفر لهم الراحة الكافية » ليتفرغوا تفرعًا كاملا لعملهم وإتقانه على أحسن وجه . وأن تكون دار الصناعة المزمع إقامتها قوة وعدة للمسلمين إلى آخر الدهر » ون يصنع بها المراكب للجهاد ضد الروم في البر والبحر ؛ لإشغالهم عن مهاجمة القيروان وغيرها من شواطئ المسلمين . وقد أحسن حسان بن النعمان استقبال المصريين » ووفر لهم كل ما يازمهم لعملهم ومعاشهم . وبعد أن ترك حسان بن النعمان الميدان لغيره » ليواصل مسيرته في الإعمار وتنظيم البلاد » وتقوية دفاعاتها » واصل خلفاؤه رعايتهم وعنايتهم بدار الصناعة في تونس »› وإمدادها بکل ما تحتاج من عمال وبحارة » حتی اصبحت مر كرا بحربًا مهما على . ) ٠٤١ » ۱٤١ص‎ ( تاريخ البحرية المصرية ( ص١٠٠ ) » د . إبراهيم العدوي - الأساطيل العربية‎ )١(

عدد الصفحات ٢٤٩

١‏ = دور المصريين الشاطى الجنوبى للبحر الأبيض التوسط » حمته من هجمات الأساطيل البيزنطية وليس هذا فحسب » بل أصبحت قاعدة انطلقت منها الغزوات البحرية الإسلامية › التي غزت معظم جزر البحر الابيض المتوسط الغربي وكانت قمة الانتصارات فتح جزيرة صقلية بديًا من سنة ( ۲۱۲ھ / ۸۲۷م ) » حيث انطلقت الأساطيل من تونس بقيادة الفقيه المشهور أسد بن الفرات . كل هذا لم يكن ممكتا بدون أبناء مصر من المهندسين والعمال المهرة » الذين بذلوا علمهم وخبرتهم بكل إخلاص في بناء الأساطيل الإسلامية في المشرق وا مغرب . والخلاصة : إن العرب بعد أن أتموا فتح الشام تقدموا لفتح مصر ؛ وكان ذلك ضرورة لتأمين فتوحاتهم ووجودهم في الشام » وأنهم عندما فتحوها لم ينتزعوها من أهلها » بل الحقيقة انهم دوم ای OS‏ وسهولته › وأن تعاون لوين مي الب ناين د اروم سى الأرر الي أخبر بها النبي بلق عندما كان أمر فتح مصر في علم الغيب ؛ فقد أخرج الطبراني في الكبير ‏ وأبو نعيم في دلائل النبوة » بسند صحيح » عن أم سلمة » أن رسول الله بلي » أوصى عند وفاته » فقال : « الله الله في قبط مصر » فإنكم ستظهرون علبهم ‏ ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله » (© وفي رواية أخحرى : « استوصوا بالقبط خير » فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوکم ) ٩‏ . ۰ معاملة » ومنحوهم حرية لم ينعموا بها من قبل » وبصفة خاصة حرية العقيدة » فلم يجبروهم على اعتناق الإسلام »> ولو كان الإجبار على اعتناق الإسلام واردًا لما بقي مسيحي واحد على رض مصر ویج ات یعرف افا ا ای ر ی ر لكل أبناء مصر ؛ لأن من أسلم منهم أسلم بحريته » ومن بقي مسيحيًا بقي معزرًا مكرما » مصونة كل حقوقه . ولم يتدخل المسلمون في شؤون عقيدتهم قط » وقد أشرنا من قبل إلى عودة )١(‏ السيوطي - حسن الحاضرة ( ٠۲/١‏ ) » وابن عبد الحكم - فتوح مصر ( ص٤٠‏ ) . (۲) المصدران السابقان على نفس الترتيب ( ١۱۳/١‏ ) › و( ص٤‏ ) .

عدد الصفحات ٢٥٠

في إنشاء البحرية الإسلامية البطريرك بنيامين من منفاه إلى كرسي كنيسته بأمر الفا العظيم عمرو بن العاص » الذي أصبح صديقا حميمًا لرأس الكنيسة المصرية » وكان يستشيره في كل شؤون مصر المالية والإدارية . كما قام العرب الفاتحون بحركة إعمار واسعة النطاق على كل أرض مصر› لتعمير ما خربته الحروب الكثيرة التي دارت بين الرس والروم على أرض مصر » وما خربه الروم أتفسهم انتقائا من هل مصر » الخالفين لهم في المذهب الديني » حتى الكنائس والأديرة نالتها يد التعمير » كما أدرك اللسلمون قيمة وصايا الرسول لر بأهل مصر » وشهادته لهم بأنهم « خير أجناد الأرض ؛ لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة » ؛ فاتخذوا في مصر جندًا كثيفًا » وجيسًا كبيرا مرابطًا دفاعًا عن أرض الإسلام في مشرقه ومغربه . ودفاع مصر عن الرسلام عقيدة ارا وحضارة › حقيقة لا ينكرها إ إلا جاحد أعمى التعصب بصره وبصيرته . ولقد استشمر المسلمون كل إمكانات مصر وخبرة أهلها في بناء السفن وأقبل الصريون على العمل في العديد من دور صناعة السفن التي سبق الحديث عنها في القلزم والإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس وجزيرة الروضة » كما لم يترددوا في العمل في موانئ الشام وموانئ المغرب » بكل عزم وإخلاص » لحسن الرعاية وجميل امعاملة التي كانوا يلقونها من الأمراء المسلمين » وقد كان من المسيحيين أنفسهم قادة بم ملم القواعد المسكرية » كما سيقت الإشارة | ۰ ۲1 البحرية لإسلامية في شرق وجنوب وغرب ب البحر الأبيض المحوسط » ل تصبح الأساطيل الإسلامية نذا للأساطيل البيزنطية فحسب . بل تفوقت عليها وانتزعت منها السيادة على البحر الأييض التوسط » ويعد الؤرخحون معركة ذات الصواري » التي دارت بين الأساطيل الإسلامية بقيادة أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح › وعلى شواطئ مصر الغربية سنة ( ٤٣ه‏ | ١٠٥٠م‏ ) وبين الأساطيل البيزنطية بقيادة الإمبراطور قنسطانر الثاني - يعدون هذه المعركة فاصلة في التاريخ خ البحري في مطلع . العصور الوسطى ؛ فقد قررت مصير البحر الأييض التوسط لمصلحة المسلمين > ولعدة قرون قادمة 7“ » فالنصر العظيم الذي حققه الأسطول الإسلامي الناشئ على . » راجع عن هذه العركة الفاصلة : تاري يخ البحرية المصرية - مرجع سابق ( ص٦۲۸ ) وما بعدها‎ )١( = ود . إبراهيم العدوي - الأساطيل العربية ( ص٣۳ ) وما بعدهاء» ود . حسين مؤنس - تاريخ المسلمين‎

عدد الصفحات ٢٥١

Yo الأساطيل البيزنطية العتيدة . كان مفاجأة مذهلة للإمبراطور البيزنطي » الذي لم يكن يساوره أي شك في انتصار أساطيله » ومن ثم العودة إلى استرداد مصر والشام من السلمين » ولكن الهزية القاسية التي لحقت به » جعلته يقلع نهاتيًا عن فكرة استرداد مصر والشام » والتسليم بالأمر الواقع ؛ ولذلك عاد من الهزية لا ليستقر في عاصمته العتيدة - القسطنطينية بل ذهب إلى جزيرة صقلية المواجهة لإفريقية - تونس - عله ينجح في حماية شمال إفريقيا » بعد أن فقد الأمل في العودة إلى مصر والشام » ولكن حتى هذا الأمل ضاع من الإمبراطور التعس الذي لقي مصرعه في تلك ال جزيرة اغيالا » ثم تابع المسلمون فتح الشمال الإفريقي كله » وأحرجوا الروم منه أذلاء » كما أحرجوهم من الشام ومصر . وانطلقت الأأساطيل الإسلامية تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط › وتفتح جزره في الشرق والجنوب والغرب محققة السيادة الإسلامية على ذلك البحر . ولا نبالغ إذا قلا : إن كل ذلك لم يكن مكنا بدون فتح مصر » وتعاون اهلها مع الفاتحين المسلمين › وتقديم خبرتهم في بناء الأساطيل الإسلامية . KR«# في البحر المتوسط ( ص٠10‏ ) وما بعدها .

عدد الصفحات ٢٥٢