العربية وموانيع هذه البلاد كما يشهد بذلك بعض المؤرخين الأوربيين أنفسهم ' ثم ليخبرنا بروكلمان وأمثاله كيف وصل الإسلام إلى أفريقيا > حيث توجد دول أفريقية بكاملها أو بغالبية سكانها على الأقل مسلمة الآن مثل نيجيريا والسنغال وغيرها . ولندع باحئًا أورييًا آخر ليقول لنا : كيف وصل الإسلام إلى أفريقيا . يقول سبنسر ترمنجهام : « وأما في غرب أفريقيا فإن انتشار الإسلام يرجع في المقام الأول إلى التجارة والدعوة له بواسطة التجار الأفارقة ) ”° . هل تبقى بعد ذلك للتهم التي يزعمها ويلصقها بالإسلام أعداؤه أية قيمة ؟ أما آن للباحثين الغربيين أن يكفوا عن مهاجمة الإسلام » وأن يحترموا عقولهم بل وأن يحترموا عقول قرائهم في هذا العصر الذي يزعمون أنه عصر حرية الفكر . أغلب الظن أن أغلب المستشرقين لم يستطيعوا التحرر من التعصب ضد الإسلام . وجريًا على قاعدة أن لكل قاعدة شواذ » فلم نعدم بعض المنصفين من الغربيين الذين فاهوا بالحقيقة وأعلنوها . ونختم هذه الخاتمة بكلمة لواحد من هؤلاء الغربيين المنصفين . وهي كلمة لها قيمتها في هذا امجال ؛ لأنها صادرة عن باحث لا يكن أن يكون متحيرًا للإسلام أو متحمسا لترويج مبادئه والدعوة له . ولكنها الحقيقة ظهرت له ناصعة » فأجبرته على أن يعلنها . يقول توماس آرنولد : « وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامى ظهر أن الفكرة التى شاعت بأن السيف كان العامل فى تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق » ° . ٤ وإذا كنا استشهدنا أكثر من مرة بكلام آرنولد وغيره من الغربيين المنصفين فليس ذلك لأن الأدلة فى تراثنا قليلة أو غير كافية على صدق رأينا ؛ ولكن لفلا ننسى من يقول كلمة حق في حقنا » وليعرفوا أننا لسنا متعصبين مثلهم ؛ لأن ديننا هو دين التسامح وعرفان الجميل . وبعد ؛ فهذه لحة عن دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي بإ . ا أن أكون قد وفقت في عرضها فان صح هذا فالحمد لل أولا وأیزا ون تكن . ) ۳٠٣ص ( انظر توماس آرنولد - الدعوة إلى الإسلام )١( . ) ١١١ص ( سبنسر ترمنجهام - الإسلام في شرق إفريقيا )۲( . ) توماس آرنولد - الدعوة إلى الإسلام ( ص۸۸ )۳(
عدد الصفحات ٢٠٢في عهد الي ي م الأحرى فبحسب الإنسان أن يحاول وأن يجتهد وعلى الله التوفيق وبه المعونة › والكمال لله وحده . هذا ولا يزال الموضوع محتاجا إلى أبحاث كثيرة تستقصي جوانبه التعددة » ندعو الله تعالى أن يوفق أهل العلم للقيام بها » وعلى الله قصد السبيل . # # ¥
عدد الصفحات ٢٠٣FT a a ¥ 4 ف 0 ا a AN ا 2 4 8 1 للا ر ر ت خضت یا + سے ار کے و عم کہ ر راء ه ورود جلیده قراءة تاريخية جديدة ف موقف عمر بن الخطاب # من الفتوحات الإسلامية
عدد الصفحات ٢٠٥فراءة تاريخيه جديدة لموفف عمر ين الخطاب ك من الفتوحات الإسلامية في شهر نوفمبر ( ۱۹۹۳ م ) عقد اتحاد المؤرخين العرب ندوة فى مقره بمدينة نصر عن الحضارة الإسلامية وعالم البحار » وفي أثناء إلقاء البحوث والناقشات تطرق الحديث إلى إنشاء الاسطول الحربى الإسلامى » ومعارضة عمر بن الخطاب فى البداية بشدة لهذا ا لموضوع » عندما عرض عليه والي الشام - معاوية بن أبي سفيان - الأمر طالبا الإذن منه في إنشاء قوة بحرية إسلامية تدافع عن سواحل المسلمين في الشام ومصر ضد هجمات الأسطول البيزنطي » خاصة من قاعدته القريية من شواطئ الشام في جزيرة قبرص التي قال عنها معاوية : إن الناس في حمص يسمعون نباح كلابها وصیاح دجاجها )0 وجاء رفض الخليفة عمر بدافع حرصه على سلامة المسلمين وعدم الزج بهم في میدان حطر کهذا قبل أن یستعدوا له تمام الاستعداد ؛ إذ کانت له تجربتان سابقتان في التعامل مع البحر » كلاهما لم تنجح وسنعود إلى الحديث عنهما قريبا . ولكن الذي نريد أن نوضحه هنا - والذي كان دافعنا إلى كتابة هذا البحث - أن أحد أساتذة التاريخ علق على موقف عمر من إنشاء اسطول إسلامي ورفضه الحاسم » قائلا : إن عمر بن الخطاب كان يجهل أمر البحر ولا يعرف شيا عنه ؛ لأنه رجل نشاً في الصحراء وكان يخاف من ركوب البحر ولذلك استشار عمرو بن العاص في هذه المسألة » وطلب منه أن يصف له البحر » فجاء وصف عمرو بن العاص للبحر مؤكدًا لخاوف عمر بن الخطاب » فقد كتب إليه قائلا : « يا أمير المؤمنين » إني ريت خلمًا عظيمًا يركبه خلق صغير » ليس إلا السماء والماء » وإنما هم کدود على عود »› إن مال غرق » وإن نجا برق » ۳ . عند ذلك صمم عمر بعد أن قرأً هذا الوصف على الرفض . فكيف يجهل عمر بن الخطاب البحر وأحواله » وهو الذي أمر بحفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر » لتسير فيها السفن محملة بالميرة إلى أهل الحجاز » فقد كتب إلى عمرو بن العاص : « إن الله فتح على المسلمين مصر » وهي كثيرة الخير والطعام» وقد ألقي في روعي - لا أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم - أن أحفر )١( تاريخ الطبري ( ۲٠۸/٤ ) . (۲) تاریخ الطبري ( ٠٠۹/٤ ) .
عدد الصفحات ٢٠٧mmm ۸ موقن عمر بن الخطاب 4 خليجًا من نيلها حتي يسيل في البحر فهو أسهل لا نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة » فإن حمله على الظهر يبعد » ولا نبلغ معه ما نريد » فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتی یعتدل فيه رأیکم .. انطلق يا عمرو بعزية مني حتى جد في ذلك » ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه » إن شاء الله ٠١ . هذا هو عمر بن الخطاب يأمر بحفر قناة لوصل النيل بالبحر الأحمر سميت خليج أمير المؤمنين لتسهيل عملية النقل والتجارة بين مصر وال جزيرة العربية » فهو لا يجهل البحر ولكن هناك فرقًا بين استخدام البحر للتجارة وبين الحروب البحرية ومخاطرها على المسلمين » والتي كان عمر يخشاها عليهم » عندما سمعت هذا الكلام أحسست بالدهشة » بل بالانرعاج الشديد ؛ إذ كيف يوصف عمر بن الخطاب » من أحد أساتذة التاريخ » وبهذه « البساطة » بأنه يجهل أمر البحر ؛ لأنه نشا في الصحراء . أوليست هذه الصحراء شبه جزيرة تحيط بها الاه من ثلاث جهات : البحر الأحمر من الغرب » والخليج من الشرق » وبحر العرب من ال جنوب » وقد تبون لي من خلال المناقشات أنه ليس عمر بن الخطاب الذي يجهل أمر البحر »› ونما بعض أساتذة التاريخ - مع الأسف الشديد - هم الذين يجهلون تاريخ عمر بن الخطاب وأسلوبه فى إدارة الدولة الإسلامية بصفة عامة » وإدارة دفة الفتوحات الإسلامية بصفة خاصة » ويجهلون أن قرارات عمر بن الخطاب لم تكن ارتجالية » بل كانت مبنية على أسس موضوعية » وبعد استشارة كبار الصحابة » وفى هذه النقطة بالذات د رات قوی کا شرح ایم بل | فإذا كان هناك من بي يستحق أن يوصم با لجهل فهو من يصف عمر بن الخطاب بالجهل » ولكي نعرف موقف عمر بن النطاب من الفتوحات بصفة عامة » ومن إنشاء أسطول بحري إسلامى يغزو المسلمون به فى البحار بصفة خاصة » ينبغي أن نلم ببعض النقاط : أولا : إن ح ركة الفتوحات الإسلامية تعد واحدة من الأحداث العالمية الكبرى في التاريخ البشري » بل هي حطر وأعظم حركة فتوحات في كل ذلك التاريخ » وذلك ا أحدثته من تغييرات وتأثيرات عميقة » على رقعة واسعة من الأرض امتدت على طول وعرض قارات العالم القديم : آسيا وأفريقيا وأوربا . . ) م١۹1۷ ( دار إحياء الكتب العربية ) ١ ( طبعة ) ٠١۸ ء ٠١١۷/١ ( حسن الحاضرة للسيوطي )١(
عدد الصفحات ٢٠٨من الفتوحات الإسلا um ۹۔۲ وقد شملت تلك التأثيرات الأحوال الدينية والسياسية واللغوية والفكرية والثقافية والاجتماعية » وهي لا تزال مستمرة وفي زيادة مطردة . ومن هذه الناحية - ناحية التأثيرات العميقة والمستمرة في العالم - فإن الفتوحات الإسلامية إذا قورنت بح ر كات فتوحات عسكرية سابقة عليها » كفتوحات الإسكندر الأكبر المقدونى » التى سبقتها بنحو الف سنة » أو جاءت بعدها » كغزوات المغول التى تلتها بستة قرون تقريبا » فإن هذه المقارنة تظهر عظمة الفتوحات الإسلامية ٠. أما فتوحات الإسكندر وإمبراطوريته التي شادها في الشرق » فلم يكد يختفي من الحياة حتى تمزقت أوصال تلك الإمبراطورية وأحذت تضمحل شيًا فشيئًا إلى أن اأُصبحت ذکری من ذکریات التاریخ . وأما غزوات المغول ؛ فإنها في حد ذاتها تقدم أكبر وأقوى البراهين على عظمة الفتوحات الإسلامية وخلودها ؛ لأن هذه الغزوة المغولية البربرية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا من قبل في وحشيتها وهمجيتها » والتي دمرت معظم العالم الإسلامي في الشرق مما كان له من حضارة زاهرة » ولم يوقف زحفها المدمر › ويحمي بقية العالم منها سوى الوقفة الباسلة والشجاعة التي وقفها الجيش المصري بقيادة السلطان قطز وقائده الظاهر بيبرس » حين ألحقوا با لمغول أول هزيمة ساحقة تحل بهم منذ ظهورهم في مطلع القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي › وكانت تلك الملحمة الإسلامية الرائعة فى عين جالوت فى شهر رمضان المبارك (عام ۸ه - ١٠۲٠م ) هذه الغزوة الغولية البربرية كان يكن أن ينساها التاريخ » أو يذكرها ككابوس عابر فظيع ألم بالإنسانية في مسيرتها الطويلة › ومضى إلى سبيله > كان بمكن أن يحدث ذلك لولا أن الله عا قد أدرك برحمته الواسعة هذه الجموع الهمجية وهداها » فأسلم غلب الغول » وطواهم الإسلام تحت جناحه › وأظلهم بحضارته » وحولهم من قوة غاشمة مدمرة إلى قوة خيرة › ومن أعداء مهاجمين إلى أتباع مدافعين ومشاركين في صنع الحضارة الإسلامية وشادوا حضارة ارتبطت باسمهم في الهند وإيران وأفغانستان . وهذه الظاهرة المغولية عكست نظرية ابن خلدون » أو هى ربا الاستثناء الوحيد من تلك النظرية التي ذهب إليها ؛ وهي أن المغلوب مولع دائكا بتقليد الغالب » فالغالب - وهم اللغول - هو الذي قلد المغلوب - وهو هنا المسلمين - بل لم يقلده فقط ؛ إعا اعتنتق دينه وخحضع لسيادته » واستظل بحضارته وأسهم في إثرائها وهذه هي
عدد الصفحات ٢٠٩,۹ موقف عمر بن الخطاب ل عبقرية الإسلام الخالدة والباقية على الزمن . ۰ فكل أرض وصلت إليها الفتوحات الإسلامية » ان نتشر فيه الإسلام واللغة العربية والثقافة الإسلامية » وشكلت العالم الإسلامي » ولم يتراج عالإسلام عن أية منطقة › سوى الاأندلس » وعندما تراجع الإسلام عن الأندلس » لاسباب ليس هنا مجال شرحها » عوض ذلك أضعاف أضعافها في مناطق أخرى في آسيا وأفريقيا » وبدون أية حروب أو معارك بل عن طريتق الدعاة والتجار المسلمين . ثانا : إن هذه الح ركة - الفتوحاتالإسلامية - الكبيرة والخطيرة لم تدرس حتى الآن دراسة شاملة من الناحية العسكرية البجتة » مع أن المسلمين خاضوا معارك عسكرية كبيرة وحاسمة » ضد الدولتين العالميتين فى ذلك الوقت - فارس والروم - فأجنادين واليرموك على جبهة الروم » والقادسية ونهاوند على الجبهة الفارسية » كانت من المعارك الخطيرة في التاريخ العسكري العالمي . وكانت معارك حاسمة في التاريخ البشري بدون شك » فالعالم الذي كان قبل تلك المعارك لم يعد هو العالم بعدها ؛ بل تغير تغيرا جذريًا في كل شيء » بل معركة واحدة هي معركة نهاوند أزال انتصار المسلمين فيها إمبراطورية الفرس من الوجود » وقد سمى الطبري تلك المعركة فتح الفتوح » وقال عن الفرس بعدها : لم تقم لها قائمة » ولم تجتمع لهم كلمة () . وكثير من القادة العسكريرن المسلمين أمثال خحالد ب بن الوليد » وسعد بن أبي وقاص › عمرو بن العاص » وأبي عبيدة بن ال جراح » ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أي سفيان › والنعمان بن مقرن ... وغيرهم برعوا في وضع الخطط العسكرية وفي تنفيذها ببراعة هائلة » وحققوا انتصارات مدوية » وأظهروا مواهب عسكرية فذة » وكان من حقهم ن یدرسوا وتدرس معا ركهم وانتصاراتهم بأقلام کتاب عسکرین مسلمین » حتی تعرف الأًجيال الحاضرة والقادمة ا جهود الكبيرة التي بذلها هؤلاء القادة العظام » لتقد جهادهم حق قدره حتی تتلی بالأمل ولا تفقد تقتها فی تفسها وفی متها » وتؤمن بأن الأمة التي أنجبت هؤلاء القادة الأفذاذ » لهي قادرة على إنجاب أمثالهم يردون لها اعتبارها وكرامتها التي ديست في التراب الآن من شذاذ الآفاق . ولكن للأسف الشديد فإن تاريخ هؤلاء القادة الكبار » بل التاريخ العسكري (۱) تاریخ م الطبري ( ١١١/6 .
عدد الصفحات ٢١٠من الفتوحات الإسلاية اال الإسلامي كله يعتبر حتى الآن غير معروف بالقدر اللازم الكافي » فليس هناك مؤلف واحد شامل - فيما أعلم - عن التاريخ العسكري الإسلامي وضعه رجل حرب مسلم » وخبير عسكري متمرس › يكون قد قام بدراسة ميدانية كاملة لميادين الحروب التي خاضها السلمون - خاصة في فتوحاتهم الأولى - واصمًا أشهر العارك على الأقل » وموازنًا بين خطط وتكتيك وأداء القادة العسكريين المسلمين ؛ ويين خطط أعدائهم الذين واجهوهم ومدى مطابقتها لقواعد وأصول ومبادئ الحرب ومن انتصر ؟ وهل کان يستحق الانتصار ؟ ومن هزم ؟ وهل کان يستحق أن يهزم ؟ ليس هناك مؤلف واحد شامل بهذه المثابة ”“ . والكتاب الوحيد اليتيم » الذي يستحق صاحبه أسمى آيات الشكر والعرفان هو ذلك الكتاب الذي ألفه امجنرال الباكستانى أغا إبراهيم أكرم عن بطل أبطال الفتوحات الإسلامية - أو كما يسميه هو : ١ سيد الحروب » - خالد بن الوليد »> وهو دراسة عسكرية بحتة عن الأعمال الحربية التي قام بها أو شارك فيها خالد بن الوليد » منذ غزوات أحد والخندق - حيث كان لا يزال مش ركا - مروا بأمجاده العسكرية منذ أسلم » بدا من غزوة مؤتة وانسحابه الرائع والمشرف بقواته سليمة . ذلك الانسحاب الذي سماه الرسول جي فتحًا . وسمی خالدًا سيف الله حين نعى القواد الثلاثة الذين استشهدوا في المعركة على اتوالي » وهم زيد بن حارثة » وجعفر بن أبي طالب » وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم جميعا - بعد أن نعاهم الرسول في المدينة › قال : « ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ؛ خالد بن الوليد » © . ثم دوره في حروب الردة وقضائه عليها وفتوحاته الأولى في العراق وانتصاراته على جیوش الفرس ثم دوره الفذ ضد الروم في معارك الشام > خحاصة معركة اليرموك )١( نعم توجد بعض الكتابات احدودة في الجال العسكري ولكنها كتابات عامة » مثل كتاب اللواء محمد جمال الدين محفوظ « القيادة يإدارة الحرب من توجيهات الإسلام » وكتابات محمد فرج « فن إدارة المعركة في الحرب الإسلامية » وغيرها مثل كتابات اللواء ١ محمود شيت خطاب . عن قادة الفتح الإسلامي في المشرق والغرب » كما توجد مؤلفات أحرى عن الفتوحات مثل فتح العرب لمصر › للمؤلف الإنجليزي الفرد تار » وفتح العرب لآسيا الوسطى لهاملتون جب » وفتح العرب للمغرب » للد كتور حسين مؤنس » وهذه المؤلفات على أهميتها تناولت الفتوحات تناولا سياسيًا أكثر منه عسكريًا وتبقى الحاجة ماسة لمزيد من المؤلفات ذات الطابع العسكرى والتي يجب أن يقوم بها عسكريون مسلمون خبراء في الاستراتيجية وتخطيط المعارك . (۲) الكامل في التاریخ لابن الأثیر ( ۲۳۸/۲ ) .
عدد الصفحات ٢١١وطردهم منها إلى الأبد ولقد زار الخبير العسكري المسلم جميع المواقع التي حارب فيها خالد بن الوليد على الطبيعة ”“ » وكلفه ذلك جهودًا ومتاعب كبيرة » حيث تعلم اللغة العربية حتى يستطيع قراءة المصارد العربية » وزار ست دول عربية هي : سوريا ولبنان والأردن والعراق والكويت والمملكة العربية السعودیة ( ۱۹۰۹۸ - ۹٦۹١م) . ومشى على كل الأرض التي حارب عليها سيف الله خالد بن الوليد » ورسم (۲۹ ) خريطة عسكرية للمواقع » ودرس بشكل تفصيلي حركة الجيوش المتحاربة في ميادين القتال الحقيقية » ولقد أزالت تلك الدراسة العلمية القيمة كيرا من الغموض الذي كان يكتنف الفتوحات الإسلامية » من حيث ترتيب المعارك ترتيبا تاريخيًا وحدد حط سير لرحلة خالد بن الوليد الخطرة من العراق إلى الشام يختلف عما ذهب إليه كثير من المؤرخين المسلمين » وهو الطريق الذي بدأ من الحيرة وانتهى بسوي مارا بقراقر واستبعد أن يكون خالد قد مر بدومة الجندل فى هذه الرحلة لأسباب فنية ”© . والرجل في الحقيقة لم يدع أنه حسم تلك المسألة نهائيا » وإنما قال : إن هذا هو أقرب الحلول إلى المنطق وسير الحوادث . أما المسألة التي حسمها فهي الموقع الذي دارت فيه معركة اليرموك » فقد قال : إن ميدانها هو السهل الواقع شرقي نهر اليرموك وذلك لاعتبارات عسكرية . والخلاصة أن هذا الكتاب هو أفضل كتاب تحدث عن الفتوحات الإسلامية التى تمت على يد سيف الله خالد بن الوليد ك » وهو طبعًا لم يتناول كل الفتوحات » ويبقى المجال مفتوحا لزيد من الدراسات العسكرية الجادة عن بقية قادة الفتوحات الإسلامية » وأمجادهم العسكرية » مثل قتيبة بن مسلم » وفتوحاته في بلاد ما وراء النهر - والتي تسمى الآن آسيا الوسطى الإسلامية - ومحمد بن القاسم الثقفي وفتوحاته في إقليم السند » وعقبة بن نافع وموسى بن نصير وطارق بن زياد وغيرهم من قادة الفتوحات الإسلامية في المغرب والاندلس . ثالئا : إن الدارس للفتوحات الإسلامية في مصادرها الأصلية » وهي كتب )١( باستثناء المواقع التي تقع في فلسطين الحتلة . (۲) انظر الخريطة ( رقم ٠١ ) ( ص ۲٠١ ) من الكتاب المذكور وعنوانه » خالد بن الوليد ( سنة ۹م ) وترجمه إلى العربية إسماعيل كشميرى ( سنة ٤۹۷٠م ) وهو من مطبوعات الجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة .
عدد الصفحات ٢١٢من الفتوحات الإسلاة د ٣إ الفتوح › مثل « فتوح الشام » للواقدي » المتوفى ( سنة ۷٠۲ه ) . « وفتوح الشام ) محمد بن عبد الله الازدي » التوفى ( سنة ١١۲ه ) . « وفتوح مصر والمغرب والأندلس ( لابن عبد الحكم المتوفى ( ۷١۲ھ ) ( وفتوح البلدان » للبلاذري المتوفى ( سنة ۲۷۹ه » وكتاب « الفتوح » لابن أعثم الكوفي ( سنة ۳۲١ ) ه وغيرها من كتب التاريخ العام »> مثل « تاريخ الطبري » المتوفى ( سنة ١٠٠٠ه ) » « والكامل » لابن الاثير المتوفى « سنة ٠٠١ ٦ه » › « والبداية والنهاية » لابن كثير المتوفى ١ سنة ٤ه » » الدارس للفتوحات في هذه المؤلفات يخرج بانطباع مهم» وهو أن اللسلمين عندما اضطروا للصدام مع الفرس والروم في وقت واحد » في حروب طاحنة منذ مطلع خلافة أبي بكر الصديق هه » لم تكن لديهم نية مبيتة للاشتباك العسكري مع هذه الدول الكبيرة ذات الجيوش ال جرارة » ونما أجبرتهم تلك الدول على خوض العارك ضدها إجبارًا » بمحاولتها خنقهم والقضاء عليهم في داخحل ا جزيرة العربية نفسها وأيدي الفرس والروم في حروب الردة وتأليب العرب على دولة الخلافة لم تكن خافية » ومثال واحد يكفي للدلالة على ذلك ؛ وهو حالة سجاح بنت الحارث اليربوعية التميمية » التى ادعت النبوة » وخرجت من العراق تقود جيشًا لقتال المسلمين بلغ عدده أربعين ألف رجل » فيكف يعقل أن تستطيع سجاح فعل هذا وتخرج من بلد كان تحت السيطرة الفارسية دون أن يكون الفرس أنفسهم من وراء ذلك تأييدًا وتشجيعًا وتحريًا . وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الفرس والروم جميعًا حاولوا القضاء على العرب بالعرب كما كانت تلك عادتهم من قبل » فلما لم تنجح تلك الحاولة دخلوا الميدان بشكل سافر » فكان لا بد من الصدام » ولم يكن في وسع المسلمين أن يسكتوا ويقفوا مكتوفي الأيدي » حتى يدهمهم الفرس والروم ويأخذوهم على غرة . ولقد بدت الصدامات الأولى مع الفرس في العراق » عندما كان أحد القادة السلمين وهو الثنى بن حارثة الشيباني يطارد المرتدين » فهذه المنطقة هي التي جاءت منها سجاح بنت الحارث » وحينما كان المغنى يحارب المرتدين تكالبت عليه الجيوش الفارسية » الأمر الذي جعله يستنجد بالخليفة أبى بكر الصديق » الذي أدرك خطورة الوقف » وعواقب تدخل الفرس في المعارك » فأرسل إلى العراق أعظم قادته العسكريين سيف الله خالد بن الوليد » الذي استطاع بهارته العسكرية أن يفتح نصف العراق الجنوبي في بضعة شهور . أما الصدام مع الروم فقد بدأ عندما
عدد الصفحات ٢١٣استدرجوا خالد بن سعيد بن العاص الذي كان قد أمّره أبو بكر على أحد الجيوش أثناء حروب الردة » وأمره أن يعسكر في منطقة تيماء » شمال الحجاز » على طريق الشام » وقال له : لا تقاتل إلا إذا قوتلت » ولكن الروم استدرجوه › وغرروا به واشتبكوا معه » وتظاهروا بالتقهقر أمامه داخل الشام » ثم انقضوا عليه وأوقعوا بجيشه هزيمة منكرة . ما أغضب الخليفة عليه أأشد الغضب ولم تكن هذه أُول مرة يعتدي فيها الروم على المسلمين » فقد سبق أن اعتدوا على المسلمين في غزوة مؤتة وكادوا يهزمونهم لولا مهارة خالد بن الوليد الذي استطاع أن ينسحب انسحايًا مشرفا بقواته » وهذه الاشتباكات الأولى مع الفرس والروم وإن خاضها المسلمون مضطرين وبدون تخطيط مسبق » إلا أنها كانت ذات فائدة كبيرة ؛ فقد أظهرت النوايا العدوانية لكل من الفرس والروم ضد المسلمين وجعلت الخليفة يعد ويستعد في الوقت الناسب » لذلك يقول الطبري : إنه رغم غضب أبي بكر من خالد بن سعيد› إلا أنه اهتاج للشام وعناه أمره ( . وجهز للشام أربعة جيوش في وقت واحد » جيش تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح > ووجهته حمص في شمال الشام » والثاني تحت قيادة یزید ب بن أي سفیان ووجهته دمشق › في وسط الشام » والثالث تحت قيادة شرحبيل بن حسنة ووجهته الأردن » والرابع تحت قيادة عمرو بن العاص ووجهته فلسطين » وهكذا بدأت الحروب تدور مع الفرس والروم في وقت واحد وکانوا هم البادئين بالعدوان . رابغا : إن حركة الفتوحات الإسلامية في سرعتها ونجاحها » الباهر ونتائجها العظيمة قد حيرت المؤرخين » خاصة المستشرقين فذهبوا فى تفسيرها وتحليل دوافعها مذاهب شتى » وأرجعوا مجمل أسبابها إلى الجوع والقحط الذي دفع العرب إلى الخروج من شبه الجزيرة العربية وغزو البلاد التي غزوها » أي : إن السبب الرئيسي لتلك الفتوحات كان اقتصاديًا من وجهة نظرهم . وليس هناك قول أبعد عن الحقيقة من هذا القول » لا لأننا نستبعد تماما العامل الاقتصادي ؛ ولكن لأن الحقيقة أن هذا العامل كان عامل ثانويًا » ومعظم الجنود والقادة الذين صنعوا تلك الأمجاد » لم يكونوا يفكرون في بطونهم » كما يدعي بعض المستشرقين » ومن لف لفهم من كتاب العرب » ونما كانوا يدافعون عن عقيدتهم وعن حرية نشرها » أي : إنهم كانوا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العلياء )١( تاريخ الطبري ( ۳۸۹/۳ ) .
عدد الصفحات ٢١٤من الفتوحات الإسلاة ١١٣ mm وإذا جاءت الغنائم بعد ذلك فمرحبا بها وسهلا » والمؤرخون المسلمون أنفسهم لم ينكروا أن بعض الجنود كانت تح ركهم دوافع اقتصادية فقد قال البلاذري لا استنفر أبو بكر العرب ودعاهم للاشتراك في الدفاع عن العقيدة ضد المعتدين - الفرس والروم - قال : « فتسارع الناس إليه من بين محتسب وطامع ) والعبارة أوضح من أن تحتاج إلى تفسير . والخليفة العظيم رحب بالجميع » الحتسب ؛ وهو الذي جاء مجاهدًا في سبيل الله » والطامع الذي جاء بيغي الغنيمة » ولم يحظر على الطامعين الاشتراك في العارك بل أكثر من هذا ؛ فإن الخلفاء كانوا يتجاوبون مع هذه التطلعات من البعض إلى الأعمال الدنيوية » ومن ن أوضح الأمثلة على ذلك ما فعله عمر ب بن الخطاب ي » مع قبيلة بجيلة » عندما انتدبهم إلى الاشتراك في مع ركة القادسية في العراق > وهم کانوا یودون الذهاب إلى الشام » ولكن عمر قال لهم : بل العراق ؛ لأن الشام في كفاية » ولا وجد منهم تباطو وعدهم بحافز مادي إضافي فوق نصيبهم الشرعي من الغنائم . كما يقول البلاذري « وكانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية » ” وكثير من القادة كانوا يحفزون جنودهم في المواقع ويحرضونهم على القتال بالحافر المادي › فقد قال خالد بن الوليد لجنوده في العراق : « ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب » وباللّه لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله ك ولم يكن إلا المعاش ؛ لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف » ونكون أولى لى به ونولي الجوع والإقلال من تولاه » ممن اثاقل عما أنتم عليه » ° . بل أكثر من هذا كله » يروى أن الرسول به قد قال في غزوة حنين » وكان الموقف فيها صعبًا وعصيبا - : « من قتل قتيلا فله سلبه » ٠ ؛ لتحريض المسلمين على القتال بحافز مادي . فالحافز المادي إذن لم يكن مستبعدًا » لكنه لم يكن الهدف الأول من الفتوحات › ولو كان الجوع هو السبب الأول الذي دفع العرب إلى هذه الفتوحات ؛ لكان يكفيهم منطقة صغيرة من الشام » أو العراق ؛ لأن عدد الذين قاموا بالفتوحات ؛ كان بضع عشرات من الألوف » ولم يكونوا في حاجة إلى فتح كل تلك البلاد )١( البلاذري - فتوح البلدان ( ص۸١٠ ) . (۲) فتوح البلدان ( ص۳۲۸ ) . (۳) تاريخ الطبري ( ۳٠٤/۳ ) . ٤( ) مقاصد الشريعة الإسلامية للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ( ص۲۹ ) » وانظر الكامل في التاريخ لابن الأثیر ( ٠٠١/۲ ) .
عدد الصفحات ٢١٥لإشباع بطونهم كما يزعم أعداء الإسلام . ه موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات بعد توضیح هذه الملاحظات أو النقاط التي كانت ضرورية لبيان موقف الخليفة عمر بن الخطاب من الفتوحات » الذي دعانا إلى إعادة قراءته وتقديه للناس ما أشرنا إليه في البداية ؛ وهو اتهامه من بعض أساتذة التاريخ بالجهل بأمر البحر» والتردد في قرار الفتح . كان عمر بن الطاب أقرب الصحابة رضي الله عنهم جميعًا إلى أبي بكر وأبرز امشاركين في القرار السياسي » وعلى علم تام بكل شيء من أمور الدولة وبأدق التفاصيل » وكان متفقًا تماما مع أبي بكر في ضرورة حرب الروم حربًا وقائية » أو القيام بالهجوم الذي هو أفضل وسائل الدفاع - كما يقول العسكريون في كل زمان ومكان - بل فكر فيها رما قبل أن يفكر فيها الخليفة أبو بكر نفسه » أو في الوقت نفسه » فقد قال لأبي بكر عندما دعاه للاشتراك في الاجتماع الذي قرر فيه غزو الشام : « والله ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه » وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . قد الله رەت لقاءك لهذا لري الذي ذكرت » فما قضى الله أن بكرن حتی ذكرته الآن » فقد أصبت أصاب الله بك سبل الرشاد » ”“ . ولا آلت إليه الأمور بعد وفاة الصديق » كانت رحى الحرب دائرة » والجيوش الإسلامية مشتبكة في معارك كبيرة على الجبهتين الفارسية والرومية » فواجه الموقف بكل وعي وعزم وتصميم ورجولة فائقة قل نظيرها في التاريخ . ومضى بالفتوحات إلى نهاية محددة أو فلنقل : إلى حدود جغرافية يمكن الدفاع عنها ؛ ففي الشام واصلت الجيوش الإسلامية فتوحاتها إلى حدوده الشمالية حتى سلسلة جبال طوروس التي تفصله عن آسيا الصغرى » وغربًا حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط » وشرقًا حتى حدوده مع العراق حيث التقت بقوات الفتح الإسلامي هناك » والحد الجنوبي للشام هو ال جزيرة العربية » كما هو معروف . وتم فتح مصر › بل تجاوزتها جيوش الفتح إلى طرابلس الغرب » وهنا كانت وقفة عمر الحاسمة بضرورة التوقف » والاكتفاء بفتح مصر ”“ » التي كان فتحها ضرورة عسكرية لتأمين الفتوحات الإسلامية في الشام » ولم يكن ممكتًا ولا مقبولا » لا من )١( انظر فتوح الشام لحمد بن عبد الله الأزدي ( ص۲ ) . (۲) ابن عبد الحکم وفتوح مصر ( ص۱۷۲ › ۱۷۳ ) .
عدد الصفحات ٢١٦من الفتوحات الإسلاة ۷ال الخليفة عمر نفسه » ولا من قائد فتح مصر عمرو بن العاص ؛ تجاهل أهمية مصر العسكرية والوقف دونها » ولو حدث ذلك لانتقدهما العسكريون وخحطؤوهما . وفي العراق استقر الفاح العظيم سعد بن أبي وقاص في المدائن عاصمة الأكاسرة من آل ساسان » بعد انتصاره الرائع عليهم في موقعة القادسية العظيمة » وهنا تصور عمر طهه أن الخطر قد زال عن الدولة الإسلامية » باندحار جيوش الفرس والروم » ومن ثم فليس هناك داع للاستمرار في المعارك ؛ فهذه البلاد التي فتحت بتلك السرعة » وإن انتزعت من الفرس والروم ؛ فهي ليست بلادهم » فهي أرض عربية › ومعظم سكانها عرب » والفرس غرباء على العراق ومحتلون له » والروم غرباء على الشام ومحتلون له أيسّا » ومشاعر السكان لم تكن ودية في العراق للفرس ولا في الشام للروم ؛ لاسباب كثيرة . وفي ضوء ذلك يمكن أن نفسر ونفهم مقولة الإمبراطور هرقل اليائسة وهو يغادر أنطا كيا بعد انكسار جيوشه وهزيتها الساحقة ؛ خاصة فى معركة اليرموك الخالدة فقد قال - والألم يعتصر قلبه على جهوده الضائعة التي بذلها في استرداد هذه البلاد من الفرس قبل سنوات قليلة - : « عليك يا سوريا السلام ؛ ونعم البلد هذاللعدو » © . هذه رواية البلاذري لقولة هرقل . أما بتلر فقد ذكرها بصيغة أخرى في كتابه « فتح العرب لمصر » ؛ نقلا عن المصادر البيزنطية » ولكنها تؤدي ذات العنى ؛ يقول بتلر : وعرف الإمبراطور أن بقاءه بالشام قد أصبح لا غناء فيه فرحل عنها - أنطاكيا - إلى القسطنطينية في البحر» في شهر سبتمبر ( سنة ٦۳١ م ) » وقال إذ هو راحل : « وداعًا يا بلاد الشام ؛ وداعًا ما اطول أمده » ”“ ويقول بتلر معلقًا على مقولة هرقل : « وكأننا بها تحمل ما كان يدور في نفسه من أن مجده الغابر ونصره الباهر قد انتهيا بعد الخذلان والعار » وأنه إذ يقولها ليودع عزه وبطولته » ”“ . فلماذا قال هرقل هذه المقولة اليائسة التي تعبر عن فقدان الأمل نهائيًا في استرداد بلاد الشام من أيدي المسلمين ؛ مع أن هذه البلاد ذاتها كان الفرس قد استولوا عليها ؛ ثم استردها منهم هو نفسه منذ سنوات قليلة ( 1۲۲ - 1۲۸م ) ؟ ليس هناك من تفسير معقول ومقبول لذلك (۱) فتوح البلدان ( ص۲٤۱ ) . (۲ » ۳) بتار - فتح العرب لمصر ( ص۷۳٠ ) .
عدد الصفحات ٢١٧سوى أن العاهل البيزنطي الكبير قد أدرك أن صلة القرابة بين العرب القاطنين في الشام من قبل » والعرب الفاتحين القادمين من الجزيرة العربية ستعمل عملها في استقرار الفتح الإسلامي في الشام » خاصة بعد أن يعرف عرب الشام ما يحمله لهم الإسلام من عزة وكرامة وبعد أن يتبينوا أن ح ركة الفتوحات الإسلامية قد حررتهم من السيطرة البيزنطية التي كانوا يبغضونها لاسباب كثيرة دينية وغير دينية » ومن ثم سیکون صعبًا على الروم استرداد تلك البلاد . ورا يکون هذا هو ما فهمه الخليفة عمر بن الخطاب نفسه » ورتب خحططه المستقبلية على أساسه » فالمسلمون إذا عملوا على نشر الإسلام بين إخوانهم عرب الشام » ووضحوا لهم ما يحمله لهم من قيم العدل والحرية والمساواة فهنا يكن أن تسهم قرابة الدم في استقرار للفتح والحكم الإسلامي » وعندئذ لن يحتاج المسلمون إلى فتوحات أو توسعات جديدة ؛ لأن الإسلام ليس في حاجة إلى قوة عسكرية لينتشر › ولكنه دين ينتشر بقوة مبادئه وسماحته » فالقوة لا تستطيع أن تفرض الدين أبدّا على القلوب واللّه تعالى يقول : ل راء ف اَن [البقرة: ]٠٠٠ ولو كان استخدام القوة لنشر الإسلام واردًا لكان في إمكان المسلمين - وقد انتصروا في كل المعارك انتصارات حاسمة - أن يجعلوا كل الشعوب المفتوحة مسلمة ولكن هذا لم يحدث » ونما كل الذين أسلموا في تلك البلاد أسلموا طواعية » دون إجبار أو إكراه » ونتحدى أي مؤرخ أن يدلنا على حادثة واحدة أجبر فيها المسلمون أحدًا على اعتناق الإسلام بالقوة . ويعرف الناس جميعًا أن الإسلام قد انتشر في بلاد بعيدة جدّا عن موطنه الأصلي مثل جنوب شرق آسيا » لا عن طريق القوة » فلم يذهب جندي واحد إلى بلد مثل أندونيسيا لينشر الإسلام فيها ؛ بل انتشر الإسلام هناك عن طريق التجار المسلمين الذين كانوا يذهبون بتجارتهم ويتعاملون بالصدق والأمانة » ثم يؤدون فروض ربهم من صلاة وصيام » وكان الناس يسألونهم عما يفعلون › فيشرحون لهم حقائق ومبادئ وشرائع الإسلام فأقبل الناس على اعتناقه طواعية وتحولت أندونيسيا بكاملها إلى الإسلام » وعدد شعبها الآن يقترب من عدد الأمة العربية مجتمعة ؛ قل ذلك عن بقية البلاد في جنوب شرق آسيا » وفي أفريقیا شرا وغرًا » ونحن هنا نرید مثلا لا استقصاء وحصرًا ؛ لعل الذين يعون أن الإسلام انتشر بالسيف يكفون عن ترديد تلك الفرية . نعود إلى سياق الحديث السابق - بعد هذا الاستطراد الذي كان ضروريًا - فنلفت النظر إلى أن صلة القرابة بين عرب الجزيرة العربية الفاتحين » والعرب القاطنين
عدد الصفحات ٢١٨من الفتوحات الإسلاي uu وال في كل من العراق والشام » لم تحدث تأئيرها في استقرار الفتوحات الإسلامية إلا بعد اتتهاء المعارك » أما أثناء احتدامها فكانوا كلهم - تقريیا - مع الأعداء » فمن الواضح أن البيزنطيين لم يكونوا يقاتلون المسلمين باجيش البيزنطي وحده » بل كان عدد كبير من العرب يقاتل معهم » فقد قاتلوا معهم في معارك وادي عربة » وفي اأجنادين » ودمشق > بل يقول إ إدوارد جیبون : : إن جيش الروم في اليرموك کان یتکون من مائة وأربعين الفا » > كان منهم ستون ألما من العرب » بقيادة جبلة ب بن الأبهم (© . بل كانت تعليمات هرقل بل أن يكون هو وقومه في المقدمة لمواجهة الجيوش الإسلامية » فقد قال له : كونوا في المقدمة فإن هلاك كل شيء بجنسه ولا يقطع الحديد إلا الحديد "© . إذن كان عرب العراق عونا للفرس » وعرب الشام عونا للروم ضد المسلمين » بل يمكننا القول : إن عداء عرب الشام للإسلام والمسلمين منذ البداية كان من الأسباب المباشرة للصدام بين المسلمين والبيزنطيين . ولذلك فليس صحيحًا ما ذهب إليه بعض الكتاب » مثل فيليب حتى من أن عرب الشام كانوا عونًا للعرب الفاتحين » بل ذهب إلى أبعد من ذلك » حيث قال : إن الفتح الإسلامي كان حركة قومية » وأن الفوز فيه كان للقومية العربية لا للدين الإسلامي » أرأيت شططا فى القول أبعد من هذا ؟ فهل كان المسلمون الفاتحون يفكرون في القومية العربية آنذاك ؟ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم » وکل هذه الأقوال هدفها تقليل الجهد الذي بذله المسلمون في الفتوحات الإسلامية . على كل حال ما يهمنا من شرح أوضاع العرب في الشام والعراق وموقفهم من الإسلام قبل وأثناء وبعد الفتوحات » هو أن نفهم موقف الخليفة عمر بن الخطاب من تلك الفتوحات الذي هو هدفنا من هذا البحث ؛ لأن هذا الموقف فى حد ذاته من أقوى الأدلة على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف » وأن الحرب لم تكن هدفًا من أهداف الإسلام والمسلمين ؛ وإنما كان وسيلة ضرورية لإزالة العوائق والسدود التي أقامها الفرس والروم ضد الإسلام » فلو زالت تلك العوائق لم يعد هناك مبرر للحرب بدا » (۱) نقلا عن كتاب خالد بن الوليد لأغا إبراهيم أكرم ( ص٣۳٤ ) . (۲) فتوح الشام للواقدي ( ٠١۲/١ ) . (۳) فيليب حتى - تاريخ العرب ( ص۱۹۷ ) نقلا عن حركة الفتوحات الإسلامية للد كتور شكري فيصل ( ص٥٤ ) .
عدد الصفحات ٢١٩