۸٦ سسس دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية الأخيرة» وعلى أكثر تقدير منذ القرن السابع عشر الميلادي . أما تبادل الرسل وحاملي الرسائل فكان يتم في الزمن الذي نتحدث عنه » بل بعده بكثير » في المناسبات » وعندما تكون هناك ضرورة . وقد مارس النبي ّت » هذا اللون من العلاقات الدولية بنوعيه ؛ أي : إنه بي أرسل من عنده رسلا كثيرين » وفي مناسبات عديدة » إلى عدد من ملوك وأمراء العالم »> كما استقبل في مسجده في المدينة » العديد من الرسل والمبعوثين وحاملي الرسائل . فكيف كان يعاملهم ؟ وقائع التاريخ تدلنا على أن النبي بير > كان يعامل رسل الأعداء والأاصدقاء على حد سواء معاملة واحدة » وهي الاحترام والتكربم » والذي يهمنا هنا هو معاملة النبي لرسل الأعداء بصفة حاصة ؛ لأن هذا أوقع في تصوير موقف الإسلام من هذه الناحية المهمة من نواحي العلاقات الدولية . كان الرسول بلقو يستقبل رسل الأعداء برحابة صدر » ويستمع إليهم في اهتمام » ثم ينحهم الأمن على أرواحهم » ويعطيهم الحصانة التي تخولهم حق العودة إلى أوطانهم سالمين ومتى شاؤوا » مهما كانت خطورة الرسائل التي يحملونها . وإليك بعض الأمثلة العملية على ذلك ومنها ؛ معاملة الرسول يجيي لرسولي كسرى أبرويز الثاني ملك الفرس . فقد أرسل - بعد صلح الحديبية - عددًا من الرسائل إلى ملوك ورؤساء وأمراء العالم المعاصرين » يدعوهم إلى الإسلام - كما سيرد ذکره قريتا - وكان من بين هذه الرسائل رسالة إلى كسرى » ومع أن الرسالة كانت عبارة عن دعوة سلمية للدخحول في الإسلام » وفي اسلوب مهذب رفيع › خالية من العنف أو التهديد بالحرب » إلا أن كسرى عندما قرئت عليه الرسالة استشاط غضبا » وأخذته العزة بالإثم » ومرق الرسالة » ولم يكتف بهذا » بل أرسل إلى باذان - عامله على اليمن التي كانت تحت سلطان الفرس آنذاك - يأمره أن يرسل إلى هذا العربي - يقصد النبي بل - من يقبض عليه » ويحضره مقيدًا في السلاسل » ليمثل أمام كسرى » ليعاقبه على جرأته في مخاطبته بهذا الشكل › إذ كيف يجرؤ ويتطاول إلى هذا المقام > ويخاطب ملك الملوك . وأذعن باذان لأوامر سيده وأرسل إلى النبي ّل رسولين من عنده ليبلغه بقرار كسرى الغريب الذي يدل على الغرور والغطرسة وعماء البصيرة . وحضر الرسولان وأفضيا إلى النبي ل بمضمون مهمتهما . فماذا حدث ؟ وماذا كان موقف النبي من مبعوڻين جاءاه
عدد الصفحات ١٨٦في عهد الب ا mmm ۱۸۷ مأمورين بالقبض عليه » وأخذه بالقوة ليحاكم أمام سيدهم ؟ هل اعتقلهما أو أمر بقتلهما ؟ ابا » لم يحدث شيء من هذا » ونما رد عليهما ردا جميلا » وفي هدوء أخبرهما أن ملكهم هذا المتجبر قد هلك » وعلی ید ابنه بالذات حیث ثار عليه وقتله › وكلفهما بأن يحملا منه رسالة إلى باذان يدعوه فيها إلى الإسلام » فإن هو قبل وأسلم » فإن النبي بر سيقره على عمله كحاكم لليمن باسم الإسلام » وقد شرح اله صدر باذان لالإسلام فأسلم وأصبح يحكم اليمن باسم النبي ينه . أرأيت كيف عامل النبي مبعوثي عدوه وعدو الله كسرى . فأعطاهما الأمان ولم يسهما بسوء . وإليك مثلا آحر » يعتبر من أروع الأمثلة على ذلك . وهو صنيع النبي بل مع مبعوڻي مسيلمة الكذاب » اللذين جاءاه يحملان إليه مزاعم مسيلمة بأنه أشرك معه في لرسالة . فمع خطورة القضية التي جاءاه من أجلها » ومع شذوذ مطلبهما إلا أن النبي لر لم يمسهما بسوء ؛ لأنهما رسولان . وكان رسولا مسيلمة إلى النبي بء هما ابن النواجة » وابن آثال » وكان معهما رسالة من مسيلمة إلى النبي بل > نصها كالآني : « من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله » سلام عليك . أما بعد ؛ فإني قد أشركت في الأمر معك » وإن لنا نصف الأرض » ولقريش نصف الأرض » ولكن قريشا قوم لا يعدلون » فلما سمع الرسول بي نص الرسالة قال : « فما تقولان أنتما ؟ » قالا : نقول كما قال . قال النبي بق : « أما واللّه لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما » © . ثم كتب إلى مسيلمة رسالة هذا نصها : ١هن محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب » السلام على من اتبع الهدى . أما بعد ؛ فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » “ هذه هي معاملة النبي لي لمبعوڻي الأعداء وحاملي رسائلهم ؛ احترام وصيانة وأمن ن لأرواحهم » مهما كان من خطورة الموقف الذي يتباحثون من أجله » ومهما بدا منهم من الوقاحة والبذاءة . بل أكثر من ذلك ؛ فإن الرسول بث كان في كثير من الأحيان يتبسط مع الرسل والبعوثين » ويهديهم بعض الهدايا > ويخلع عليهم بعض الخلع » وهذا من فرط سماحته وکرمه لل . . ) ٠٠٠ص ( ابن هشام - السيرة النبوية - القسم الثاني )۲ ۰“١(
عدد الصفحات ١٨٧۹۸ دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية ه معاهدة الحديبية قي ميزان العلاقات الدولية : تقف معاهدة الحديبية التي وفعت بين النبي بث وبين قريش » دليلا شامخًا على ميل المسلمين إلى السلام » وعلى أن السلام هو الأصل في علاقات المسلمين بالآخحرين . فما هي قصة هذه المعاهدة ؟ ۰ منذ بدء الدعوة اللإسلامية وقريش تعادي النبى لتر عداء سافرًا ووحشيًا » استمر ما يقرب من عشرين عامًا » وبعد ست سنوات من الهجرة قضاها النبي وأصحابه في جهاد مستمر » ضد المشركين من العرب تارة »> وضد اليهود ومؤامراتهم وخياناتهم تارة أخرى » وفي أثناء ذلك كان الإسلام يزداد منعة وانتشارًا وقوة » مما جعل النبي بتر يفكر أنه رما تكون قريش قد اقتنعت بخطمها وعجزها عن مقاومة الإسلام » فقرر أن يعطيها فرصة إما لتدخل فيما دحل الناس فيه وتعتنق الإسلام › وإما أن تكف عن حربه ومقاومته وعن صد الناس عنه فأعلن ي في ذي القعدة من العام السادس الهجري عن عزمه على زيارة مكة هو وأصحابه » زيارة سلمية لتأدية شعائر العمرة » وهي تجربة لقريش » فإن هي خلت بينه وبين زيارة البيت الحرام » فقد يكون ذلك مؤشرا طيبا لتراجعها » ولبداية علاقات سلمية معها » وعندئذ يكن أن يتفرغ النبي بلي لتبليغ دعوته حارج شبه ال جزيرة العربية . ودعا القبائل العربية امجاورة للمدينة » والتي لا تزال على شركها لتشا ركه وأصحابه زيارة البيت الحرام » ليدلل أكثر وأكثر على رغبته في السلام . ومن ناحية أخرى حرص النبى على أن يأحذ معه أكبر عدد من المسلمين ؛ لأن احتمال أن تضطره قريش إلى الدخول معها في معركة كان احتمالًا واردًا » فهو يعرف غدرها وغرورها» فخرج من المدينة ومعه نحو ألف وأربعمائة من أصحابه مقدمين الهدي أُمامهم » کدلیل على انهم جاؤوا معتمرین حاجین » ولم یجیؤوا مقاتلین ٩ . وما أن علمت قريش بعزم النبي ب »> حتى أعلنت عن موقفها العدائي » وهو منع النبي من دخول مكة » مهما كلفها ذلك » واستنفرت جيشا كبيرًا جعلت على قيادته خالد بن الوليد وعكرمة بن أبى جهل . وكان هذا موقمًا ظالا مصرًا على العداء والحرب . فكيف تمنع قريش التبي م وأصحابه من زيارة البيت الحرام » - في كل ما يتعلق بقصة الحديبية راجع : ابن هشام » القسم الثاني ( ص۸١۳ ) وما بعدها » أبن حجر )١( . وما بعدها » د. هيكل - حياة محمد ( ص۳٦۳ ) وما بعدها ) ۳٤۹/۷ فتح الباري(
عدد الصفحات ١٨٨في عهد البي ڪل ۸۹ الذي هو مباح للعرب جميعًا » ولكن النبي م كان مصرًا على تنفيذ خحطة السلام التي الترمها منذ خحروجه من المدينة » فقرر ألا يعطيها فرصة لاستفزازه والدخحول معها في مع ركة ما استطاع إلى ذلك سبیلا . فما أن سمع بوقفها حتى قال : « يا ويح قريش ! لقد أهلكتهم ارب » ماذا عليهم لو خلا بيني وبين سائر العرب » فان هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا » وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين › وإلم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة » وليتحاشى الاحتكاك بجيش قريش سلك طريقًا صعبًا» تجشم فيه هو وأصحابه متاعب كبيرة حتي وصلوا إلى الحديبية . وليدلل على صدق نواياه فقد أطلق سراح مجموعة من جيش قريش » وقعت أسرى في أيدي المسلمين › حينما حاولوا الإغارة على معسكر النبي . ولكن كل ذلك لم يجي أمام نرعة قريش العدوانية . حتى بعد أن عادت إليها كل وفودها التى أرساتها إلى النبى » مؤكدة لها أنه ما جاء قاتلا بل زاثرا للبيت يسوق الهدي أمامه . ولكنها أصرت على موقفها» وعللت ذلك بعلة سخيفة ؛ وهي خوفها من ضياع هيبتها وسمعتها أمام العرب . رگن کل هاا لم ن مرم اني ڪڳڻي ڪن الي في شوط السلام الى تهات رر عن ذلك بقوله : « والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألون بها صلة الرحم أعطيتهم إياها » وأرسل إلى قريش عثمان بن عفان ارا رطا ا عثمان في مكة أكثر نما ينبغي » حتى أشيع أنه قتل » وعندئذ كان لا بد من أن يتغير اموقف » فإذا كانت قريش قد غدرت برجل مسلم مسالم في الشهر الحرام فإن ابي ر لن يترك مکانه حتى يلقنهم درسا كالذي أخذوه في بدر . وكان الملسلمون قد امتلت قلوبهم غيظا من صلف قریش وغرورها . فأسرعوا إلى النبي لث يبايعونه على بذل ارواحهم في سبیل الله ولإعلاء کلمته . وکان موقفهم راتغا باركنه السماء وزكاه الحق تبارك وتعالى في القرآن الکرم : طط لذ ری اله عن اریت إذ ايعو تحت السَجرو فلم ما فى و ارد الستة لهم وأنبهم متا را » [ الفتح : ۱۸] والحتق أن القتال كان أحب يومغذ للمسلمين لا لأنهم يهوون القتال لذاته » ولکن لرد عدوان قريش » التي لم تكتف بطردهم من ديارهم » بل وتصرٌ على حرمانهم من زيارة البيت » ولكن النبي بر لم يفقد الأمل في الوصول إلى خطة سلام . فما أن تبي أن خبر اغتيال عثمان غير صحيح » حتى عاد إلى اسلوب المغاوضات من جديد » واتصلت المباحثات بين الفريقين . وانتدبت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي باسمها » ولکن على اساس شروط
عدد الصفحات ١٨٩٠د دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية قاسية . ونظر النبي لتر ببصيرته الملهمة إلى الموقف من جميع جوانبه . ورأى أن مسؤوليته كقائد للمسلمين تفرض عليه أن يحقن دماءهم ما وجد إلى ذلك سبيلا . وعظمة هذا الموقف أنه لم يكن موقف الضعيف الذي يذعن لعدوه استسلاما لطالبه » ولكنه كان موقف القوي الذي يبحث عن السلام . وقبل شروط قريش › ووقعت معاهدة الحديبية وكان أهم شروطها كالاتي : أولا : وضع الحرب بين الفريقين لمدة عشر سنين . ثانيا : أن يرجع النبي وأصحابه عامهم هذا دون أن يدخلوا مكة » فإذا كان العام القادم دخلوها لمدة ثلاثة أيام بدون سلاح إلا السيوف في قرابها . ثالًا : من أراد من القبائل العربية أن يدحل في حلف النبي وعهده دحل فيه › ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل فيه . رابعًا : من أتى النبي من قريش من غير إذن وليه رده عليهم » أما من جاء قريشا من عند النبي فلا يردونه عليه . وكان هذا الشرط الأخير أقسى ما في المعاهدة على قلوب المسلمين › واعتبروه مذلة لهم » حتى أن بعضهم - مثل عمر الخطاب له - لم يستطع أن يكتم . معارضته . ولكن النبي به هدأهم » وأظهر من الصبر وسعة الأفق ما لم يسبق له مغيل أمام غرور مثل قريش » الذي أصر على حذف « بسم الله الرحمن ن الرحيم » من صدر المعاهدة » وعلى أن يكتب اسم النبي مجردا من صفة النبوة » وقبل النبي ل كل ذلك » وهي تضحيات جسيمة . ولكن تحقيق السلام يستحق التضحيات الجسام . ولقد أظهرت الظروف فيما بعد أن كل الذي تألم له المسلمون كان في مصلحتهم وكانت المكاسب التي حصل عليها الإسلام نتيجة صلح الحديبية روع من أية مكاسب تأي نتيجة أية معركة عسكرية . وذلك بفضل بعد نظر القائد العظيم - عليه الصلاة والسلام - ولقد كانت الحديبية بداية الفتح الاعظم ونزلت بعدها سورة الفتح تبشر المسلمين بالفتح البين » ولم يكد مضي عامان على صلح الحديبية » حتى تضاعف عدد المسلمين عدة مرات . فعدد المسلمين الذين شهدوا الحديبية كان ألما وأربعمائة » أما الذين ساروا خلف النبي لفتح مكة ( سنة ۸ ه ) فكانوا عشرة آلاف مسلم كما أن الإسلام خلال هذين العامين استطاع أن يخرج إلى النطاق العالمي .
عدد الصفحات ١٩٠في عهد التي ي ۱۹۱ وانقلبت مكاسب قريش - أو التي ظنتها مكاسب - خسارة كبرى عليها ومسا رائعا للإسلام . وبصفة خاصة الشرط الأخير من شروط العاهدة الذي اعتبرته قريش مكسبا ضخكًا » ولكنها هي نفسها التي طلبت من النبي تنازلها عن هذا الشرط . فقد جاء أحد مسلمي مكة وهو أبو ب بصير إلى النبي بعد الحديبية » وطلبت قريش رده بها طبقًا لشروط المعاهدة »> فرده إلبهم صاحب الوفاء النادر بالعهد . وقال لأبي بصير «اصبر واحتسب » وسوف يجعل الله لك ولن معك فرجًا ومخرجًا ) ولک ابا ب استطاع الإفلات من مندوبي قريش » وجا إلى ساحل البحر الأحمر » والتف حوله نحو سبعين من مسلمي مكة الفارين من ظلم قريش . وصمموا على الانتقام من قريش › وقطعوا عليها طريق تجارتها إلى الشام » نما جعلها تتوسل إلى النبي بلقي أن يضم هؤلاء . المسلمين إليه » وأنها تنازلت عن الشرط الخاص بهم في العاهدة . هذه هي معاهدة الحديبية » الست معي في أنها دليل قاطع على أن السلم هو هدف المسلمين الأسمى 1 وأنه أصل العلاقات الدولية في دولة الإسلام ؟ © الإسلام والعالم : عرفنا فيما سبق أن الإسلام دين عالمى » وعرفنا معنى هذه العالية » وعرفنا أن رسول الإسلام ب مكلف بتبليغ رسالته إلى الناس كافة . وعرفنا ما هو الأسلوب الذي حدّده القرآن الكربم للنبي في مجال الدعوة إلى دينه في الأحوال الطبيعية ل اَم إل سيل ريك ياليكنة وة سد ) [اللحل: ]٠٠١ . وكان النبي بر ينعظر الفرصة المواتية ليخرج بالدعوة الإسلامية من نطاق ال جزيرة بية إلى النطاق العالمي . وقد جاءت هذه الفرصة بعد صلح الحديبية - الآنف ذكره - فنتيجة لهذا الصلح » أصبح النبي بلي آمئًا من ناحية قريش » أقوى أعدائه » كما أنه تخلص من خط اليهود ومكرهم وكيدهم » بفتح خيبر . وعلى الجملة ؛ فمع بداية العام السابع الهجري ساد شبه ال جزيرة العربية جو من الهدوء النسبي مكن ابي ر من توجيه دعوته الخالدة إلى كبر عدد مکن من ملوك وزعماء العالم المعاصرين . فأعد عددًا من جلة صحابته - رضوان الله عليهم - وحملهم رسائل إلى هرقل - عاهل الروم > وكسرى - عاهل الفرس - والنجاشي - عاهل الحبشة - والمقوقس - حاكم مصر - كما أرسل إلى عدد من أمراء العرب في شبه الجزيرة العربية » مشل أمراء البحرين وعمان واليمن » بالإضافة إلى أمراء الغساسنة
عدد الصفحات ١٩١د دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية بالشام ٩( . ولا نستطيع في هذا البحث أن نناقش كل رسالة على حدة _ بطبيعة الحال - ويكفي أن نلقي الضوء على بعض رسائل النبي بي إلى الملوك خارج شبه ال جزيرة العربية . فهذه الرسائل تعتبر نقطة تحول كبيرة في تاريخ ومستقبل الإسلام » ونقطة البداية في علاقات الإسلام بالعالم » وعلى أساس هذه الرسائل » وعلى ضوء ردود الفعل عنها عند من أرسلت إليهم من الملوك › تشكلت علاقات المسلمين الدولية مع الأم الأخرى . وسوف نكتفي هنا - لضيق امكان - بذكر واحدة من هذه الرسائل » كأموذج لها جميعًا . وهي كافية لإلقاء الضوء على موضوعنا الأساسي في هذا البحث » وهو علاقات المسلمين الدولية › وسنعرف من خلال ملابسات الرسالة ونتائجها أن السلام كان هو أصل العلاقات الدولية في الإسلام . ونلفت النظر إلى أن الرسائل كلها متشابهة تقريبا في صياغتها ومضمونها والرسالة التي نقدمها هنا هي رسالة النبي ب إلى هرقل - إمبراطور الروم - ونصها كما جاء فى أوثق المصادر الإسلامية كالاآتي : ١ بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم » سلام على من اتبع الهدى . ما بعد ؛ قإني أدعوك بدعاية الإسلام ء أسلم تسام ء وأسلم ؤك اله أجرك مرتين » فإن توليت فعليك إثم الأريسيين > . # فل اهل لکت تاوا إل ڪلمة سوا سوم بَا بسا ویس آلا بد ل َه وَل رك ہو سینا وکا خد عضا بعصا ريا م ن ون اه ن واوا مولا ادا پاتا ترمو 4 » ° . هذا هو نص رسالة النبي قي إلى هرقل . وهي كما ترى دعوة سلمية إلى الإسلام من رسول الإسلام بالحكمة واموعظة الحسنة ولم يرد في الرسالة أي تهديد بالحرب أو استخدام القوة لإجبار الآخرين على اعتناق الإسلام ل تصریځا ولا تلمیځا ؛ بل بدأت الرسالة بالسلام > ومن منطلق السلام الذي هو القاعدة الأساسية لعلاقات الإسلام بالأم الأحرى . إلا إذا رفض الطرف الآخر السلام» وأصر على موقف عدائي . فعندئذ يصبح لاإسلام موقف آخر يتناسب مع مواقف الاخرین . فماذا کان رد هرقل وغيره على رسائل النبي ر ؟ وما هي النتائج التي ترتبت على هذه الردود ؟ )١( انظر في موضوع رسائل النبي إلى الملوك والرؤساء : ابن حجر - فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( ۳۲/۱ ) وما بعدها » ( ۱۷۲/۸ ) وصحیح مسلم بشرح النووي ( ۰۱۰۷/۱۲ ۱١۸ ) . (۲).الأريسيين - وجاء مكانها في بعض الروايات الأكارين أو الفلاحين - وييدو أن المقصود بالكلمة رعايا هرقل . (۳) راجع نص الرسالة في المصادر المذكورة آنفًا .
عدد الصفحات ١٩٢في عهد ابي لر mmm بالدسبة لهرقل ؛ تفيد مصادرنا الإسلامية أنه رد على الرسالة ردا جميلا ”© . بل وتذهب بعض المصادر إلى أنه مال إلى الإسلام » إلا أن الروم لم يطاوعوه على ذلك › ما جعله يعتذر لبي بر عن عدم قبول الإسلام » بسبب موقف رجال الدين السيحى » أما غالبية مصادرنا الإسلامية فلا تشير مطلقًا إلى رد هرقل . وتطور العلاقات بين المسلمين والروم في آخر حياة النبي بلي » وفي عهد الخلفاء الراشدين يجعانا نميل إلى ما أخذت به غالبية المصادر » وهو عدم ورود رد من هرقل إلى النبي . فهرقل عندما وصاته رسالة النبي كان عائدًا لتؤّه من حربه مع الفرس تلك الحرب التي انتصر فيها عليهم انتصارًا ساحقًا » ویبدو أنه کان عائدًا معتدًا بنفسه وبا حققه من إعادة الصليب الا كبر إلى بيت المقدس » ومن رده الاعتبار إلى بيزنطة التي كان الفرس قد مرغوا أنفها في التراب » يبدو أن هرقل کان مزهوًا بهذا کله . فلما جاءته رسالة النبي بل ~ وكان بالشام وقتها كما تذكر بعض المصادر - وهو على هذه الحالة لم يهتم بها ولم يرد عليها . ودلّت تصرفاته وسلوكه في الفترة التالية لوصول الرسالة على أنه في البداية - ربجا - لم يقدر حطورة الرسالة ولا صاحبها ولا الدعوة التي دعاه إليها . فلما تنبه إلى خطورة الموقف » وأدرك أن الإسلام قد أصبح قوة ضخمة › وتصور أنه أصبح خطرًا على ملكه » وأراد أن يقاومه كان الوقت متأحرا جذًا . فلم يعد في مقدور أحد - کائتا من كان - أن ينال من الإسلام أو يوقف زحفه . والسؤال هنا هو : إذا كانت رسالة النبي بث إلى هرقل سلمية › وخالية من ٠ التهديد بالحرب » لا حالا ولا مستقبلا ؛ حيث لم يقل النبي به لهرقل : إذا لم تسلم أقاتلك أو سأقاتلك - إذا كان الأمر كذلك فمن المسؤول إذن عن الحروب التي نشبت بين المسلمين والروم سواء في حياة الرسول أو بعد وفاته ؟ المسؤولية هنا - وبدون تعصب أو تحيز - تقع كاملة على هرقل والروم معه ؛ فهم الذين بدؤوا بالعدوان ضد المسلمين ؛ إليك الوقائع الاتية : في العام الثامن للهجرة أرسل النبي به » سرية مؤتة - الشهيرة - والتي كانت مكونة من ثلاثة آلاف جندي مسلم - لتأديب القبائل العربية القاطنة في مناطق التخوم بين بلاد العرب والشام » على جرائم وحماقات ارتكبوها في حق المسلمين › . ) 1۷/۲ ( انظر تاريخ اليعقوبي )١(
عدد الصفحات ١٩٣1۹٤ دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية ولم يكن نممكتًا السكوت عليها » بل كان لا بد من إشعارهم بهيبة الإسلام وأنه لا يستباح حماه . فقد قتل في هذه المناطق خحمسة عشر رجلا من الصحابة كانوا يدعون إلى الإسلام » كما قتل الحارث بن عمير » مبعوث النبي بلي إلى أمير بُصرى الحاضع لسطان الروم » وكانت هذه كلها جرائم خحطيرة استوجبت العقاب “ . ما جعل النبي يجهز سرية مؤتة لتحقيق هذا الهدف » فماذا حدث ؟ لقد توجهت الحملة إلى وجهتها » لأداء مهمتها المحدودة » وعلى رأسها قراد ثلاثة عقد لهم النبي بالتتابع » وهم زيد بن حارثة » وجعفر بن أبي طالب » وعبد الله بن راوحة . وما أن وصلت السرئة إلى مناطق الحدود - وفي حسبانها انها ستواجه بعض القبائل العربية - حتي وجدت أن هرقل قد حشد لها عشرات الألوف من جند الروم . وفوجئ قواد الحملة المسلمون بهذا الموقف الذي لم يكن في الحسبان » وعقدوا مجلشا حربيًا لتدارس الموقف على ضوء هذا الواقع » وبرزت عدة اقتراحات ؛ منها أن يعودوا إلى المدينة ليخبروا النبي بلقي ليقرر ما يراه ومنها أن يعسکروا في موقعهم » ویطلبوا من الرسول مددًا . وأخيرًا تحدث أحد قواد الحملة وهو عبد الله بن رواحة › فقال : « يا قوم ؛ نحن لا نقاتل بقوة ولا بكثرة » ولكن بهذا الدين الذي أكرمنا الله به » وما نرید إلا إحدی الخسنیین › الظهور أو الشهادة » سرت کلمات ابن رواحة في نفوس المسلمين وارتفعت روحهم العنوية وصمموا على القتال . ودارت المعركة - قرب مؤتة - بين الثلاثة آلاف مسلم وبين قوات الروم الضخمة ومن يدور في فلكها من القبائل العربية » وبطبيعة ال حال لم تكن القوتان متكافتين › وكانت معركة ضارية استشهد فيها عدد من جند اله وقرادهم الثلاثة . وهنا کان من الضروري تغيير خحطة المسلمين لمواجهة هذا الموقف الخطير . وتسلم القيادة عبقري الحرب - سيف الله - خالد بن الوليد » الذي قدر الموقف العسكري تقديرًا دقيقًا يدل على بعد نظره العسكري واعتقد أن واجبه كقائد للمسلمين يحتم عليه أن يضع خطة للانسحاب » وقد نجح ابن الوليد نجاحا باهرا في إنقاذ من بقي من جيش المسلمين وهذا الموضوع وحده يحتاج إلى بحث خاص » والمهم هنا هو العبرة والدرس الذي استفاده المسلمون من موقعة مؤتة » فأكثر ما كان يتميز به أسلافنا العظام أنهم كانوا يستفیدون من کل موقف » ولا يت ركون حادثة تمر دون أن يكون لهم عندها وقفة (۱) د . هیکل - حیاة محمد ( ص٤٠٤ › ٤٠١ ) .
عدد الصفحات ١٩٤في عھد النبی اتر -- ۱۹٣ طويلة يتأملون فيها سير الأحداث ونتائجها » يضعون خططهم مستقبلا على ضوء ذلك كله - لينا نقراً تاريخهم جيدًا ونتعلم منهم - كان الدرس الذي خرج به السلمون من مؤتة هو أن الروم هم عدوهم الرئيسي في هذه الجهات . وأنهم قد أعلنوا عليهم الحرب » ولن يتركوهم يدعون إلى دينهم في سلام وأمان وحرية » بل رجا يهاجمون الإسلام في بلاد العرب نفسها . هذه واحدة. ثم ماذا بعد؟ مضى العام الثامن للهجرة » وضكد المسلمون جراحهم » وقدر النبي لل ظروفهم فواساهم وعرّاهم ورفع روحهم العنوية وطمأنهم وبشرهم . وجاء العام التاسع للهجرة » وعندئذ تجمعت لدى النبي بق أخبار أن الروم - لم يكتفوا با حدث في مؤتة - قد حشدوا قواتهم على الحدود الشمالية لمهاجمة اللسلمين في عقر دارهم » وكان الوقت عسيرًا وقاسيًا » ولكن الموقف خطير للغاية ولا يحتمل الأنتظار » وعلى الفور وبمسؤولية القائد العظيم استطاع النبي ب أن يجمع ثلاثين ألما من المسلمين » وكان هذا كبر جيش يقوده النبي في حياته » وقد سمي جيش العسرة ؛ لأن الوقت كان عصيبًا حقًا » ولكن مهما تكن الصعوبات › فإذا كان الروم قد غرهم غرورهم وينوون فعلا استباحة حمى الإسلام » فإن الرسول لل لا بد أن يلقنهم درسًا لن ينسوه أبدًا وسينسيهم وساوس الشيطان . وصلت جحافل المسلمين بقيادة الرسول بر إلى تبوك ”“ . وأحذ القائد العظيم يرتب قواته › ويدرس الموقف » ويبث عيونه ليأتوه بالأخبار حتى تكون كل خطواته مدروسة بعناية تامة » وتجمعت لديه معلومات بأن جيش الروم قد انسحب من الميدان » لتخوفه من نتائج الصدام العسكري مع المسلمين . فماذا كان موقف النبي ب من هذا الجيش المنسحب الفار من الميدان ؟ هذا الجيش الذي حارب المسلمين بضراوة قبل عام واحد في مؤتة ٠» وكاد يستأصلهم لولا عناية الله » الذي ألهم خالد بن الوليد بوضع خطة لانسحابهم إلى المدينة » لو أن أي قائد آخحر كان في موقف النبي بتي ماذا کان سيصنع . لا بد أنه كان سينتهز هذه الفرصة ويلاحق جيش عدوه المنسحب ويقضي عليه . ولكن النبي بل لم يفعل هذا . ومرة أخرى يقدم لنا الدليل تلو الدليل على أن الإسلام دين السلام » وليس دين حرب وسفك دماء - كما يدعي أعداء الإسلام - إذ لوكان الإسلام دين حرب » ولو كان رسول الإسلام متعطشا للدماء » ولو كان . انظر - ابن هشام - السيرة النبوية ( ص١٠٥ ) وما بعدها )١(
عدد الصفحات ١٩٥۹١ دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية من منهجه أن يحمل الناس على اعتناق دينه بالقوة ؛ لا كان أسهل عليه من هذا الموقف الذات ؛ لأن الميش الفار من اليدان > وهو جيش هرقل - لن يصمد طويلا أمام جيش المسلمين » بل إن هزيته ستكون محققة . ولکن الرسول بث اعتبر انسحاب جيوش الروم من ميدان المعركة كافيا كدليل على ميلهم إلى السلام - وإن كان انسحابهم خوفا من الهزية - لذلك لم يلاحقهم » ولم يرم إلى القضاء عليهم ؛ لان هذا ليس هدفه . اليس هذا دليلا كافيا على أن أصل العلاقات الدولية في الإسلام هو السلام ؟! . وإليك دليلا آحر على أنه ليس من أهداف الإسلام إجبار الآخرين على اعتناقه بالقوة ؛ فبعد أن علم الرسول بانسحاب الروم إلى داخل الشام » وقرر عدم ملاحقتهم » عسكر في منطقة تبوك عدة أيام عقد خلالها عدة معاهدات » مع عدد من أمراء المنطقة » ورؤساء المجموعات الصغيرة فيها » الذين لم يبدؤوا المسلمين بالعداءی أمنهم هم وأتباعهم على عقائدهم وأرواحهم وأموالهم . وهاك نموذ جا على ذلك وهو عهد الأمان الذي أعطاه النبي ا لفحدة بن رؤبة صاحب أيلة »> نصه كالآتي : « بسم الله الرحمن الرحيم . هذه أمنة من الله » ومحمد رسول الله اليحنة ابن رؤبة » وأهل أيلة › > سفنهم وسيارتهم في البر والبحر › > لهم ذمة الله وذمة محمد النبي » ومن كان معهم من أهل الشام » أهل اليمن » وأهل البحر ؛ فمن أحدث منهم حدتًا » فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن ينعوا ماء يردونه » ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر » ”© قل لي بربك : هل الذي يصنع هذا الصنيع » مع هذه الجموعات الصغيرة الضعيفة » ويعطيها الأمان والحرية › ويبسط عليها حمايته ؛ يقال عنه : إنه متعطش للدماء ؟! وهل كان صعبا على النبى وهو يقود هذا الجيش الضخم » والذي خرج ليواجه به أكبر جيوش العالم وقتئذ - وهو جيش الروم - الذي انسحب من الميدان جبتا وهلا > هل کان صعبًا عليه أن يجبر نة ئة وأهل أيلة وأمثالهم على اعتناق الإسلام » لو كان ذلك هدفه ؟! وهل كان في a. أن يقاوموا أو يمتنعوا ؟ لكنها دعاوى الزور والبهتان من أعداء الإسلام الذين لا يبرحون أن يرددوا تلك التفاهات » ويدعون أن الإسلام دين حرب انتشر بالسيف . فالنبي بي لم يقاتل أهل أيلة » ولم يهددهم أو يرهبهم » بل أمنهم على )١( انظر : ابن هشام - القسم الثاني ( ص١٠٠٥ ) - ومحمد حميد الله - مجموعة الوثائق السياسية ( ص٩۸ ) »› ود. هیکل - حیاة محمد ( ص۹٥٤ ) .
عدد الصفحات ١٩٦في عھد الہ لے ٣۷mm عقائدهم وأرواحم ومتلكاتهم » وأكثر من ذلك تبسط في معاملة صاحب أيلة وأهداه « رداء من نسج اليمن » وأحاطه کا صنوف الرعاية » ( . بعد أن رتب النبي بل أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه ال جزيرة العربية في ضوء تح ركات الروم وسياستهم » عاد إلى المدينة بجيشه العظيم . ولم تمر حوداث تبوك بدون فائدة » ولكن استخلص المسلمون منها دروسًا مفيدة › أفادتهم كثيرًا في مستقبلهم » وفتحت عيونهم أكثر وأكثر على مكامن الخطر الذي ينتظرهم في مسيرتهم المقدسة . وتيقنوا أن الروم على حدودهم الشمالية هم أخطر أعدائهم وأعداء دينهم . فلا بد من الاستعداد لمواجهة الموقف واحتمالاته . وصدقت توقعات المسلمين . حين أخحذت علاقاتهم مع الروم - الذين أعلنوها حربًا سافرة على الإسلام والمسلمين - تتطور على طريق المواجهة العسكرية » حتى وضع الخلفاء الراشدون حدًا لغرور الروم وصلفهم » وأترلوا هذا ا جالس على عرش بيزنطة من عليائه » وطردوه من الشام إلى غير رجعة . فغادرها وقلبه يقطر دما » ولسانه يقول : « سلامًا عليك يا سوريا سلامًا لا لقاء بعده ونعم البلد أنت للعدو » هذا عن العلاقات بين المسلمين والروم . يلام المسلمون أن حملوا السلاح دفاعًا عن أنفسهم أمام عدوان الروم ؟! . فماذا عن العلاقات بين المسلمين والدولة الكبرى الأحرى في عالم يومغذ ؛ وهي الإميراطورية الفارسية ؟ الواقع أن كسرى فارس كان أكثر غرورًا وغطرسة من هرقل . فعندما وصلته رسالة ابي بلي ؛ استشاط غضبًا ومزق الرسالة » بل أكثر من ذلك طلب أن يقبضوا له على النبي ليحاكمه - وقد سبقت الإشارة إلى تلك الحادثة - ولا علم النبيٍ بذلك الموقف المغرور من کسری دعا عليه قائلا : « مزق الله ملکه » وقد استجاب الله دعاء رسوله » فقد قامت ثٹورة ضد كسرى » والمدهش أن ابنه هو الذي ثار عليه وقتله » ولكن موقف الفرس لم يتغير تجاه الإسلام نتيجة موت كسرى أبرويز الثانى الذي كان موقفه بثابة إعلان الحرب على الإسلام . وكما أخحذ الروم موقض العداء من المسلمين » وحشدوا قواتهم على الحدود لتهديد المسلمين » وحرضوا القبائل العربية المنضوية تحت نفوذهم ضد المسلمين › فقد أخذ الفرس الموقف على الحدود الشرقية » وظهر ذلك واضكًا في أثناء حروب الردة في خلافة بي بكر هه . وكما تطورت العلاقات مع الروم » تطورت كذلك مع الفرس على (۱) د . هیکل - حیاة محمد ( ص ٤٥٩۹ ) .
عدد الصفحات ١٩٧طريق المواجهة » إلى أن وضع الخلفاء الراشدون حدًا لغطرسة أكاسرة الفرس » وأزالوا سلطانهم من الوجود . ورفعوا راية الإسلام على كل بلاد فارس » وخلصوا البلاد والعباد من ظلم الأكاسرة » وجعلوا شعوب المنطقة تنعم بالحرية والعدل والمساواة في ظل الإسلام ولأول مرة في تاريخها . مرة أحرى : هل يلام المسلمون إذا حملوا السلاح للدفاع عن حرية نشر عقيدتهم وعن أنفسهم وأرضهم أمام عدوان الفرس ؟ ولم يكن المسلمون راغبين في حرب الفرس ولكنهم أجبروا على ذلك . ولقد روي عن عمر بن الخطاب هه قوله : « وددت لو أن يننا وبين الفرس جبلا من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم » . وبعد ؛ فإذا كان هناك من لا يزال يتشكك في أن الفرس والروم هم الذين أجبروا المسلمين على اللجوء إلى القوة لحسم الموقف ؛ فإننا نسأله هذا السؤال : لماذا لم يحارب المسلمون الحبشة كما حاربوا الروم والفرس » مع أن إمبراطور الحبشة تلقى رسالة من النبي ماثلة لارسائل التي أرسلت إلى هرقل وكسرى . فلو كان المسلمون يهدفون إلى إدخال الناس في دينهم بالقوة » لكان حرب الحبشة أسهل عليهم بكثير من حرب الفرس والروم ؛ لأن الحبشة لم تكن لديها قوة الفرس والروم . وعبور قوات من بلاد العرب إلى الحبشة لم يكن صعبا » فقد سبق للأحباش أنفسهم أن عبروا البحر بقواتهم وغزو اليمن »› بل وصلت قواتهم إلى مشارف مكة نفسها في عام الفيل المشهور الذي ولد فيه النبي بر > كما أن المسلمين عبروا البحر إلى الحبشة مرتين في هجرتهم إليها قبل الهجرة إلى المدينة . نجيب نحن على السؤال المتقدم » فنقول : إن المسلمين لم يحاربوا الحبشة ؛ لأن الحبشة لم تعلن عليهم الحرب » ولم تعتد عليهم أو تبدأهم بعدوان . بل بالعكس كان للحبشة وملكها موقف إنساني عظيم من المسلمين عندما هاجروا إليها بناء على تعليمات النبي به . وقد مدح النبي الحبشة وسماها بلاد صدق . ومدح ملكها وقال عنه : « إنه ملك عادل لا يظلم أحد عنده » وقد كان ملك الحبشة عند حسن ظن النبي به » فقد آوى المسلمين وأكرمهم » وظلوا في كنفه خحمسة عشر عامًا . وفوق ذلك فإن النجاشي رد على رسالة النبي إليه ردا غاية في الأدب والتواضع لدرجة أن ذهب بعض المؤرخين المسلمين إلى أنه أسلم . ولكن حتى بصرف النظر عن قصة إسلامه . فقد كان موقفه وموقف بلاده من المسلمين وديا > وحفظ المسلمون لهم جميلهم » وحافظوا على علاقات حسن الجوار معهم . ويروى أن
عدد الصفحات ١٩٨في عهد الي ر وها الرسول أوصى المسلمين بذلك وأنه قال : « اتركوا الأحباش ما تركوكم » ٠ وهكذا لم يبدا المسلمون الحبشة بالعداء ولم يغزوها » لأنها لم تعتد عليهم . . ) ۲٤۸/۳ ( السيرة الحلبية )١(
عدد الصفحات ١٩٩و دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية ه خاتمة الد لىحث : الموضوع الرئيسي الذي حاولنا معا جته في هذا الببحث ؛ هو العلاقات الدولية لدولة الإسلام فى عهد النبى عبر . وقد رأينا أن تلك العلاقات كانت تقوم على أساس السلام مع الآخرين » كما تؤيد ذلك كل الأدلة والنصوص الموثوق بها » كما تؤيده وقائع التاريخ التي استشهدنا بها كثيرًا في ثنايا البحث . وظهر لنا أن الإسلام لم يعمد إلى الحرب ليجبر الناس على اعتناقه » ولم يبدا أحدًا بعدوان قط . وعندما أباح الإسلام الحرب » أباحها للدفاع عن النفس » أو عن حرية نشر العقيدة › أوالدفاع عن المظلومين في الأرض . وحصر الإسلام الحرب في نطاق هذه الضرورات وحدها » ونفر من التوسع فيها ؛ لأن الحرب ليست هدفًا وإنغا هي وسيلة لتحقيق هدف وهو إقامة السلام على الأرض » وتحقيق المساواة الكاملة بين بني البشر» ولتكون كلمة الله هي العليا » وشريعته هي الغالبة » وإذا سادت شريعة الله وحكمت تصرفات البشر »› وقبلوها راضين » فلن يكون هناك مبرر للحرب على الإطلاق من وجهة نظر الإسلام . وبرغم وضوح الاأدلة على أن السلام هو الأصل في العلاقات الدولية فى الإسلام » وأن الحرب كانت استفناء دعت إليه الضرورة . إلا أن أعداء الإسلام والحاقدین عليه من المستشرقين وغيرهم > ما برحوا يروجون لفكرة سيطرت على عقولهم نتيجة لجهلهم لطبيعة الإسلام » ولعنى كلمة الجهاد في الإسلام من ناحية ولتعصبهم ضد الإسلام کدین وحضارة من ناحية ثانية . هذه الفكرة هى أن الإسلام انتشر بالسيف » وأنه دين دموي » وأنه يدعو أتباعه دائمًا إلى حمل السلاح لإجبار الناس جمیغًا على أعتناقه بالقوة . وهذا هو نص کلام واحد من المستشرقين الذين يذهبون إلى هذا الرأي الخبيث ؛ يقول كارل بروكلمان : «يتحتم على المسلم أن يعلن غير المسلمين بالعداوة حيث وجدهم ؛ لأن محاربة غير السلمين واجب دینی ) 0 . ولا ندري من اين جاء بر وکلمان بهذه الحتمية ¢ ونصوص القرآن الكريم واضحة أمامنا في النهي عن عدم الإكراه في الدين - كما قدمنا - ولا يكون القتال واجبا دينيًا على المسلم » إلا في حالة الدفاع عن النفس أو حرية العقيدة أو عن المظلومين في الأرض . أما من لم يبدا المسلمين بعداء فليسوا () کارل بر وکلمان - تاریخ الشعوب الإسلامية ( ص۷۸ ) . وانظر کذلك - فان فلوتن - السيادة العربية في عهد بني أمية ( ص٥ ) وما بعدها .
عدد الصفحات ٢٠٠في عهد الي لے ا٣٣ مطالبین بقتاله » بل بالعکس مطالبون بالف عنه ؛ ظط ن آعارلو فلم يفيلو وألا کک لسم ا جم الہ لک عم سیا سيا [الساء: .]۹١ ولكنه التعصب المقيت ضد الإسلام الذي دأب عليه الستشرقون > بقصد تشويه الإسلام » وتصويره بأنه دين يدعو إلى سفك الدماء . وهؤلاء المستشرقون لم يفهموا ظاهرة انتشار الإسلام على حقيقتها » ولم يفهموا أسبابها ؛ التي من أولها وأهمها بساطة الإسلام نفسه وملاءمته لفطرة الإنسان . في كل زمان ومكان » ولا لم يفهموا ذلك › وأفزعهم الانتشار الهائل والسريع للإسلام في أرجاء العالم » راحوا يروجون أنه انتشر بالسيف » وليس أبعد عن الحقيقة والواقع من هذه الفكرة . فالإسلام - كما تدل وقائع التاريخ - كان ينتشر ويتضاعف معتنقوه أوقات السلم أكثر وأسرع ما كان ينتشر في أوقات الحرب . فمن المعروف تاريخيًا أن عهد النليفة عمر بن عبد العزیز ( ٠١١ - ٩٩ ه) كان عهد سلام ؛ إذ توقفت فيه الحروب تقريبا وبأمر الخليفة نفسه » وكان من أول قراراته التى أصدرها قراره بفك الحصار الذي كان المسلمون قد ضربوه على مدينة القسطنطينية ون يعود الجيش الإسلامى إلى الديار الإسلامية “ . وكان عهده عهد حل كل المشكلات سواء الداحلية أو الخارجية بطريق سلمي . ومع ذلك فقد شهد هذا العهد القصير إقبالا على الإسلام بصورة لم يسبق لها مثيل ” » واعتنقه الناس لبساطته وسمو مبادئه » حصوصًا من أهل الكتاب » لدرجة أن بعض الولاة اشتكى للخليفة من أن إقبال الناس على اعتناق الإسلام قد أضر ببيت الال » لرفع الجزية عمن أسلموا . وطلب بعض الولاة من الخليفة ن تبقى الجزية مفروضة عليهم بعد إسلامهم . لكن الخليفة الصالح الذي كان يفهم روح الإسلام قال صائحا : قبح الله رأيكم » إن الله ارسل محمدًا یر هادا ولم يبعثه جايا . ثم ليخبرنا هؤلاء المستشرقون أي جيش إسلامي ذهب إلى جنوب شرقي آسيا لينشر الإسلام هناك ؟ وكيف أصبحت أمة كأندونيسيا - التي يزيد عددها الآن عن عدد الأمة العربية تقريبا - مسلمة ؟ إن الإسلام بدا يدخل إلى أندونيسيا وغيرها من بلاد جنوب شرقي آسيا منذ القرن الثاني عشر الميلادي » أي في وقت کانت فيه القوة العسكرية الإسلامية قد زالت أو ضعفت ولم يصبح لها أي تأثير » وكان وصول الإسلام إلى هذه البلاد النائية عن طريق التجار الذين كانوا يتنقلون بين الموانيء )١( انظر : الطبري ( ٠١١/۸ ) . (۲) انظر : د. حسن إبراهيم حسن - تاريخ الإسلام السياسي ( اel( .
عدد الصفحات ٢٠١