14 أدرك عمر مسئولية السلطة تجاه تطوير الدولة والمجتمع، فاستفاد من نظم الفرس والروم الإدارية ووضع الدواوين وبنى الأمصار والعواصم وأوقف الأرض. كان عمر يدرك طبيعة مهمة السلطة وكيف تسوس المجتمع وفق قاعدةأنتم أعلم بأمور دنياكم) كما جاء في الحديث الصحيح، حتى قال عمر : لو عثرت بغلة لخشيت أن أسأل لِ مَ لم أسوِّ لها الطريق؟ تطورت الخلافة كنظام سياسي بتطور الدولة والمجتمع وواكبت تحولاته فظهر نظام الخليفة والوزير الأول ثم الخليفة والسلطان ثم الخليفة والصدر الأعظم. ظلت قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد العامة عن الدولة والمجتمع أحد أهم أسباب تطور الدولة والخلافة كنظام سياسي هو الأطول عمرا في تاريخ الدول. قامت الحضارة الإسلامية علىأساس: السياسة؛ لتحقيق المصالح الـــقــضــاء؛ لتحقيق العدل العـــــلـــم؛ لتحقيق النهضة الاجتـــهـــاد؛ لتحقيق الفقه الجـــهـــاد؛ لتحقيق السيادة. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عدد الصفحات ١٨15 الموقف من الشورى وممارساتها التاريخية والخلاف بين المعاصرين في حكم دخول مجالس الشورى ظلت الشورى العامة تجري في المسجد كما كانت في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر حيث يشارك فيها الجميع في شئون الأمة العامة بلا استثناء. نظم عمر الشورى: 1- التشريعية والقضائية في مجلس شورى أهل العلم وهم القراء للنوازل 2- الشــــورى الســيـــاسـيـــة بترشيح الستة للخــــلافة بعده وحدد آليتها ظهر في العهد العباسي الثاني شورى أهل الحل والعقد من الأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء حيث يتم اختيار الخليفة وتساس شئون الأمة بشوراهم. عرفالمسلمون البرلمان (المبعوثان) والدستور (المشروطية) منذ ٧٧١م في عهد الخلافة العثمانية وكان اتفاق عامة علماء الأمة على جوازهما آنذاك بلا خلاف. المبعوثان أو مجلس الشورى له مهمتان: مراقبة السلطة وهي مشروعة وتشريع الأنظمة فإن كانت موافقة للشرع أو مصالح مرسلة فهي جائزة وإلا حرم وبطلت. المشروطية عقد وعهد سياسي والقسم على القرآن أو بالله العظيم على احترامه ليس شركا بل حلف على عقد قد يكون صحيحا أو فاسدا ولكل منهما أحكامه. حين سقطت الخ فة واحتل الاستعمار العالم الإسلامي وأقام الدول الوطنية تراجع الفقه السياسي والممارسة السياسية وبدأت أزمة مشروعية الأنظمة. دعا العلامة القاضي المحدث أحمد شاكر إلى الإصلاح السياسي الدستوري في مصر سنة ٢م مع تصريحه بأن الحكم بالقوانين الوضعية كفر (فقد كان العلامة القاضي الشرعي والمحدث المجتهد الشيخ أحمد بن محمد شاكر من أوائل فقهاء الأمة الذين أدركوا الفرق بين الدستور والقانون، وأجاز العمل السياسي البرلماني لتحقيق الإصلاح، حيث يقول عن القوانين الوضعية التي تصادم أحكام الشريعة: (القضاء في الأعراض والأموال والدماء بقانون يخالف شريعة الإسلام، وإلزام أهل الإسلام بالاحتكام إلى غير حكم الله، هذا كفر لا يشك فيه أحد من أهل القبلة)! حاشية تفسير ابن جرير بتحقيق آل شاكر 4/351. بينما يقول في رسالته: (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر التشريع في مصر) -[سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة السبيل الدستوري السلمي، أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة، فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها، طاعة لربها، وأرسلت منا نوابها
عدد الصفحات ١٩16 للبرلمان، فسيكون سبيلنا وإياكم أن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم كما تفعل كل الأحزاب، ثم نفي لقومنا بما وعدناهم به من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة]نحو وعي سياسي راشد ص91 الدستور ليس في مقابل القرآن أو الشريعة فقد كتب النبي ﷺ صحيفة المدينة وهي أول دستور عرفه العالم وفيه نص على مرجعية الكتاب والسنة في الحكم. ما كان من شروط عقد الدستور حقا وعدلا وصلاحا فالوفاء به واجب والقسم على احترامه جائز، وما كان شرطا فاسدا حرم الوفاء به شرعا ووجب تغييره. اعتاد المسلمون الأنظمة الشمولية الملكية والعسكرية المدعومة من الغرب على أنقاض الخلافة، فلما أرادوا الإصلاح دب الخلاف بين الفقيه والحركي! هناك فرقبين البرلمان والدستور الذي هو عقد، والقوانين الوضعية التي هي أحكام، كما هو رأي الشيخ ابن باز (الذي أجاز القسم على احترام الدستور فيما لا يخالف الشرع) وابن عثيمين (الذي اطلع على الدستور الكويتي وقال: لم أجد فيه ما يحكم بكفره) وأحمد شاكر الذي دعا إلى الرضا بما يقضي به الدستور المصري آنذاك مع حكمه بردة القوانين الوضعية التي تخالف الشريعة! (إن الشيخ أحمد شاكر فقيه مجتهد وقاض شرعي يعرف الفرق الشاسع بين القوانين الوضعية التي هي أحكام، يقضي بها القضاء، ويلتزم بها المحكوم عليهم، بينما الدستور هو وثيقة سياسية وعقد ينظم شئون الدولة، فتجري عليه أحكام العقود وما يصح منها وما يبطل، وما يصح منها دون الشرط الفاسد فيها، ومن هنا صار من يخالف القانون يتعرض للعقاب، بينما من يخالف الدستور ونصوصه لا يتعرض لعقاب بل تبطل تصرفاته، ولهذا لم يشكل لا على أحمد شاكر ولا على حسن البنا ولا على أهل ذلك العصر الفرق بين القوانين التي هي أحكام قد تضاد حكم الله ورسوله، وبين الدستور الذي هو عقد بين السلطة والشعب، يتضمن مبادئ عامة، وشروطا سياسية، لا يلزم الأمة منها إلا ما وافق الشرع، ويبطل ما خالفه! فلما رأوا أن الدساتير تنص على أن (دين الدولة الإسلام)، و(الشريعة المصدر الرئيس للتشريع)، ثم رأوا أن باقي المبادئ والشروط في الدساتير مما لا يتعارض مع الشريعة عموما، لم يروا في ذلك مشكلة، إذ مثل هذا العقد إذا وجد إرادة قوية تقف خلفه لتنفيذه، فلن يكون هناك عائق أمام أسلمة قوانين الدولة كلها، خاصة وأن خبراء الدستور يؤكدون أن نص (دين الدولة الإسلام) كاف وحده في إلزام السلطة بعدم مخالفة دين الدولة في شيء من ممارساتها... إلخ وهذا السبب ذاته الذي حمل الفقهاء المتأخرين كالشيخ بن باز وابن عثيمين على القول بجواز دخول البرلمان، والمشاركة السياسية، والإصلاح من خلالهما لتعديل القوانين التي تخالف حكم الشريعة!) نحو وعي سياسي راشد ص 91
عدد الصفحات ٢٠17 بدأ الحديث عن تحريم المشاركة في دخول البرلمان بعد كتاباتسيد قطب والقطيعة بين الفقه والحركة حتى وصف بالطاغوت والشرك وبدأت ظاهرة التكفير في هذه القضية. أفتى المتأخرون كابن باز وابن عثيمين والألباني بالمشاركة في البرلمان، والعامة تبع للعلماء فهم معذورون بالتقليد، والعلماء مأجورون بالاجتهاد. دعوى أن وضع الدستور الذي ينظم شئون الدولة أو دخول البرلمان في حد ذاته شرك لم يظهر لأكثر علماء الأمة تصوره ولا دليل لمن يدعي كونه شركا. لا تلازم بين الحكم بالطاغوت المضاد لحكم الله ودخول مجالس الشورى ولا يسوغ لمن يرى تحريم المشاركة فيها وهم قلة حمل الأمة كلها على اجتهادهم. الشرك هو في تشريع حكم يضاد حكم الله أو الحكم به بين الناس، فإن التزم مجلس الشورى بمرجعية الإسلام فلا إشكال، فإن خالفها بطل ووجب رده شرعا. تسمية مجالس الشورى مجالس شركية لا يغير من حقيقتها شيئا ولا من حكم دخولها لمن أجازه، وأزمة المصطلحات والمفاهيم لا تؤثر في الأحكام الشرعية. إذا كان المجلس لم يلتزم بحكم الإسلام فدخل أحد بقصد الإصلاح جاز، وإذا شرع المجلس قانونا يضاد الشرع فمن دعا لتشريعه وأقره عالما بحرمته كفر. القول بأن مجرد دخول البرلمانشرك وكفر حتى لو لم يصدر عنه ما يخالف حكم الإسلام يقتضي المساواة بين من دخله من النواب ومن انتخبهم من الشعب. لافرق بين البرلمان الذي يصدر القوانين والوزارات التي تلتزم بتنفيذها وتطبيقها، فالنواب والموظفون في الحكم سواء على زعم أنها مجالس شركية. موظفو الوزارات يعملون بناء على عقد وبشرط الالتزام بأنظمة الدولة وقوانينها وتنفيذها فلا يصدق عليهم وصف الشرك والحكم بغير ما أنزل الله، ولا يجب عليهم الطاعة فيما كان محرما! مدح الله مؤمن آل فرعون مع أنه كان في مجلس الملأ وجادلهم بالحق ودعاهم إليه ومكن الله ليوسف في الأرض تحت حكم ملك مصر فلم يكن عملهما شركا به. يجوز للمسلم أن يكون وزيرا في بلد غير إسلامي وكذا نائبا في البرلمان إذا عدل وأصلح، وليس كل ما أصدره البرلمان باطل بل ما وافق العدل جاز.
عدد الصفحات ٢١18 إذاعجز المسلمون عن إقامة دولة الإسلام والحكم بما أنزل الله فالواجب تحري العدل كما قال السعدي في شأن إقامة الجمهورية: (فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاي ة جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى، من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم . نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين، وهم الحكام، فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة، والله أعلم) تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/311.) حقيقة الصراع ليست مع البرلمان أو الدستور التي هي وسائل قد يستعملها المصلحون والمفسدون وإنما الصراع مع الطاغوت والحكم بغير ما أنزل الله.)1( ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ لمن أراد الاستزادة الاطلاع على مقال(نظرات شرعية في النظم الدستورية والأنظمة الجمهورية وموقف الشيخين أحمد شاكر وعبد الرحمن السعدي)
عدد الصفحات ٢٢19 الموقف من الدولة المعاصرة والنظم الحديثة والدساتير والقوانين لاشرعية في الإسلام لأي نظام سياسي لغير الخلافة على أصولها التي أجمعت عليها الأمة منذ أول خليفة بعد رسول الله حتى أسقطها الاحتلال الأجنبي. جاء في الحديثالصحيح (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) وهي الأمة والخلافة الواحدة وما عداها (دعاة على أبواب جهنم)، وقال أيضا (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه). عدم وجود نظام الحكم الإسلامي لا ينفي عن الأمة وصف الإسلام ولا عن أرضها التي قسمها العدو دار الإسلام ولا يقتضي تعطل ما يمكن إقامته من العدل. الواجب على الأمة في كل بلدإسلامي تحت ظل أي نظام سياسي القيام بما أوجب الله عليها القيام به في ظل الخلافة بكل ما تقرر لها من حقوق وواجبات. ولاية الأمة على نفسها قائمة حتى في ظل الافتراق وغياب دولة الإسلام كما قرر الفقهاء قاعدة (الجماعة تقوم مقام الإمامة عند فقدها أو عجزها). عدم شرعية النظام السياسي دينيا ينافي واقعية سلطانه سياسيا، فالواجب على الأمة في كل بلد إقامة ما يمكن من العدل ودفع ما يمكن من الظلم. خطاب الشارع يحكم على الواقع كليا وتفصيليا حتى في مجتمع جاهلي كمكة التي خاطب أهلها بكل الأحكام وفيها نزلت سورة الشورى ﭽ ﯹ ﯺ ﯻﭼ. الدول الحديثة والأنظمة التي تولت الحكم فيها من علمانية قومية أو اشتراكية أو ليبرالية أو وطنية لا يمكن وصفها بأنها شرعية؛ لغياب نظام الخلافة. وجود هذه الدويلات غير مشروع أصلا وهو منكر يجب على الأمة تغييره بالوحدة والاتحاد ﭽﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭼ وضرورته لا تقتضي شرعيته. لو جاز الاعتراف بخمسين دولة لمجرد أن الاستعمار الغربي فرضها وحدد حدودها لجاز الاعتراف بتقسيمها إلى أكثر كلما أراد العدو ذلك وهذا يناقض حكم الشريعة القطعي. هذا الواقع هو حالة الافتراق التي أبطل شرعيته النبيﷺ في قوله: (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه) وإلا (فاعتزل تلك الفرق)؟
عدد الصفحات ٢٣21 هذا حكم الدول ذاتها وأما أنظمتها فكذلك فاقدة لشرعية الولاية وشروطها الفقهية فلا تنزل نصوص الشرع وكلام الأئمة على واقع غير مشروع أصلا ووصفا. ليس كل تصرف يصدر عن السلطة غير الشرعية يرد، بل يصح ما وافق الحق والعدل، ويبطل ما كان ظلما، فولاية الأمة على نفسها باقية، وإن كانت إرادتها غير نافذة جبرا. ومع كل ما سبق فيظل خطاب الشارع متجها للأمة كلها وللأنظمة غير الشرعية بالإصلاح وتغيير المنكر وإقامة العدل ورفع الظلم وجهاد العدو ما أمكن ذلك. ومما يحكم عليه وفيه شرعا الدستور والقانون وكل أنظمة الدولة الحديثة فما وافق الحق والعدل وكان صلاحا صح ومضى وما خالف ذلك من ظلم وفساد بطل ورد. فرق بين الدستور الذي هو عقد سياسي تجري عليه أحكام العقود فما خالف الشرع يكون باط فاسدا والقوانين التي هي أحكام قد تناقض الشرع فتكون كفرا. الدساتير التي هي عقود والقوانين التي هي أحكام قد تكون شرعية إذا كانت مستمدة من الشريعة ووفق أحكامها وقد تكون مخالفة لها فيحكم عليها بحسبها. للاطلاع على تفصيل هذه المسائل الرجوع لكتابينحو وعي سياسي راشد) ومقالي (نظرات شرعية في النظم الدستورية) و(الأجوبة الفقهية الدستورية) بموقعي. الأمة مسلمة والأرض أرضها بحكم الله ولا يؤثر في ولاية الأمة على نفسها وملكها لأرضها طروء نظام سياسي غير إسلامي أو كفر الحاكم وردته. عرف أبو يعلى الحنبلي دار الإسلام: (كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر) ا.هـ. المعتمد في أصول الدين ص (431) هذا الأصل في تعريف دار الإسلام، فإن وجدت دار إسلام فقد المسلمون فيها الشوكة وتعطلت فيها الأحكام فهذه نازلة واستثناء، فقد سئل ابن تيمية عن حكم (ماردين) بعد أن استعادها الروم وقد أسلم أهلها، فقال: هي قسم ثالث ودار مركبة من وصفين، حيث قال عن حكم مثل هذه الأرض كما في الفتاوى (١/٩): (أما كونها دار حرب أو دار سلم فإنها مركبة فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه). وقوع الأمة تحت نفوذ العدو واحتلال أرضها نازلة غير مسبوقة، فلا ينفى عن دارها وصف الإسلام؛ ولهذا وجب على أهلها دفعه لاستصحاب هذا الأصل.
عدد الصفحات ٢٤21 أصح تعريف لدار الإسلام اليوم هو: كل أرض يجب شرعا على الأمة وعلى أهلها دفع العدو عنها إذا احتلها أو احتل بعضها؛ إذ لا يجب ذلك في غير دار الإسلام بلا خلاف بين الفقهاء. قيام حكومة تحكم بالإسلام في أي بلد إسلامي هي رئاسة خاصة لتلك البلد ولا يعني قيام الخلافة التي هي رئاسة عامة على الأمة أو أكثرها. الدستور وثيقة سياسية تنظم شئون الدولة وهو عقد لا حكم، وتسميته أبو القوانين بمعنى أنه يحدد دور السلطة التشريعية وصلاحيتها... إلخ. الدستور عقد والعقود بطبيعتها تفيدالإلزام للأطراف التي تلتزم بها إلا أنه ليس أحكاما قضائية كالقوانين، ولهذا حين يخالف أحد الأطراف الدستور أو مبدأ من مبادئه، فإنه لا توجد عقوبة تجري عليه بخلاف القوانين، ولهذا فالقضاء الوضعي اليوم مثلا لا يستطيع أن يحتج بنص (دين الدولة الإسلام) و(الشريعة مصدر رئيس للتشريع) لمنع الربا وإبطاله، والسبب وجود قانون يشرع الربا ويحله فلا يحتج على إبطاله بنص دستوري ما لم يصدر قانون وحكم ملزم؛ ولهذا فالدستور عقد تجري عليه أحكام العقود فيصح بالأصل وتبطل الشروط غير المشروعة، كما في الحديث الصحيح: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط) بخلاف القانون فهو حكم قد يكون كفرا. المحكمة الدستورية تفسر نصوص الدستور عند الخلاف بين السلطات وا لإبطال بمعنى عدم دستورية هذا القرار أو ذاك القانون، ولهذا لا تملك المحكمة الدستورية سلطة الإلزام ولا العقوبة كما هو حال المحاكم القضائية، كالقضية التي جرت في الربا المجمع على تحريمه في محاكم الكويت حيث حكم القاضي ببطلانه احتجاجا بنص الدستور الكويتي بأن دين الدولة الإسلام والشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ولم تلتفت محكمة التمييز لحكم القاضي واحتجاجه بالدستور؛ لوجود قانون. مخالفة القانون تقتضي عقوبةما بينما مخالفة الدستور لا تقتضي ذلك؛ لهذا كانت القوانين أحكاما والدساتير عقودا ومبادئ. البحث هو في معرفة الفرق بين الدستور والقانون وإلا قد يتضمن كلا منهما حقا أو ظلما أو كفرا بحسب موافقة الشرع وعدمه، وقد أدرك هذا الفرق المحدث القاضي أحمد شاكر في كتابه (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر التشريع بمصر) وفرق بينهما، فبينما هو يقول عن القوانين التي تخالف الشرع بأنها (كفر بواح وردة جامحة) يقول (سنحتكم إلى ما يقضي به الدستور) ... إلخ. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عدد الصفحات ٢٥22 أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي الذي يمنع الاعتراف بشرعية النظم السياسية غير نظام الخلافة - قبل الحديث عن أصول الخطاب السياسي الراشدي التي تمنع من إضفاء الشرعية على دويلات الحملة الصليبية في العالم الإسلامي هناك معالم مهمة: أولا: الحديث هو عن أصول الخطاب السياسي الإسلامي لا عن النوازل وأحكام الضرورات فالأصل مثلا حرمة الخمر فلا يصادر هذا الحكم بإباحته للضرورة؟! ثانيا: الحديث هو عن أصول الخطاب السياسي الإسلامي القرآني والنبوي والراشدي لا عن الخطاب المؤول في ظل الاستبداد والخطاب المبدل في ظل الاحتلال؟! ثالثا: حين يتقرر مثلا وجوب الجماعة والاجتماع بنصوص القرآن والسنة القطعية وحرمة الافتراق؛ فهي أحكام عامة للأمة كلها فإذا صودرت جوز تقسيم كل بلد. رابعا: حين يتقرر وجوب أصل من الأصول يثبت حرمة خلافه ويكون منكرا يجب تغييره لا إقراره؛ فأصل الجماعة واجب، والافتراق محرم منكر يجب تغييره إجماعا. خامسا: تغيير المنكر واستعادة الأصل يدخل في باب الإصلاح، وهو منوط بقدرة الأمة ومراعاة مصلحتها العامة، وألا يفضي لمنكر أشد فلا تبطل الأصول بالعجز. سادسا: النظر في الواقع ومشكلاته لا يكون على حساب الأصول التي يجب الرد إليها والاحتكام لها، فلا يتعلل بالواقع لرد حكم الشارع كحال بني إسرائيل. سابعا: الحجة بالكتاب والسنة والإجماع القطعي لا بأقوال هذا العالم أو ذاك، فالفتاوى اجتهادات لها ظروفها الخاصة فلا يحتج بها لرد أصول الشارع. ثامنا: حين يحتج بالمصلحة، فالمصالح المعتبرة شرعا هنا هي مصالح الأمة العامة لا مصلحة هذا القطر أو ذاك؛ ليتحول قاعدة صليبية تهدد مصالح الأمة كلها. تاسعا: الحديث عن أصول الخطاب السياسي الإسلامي لا يتعارض مع فقه المقاربات بشرط أن يقارب الأصول وينحو صوبها، لا أن يعزز المحدثات ويدافع عنها.
عدد الصفحات ٢٦23 عاشرا الاحتجاج بالتاريخ ومحدثاته وسنن الجاهلية كسروية وقيصرية ينقض عرى الإسلام عروة عروة، بل الأصل هو من (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). الحادي عشر: موضوعنا النظام السياسي الإسلامي وحقيقته الموضوعية وأركانه وشروطه التي تتحقق بها ماهيته، وليس الموضوع كفر وعدم كفر الحكومات القائمة. الثاني عشر: لا تلازم بين عدم مشروعية الأنظمة الموجودة؛ لعدم توفر أركان النظام السياسي الإسلامي فيها، والثورة عليها وتغييرها الذي هو حق للأمة. الثالث عشر: عدم شرعية الأنظمة لا ينفي وصف الإسلام عن دول العالم الإسلامي كأوطان ولا عن الأمة كشعوب ولا عن كل من قام بشئونها السياسية كأفراد. الرابع عشر: قامت في عامة دول العالم الإسلامي أنظمة شيوعية واشتراكية وليبرالية وعلمانية وقومية وبعثية ولا يمكن وصفها بأنها أنظمة حكم إسلامي. الخامس عشر: عدم وجود الخلافة لا يقتضي تعطيل الإصلاح الجزئي أو الكلي على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الأمة كلها وتحقيق ما يمكن من العدل. نكمل القول في أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي الذي يمنع الاعتراف بشرعية النظم السياسية غير نظام الخلافة. عدم شرعية الأنظمة التي أقامها الاستعمار بعد سقوط الخلافة يرجع لغياب خمسة أصول: 1- الجــماعة 2- الخـــلافة 3- الشـورى 4- الشـريعة 5- الـجهــاد مـن أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي - الأصل الأول: الـجماعة والاجتماع: فالأمة واحدة ودار الإسلام واحدة والإمامة واحدة: قال تعالى : ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ وفي الصحيح: (من جاءكم وأمركم جميعا يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه).
عدد الصفحات ٢٧24 أجمع الخلفاء الراشدون وسلف الأمة وأئمة السنة أجمعون على أصل الجماعة ووحدة الأمة وحرمة الافتراق ومنع تعدد الدول. قاتل أبو بكر أهل الردة حين افترقوا، وقاتل علي من أراد الافتراق ورضي بالتحكيم لتوحيد الأمة، وتنازل الحسن لجمع الأمة اعتزل الصحابة زمن الفتنة والافتراق ورأوا وجوب وحدة الأمة وقال ابن عمر: (لا أبذل بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة). أجمع الصحابة وسلف الأمة وأئمة السنة على الخلافة أنها نظام الحكم في الإسلام؛ لتواتر النصوص في الخلافة وأصولها وأحكامها. في الصحيح: (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي) فقالوا: وماذا يكون يا رسول الله؟ قال ﷺ: (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول). وقال ﷺ: (قد تركتكم على البيضاء ليلها ونهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين...). وقال ﷺ: (لا يزال الإســـلام عزيــــزا إلى اثني عشر خليـفـة) وقال ﷺ: (إذا بــويــع لخليـفــتـيــن فـاقــتـــلوا الآخــر منهما) وقال ﷺ: (تكون النبوة… ثم تكون خلافة على منهاج النبوة). أجمعت الأمة على بطلان تعدد دول الإسلام وبطلان تعدد الأئمة للنصوص القطعية التي توجب الاجتماع وتحرم الافتراق وتبطله. سئل أحمد عن حديث: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، فقال: ذاك الذي يجتمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا هو الإمام. الأصل الثاني من أصول الخطاب السياسي الإسلامي بعد وحدة الأمة والدولة ومنع الافتراق هو نظام الخلافة الذي ينافي الملك:
عدد الصفحات ٢٨25 تواترت النصوص في تحديد طبيعة النظام السياسي الإسلامي وتمييزه اسما ومضمونا عن كل أنظمة الأرض ملكية وكسروية وقيصرية. قررت النصوص أصل الاستخلاف وأنه للأمةكلها ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭼ وأن الأرض للأمة كما في الحديث: (إن الأرض لله ولرسوله وللمؤمنين). وقال ﷺ: (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)، وقال ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وقال ﷺ: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني) ... إلخ. عـبرت الخلافة عن أصل الاستخلاف للأمة في الأرض وتمكين الله لها ولدينها الذي ارتضى، فالملك لله وحده وهم مستخلفون فيها. أجمع الصحابة على أن أرض الإسلام هي للأمة موقوفة عليها ليست ملك أحد، فلا ملوك ولا أقيال وفي الصحيح: (لا ملك إلا الله)، وفي الحديث: (لا قيل ولا قاهر ولا ملك إلا الله). وقال عمر كما في البخاريوالله إنها لأرضهم عليها قاتلوا في الجاهلية وعليها أسلموا ولولا إبل الصدقة ما حميت منها شبرا). وقال عروة بن الزبير: (الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، جاءنا بذلك الذين جاءوا بالصلوات)، فالمسلمون أخوة والأرض أرضهم. عبرت الخلافة أيضا عن أصول الاعتقاد الإسلامي، فالله وحده هو ﭽﮉ ﮊﭼ وﭽﭓ ﭔﭼ و ﭽﮅ ﮆﭼ ﭽﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﭼ. فـالملك والرب والسيد للناس هو الله رب الناس ملك الناس إله الناس، فلا يتصور أن يقر الإسلام الملك فكانت الخلافة شريعته. كما أنها خلافة عن النبيﷺ ولم يكن ملكا ولا جبارا قال الله تعالى: ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﭼ ﭽ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ فالخلافة امتداد لدولته. وكما أبطل الإسلام الملك أبطل التوريث وجاء بالشورى لتعبر عن الاستخلاف للمؤمنين جميعا وتؤكد أخوتهم والمساواة بينهم. أجمع المسلمون على أن الإمامة والخلافة والإمارة ليست من الحقوق الخاصة وعلى بطلان التوريث لها وأنه ليس من طرق توليها.
عدد الصفحات ٢٩26 قال ابن حزم في شروطالإمامة: (لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها) الفصل (5 /149) وليس ولاية العهد في الاستخلاف من باب التوريث بل من باب الترشيح وحسن النظر في الاختيار للأمة كما فعل أبو بكر مع عمر . فعبرت الخلافة أدق تعبير عن أصول القرآن وحقيقةالإيمان والموقف من الإنسان كخليفة في الأرض والمؤمنين كمستخلفين فيها. فالخلافة ليست رئاسة عامة على الأمة فقط، بل نظام سياسي واقتصادي وعقائدي يعبر عن الإسلام ورسالته وموقفه من الإنسان والمجتمع. الأصل الثالثمن أصول الخطاب القرآني والنبوي والراشدي التي تمنع من الاعتراف بشرعية النظم القائمة: غياب حاكمية الشرع حاكمية الشريعة قطب رحى النظام السياسي الإسلامي فتعرف دار الإسلام بظهور الأحكام وهو الفرق بين المدينة ومكة قبل الفتح. حقيقة دولة التوحيد أن تكون الطاعة لله وحده بما جاء به رسولهﭽﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﭼ وهو أمره وشرعه. وظيفة دولة الإسلام الحكم بما أنزل الله وهو العدل والقسطﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭼ ﭽ ﯹ ﯺ ﯻﯼﭼ. جعل الشارع طاعة السلطة مقيد بالحكم بما أنزل الله فقالاسمعوا وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله) و(ما أقام فيكم كتاب الله). أبطل الشارع كل حكم يخالف حكم الله ورسوله ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﭼ والدين هنا: الطاعة والحكم. وجاء في الصحيح(من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وجاء في شروط البيعة (إلا أن تروا كفرا بواحا) أي: فلا طاعة للسلطة.
عدد الصفحات ٣٠27 فلا يوصف أي نظام سياسي يقوم اقتصاده على الربا الذي حاربه الله ورسوله بأنه إسلامي بل ظهور الربا يتناقض وأصول الإسلام. فلا شرعية للدولة في الإسلام إلا بظهور الأحكام، فإذا تعطلت بطلت الشرعية وفقد النظام السياسي أهم أركانه وأسباب قيامه. الأصل الرابع من أصول الخطاب القرآني والنبوي والراشدي التي تمنع من الاعتراف بشرعية الأنظمة السياسية اليوم: فقد الشوكة شرعية السلطة في الإسلام مرهون بقدرتها على حماية الأمة ودفع العدو كما في الصحيح: (إنما الإمام جُ نة يُ قاتل من ورائه...). السلطة الشرعية جنة ودرعووقاية للأمة تحمي الضعيف من القوي والمظلوم من الظالم داخليا، وتحمي الجميع من العدو الخارجي. إذا صارت السلطة عونا للظالمين في الداخل وللكافرين في الخارج فقدت ولايتها، وتكون سلطتها واقعية قهرية لا شرعية دينية. إذا فقدت السلطة الشوكة والقوة حتى أصبحت تحت نفوذ العدو الكافر وحمايته؛ فإنها تفقد شرعيتها الدينية؛ ولهذا شرع الجهاد. تعطيل الدول في العالم الإسلامي لفرض الجهاد دفعا وطلبا -حتى غزا العدو أرضها واستحل قدسها وفرض نفوذه عليها- يبطل شرعيتها. أقيمت الدولة في الإسلام وشرع الجهاد حتى لا تكون فتنة وتكونالطاعة والحكم لله ولا يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا. اشترط الله للولاية أن تكون من المسلمينﭽ ﯼ ﯽ ﯾﭼ وأبطل ولاية من تولى العدو منهم: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ. كل سلطة مرهون وجودها بوجود العدو المحتل وتقع تحت حمايته، فلا شرعية دينية لها إذ الشوكة ليست لها بل السبيل له عليها. وجود الدول في الأمم المتحدة ووصفها بالاستقلال لا يغير من الأحكام الشرعية شيئا، فهو استقلال صوري والسيادة للدول الخمس. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عدد الصفحات ٣١28 أهــــل الحـــــــــــــــــل والـعــــــقــــــــد مصطلح أهل الحل والعقد ظهر في العهد العباسي أما في عهد النبوة فقد كان العرفاء كالنواب للناس اليوم. ذكر البخاري خـبـر العـرفاء على الناس وقول النبي ﷺ: (أيها الـناس إنا لا ندري من رضي منكم ممن لم يرض فارجعوا حتى يرفع عرفاؤكم أمركم). المراد من العـرفاء هوتسهيل معرفة أمر الناس ومعرفة رأيهم لتحقيق الشورى التي أمر بها القرآن ﭽ ﮞ ﮟ ﮠﭼ فهي حق لهم. المراد هو تحـقق الشورى كما كان يخاطب النبي ﷺ جـميع من كان معه: (أشيروا علي أيها الناس) فلا يخص بها أحدا فيما كان أمرا عاما لهم. قرر عمر عموم الشورى بقولهإني قائم فمحذر الناس هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم... من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا). أعظم أمور المسـلمين اختيار الخليفة وهو شورى بينهم لا بيعة لمن لم يرتضوه ومن لم يختاروه، وجعل عمر حكم من اغتصب السلطة القتل استشار عبد الرحمن بن عوف أهل المدينة جميعا حتى قال في المسجديا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا فلا تجعل على نفسك سبيلا). إذا تقرر حق الأمة في اختيار الإمام بالشورى والرضا وكيلا عنها فلا مشاحة في الطريقة التي يعرف بها رضاهم بالانتخاب أو غيره. ما تقرر من حق للأمة في ظل عهد النبوة والخلافة الراشدة يثبت لها في كل عصر ومصر في ظل الاجتماع أو الافتراق فالخطاب عام لها. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عدد الصفحات ٣٢29 فـــــقــــــه التــغــــلـــــب اشتهر (فقه السنة) و(فقه الزكاة) و(فقه الجهاد) و(فقهالمعاملات) ... أما (فقه التغلب) فهو اختراع جديد يفتح الطريق لفقهنة الانحراف وتأصيله شرعا! اختراع مصطلح (فقه التغلب) شرعنة للطغيان بإضافة الفقه إليه، وتلطيف لجريمة اغتصاب الأمة حـقها في الشـورى، كما لو قـيل: (فقه الاغتصاب) و(فقه الجور). هذه الإضافة (فقه التغلب) تحمل في تركيبها تناقضا فاضحا؛ إذ الفقـه هو: الفهم والعـلم، بينما التغلب: جهل بحكم الله وبحق الأمة وعـدوان عليهما وظلم! ليس للتغلب فقه، بل هو تعطيل لحكم الـشـرع ولفقهه فلا يتصور وجود الفقه حينها، وإنما الحكم حينئذ للواقع وللقوة لا للشرع والحق والموقف منه اضطراري. التغلب ظلم للأمة، وعدوان عليها، ومنكر يجب تغييره، وليس حسنة بين سيئتين؛ ليكون الموقف منه بين غال فيه وجاف عنه! بل بين قادر على تغييره وعاجز عنه! التغـلب لا مشروعـية له في حكم الله ورسول، وهو تعطيل للشرع فلا فـقه له فاخـتراع مصطلح (فقه التغلب) كاختراع مصطـلح (فقه تعطيل الشرع) فهو مصطلح مضلل. حكم التغلب على السلطة: التحريم بالنص والإجماع؛ لقول عمر ( :إني محذر الذين يريدون أن يغصبوا الأمة أمرها) والواجب رد الغاصب وإبطال الغصب فهذا فقهه. عدم قدرة الأمة على منع التغلب في زمن ما وعجزها عن تغيير الظلم وإبطال الغصب لا يرفع التكليف عنها، بل يظل الخطاب قائما، والتنفيذ منوطا بالقدرة! ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عدد الصفحات ٣٣