المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجهول النسب بين رحمة التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي

صفية الوناس حسين

صفحة ٣ من ٤

437 يستوي في ذلك الجنين من نكاح صحيح أو الجنين من وطء محرم ما دامت يؤجل إقامة الحد S اكينونته قد تحققت بنفخ الروح فيه، فهذا رسول عن المرأة التي اعترفت على نفسها بالزنا حتى تضع مولودها، ومن ثم تقوم أن عندما أشار عليه معاذ بن جبل بإرضاعه، وتكرر الأمر مع عمر لا يقيم الحد على امرأة زنت إلا بعد أن تضع وليدها وقال له: إن يكن لك (((عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فأبطل عمر حكمه. كما حرّم الإسلام الإجهاض سواء كان الحمل من علاقة شرعية أو لا لأن المعتبر هنا هو الإنسان، والطفل لا ذنب له ولا يتحمل جريرة والديه. الحقّ في النسب: . 2 بعد أن ضمن الدين الإسلامي للطفل الحق في الحياة، ضمن له الحق في النسب والانتساب لأبيه، حتى لا يكون عرضة للجهالة، ومن ثم ذلك في قوله: اللهضياع حقوق أخرى مثل: الإنفاق والإرث، فيقرر ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ( ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ كما حرّم الدين الإسلامي ]5الأحزاب[ )ﯗﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ التلاعب بالأنساب، أو محاولة انتساب الابن لغير أبيه، حيث قال رسول « : S ا ، وبذلك ضمن الدين الإسلامي للطفل يتيمًا كان أو لا انتسابًا (((حرام لأبيه والتصاقًا بفئته وعائلته وعشيرته، ولم يتركه مجهولا في المجتمع. وللحفاظ على النسب فإنّ من حقّ الطفل أن يأتي إلى هذه الحياة عز وجل، وهي الزواج الشرعي، وليس اللهبالطريقة الشرعية التي أقرّها ، (. دار الكتب العلمية، ط880(/5 انظر: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة، ((( م.995ه4(6 .((((، ص4، انظر: صحيح البخاري، ج6766 رواه البخاري، رقم (((

عدد الصفحات ٣٣

438 بطرق أخرى، وهذا الحقّ يتحمله المجتمع بكامله، وذلك من خلال تجفيف المنابع التي يأتي منها الأطفال غير الشرعيين أو الأطفال مجهولي الأب أو الأبوين، ويكون ذلك بتحقيق الضبط الشرعي والأخلاقي والاجتماعي بشكل يضمن عدم انتشار الحمل غير الشرعي، وذلك بسد أبوابه وجميع السبل المؤدية إليه. إنّ المجتمع الإسلامي لم يعرف في عصوره الأولى ظاهرة تفشي الأطفال غير الشرعيين، وذلك بفضل الإجراءات الوقائية والردعية التي وضعها الإسلام لمحاربة الزنا والطرق المؤدية إليه، أما وقد ابتعد الناس عن تعاليم الإسلام، وكثرت الفتن وأصبحت القوانين الإسلامية مجرّد حبر على ورق في كثير من الدول الإسلامية، فإن عدد الأطفال مجهولي النسب في تزايد مستمر. ومع تفشي هذه الظاهرة فإنّ الإسلام وإن منع نسبة الولد من الزنا (الزاني( ووضع قاعدة: “الولد للفراش وللعاهر (((إلى أبيه البيولوجي الحجر”، فإنه لا يمنع نسبة الطفل لأمّه، لأنّها حقيقة أكيدة. .(((قال القرافي: “فأما المرضعة فالأم مطلقًا، لأن الزنا لا ينافي الأمومة” . الحقّ في الهوية والسم: 3 يكنّى به لأنّ الاسم من حقّ كل طفل أن تكون له هوية واسم حسن يستمر مع الشخص مدى الحياة ويكون رمزًا ملازمًا له في حياته. ولا يمكن للطفل غير الشرعي أن يعيش دون اسم ولا هوية لذلك يظهر من مصطلح حديث يطلق على الأب الذي خلق الولد من مائه، فهو أبوه كونًا وطبيعة - بغض النظر ((( عن كون الولد من علاقة شرعية أو غير شرعية - للتفريق بينه وبين الأب الشرعي والأب المتبني. . وتعريف البصمة الوراثية، المجمع 4و4انظر: نسب الولد خارج رابطة الزواج، الخادمي، ص الفقهي الإسلامي، مكة المكرمة. .7(/4 الذخيرة، القرافي، (((

عدد الصفحات ٣٤

439 مدى حرصهم على إلحاق الطفل (((خلال مطالعة اجتهادات الفقهاء بنسب أبيه متى وجدت قرينة على هذا الإلحاق، ولذلك توسعوا في وسائل إثبات النسب، وتضييق فرص إنكاره، كما سعى الإسلام لمحاربة اختلاط الأنساب وزواج المحارم وشيوع الفاحشة، وانتشار الزنا. بضرورة اختيار الاسم الحسن، فإنّ الأسماء S اوقد أوصى رسول الحسنة تؤثر في تكوين شخصية الولد وترفع من معنوياته وترسم صورة ، وفي هذا (((ذاتية عن الطفل محببة إلى نفسه وأهله ووسطه الاجتماعي دلالة على سماحة الشريعة الإسلامية وشموليتها. دينه: . الحقّ في حفظ 4 ما لم يدلمراعاة لمصلحة مجهول النسب الدينية فإنه يحكم بإسلامه يولدالمولود على الفطرة، فقد روى دليل على خلاف ذلك. لأن الأصل أن الله، قال: قال رسول عن أبي هريرة البخاري ومسلم في صحيحيهما أو ينصرانه أو « : S .(((يمجسانه وحرصًا على الحفاظ على دين الطفل اللقيط اشترط الإسلام في ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ (الملتقط والكافل أن يكونا مسلمين لقوله تعالى: ، فدلّت هذه الآية على أنه لا ولاية للكافر ]141الن[ )ﭴ ﭵ ﭶ على المسلم، إذ لا يؤمن أن يفتن الكافر اللقيط في دينه فيعلّمه الكفر ويربّيه على دينه. وإنّه من أعظم الخطر أن يسلّم أطفال المسلمين إلى أسر غير مسلمة ؛ والإقناع في 07-(04 /(؛ ومغني المحتاج،66 /((؛ والمغني،6/( انظر: الهداية، المرغيناني، ((( .7(-((68 /(مسائل الإجماع، علي بن القطان الفاسي، .6 تربية الأولاًد في الإسلام، محمد عقلة، ص ((( .458، ص8، مج658؛ ومسلم بشرح النووي، رقم50(، ص(، ج4775 البخاري رقم (((

عدد الصفحات ٣٥

440 ويؤخذوا إلى أقطار غير أقطارهم، فتحوّلهم من مسلمين إلى غير مسلمين، أو أن يُرعَوا من قبل منظمات غربية بحجة عدم وجود هذه الرعاية في بلادهم. غير أن الذي نشهده في الوقت الحالي وبالخصوص في الدول المنكوبة لمجاعة أو كوارث طبيعية أو حروب أن الأطفال تلتقطهم الإرساليات التبشيرية النصرانية بالخصوص، بغرض تنصيرهم؛ تحت شعار (إنجيل مقابل طعام( كما يحدث في كثير من الدول الإفريقية، وفي البوسنة والشيشان، وكوسوفا وغيرها. وفي هذا المجال لا يمكن نكران ما تقوم به بعثات الإغاثة الإسلامية، إلا أنها ليست بنفس حجم الإرساليات التبشيرية. في الرضاع والحضانة والرعاية: . الحقّ 5 بمجرد ولادته، فيكون له عليها حق الرضاعيثبت نسب الطفل لأمه على حياته ويستوي في ذلك المولود من علاقة شرعيةوالرعاية حفاظًا المرأة الغامدية إقامة الحدّ عن S اأو غير شرعية؛ وقد أجّل رسول وترضعه، رحمة به.التي اعترفت على نفسها بالزنا حتى تضع مولودها كما يحتاج الطفل لكي ينعم بشخصية سليمة إلى الحبّ والتفهم. ولذلك يجب أن تتم نشأته برعاية والديه وفي ظل مسؤوليتهما، في جو يسوده الحنان والأمن المعنوي والمادي؛ وبما أن الطفل مجهول النسب يفتقد هذا الجو فقد حثت الشريعة الإسلامية على كفالته وحسن رعايته. وقد وردت جملةٌ من الآثار عن الصحابةِ والتابعين تُبين مدى عنايتهم باللقيط وأن حفظهَ وتربيته من الأعمال الصالحة التي يتقربون بها إلى عز وجل، وهذه النظرة تدل على ذلك الشعور الإنساني العظيم الذي الله

عدد الصفحات ٣٦

441 كانوا يتمتعون به ونظرتهم للإنسان أيًا كان باعتباره نفسًا بشرية محترمة لها حقوقها وواجباتها التي كفلتها الشريعةُ لها. ومن هذه الآثار ما جاء في “الموطأ”: (عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفُهُ: يا أميرَ المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: اذهب فهو حرّ، ولك .(((ولاؤُهُ وعلينا نفقتُه( وفي هذا دليل على أنّه يجب على المجتمع والسلطات العامة تقديم عناية خاصة للأطفال المحرومين من الأسرة وأولئك المفتقرين إلى كفاف العيش. وكما يحتاج الطفل إلى الرعاية فإنه يحتاج إلى من يضمه إليه ويحنو عليه، والأطفال مجهولو النسب أكثر احتياجًا إلى ذلك، وقد أشار النبي إلى ذلك في قوله لمن شكا إليه قسوة قلبه فقال لهS قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحَم اليتيم، وامسَح رأسه، وأطعِمه من طعامك، . (((يلنْ قلبك، وتدركْ حاجتك فاللمس أو المسح حاجة طبيعية أساسية وضرورية، وهو وحده لغة تفاهم وتعامل. وتشير الدراسات العلمية إلى حاجة الإنسان إلى اللمس ومدى أهميته فى نموه العقلي والنفسي والصحي، ومن فقد أحد والديه يحتاج إلى رعاية خاصة لكى ينمو نموًا سليمًا، يعينه على التكيف فى المجتمع الذى يعيش فيه، فالأثر الذي تتركه عملية المسح ذو شقين الأول: (.48( الموطأ، كتاب الأقضية، باب: القضاء في المنبوذ، حديث رقم ((( ، والمنذري في الترغيب والترهيب، رقم: 80 رواه الطبراني، وهو في ((( .676/(، وصححه الألباني، انظر: صحيح الترغيب والترهيب، الألباني،544

عدد الصفحات ٣٧

442 على اليتيم: فهو يخفف أعراض الاكتئاب عنده ويقلل آلامه، ويشعره بالرحمة. والثانى: على الماسح على رأس اليتيم: فهو مفتاح لأمراض القلوب، وطريق لإدراك الحاجات. . الحقّ في التعلّم: 6 طلب العلم وضرورة تعليم الأولاًد من أساسيات التربية يعتبر قد أكدت الشريعة الإسلامية على هذا في دعوة صريحة الصحيحة، و ﮆ ﮅ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮀﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ( تعالى: الله قال وواضحة .]5-1العلق[ )ﮓ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮍ ﮊ ﮋ ﮌ ﮉﮇ ﮈ حرص الصحابة على تعليم أبنائهم ومواليهم حتى سادوا الناسوقد أصابه ابن عمر بعلمهم، فهذا نافع مولى ابن عمر -وهو مجهول النسب عمر وغيره حتى غدا من أهل في بعض مغازيه- أخذ العلم عن ابن السلسلة الذهبية في الحديث، وهذا عكرمة مولى ابن الثقات وصاحب المغرب- حفظ -وهو مجهول النسب وأصله من البربر من أهلعباس عن ابن عباس علمه وأجازه بالفتوى. عظَّمت الشريعة الإسلامية قدر العلماء، ورفعت درجاتهم فبالعلم ﯳ ﯴ ﯵ ( تعالى: الله لا بالأحساب والأنساب، قال بالتقوى والإيمان، ﮁ (وقال أيضًا: ]9الزمر[ )ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ .]13الحجرات[ )ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ . الحقّ في النفقة: 7 على القاصرين والصغار اهتمت الشريعة الإسلامية بالولاية فلا بد من إقامة ولي وخصوصًا عندما يتوفى أحد الوالدين أو كليهما ويربيه ويحفظ ماله.على القاصر ينفق عليه ويعلمه

عدد الصفحات ٣٨

443 بوجوب الإحسان إلى الأيتام والمحافظةS افقد أوصى رسول عليهم، والإنفاق عليهم، ومساعدتهم وتيسير أمورهم، فقال .(((اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى كما حثّ على معاملة الأطفال برفق وحنان وتوفير الأمن العاطفي لهم وعدم القسوة عليهم ويجب معاملة الأطفال على مبدأ المساواة الكاملة .اللهعلى اعتبار أنهم أخوة في إلى أن دور ولي اليتيم المتكفل به، هو نفس دور والده، (((وذهب الفقهاء فهو نائب عن والده في ذلك، قال ابن العربي: (قال علماؤنا: في قوله دليل على أنّ للوصي والكافل أن يحفظ ]6الن[ )ﯥ ﯦ( تعالى: الصبي في بدنه وماله؛ إذ لا يصح الابتلاء إلا بذلك، فالمال يحفظه .(((بضبطه والبدن يحفظه بأدبه . الحقّ في التربية: 8 اهتمت الشريعة الإسلامية بالبناء الأخلاقي للطفل المسلم نظرًا للأهمية البالغة للأخلاقيات العامة في التفاعل بين أفراد المجتمع المسلم، كما اهتمت بالآداب الاجتماعية التي تساعد في تعاون أفراد المجتمع وتكاملهم من أجل تكوين مجتمع صالح، يوفر لأفراده العيش الكريم. فيجب أن نلتزم هذه القاعدة الواضحة في تربية أطفالنا ونجعلها أحد .(4(« :Sحقوقهم علينا. يقول .5(04 رواه البخاري، رقم ((( ، دار الكتب 07/( انظر: أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك، الكثناوي، ((( م.995ه4(6،(العلمية، بيروت، ط .4(5/( أحكام القرآن، ابن العربي، ((( ؛ و ضعفه الألباني 8(/(، وقال: حديث مرسل.، انظر: سنن الترمذي،959 رواه الترمذي، رقم (4( .(49، ص(في السلسلة الضعيفة والموضوعة، ج

عدد الصفحات ٣٩

444 والأيتام كسائر الأطفال في المجتمع بحاجة ماسة إلى تربيتهم وتعليمهم المفاهيم والقواعد الحسنة، وغرسها في نفوسهم وتعويدهم على ممارستها. ومن كمال الإحسان تربية الطفل مجهول النسب تربية إسلامية صالحة، وتعليمه فرائض الدين، وآداب الشرع وأحكامه، وفي هذا أجرٌ عظيم وثوابٌ جزيل، ويدخل في الأجر المترتب على كفالة اليتيم. ولكي تؤتي التربية ثمارها لابد أن نشعر هؤلاء الأطفال بأنهم أبناؤنا وإخواننا، فيجوز مناداتهم بالبنوّة ملاطفةً.

عدد الصفحات ٤٠

445 المبحث الثالث نظام التبني والكفالة في التشريع الإلهي والتشريعات الوضعية المطلب الأول التكييف الفقهي والقانوني للتبني والكفالة الفقرة الأولى: التكييف الفقهي والقانوني لكفالة الطفل مجهول النسب: أولً: التكييف الفقهي: الكفالة - كما ذكر الذهبي في “الكبائر”- هي والسعي في مصالحه، من طعامه، وكسوته، وتنمية ماله إن كان له مال، .((( تعالى”اللهوإن كان لا مال له أَنفق عليه، وكساه ابتِغاء وجه .(((وقال ابن الأثير: “الكافل هو القائم بأمر اليتيم، المربّي له” شخصي يصدر عن الكافل (((والكفالة في الفقه الإسلامي التزام سواء كان رجلاً أو امرأة، لأنها تبرع منه مما يضفي عليها صبغة قانونية .67 الكبائر، الذهبي، ص ((( .9(/4 النهاية، ابن الأثير، ((( استعمل الفقهاء الكفالة بمعنى الضمان والالتزام على نحو ما استعمله فقهاء اللغة، وهي ترتب ((( التزاما يثبت في ذمة الكفيل يشمل أي: حق من الحقوق، ولا يتحمل هذا الالتزام إلا من كان أهلاً له. .70/5؛ والمغني،69/(؛ مغني المحتاج،5(6؛ المصباح المنير590-589 /((انظر: لسان العرب

عدد الصفحات ٤١

446 ودينية يبتغي بها وجه المولى عز وجل، وعليه لا يستطيع إلزام غيره بها ولو كان زوجه. وتعتبر الكفالة إحدى صور الرعاية البديلة التي تعترف بها الشريعة الإسلامية للطفل الذي فقد رعاية والديه سواء كان معلوم أو مجهول (((النسب. ثانيًا: التكييف القانوني: نظام الكفالة عبارة عن التزام تطوعي لرعاية طفل وتربيته وحمايته، يتم بعقد شرعي تنتهي بطريقة آلية ببلوغ المكفول سن الرشد القانوني أو عن طريق القضاء. فالكفالة عبارة عن نظام قانوني محدد في قانون الأسرة، يلزم على كل شخص احترام أحكامه. الفقهي والقانوني للتبني: الفقرة الثانية: التكييف أولً: التكييف الفقهي: التبني هو: “استلحاق شخص معروف النسب إلى أبٍ أو استلحاق .(((مجهول النسب، مع التصريح بأن يتخذ ولدًا وليس بولد حقيقي” وعرفه الدكتور أحمد حمد: “بأنه اتخاذ المرء إبنًا له من غير صلبه، ويسمى الابن متبنَّى، وسماه الإسلام دعيًا أي: إبنا بالدعوى لا بالحقيقة .(((بلفظ اللسان لا بسلالة الدم” ثانيًا: التكييف القانوني: جاء في قاموس الاصطلاحًات القانونية: التبني رابطة أبوية تقوم 4 الأحوال الشخصية، محمد ابو زهرة، ص ((( 7(( أحكام الأسرة في الإسلام، محمد مصطفى شلبي، ص ((( ((( موضوع النسب في الشريعة والقانون، أحمد حمد، ص. (((

عدد الصفحات ٤٢

447 على الإرادة دون روابط الدم، تستهدف إيجاد روابط بين المتبني والمتبنَّى (((شبيهة بالنبوة الشرعية. بموجب قرارها على إثر (((وعرفته الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان المتعلق بالمبادئ الاجتماعية والقانونية المتصلة بحماية الأطفال، في الفصل الخاص بالتبني، أن الغرض الأساس منه هو توفير أسرة دائمة للطفل الذي لم يتمكن والداه الأصليان من توفير الرعاية له. المطلب الثاني البعد المقاصدي في إبطال التبني وتشريع الكفالة راعت الشريعة الإسلامية في مختلف أحكامها تحقيق مصالح العباد الكفالة بديلاً له، ودفع المضار عنهم رحمة بهم، فأبطلت التبني، و شرعت في إبطال التبني وتشريع الكفالة.وفيما يلي بيان أوجه الرحمة الإلهية الفرع الأول بيان أوجه الرحمة الإلهية في إبطال التبني حرّم الإسلام التَّبنّي عدلاً ورحمة، فالعدل أن ينسب الإنسان إلى أبيه ﮗ ﮘ ( تعالى: اللهالحقيقي لا أن ينسب إلى أب مستعار، يقول أي: هو أعدل حكمًا؛ ورحمة بمجهول النسب؛ ]5الأحزاب[ )ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ذلك أن التبني صلة صورية قائمة على الكذب والافتراء والخداع ولا يمكنها أن تنتج عاطفة أبوة أو أمومة حقيقية، وسرعان ما سيعلم هذا الولد بهذه الحقيقة المرّة وهذا الخداع الذي مورس عليه، فتكون ردة فعله عنيفة: حقد، .7 المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري، ابتسام القرام، ص ((( .0(: اتفاقية حقوق الطفل، اليونيسيف، المادة998 انظر: منظمة الأمم المتحدة (((

عدد الصفحات ٤٣

448 عقد نفسية، حبّ انتقام ثم انحراف وجرائم. لهذا السبب أراد الإسلام أن تكون الصلة من بداية الأمر صلة حقيقية مبنية على العدل والرحمة. ويمكننا أن نلفت إلى أوجه الرحمة الإلهية في إبطال التبني في النقاط التالية: . الحفاظ على الأنساب من الختلاط: 1 عدّ علماء الشريعة حفظ النسب أحد المقاصد الكبرى والكليات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها، وهي: حفظ الدين، (((والنفس، والعقل، والنسل (النسب(، والمال، وهي مراعاة في كل ملة. و قد بلغ اهتمام الشريعة الإسلامية بالنسب أن عدّته مقصدًا شرعيًا يفضي إلى حفظ المجتمع، ليكون هذا المجتمع المنبت الصالح الذي يحتضن أبناءه ويرعاهم رعاية تمتد من لدن الولادة بل مما قبلها، ليشمل كل مراحل حياة الإنسان، لتصل به إلى النمو السوي والتربية النفسية . (((والفكرية والأخلاقية التي يكون بها الفرد صالحًا ومصلحًا فالنسب من أهم الحقوق وأشدها تأثيرًا في شخصية الطفل ومستقبله، والنسب يحقق مصلحة للمجتمع، فهو من الروابط الوثيقة التي تربط المجتمع بعضه ببعض، بأسره وقبائله وعشائره وعمائره.. الخ. وقد اهتم الإسلام بنسب الإنسان اهتمامًا بالغًا لافتًا للأنظار، ولم يكن هذا الاهتمام أمرًا هامشيًا أو عرضيًا، لأنه يتعلق بصلب الحياة، ولما يترتب عليه من سلامة العلاقات، ولما يستتبعه من حلال وحرام، ولما يقتضيه من الإنسان اللهحقوق وواجبات، بل لأنه أمر منسجم مع الفطرة التي فطر عليها، فالطفل من خلال نسبه يجد من يرعاه ويهتم بشؤونه، ويسهر على .8/( الموافقات، الشاطبي، ((( .47 مقاصد الشريعة، النجار، ص (((

عدد الصفحات ٤٤

449 تربيته، ويساعده على البقاء، فلا يضيع في خضم الحياة ومعتركها، ومن خلاله يجد المحضن الذي يلقى فيه الدفء، والعناية الفطرية الحقيقية. فمن الرحمة بالطفل أن يعرف أصله ونسبه، وأن ينسب إلى أبيه الذي هو من صلبه. والإشفاق على الأطفال لا يكون بتزوير أنسابهم وتزييف آبائهم وأمهاتهم، وتذويب عقائدهم، وتحوير أديانهم، وإن مثل هذا الحرص على الأطفال ينطوي على منابذة لمبادئ الأديان السماوية، ومصادمة لفطرة الإنسان، ومعارضة للحقوق والواجبات والعلاقات. . مراعاة مصالح الورثة: 2 ركزت الشريعة الإسلامية على الأنساب نظرًا لما يترتب عليها من حقوق أخرى في المال والميراث، ذلك أن النسب تترتب عليه حقوق وواجبات بين أفراد العائلة الواحدة، فإذا أضيف فرد دخيل عليهم، يغتصب بعض حقوقهم أو ينقص من أخرى كالإرث مثلاً، فهذا من شأنه أن يثير الحقد بينهم ويقطع أرحامهم. ولا يخفى ما في ذلك من تضييع مقاصد تشريع التوارث بالتنازع بين العنصر الدخيل (الدعيّ( وبين كما أنه عادةٌ تناقض مقصد الشارع من سدِّ العناصر الحقيقية للأسرة. أبواب ومنافذ الخلاف والشقاق والفساد داخل البيت المسلم. وباعتبار أن الإسلام هو دين الحق والعدل، وأيضًا دين الرحمة والتكافل، فإنه لم يمنع رعاية يتيم والإحسان إليه، بل رغّب إلى ذلك، ولكنه في الوقت نفسه نهى عن كل ما من شأنه حرمان ذوي الحقوق من « :S احقوقهم، قال رسول .(((عالة يتكففون الناس ، وانظر: شرح صحيح 7(، ص5، ج(، ومسلم، باب الوصية في الثلث، مج4409 رواه البخاري، رقم ((( .6(8مسلم، رقم

عدد الصفحات ٤٥

450 و في المقابل أجاز الإسلام الوصية للمكفول بثلث المال إعانة له على شق طريقه في الحياة، وهذا من أعظم وأسمى ما جاءت به هذه الشريعة، لأن هذا الولد قد تكون حصته عن طريق تلك الوصية أكبر من حصة الورثة، وهذا يدل على سعة رحمة هذه الشريعة وحكمتها. . الحفاظ على القيم والحرمات الأسرية: 3 إن التبني الذي حرمه الشارع نظرًا لما فيه من مفاسد وخلط في الأنساب، واعتداء على هوية الطفل، له انعكاسات وخيمة على القيم والحرمات الأسرية، ذلك أن الابن المتبنَى يأخذ مرتبة المحارم مع أنه يعتبر أجنبيًا عنهم، فلا يباح له ما يباح للابن الصلبي هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الشخص يحرم عليه الزواج من هؤلاء الأجنبيات، اللواتي يعتبرنه أخًا لهن، وهو يعتبرهن أخواته، غير أنه قد يحدث ويتزوج هذا الشخص المتبنَى بأخواته الصلبيات- دون علمه- وهو محرم عليه، فتختلط الأنساب، ويصبح المجتمع يقوم على نظام فاشل ضعيف الأسس، يعاني خلخلة المجتمع الجاهلي. فهل من الرحمة أن نحرم حلالاً ونحل حرامًا؟ وهل من الرحمة أن يجد الطفل نفسه متزوجًا بأخته، فيعيش صدمة نسب وهمي وصدمة وقوعه في المحظور أو ما يخالف الفطرة؟ إن النسب يثبت عادة نتيجة لرابطة شرعية قانونية، ليس لأحد أن يتعداها أو يتصرف فيها بكل حرية، فيعطي لهذا اسمه أو نسبه بغير وجه حق؛ أو يدمج شخصًا أجنبيًا غريبًا في الأسرة، يشاركهم في حياتهم ويسلبهم حقوقهم، ويتعدى على نسبهم... غير أن ذلك كله لا يخوّله أن يتمتع بحقوق المودّة والرّحمة، وهي حقوق معنوية لا تتحقق إلاّ في صلة الدّم واللّحم، ولا يمكن تجسيدها في نسب أو قرابة مصطنعة، بل بالعكس تؤدي إلى توليد نوع من التنافر تؤثر على هذا الطفل نفسيًا؛ ومن جهة أخرى فإن

عدد الصفحات ٤٦

451 تجريد هذا الطفل من نسبه الأصلي إن كان معلوم النسب دون رضاه أو بغير علمه سيولد له اعتقادًا بأنه ينتمي إلى تلك العائلة، ولكن ما إن يكتشف هذا (((التزوير يتحول حبه لوالديه الذين تبنياه كرهًا واحتقارًا لهما النسب: . حماية حقوق الطفل مجهول4 لقد جاءت أحكام الشريعة بصفة عامة محققة لمصلحة الإنسان المؤكدة، ومن هنا نجد مراعاة مصلحة الطفل مجهول النسب في جميع الأحكام التي شرعت من أجله، فعندما يأمر الإسلام بإلحاق الطفل بنسبه الأصلي، فإنما ذلك لمصلحة الطفل حفاظًا على شخصيته ومستقبله، وعندما يأمر بكفالته وحسن رعايته فذلك لمصلحة الطفل، كي ينشأ في بيئة أسرية مستقرة، وعندما يأمر بحسن التربية والرأفة في المعاملة، ففي ذلك حفظ وصيانة لصحته النفسية وسلامته الفكرية، وهكذا تتقرر المصلحة في كل شؤون الطفل. إنّ التبني فيه اغتصاب لنسب الغير وتجريد الطفل من هويته ونسبه الأصلي، فأي رحمة هذه التي تبنى على الاغتصاب والظلم. إن الأبوة والأمومة ليست ألفاظًا تتردد ولا عقدًا يعقد ولكنها حنان وشفقة (((وارتباط لحم ودم. الفرع الثاني بيان أوجه الرحمة الإلهية في التشريعات الخاصة بالطفل مجهول النسب برزت رحمة الإسلام في رعاية الأطفال مجهولي النسب في ناحيتين: .7(( أحكام الأسرة في الإسلام، محمد مصطفى شلبي، ص ((( .9 تنظيم الإسلام للمجتمع، محمدأبو زهرة، ص (((

عدد الصفحات ٤٧

452 الأولى: في تشريعاته وتعاليمه: وذلك من خلال تشريع مبدأ الأخوة في الدين والموالاة، وتشريع نظام الكفالة. الثانية: في صورة تقديمهم للمجتمع: فهم يتامى أو إخوة في الدين وموالي. رعاية مجهولي النسب من خلال الفقرة الأولى: رحمة الإسلام في تشريعاته وتعاليمه: رحمة الإسلام في تشريع الكفالة:أولً: تعتبر الكفالة إحدى صور الرعاية البديلة التي تعترف بها الشريعة الإسلامية للطفل الذي فَقَد رعاية والديه سواء كان معلوم النسب أو (((مجهوله. وتظهر الرحمة الإلهية في تشريع الكفالة في الجوانب التالية: تحقيق الرعاية البديلة للطفل مجهول النسب: . 1 رغَّب الإسلام في رعاية الطفل -سواء اللّقيط أو اليتيم- والاهتمام به والاعتناء بتربيته والإنفاق عليه حتى ينشأ النشأة الكريمة التي تتيح .(((له أن ينمو في بيئة صالحة تكرمه وتحنو عليه فوجود الطفل بين أبيه وأمه في محيط أسرة تحيطه بالرعاية والاهتمام في فترة الطفولة هو أبسط حقوق هذا الطفل ومن أهمها، لهذا جعل الإسلام .400 الأحوال الشخصية، محمد أبو زهرة، ص ((( م نظام الكفالة كبديل لنظام التبني بالنسبة للدول 989 وقد أقرّت اتفاقية حقوق الطفل لسنة ((( الإسلامية التي تحرم التبني شرعًا وقانونًا، واعتبرتها إحدى الوسائل البديلة للطفل الذي لا أسرة له، والتي يجب أن تمنح لكل الأطفال الذين لا عائل لهم. والشيء الذي نلاحظه وهو أن م ما هي إلا تأكيد على ما جاءت به أحكام 989المعايير التي جاءت بها اتفاقية حقوق الطفل لسنة الشريعة الإسلامية من قبلها، فأكدت على أهمية الأسرة في حياة الطفل وحقه في الانتساب إليها واعتبرتها من أبسط وأهم الحقوق التي يتمتع بها الطفل.

عدد الصفحات ٤٨