المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجهول النسب بين رحمة التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي

صفية الوناس حسين

صفحة ٢ من ٤

421 ﭺ(: نهى عن قتل الأولاًد خشية الفقر فقال اللهإنّ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ، وفي طرح الأولاًد ونبذهم قتل معنوي لهم، ]الإ[ )ﮉﮈ نظرًا لفظاعة هذا العمل وقسوته وتنافيه مع عاطفة الأبوة، ومجافاته للرحمة. قدّر الأقوات والأرزاق ولم يكلّف النفس فوق الله: أنّ الحقيقة الثالثة ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ (: طاقتها، يقول ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ يغني هذه المرأة بعد فقرها الله؛ ومن يدري لعل ]الطلاق[ )ﮒﮑ فتفتقد طفلها الذي طرحته بدون رحمة فلا تجده، فتعيش حياتها وهي تعضّ أصابع الندم. : من حرص الإسلام على وجوب النفقة للأطفال أن الحقيقة الرابعة « :S اعدّها من أعظم الصدقات أجرًا قال رسول ، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت اللهأنفقته في سبيل به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك... أعظمها أجرًا الذي . (((أنفقته على أهلك التي وسعت كل شيء؛ رحمة بالطفل من الضّياع، اللهفهذه هي رحمة ورحمة بالأمّ من فقد وليدها، ورحمة بالمنفق أن لم يكلّفه فوق طاقته، وجعل نفقته صدقة يؤجر عليها، فما أعظمها من رحمة. وقد يكون تخلي الأبوين الفقيرين عن الطّفل نوعًا من البيع والشراء يتمّ بين المتبني والأب العاجز عن سدّ نفقات أطفاله، فيسلّمه ولده متنازلاً عن ؛ وانظر: ((، ص (، ج( رواه مسلم، باب فضل النفقة على العيال، انظر: الجامع الصحيح، مج ((( .88/4،995شرح صحيح مسلم، رقم

عدد الصفحات ١٧

422 نسبه مقابل دراهم معدودة، ولعلّ المذنب هنا ليس الأب وحده، بل تشاركه فيه الدولة التي يعيش في ظلّها لعجزها عن تأمين الحياة الكريمة لجميع أفرادها، فيلجأ بعض أفرادها لبيع أولاًدهم كبيع الحيوان كما يحدث في بعض دول شرقيّ آسيا. لأجل ذلك شرّع الإسلام الزكاة، وحثّ على التكافل الاجتماعي رحمة بالفقراء ومساعدة لهم دون منّ أو أذى. والسرقة: ثانيًا: الضّياع والضّلال فقد يسرق الطّفل وهو في المهد في غفلة من أهله بقصد الإيذاء أو لغرض الاستغلال أو لعدم إنجاب أطفال، ثم يندم الفاعل ويخشى أن يكشف أمره فيتورّط، فيلقيه في مكان ما تخلّصًا منه؛ أو أن يضلّ الطّفل عن أهله في سوق مثلاً، ولا يتمّ التّعرّف عليه وهو صغير لا يعرف شيئًا عن أبويه، فيلتقطه أحد النّاس ويكفله ويقوم برعايته. ثالثًا: الحروب والكوارث الطبيعية: قد تكون الحروب سببًا في وجود فئة مجهولي النسب، حيث ينزح الناس من ديارهم ويتشردون قهرًا وعنوة من شدة ما يتعرضون له من قتل وتدمير، ويموت الأبوان فيتركون أبناءهم خائفين مذعورين من هول المذابح، فيتمّ العثور عليهم، فتتمّ كفالتهم وتربيتهم على أنّهم مجهولي النّسب ويحملون اسم اللّقيط. والغريب أنّ الذين يشنون الحروب ويدعون إليها يدركون نتائجها والمآسي التي يتعرّض لها الأبرياء من المدنيّين وخاصة الأطفال، ولكن هذا لم يمنعهم من شنّ هذه الحروب، ولم يوقفهم من ارتكاب هذه الجرائم... ولكن من عجيب رحمتهم أن دعوا إلى الإحسان إلى من كانوا سببًا في شقائهم وتعاستهم؟

عدد الصفحات ١٨

423 وبنفس الصّورة أيضًا، ما يحدث جرّاء الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وموجات المدّ البحري إذ تنعدم العائلات، ويتشرّد الأطفال أو يختلطون فلا يعلم من آباؤهم ولا أمّهاتهم فيؤخذون إلى الملاجئ لقطاء. الفقرة الثانية: الأسباب الخاصة: وتشمل الظروف المباشرة التي تكون سببًا في وجود مجهول النّسب وهي: الفضيحة نتيجة الفاحشة (الزنا):أولً: الخوف من حيث تعمد المرأة إلى طرح وليدها ونبذه في قارعةِ طريق أو أمام بابِ مسجد خوفا من الفضيحة والعار نتيجة الفاحشة، فتترك مصيره للمجهول فلا يعرف له أب ولا أم. و لهذا حرّم الإسلام الزّنا تحريمًا قاطعًا لا خ .]الإ[ )ﮓﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ(تعالى: فالزنا من أخطر وأبشع الوسائل المُفضية إلى اختلاط الأنساب وضياعها، لأجل ذلك لم تكتف الشريعة بتحريمه بل حرّمت أيضًا مقدّماته والوسائل المؤدّية إليه؛ ووضعت في سبيل التّحذير من الوقوع فيه أشدّ الحدود، وأعظمها في إيقاع الألم بفاعله. فشرّعت عقوبة الجلد مائة جلدة على ملأ من الناس بدون رأفة ولا شفقة -إن كان ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ (مقترف هذا الإثم غير متزوج- قال تعالى: ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ .]النور[ )ﭷﭳ ﭴ ﭵ ﭶ أن شدّد في العقاب على من يرتكب الزنا رحمة بهم اللهفمن حكمة وبمن يكون وجوده متعلّقًا بفعلتهم؛ ففي انتشار الزّنا وفي جرأة النّاس عليه

عدد الصفحات ١٩

424 فسادٌ عظيم وهلاكٌ للقيم والأخلاق، واختلال في الأمن والنظام، وانتشار للأمراض ولا شك أن هذه المفاسد تمسّ المجتمع بأكمله من أتى الفاحشة ومن لم ينكرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الضّرر يلحق فئة أخرى لا ذنب لها إلاّ أنّها كانت نتيجة وقوع هذا الفعل. فالذين يدّعون أنّهم رفقاء بالخلق لن يكونوا أرفق على الخلق من ، فمن يرى في تحريم الزّنا مساسًا بالحريّات الشّخصية، ويرى >خالقهم في عقوبة الزّنا القسوة والفظاظة والظّلم، فهؤلاء هم الزّناة وهم البغاة، وليس هؤلاء أصحاب القلوب الرّحيمة إنما هم مارقون أفّاكون، يتسببون في الفساد ثم يدّعون الرّحمة. ثانيًا: عجز الأم عن إثبات النسب: ، أو (((قد يكون الولد ثمرة زواج عجزت الأمّ عن إثباته (الزّواج العرفي( خشي الطرفان لعدم توافر بعض شرائط العقد الصحيح وهو ما يعرف في الفقه الإسلامي بدون شاهدين أو تمّ بشكل مخالف لنظام البلد ولا يوجد مستند يثبت حيث يشترط الطّرفان (((هذا الزواج، أو أن يكون من إفرازات زواج المسيار أو أحدهما عدم الإنجاب، فإذا ما حدث الحمل حصلت المشكلة، فيسعى الطّرفان لحلّها بالتّخلص من الولد خشية تبعات هذا الأمر التي ستنعكس عليهما دون التّفكير في مصير هذا الطفل. ولهذا رأى العلماء ضرورة ووجوب توثيق عقود الزواج حماية للأنساب وحفاظًا على حقوق المرأة والطّفل -الميراث، النفقة...- واعتبروا ذلك يطلق الزواج العرفي على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية كانت أو عرفية. انظر: السياسة ((( . 4(الشرعية في الأحوال الشخصية، عبدالفتاح عمرو، ص وهو الزواج الذي من خلاله تسقط المرأة بعض حقوقها الشرعية بالاختيار مثل: المبيت، النفقة، ((( .6السكن. انظر: فتاوى معاصرة، الزحيلي، ص

عدد الصفحات ٢٠

425 من باب المصلحة المرسلة، وكلّ ما فيه مصلحة شرعيّة، فيه وجه من وجوه الرّحمة، فالشّريعة إذا كانت وافية بمصالح العباد متكفلة بإسعادهم كانت كلّها رحمة.

عدد الصفحات ٢١

426 المبحث الثاني حقوق الطفل مجهول النسب في التشريعات الوضعية والتشريع الإسلامي عمر الإنسان فقد حظيت في لمّا كانت الطفولة مرحلة خطرة من خاصة وحماية متميّزة من خلال إقرار جميع النظم والتشريعات برعاية كغيره الحقوق لهذه الفئة الضّعيفة. والطّفل مجهول النسب جملة من كما تثبت له حقوق من الأطفال تثبت له تلك الحقوق -من باب العدل- عنه الإجحاف والقصور وتحميه من خاصة -من باب الرّحمة- لترفع الشوارع، وبيانها فيما يلي: آثام الأيادي وانحراف المطلب الأول حقوق الطفل مجهول النسب في التشريعات الوضعية وأصدرت (((م989عقدت الأمم المتحدة مؤتمرًا لحقوق الأطفال عام تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل أول وثيقة في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، تفرض ((( حقوق الطفل على الدولة بقوة الإلزام القانوني، وقد سبق هذا المؤتمر اتفاقيات أخرى مثل: م، وإعلان الأمم المتحدة حول حقوق الطفل لعام 9(4إعلان جنيف حول حقوق الطفل لعام (: اتفاقية حقوق 998م، ولكنها لم تحمل صفة الإلزام. انظر: منظمة الأمم المتحدة 959 الطفل، اليونيسيف: مكتب الأردن، عمان.و انظر: أيضًا The full text of the Convention of the rights of the child, UNICEF Publication, 1989, New York.

عدد الصفحات ٢٢

427 ( مادة، تتعلق جميعها بحقوق الأطفال 54توصيات كثيرة تتكون من وحمايتهم ويمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام رئيسة: (. الحقوق المعيشية وتركز على حقّ الطفل في الحياة وإشباع حاجاته الأساسية كالغذاء والرعاية الصحية والسكن. (. الحقوق التنموية وتتعلق بالحقوق التي يحتاجها الأطفال من أجل اكتمال تنشئتهم الاجتماعية وإعدادهم لممارسة الحياة بشكل فعّال مثل: التعليم، التربية، ممارسة العبادات الدينية، حرية التفكير واللعب. (. حقوق الطفل في الحماية من أي: اعتداء أو إساءة معاملة أو إيذاء أو إهمال أو استغلالهم بأي شكل. 4 .حقوق الطفل المجتمعية والتي تتطلب أن يتمتع الأطفال بدور بارز في المشاركة المجتمعية والتمتع بحرية التعبير. وسنقتصر في هذا البحث على ذكر ما يتعلق بحقوق الطفل مجهول النسب ونقسمها إلى قسمين: : الحقوق العامة:أول ويقصد بها تلك الحقوق التي يشترك فيها جميع الأطفال دون أي: استثناء أو تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين، أو الأصل الاجتماعي، أو أي: وضع آخر له أو لأسرته، وأهمها: الحقّ في الحياة. حقّ الحماية من جميع أنواع التفرقة أو العقاب أو الإهمال. الحقّ في الاسم والهوية: يجب تسجيل وتسمية كل طفل مباشرة بعد الولادة، ويترك حق التسمية للوالدين، كما يجب إعطاء الطفل حقًا

عدد الصفحات ٢٣

428 مباشرًا في اكتساب الجنسية والهوية الاعتبارية، ولا يحق حرمانه منها بأي شكل. توفير الحماية للطفل من أي: إيذاء بدني أو نفسي أو جنسي أو غيره من أشكال الإهمال وسوء المعاملة. حقّ الرعاية الصحية: من حق الطفل أن يتم علاجه من الأمراض وتجنيبه كل ما يعرض صحته للخطر. الحقّ في التعليم: بحيث يكون التعليم إلزاميًا ومتوفرًا لجميع الأطفال ولا بد أن يكون موجهًا إلى إفادة الطفل في نمو شخصيته وتنشئته الاجتماعية بالشكل السليم لكي يصبح عضوًا مفيدًا في المجتمع. حقّ الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي: عمل يشكل خطرًا على حياته. الحقّ في الحماية من جميع أشكال الاستغلال الجنسي وتتخذ التدابير الملائمة لذلك. حقّ الطفل في الأمن الاجتماعي والتغذية والرعاية الصحية: وتحقيقًا لهذا الهدف يجب أن تُمنح الرعاية والحماية له ولأمه قبل ولادته وبعدها. حقّ الطفل في الرعاية العائلية: لكي تكون للطفل شخصية كاملة متناسقة، يجب أن يحظى، بالمحبة والتفهم، كما يجب أن ينمو تحت رعاية والديه ومسؤوليتهما، في جو من الحنان يكفل له الأمن من الناحيتين المادية والأدبية. ويجب ألا يفصل الطفل عن والديه في مستهل حياته إلا في حالات استثنائية. حقّ الطفل في بيئة أسرية ملائمة: تؤكد اتفاقية حقوق الطفل

عدد الصفحات ٢٤

429 على دور الأسرة الرئيس في تنشئة الطفل ورعايته في بيئة عائلية في جو من السعادة والمحبة والتفاهم، وعلى كلا الوالدين تحمل مسؤولية تربية الطفل ونموه النفسي والوجداني والانفعالي، وتكون مصالح الطفل الفضلى موضع اهتمامهم الرئيس. ويظهر لنا من خلال عرض هذه الحقوق أن هذه الاتفاقية حرصت على تحقيق مصالح الطفل، ولكنها أغفلت جملة من الحقوق الضرورية التي تجعل الطفل سويًا، وأهمها: نصّت الاتفاقية على حقّ الطفل في الحياة، لكنها أغفلت الإشارة إلى حظر الإجهاض مع أنه من أهمّ أسباب الوفيات بين النساء، لا سيما وأنّ اللواتي يجهضن فتيات دون سن الخامسة والعشرين، وأنّ الدافع الرئيس لحالات الإجهاض هو من الحمل غير الشرعي؛ كما أغفلت الإشارة إلى منع تطبيق حكم الإعدام على الأم الحامل حتى تضع حملها حماية لحقّ الجنين في الحياة. على الرغم من الدور الأساس الذي تعترف به الاتفاقية للأسرة والوالدين في رعاية الطفل وحمايته، إلا أنها في المقابل سلبتهما حقوقًا جوهرية أقرت لهما بها وثائق حقوق الإنسان الأخرى كتأمين التعليم الديني والأخلاقي الذي يتماشى مع معتقداتهم الخاصة، وهذا يعد تراجعا عن حقوق ثابتة في وثائق دولية سابقة. قيّدت الاتفاقية من سلطة الوالدين على الطفل، وذلك بمنحه حقوقًا يمارسها بشكل مستقل وحريات لا تخضع لأي رقابات من قبلهم كحرية المراسلات وحرية الفكر، والحقّ في الحياة الخاصة، وجعلت دور .(((الآباء مقصورًا فقط على توجيه الطفل في ممارسة هذه الحقوق .6( حقوق الطفل في الإسلام والاتفاقيات الدولية، سمر خليل محمود، ص (((

عدد الصفحات ٢٥

430 أغفلت الاتفاقية الربط بين الطفولة والأمومة ولم ترتب أية حقوق للأمومة واكتفت بالإشارة إلى الرعاية الصحية للأمهات قبل الولادة وبعدها. لم تذكر الاتفاقية شيئًا عن حقوق الطفل فى العقيقة ولا الرضاعة الطبيعية ولا الختان ولا الميراث ولا التربية على الدين فتلك الحقوق وغيرها انفردت بها الشريعة الإسلامية وأُغفلت فيما سواها؛ ولا يخفى ما فيها من جوانب الرحمة بالطفل. كما أغفلت حقوقًا أساسية منحها الإسلام للطفل قبل الولادة وهي ذات تأثير مهم على مستقبله، وأهمها: حسن الاختيار عند الزواج (مراعاة الدين والفضيلة في الزوجين(. حصر العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة في الزواج الشرعي: وشتان بين طفل ينشأ بين أحضان والديه، وبين طفل يجهل نسبه فيشب محرومًا من عواطف الأسرة وحنان الأبوة والأمومة. وهذا ما تفتقر إليه القوانين الدولية التي تنظر إلى الزنا أنه من الحقوق الشخصية ولا تعاقب عليه إلا إذا حدث من أحد الزوجين. فكانت البلاد الغربية عامة مسرحًا لشيوع الفاحشة والفساد الخلقي نتيجة إباحة الزنا، فكان أغلب المواليد في أوروبا مثلاً أولادًا غير شرعيين لا يعرفون لهم آباء ولا أسرًا، حيث بلغت نسبة المواليد خارج الرابطة الزوجية في ((( %55.(% وفي السويد9.5% وفي بريطانيا4(.6فرنسا إنّ مما نصت عليه هذه الاتفاقية حق الطفل في بيئة أسرية ملائمة، وهي تؤكد على دور الأسرة الرئيس في تنشئة الطفل كفالة اليتيم تأصيلاً وتنزيلاً، د. محمد ويلالي، شبكة الألوكة. (((

عدد الصفحات ٢٦

431 ورعايته؛ ولكن ما هي الأسرة التي تقصدها هذه الاتفاقيات؟ أهي الأسرة الزواجية التي تقوم على الاتحاد بين الرجل والمرأة بصورة يقرها الشرع والمجتمع؟ أم هي تلك الوحدة الاجتماعية القائمة على الترابط الجنسي دون أن تجري فيها الإجراءات الرسمية والقانونية والدينية؟ أم أنها تتسع لتشمل كل وحدة اجتماعية مكونة من شخص واحد أو مجموعة أشخاص تكفل لنفسها استقلالاً اقتصاديًا منزليًا سواء انطوت هذه المجموعة على وجود نساء (((وأطفال أو اعتمدت على عنصر الرجال فقط؟ هل يمكن لمثل هذه الأنماط من الأسر أن توفر الرعاية للأطفال؟ هل أسر المثليين تعد أسرًا ملائمة لحضانة الأطفال وكفالتهم؟. في الحقيقة إن هذه العلاقات لا يمكن أن نطلق عليها لفظ أسرة، لأن الأسرة لا تقوم إلا على العلاقات الزواجية المعترف بها عرفًا وقانونًا، ومحاولة إدخال العلاقات الأخرى تحت مفهوم الأسرة هو من باب التلفيق في المصطلحات وتسميتها بغير ما تدلّ عليه. ثانيًا: الحقوق الخاصة بالطفل مجهول النسب: ( من ذات الاتفاقية على أنّ: 0تنص المادة (. للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية أو الذي لا يسمح له بالبقاء في تلك البيئة، الحقّ في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة، حفاظًا على مصالحه الفضلى. (. تضمن الدول الأطراف وفقًا لقوانينها الوطنية، رعاية بديلة لمثل هذا الطفل. % (( وهذا تعريف بعض المفكرين الأمريكيين للأسرة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية يوجد حوالي ((( من إجمالي الوحدات العائلية تتكون من شخص واحد. وينطبق هذا التعريف أيضًا على المؤسسات .((الاجتماعية التي ترعى مئات الأطفال.انظر: الأسرة والمجتمع، د/حسين عبدالحميد رشوان، ص

عدد الصفحات ٢٧

432 ( .يمكن أن تشمل هذه الرعاية، في جملة أمور الحضانة، أو الكفالة الواردة في القانون الإسلامي، أو التبني، أو عند الضرورة الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال، وعند النظر في الحلول، ينبغي إيلاء الاعتبار الواجب لاستصواب الاستمرارية في تربية الطفل والثقافية واللغوية. والدينية(((ولخلفية الطفل الاثنية ويظهر لنا من خلال هذه المادة أنّ التشريعات الغربية عالجت وضع مجهول النسب من خلال وسيلتين: :الأولى: ابتداع نظام التبني فقد أباحت الاتفاقية التّبنّي، بحجة الحرص على مصالح الأطفال والإشفاق عليهم من الضياع. والعمل بنظام التبني ليس وليد هذه الاتفاقيات بل هو امتداد لما كان عليه الحال في عهد الرومان، حيث ابتدع القانون الروماني نظام التبني لهؤلاء الأطفال اللقطاء -وخاصة بعد الحروب- وأطلق عليهم اسم أولاًد المجتمع، فحقّ على المجتمع أن يتولاهم برعايته وحمايته، وإذا كان من المستحيل أن يعوضهم عن عطف الأبوة وحنانها فإنه يغنيهم عنها صحيًا .(((وجسميًا ولو تعذر التعويض نفسيًا إن المتأمّل في هذا الكلام يجد فيه الكثير من الرحمة والحرص على مصلحة الطفل ولكنه كسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره كله عذاب، فهذا النظام بلا شك يعول اليتيم ويضمه إلى أسرة جديدة ولكنه يلغي نسبه وهويته وحتى دينه؛ هذا فضلاً عن انحراف البعض بهذا النظام مشتقة من اللغة اليونانية القديمة وتعني الشعوب غير المنظمين في المدن أما Ethnos وكلمة الاثنية ((( في العصر الحديث استعملت للدلالة على مجموعة الخصائص الدينية والعرقية واللغوية والثقافية 8/P 976التي تتميز بها مجموعة بش .9 تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة، ص (((

عدد الصفحات ٢٨

433 حيث أصبح التبني وسيلة للاتجار غير المشروع بالأطفال بل وحتى إيذاؤهم. فالرحمة لا تكون بتزوير الأنساب وتزييف الآباء والأمهات، وتذويب العقائد، وتحوير الأديان، وإنّ مثل هذا الحرص ينطوي على منابذة لمبادئ الأديان السماوية، ومصادمة لفطرة الإنسان ومعارضة للحقوق والواجبات والعلاقات. إنّ اللجوء إلى نظام التبني لحلّ مشكلة اللقطاء حلّ سهلاً لكن هذا الحلّ لم يحل المشكلة بل زادها تعقيدًا، حيث زادت نسبة الزنا والفاحشة وارتفعت نسبة الأولاًد غير الشرعيين واللقطاء، ممّا شكّل عبئًا عظيمًا وخطيرًا جدًا .(((على كاهل الدّول بإنفاق المليارات من الدولارات لرعاية هؤلاء اللقطاء كما أنه لا يخفى على أحد أن من نتائج هذه الإباحية تزوير للعلاقات الإنسانية، وفيه ما فيه من اعتداء على حقوق الإنسان التي أعلنتها تعاليم الإسلام في الزواج والمواريث وغيرها من الحقوق. ومن المعلوم أن التزوير في الوثائق والمحررات تحرمه القوانين وتعاقب عليه بأشد العقوبات، فما بال بعض الدوائر الرسمية العالمية تبيح التزوير في الأنساب التي هي أخطر من المحررات الحقوقية التجارية. وللعلم: فإنّ فقد الطفل لأسرته ليس علاجه التبني المحرم، إنما هنالك بدائل متعددة تتفق مع الفطرة وتتفق مع العقل، وتتفق مع مصالح الأطفال، وتتفق مع مصالح الإنسان وحقوق الإنسان مثل: كفالة اليتيم أو رعاية الأطفال. إيداع الطفل الملجأ: أما الوسيلة الثانية فهي حيث يفتقد الحب والحنان والعاطفة والتوجيه والتربية. ولقد أثبتت .5(( التبني ومشكلة اللقطاء وأسباب ثبوت النسب، د/ أسامة الحموي، ص (((

عدد الصفحات ٢٩

434 الدراسات الحديثة عظم الفارق بين الطفل الذي ينشأ في وسط أسرة .(((وغيره الذي يتربى في المحاضن والملاجئ فالطفل الذي يعيش وسط أعداد كبيرة من الأطفال في مثل عمره، لا يستطيع أن يكون مستقل الشخصية، يحسّ بفرديته وتميزه، ذلك أن أفعاله ونشاطاته قد ضاعت وذابت وسط ذلك القطيع الذي وجد فيه في مرحلة الطفولة، فطغى على شخصيته. والفرد الإنساني لكي يبلغ قوته الكاملة فإنه محتاج إلى عزلة نسبية واهتمام جماعة اجتماعية محددة .(((ممثلة بالأسرة وقد تبيّن بالدراسة الميدانية أن التوازن العقلي للطفل يرتبط بضرورة تمتعه بعلاقة حميمية ومستقرة مع أمه أو مع المرأة التي تحل محلها بشكل دائم، وأنه من أسباب ظهور الاضطراب في الشخصية والعصاب، الحرمان . (((من عناية الأم، أو العلاقة المتقطعة وغير الدائمة بين الطفل والأم % من الأيتام الذين يُغادِرون 0ونظَرًا لقلَّة العِناية بهذه الشَّرِيحة، فإن % من الفتيات إلى 60المَلاجِئ يُقدِمون على الانتِحار، ويتحوَّل أَزْيَدُ من % من الأطفال الذُّكور إلي عالَم الجريمة، 70مُمارَسة البغاء، وينضم بالإضافة إلى استِغلال العديد منهم في مِهَنٍ غير آدميَّة، لا لشيءٍ إلا . (4(لأنهم لا كافِل لهم ولا مُؤوي إن الملاجئ بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصحيح ونظامه في كفالة اليتيم؛ فالكفالة لا تكون بدفع المال إليه لرعايته ماديًا بل هو أحوج إلى الرعاية الروحية التي تطيب نفسه فتمنحه الحب والأمن لينشأ .5(-(5( حقوق الطفل، عبدالهادي، ص ((( .04 الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، ص ((( .04 الأمومة نمو العلاقة بين الطفل والأم، د/ فايز قنطار، ص ((( .70 حقوق الطفل في الإسلام والاتفاقيات الدولية، سمر خليل محمود، ص (4(

عدد الصفحات ٣٠

435 سويًا مستقيمًا. والأسرة هي المحضن الطبيعي والوحيد لنشأة الأطفال اليتامى وغيرهم نشأة صحيحة وسليمة. ، (((فالطفل يحتاج إلى الرحمة، إذ « :Sكما يحتاج إلى الحنان والمحبة والرفق في المعاملة لقوله فهو مأمور الله»...(((الرّعاء الحطمة بالرفق والرأفة بهم، فكيف إذا كانوا أطفالاً صغارًا؟ المطلب الثاني حقوق مجهول النسب في التشريع الإسلامي تعتبر مرحلة الطفولة أهم المراحل في تكوين الشخصية البشرية ونظرًا لأهمية هذه المرحلة، اهتمت الشريعة الإسلامية بالأطفال اهتماما بالغًا. فقبل أن تعرف الإنسانية حقوق الإنسان وحقوق الأطفال نجد أن (الشريعة الإسلامية ومنذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عام اعترفت بوجه عام للإنسان، والطفل بشكل خاص بحقوق وضمانات لا يجوز حرمانه منها أو الانتقاص من جوهرها وألزمت المخاطبين بأحكامها بضرورة .(((كفالتها وتوعدت من يخل بها بعقاب في الدنيا والآخرة( ولقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية العديد من الآيات والأحاديث وليس لأحد فيها كرمًا أو منة اللهتؤكد أنّ هذه الحقوق حقّ فرضه فهي لم تفرض عبر المؤتمرات والندوات كما هو الحال في الكثير من ؛ وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم 69، ص(، ج9(7 رواه الترمذي في السنن رقم ((( .6يخرجاه، انظر: المستدرك، رقم . والحطمة هو العنيف في رعيته لا يرفق بها. انظر: شرح 6، ص((، ج 8(0 رواه مسلم، رقم ((( .456، ص6صحيح مسلم للنووي، مج .5 عبدالعزيز مخيمر عبدالهادي، حقوق الطفل بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، ص (((

عدد الصفحات ٣١

436 التشريعات الجديدة القائمة الآن في الكثير من الدول، ويشير الدكتور يوسف القرضاوي إلى هذا بقوله: “وربما كان العنصر الأكثر أهمية في الله،المعالجة الإسلامية لحقوق الإنسان أنها حقوق مفروضة للأبد بإرادة فهي لم تنتزع تاريخيًا بنضال أو صراع قوي، ولم يتم الإقرار بها من خلال ثورة تطيح بهذا النظام السياسي أو ذاك، وهي ليست منحة من مخلوق يمنّ بها على من يشاء ويسلبها عندما يشاء، وهي ليست منحة إمبراطور بمقتضى المشيئة اللهأو ملك أو أمير أو حزب أو لجنة، إنما حقوق قررها .(((الإلهية، فهي ثابتة دائمة بحكم الشريعة والطبيعة معًا” و لم تفرق الشريعة الإسلامية بين طفل وآخر في ثبوت هذه الحقوق له، فهي حقوق عالمية لا تخاطب مجتمعًا بعينه أو جماعة من الناس أو عرقًا محددًا، وإنما جاءت لكافة البشر على اختلاف أجناسهم وأنسابهم وأحسابهم. فكما أثبت الإسلام للطفل الذي يولد في إطار العلاقة الزوجية حقوقًا فإنه لم يلغ هذه الحقوق بالنسبة لمن لم يعلم نسبه -أيًا كان السبب- بل جعلت له الأولوية في كثير من الأحيان، ومن أهم الحقوق التي أثبتتها الشريعة الإسلامية للطفل مجهول النسب نذكر: ّ الحياة: . حق1 الأصل في الإسلام سلامة النفس البشرية وقداستها، ووجوب الحفاظ ﭑ ﭒ ﭓ (عليها، وتحريم التعدي عليها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ )ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ويستوي في هذا الحكم الكبير والصغير، والذكر والأنثى، كما ]32المائدة[ .76 يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، ص (((

عدد الصفحات ٣٢