المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البلاغة القرآنية في تفسير الشيخ ابن عثيمين دراسة وتقويما

رانية بنت عبد الله بن عبد العزيز العسكر

صفحة ٩ من ٢٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 130 تقديم ما حقه التأخ، فهنا قدم اعبر: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ﴾ يعني: لا لغيره…»(1). ثالثا: لبيان أﻫمية المقدم وعظم أمره: ويذكر -رحمه الله - أهمية اعبر في الآية الكريمة والتأكيد لعظم أمره ، لذا قُدم على المبتدأ: هذه الصفة: «﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﴾ [النور: 11]،أتى بالجملة على هذه الصفة للمبالغة، لم يقل: (لمن تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) بل قال : ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ لعلها في الحقيقة جملتين في جملة ؛ لأن (الذي) مبتدأ، و(له) خبر مقدم و (عذاب عظيم) مبتدأ ثانٍ ، فكأن الجملة صارت جملتين لبيان الأهمية والتأكيد ، والإشارة إلى أن توليه لهذا الشي أمر عظيم»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ [القدر: 5]،قال – رحمه الله - «سلام هي: مبتدأ وخبر ، اعبر مقدم يعني: هي سلام، ففيها السلامة من كلِّ شر …وعلى هذا فينبغي أن نعظم هذه الليلة، وأن نعرف قدرها »(3). رابعا: مراعاة الفاصلة: فتقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ [سبأ: 42]،«الجار والمجرور متعلق بة(تكذبون) ولكنه قُدِّم للحصر أو للفواصل؟ للفواصل لا شك هذا من لهة، وللحصر»(4) .فالتقد–أيض ا- يكون لمراعاة الفواصل -كما في الشاهد السابق – وهو غرض من أغراض التقديم والتأخير . خامسا: لشدة الحكم ومراعاة اللفظ: ويظهر الغرض -رحمه الله - في تقديم المفعول به في الجملة الأولى وتأخيره في الجملة الثانية كما في قوله تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﴾ [الأحزاب : 26]،وتأخيره فيما بعدها: ﴿ﮙ (1 )السابق، آية: 44 . (2 )تفسير سورة النور، آية : 11 . (3 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 7/ 547-548 . (4 )تفسير سورة سبأ : شريط : 11، الوله الأول .

عدد الصفحات ١٣٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 131 ﮚ﴾ [الأحزاب : 26]،قائلا : «قُدم المفعول في الحكم لأنه أشد ، والثاني دون ذلك ؛ لأن الأسير قد يمُنُّ بإطلاقِهِ هذا مع مراعاة اللفظ ، لذا قُدِّم المفعول»(1). سادسا: للاستبشار والتبرك بلفظ الجلالة: ويق في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ [البقرة : 257]، على الأمور التي لأللها لا التقديم والتأخير في هذه الآية، وما قبلها، وقد برع - رحمه الله - في تبيانه وتوضيحه ؛ فيقول: «إذا تأملت هذه الجملة ، والتي قبلها تجد فرق ا بين التعبيرين في الترتيب: ففي الجملة الأولى قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾ [البقرة : 257]،لأمور ثلاثة؛ أحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أو لا استبشر به؛ ثاني ا: التبرك بتقديم ذكر اسم الله ؛ثالث ا: إظهار المنة على هؤلا بأن الله هو الذي امتن عليهم أو لا ، فأخرلهم من الظلمات إلى النور؛ أما الجملة الثانية: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ [البقرة : 257]، ولو كانت الجملة على سياق الأولى لقال : (والطاغوت أوليا الذين كفروا )؛ ومن الحكمة في ذلك: أو لا : ألا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله؛ ثاني ا: أن الطاغوت أهون، وأحقر من أن يُبدأ به، ويُقدّم؛ ثالث ا: أن البدا ة بقوله تعالى: ﴿ﭛ ﭜ ﴾ أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره »(2). سابعا: لشدة التح ير والتنبيه: ففي قوله تعالى: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [البقرة : 283]،يؤكد الشيخ – رحمه الله - على أن التقديم في الآية إنما لا للحصر الإضافي في حق الله ،فيقول: «وقَدّم﴿ﭴ﴾، على متعلّقها لقوة التحذير، وشدته؛ فكأنه حصر علمه فيما نعمل؛ فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل؛ فيتضمن قوة التحذير؛ وليس مقتضاه حصر العلم على ما نعمل فقط»(3). ويب-رحمه الله - الفائدة من التقديم في هذه الآية، قائلا : «إذا قال قائل: ما فائدة التقديم (1 )تفسير سورة الأحزاب، آية : 26 . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 111 . (3 )السابق: 3/ 427 .

عدد الصفحات ١٣١

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 132 هنا؟ فالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئ ا - وحاشاه من ذلك - لكان عالم ا بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار لا الكلام على وله الحصر الإضافي »(1). وهكذا فالشيخ -رحمه الله - يوضح لنا أن الأصل في الكلام أن يُراعى نظمه حسب وروده، وبقاؤه على أصل ترتيبه أولى ؛ وإنما يقدم لأهميته وللعناية به - كما ورد ذلك عند البلاغيّين(2)،وكذلك تنوع الأغراض التي لأللها لا التقديم والتأخير ؛ فالتقديم والتأخير في ألزا الكلام لا يأتي اعتباط ا، وإنما يكون لأغر اض بلاغية مقصودة، وهو ما وق عليه الشيخ -رحمه الله - في الشواهد السابقة تارة مشير ا لها، وتارة مفص لا الحديث عنها. (1 )السابق: 3/ 431-432 . (2 )ينظر: الكتاب: 1/ 34، مفتاح العلوم: 291 .

عدد الصفحات ١٣٢

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 133 1 )ال كر والح ف: الحذف والذكر من المباحث التي عُني بها علما البلاغة، وكانت عناية المتقدمين منهم أخصّ بإبراز الحذف، أما الذكر فلأنه الأصل في الكلام، وأكثر من عني به هم المتأخرون. يقول الجرلاني مشيد ا بالحذف، ومبين ا مزاياه وأسراره: «هو باب دقيق المسلك، لطي المأخذ، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر ، أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطِق، وأتم ما تكون بيان ا إذا لم تُبن»(1). ومن المعلوم أن للحذف أغراضه كما أن للذكر أغراضه التي لا يغني الحذف غنا ه فيها ، والبلاغة مراعاة المقامات والأحوال . وقد يذكر المسند إليه في الكلام وهو الأصل ويُذف المسند ، وقد يُذف المسند إليه، ويذكر المسند ولا يعدل إلى حذف أحدهما إلا بقرائن ، ولكل منهما أغراض ودواعٍ ترلح ذكرهما ، وقد يُذف المفعول به. وقد عرض الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - إلى هذا الفن أثنا وقوفه على الآيات الكريمة؛ ويبدو فيما كتبه الشيخ أنه انحاز للحذف على حساب الذكر لكون «الحذف خلاف الأصل»(2)،وقد كانت للشيخ – رحمه الله- وقفات في إبراز أسرار هذا الفن ، كما يُلاحظ عدم ربط الذكر والحذف بالمسند والمسند إليه ؛ غير أنه يشير إلى مواطن الذكر والحذف غالب ا، والغرض منه أثنا تناوله للشاهد. وفي شرحه لدروس البلاغة يتناول دواعي الذكر والحذف وفق ما تناوله مؤل الكتاب الذي يشرحه (3). ويذكر -رحمه الله - أن الأصل فيما يُراد إفهامه: «الذِّكر؛ لأن المحذوف الأصل فيه عدمُ العلم فالأصل الذِّكر، وإذا كان ذِكر الشي لا فائدة منه فالأصل الحذف، ولا يذكر إلا لفائدة . يعني: إذا كان معلوم ا من السياق فالأصل حذفُه ولا يُذكر إلا لفائدةٍ ؛ وذلك لأن ذكره مع (1 )دلائل الإعجاز: 146 . (2 )البرهان في علوم القرآن : 3/ 176 . (3 )شرح دروس البلاغة : 53-55 .

عدد الصفحات ١٣٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 134 العلم به تطويل بلا فائدة»(1). أو: أغراض ال كر: وقد كانت الأغراض عامة لا تنطلق من أصول المسند إليه أو المسند ، بل يذكر -رحمه الله- الأغراض التي لأللها لا الذكر أي ا كان المذكور ، ومن أغراض الذكر : 3- الأﻫمية: قال تعالى: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ [النسا: 29]،فلأهمية التجارة وهي التي يقع فيها المشاحة ذكرت دون غيرها من المعاملات ، فيورد الإشكال -رحمه الله- قائلا : «في مدلول الآية إشكال: وهو أنه إذا كانت المعاملات بغير قصد التجارة أكثر من التجارة ، فلماذا لم يذكرها ؟ فقيل: إنها لم تذكر لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة ، وهي التي يقع فيها المشاحة، وأما غيرها: فالإهدا يصدر عن طيب نفس من المهدي، وكذلك العارية ، وكذلك الرهن ، ومن اشترى للحالة فالغالب أنه لا يُصل فيه تشاحن ؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحالة لا حصول الربح ، فلهذا ذكرت التجا رة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراضٍ أكثر من عقود التجارة »(2). 2- العموم: قال تعالى : ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴾ [الغاشية: 17] ولم يذكر سواها من الحيوان كالغنم والبقر والظبي وغيرها ؛ لأنها أعم الحيوانات نفع ا وأكثرها مصلحة للعباد»(3). 1- الظهور والبيان: قال تعالى: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ (1 )السابق: 53 . (2 )تفسير سورة النسا : 1/ 251-253 . (3 )تفسير لز عم : 181 .

عدد الصفحات ١٣٤

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 135 ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴾ [البقرة : 177] :«ولا ت الآية بذكر المشرق والمغرب ؛ لأن أظهر وأبين الجهات هي لهة المشرق والمغرب »(1). 4- الفخر: وقوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [الكه: 46]،فلما لرت العادة في الجاهلية بفخر الناس بالبنين ذكروا دون البنات، يقول: «ذكر البنين دون البنات؛ لأنه لرت العادة أنهم لا يفتخرون إلا بالبنين ، والبنات في الجاهلية مهانات بأعظم المهانة»(2). 5- العظم والتنوع: قةةةةةال تعةةةةةالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [النبةةةةةأ: 31 – 32]،: «﴿ﭕ ﭖ﴾ هةةةةةذا نةةةوع المفةةةاز ، ﴿ﭕ﴾ أي بسةةةاتين أشةةةجارها عظيمةةةة وكثةةةيرة ومنوعةةةة ، ﴿ﭖ﴾ الأعنةةةاب جمةةةع عنب، وهي من جملة الحدائق لكنه خصها بالذكر »(3). ثانيا: الح ف: وفي الحذف اهتم الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - بتحديد موطن الحذف – غالب ا- في الآيات، وإبراز المضمر فيه مع العناية بسر حذفه والغرض من ذلك، ويتضح ذلك من خلال الشواهد التي وق عليها، ومن تلك الأغراض : 3- إفادة العموم: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ﴾ [البقرة : 196]، (1 )السابق: 2/ 274 . (2 )تفسير سورة الكه : 78 . (3 )تفسير لز عم : 34 .

عدد الصفحات ١٣٥

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 136 ذكر-رحمه الله - أن من فوائد الآية : «بلاغة القرآن ؛ لقوله تعالى : ﴿ﰃ ﰄ ﰅ ﴾؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ »(1). وقال تعا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾ [البقرة : 216]،من فوائد الآية: «عموم علم ا؛لقوله تعالى : ﴿ﭨ ﭩ ﴾؛ فحذف المفعول يفيد العموم ، كما قال تعالى: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [الضحى: 6 - 8] :كلها محذوفة المفاعيل : آواك، وآوى بك أيض ا ؛ وأغناك، وأغنى بك ؛ وهداك، وهدى بك»(2). وقال تعا: ﴿ﮯ ﮰ ﮱ﴾ [المطفف: 23]،قال -رحمه الله-: «فإن المفعول به هنا محذوف ، ولم يذكر ماذا ينظرون ، ومن القواعد المقررة في الأصول وال بلاغة: أن حذف المعمول يفيد العموم ، أي: ينظرون إلى كل ما لهم من النعيم ، ومنه: النظر إلى وله الله »(3). وقال تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ [النسا: 127]،قال: «يمكن أن نُقدِّر(في) ونُقدِّر (عن)؛ أي: ترغبون في نكاحهن ، وهذا من بلاغة القرآن وإيجازه ؛ لأنه قد يكون راغب ا عنها لكنّه لا يُريد أن تكون لغيره، وقد يكونُ راغب ا فيها فلا يُريد أن تكونَ لغيرهِ ، فتكون الآية شاملة للأمرين جميع ا»(4). 2- العلم به: قال تعالى: ﴿ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﴾ [يس: 19]،: «ومن فوائد الآية: لواز حذف ما علم بالسياق، ولا يُعد نقص ا في الكلام وبلاغته؛ لأن لواب الشرط محذوف لدلالته (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 419 . (2 )السابق: 3/ 47-51 . (3 )شرح صحيح البخاري : 2/ 459 . (4 )تفسير سورة النسا : 2/ 716 .

عدد الصفحات ١٣٦

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 137 عليه، وربما يكون الحذف أبلغ»(1) ولواب الشرط المحذوف ، تقديره : تطيرتم وكفرتم (2). وقال تعا: ﴿ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ [البقرة : 162]،: أي لا يخففه الله ؛وحذف الفاعل للعلم به »(3). وقوله تعا: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾ [البقرة : 244]،من دواعي الحذف العلم به، قال -رحمه الله-: «قوله تعا: ﴿ﯙ﴾ فعل أمر حذف مفعوله للعلم به؛ والتقدير: قاتلوا في سبيل الله الكفار الذين يقاتلونكم، كما في قوله تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [البقرة : 191]»(4). وقال تعالى: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴾ [البقرة : 196]،«وهذه الجملة قدحذف منها ما يدل عليه السياق؛ والتقدير: فمن كان منكم مريض ا، أو به أذ ى من رأسه، فحلق رأسه فعليه فدية »(5). وقال تعا: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [النسا: 78]،يقول: «الحذف هنا من البلاغة؛ حيث حذف لواب الشرط لدلالة ما قبله عليه ، (لو) هنا شرطية ، وفعل الشرط فيها ، قوله: (كنتم)، ولم نجد لواب الشرط في (لو)، فقيل: إن لواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ، والتقدير: (ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت )، وقيل: إنها في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى لواب، وهذا اختيار ابن القيم -رحمه الله - في كتابه (أقسام القرآن )، بل لو لي بالجواب لكان الكلام ركيك ا ليس ببليغ، وهذا الحذف يولد في القرآن كثير ا، فتجد جملة شرطية عائدة على ما سبق؛ أي: إن لوابها يفهم مما سبق، وحينئذ نقول : لا تحتاج إلى لواب، وتقدير الجواب يجعل الكلام ركيك ا» .ثم يقول– رحمه الله - من فوائد هذه الآية: «لواز حذف ما (1 )تفسير سورة يس : 71-71 . (2 )ينظر: السابق: 67 . (3 )تفسير سورة البقرة : 2/ 214 . (4 )السابق: 3/ 198-199 . (5 )تفسير سورة البقرة : 2/ 393 .

عدد الصفحات ١٣٧

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 138 يعلم ولا يُعدذلك خللا في الكلام، لقوله: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [النسا: 78]»(1). والشيخ-رحمه الله - فيما سبق لم يخرج عن الأغراض التي ذكرها علما البلاغة قبله . (1 )تفسير سورة النسا : 2/ 561، وينظر: شرح صحيح البخاري في حذف ما ع لم من السياق: 1/ 389 .

عدد الصفحات ١٣٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 139 4 )خروج الكلامعلى خلاف مقتضى الظاﻫر: الأصل في الكلام أن يكون على مقتضى الظاهر، ولكنه قد يخر ج على خلاف ذلك لداعٍ من ا لدواعي البلاغيّة ذات التأثير في النفوس والأفكار ، ولهذا اعروج طرق مختلفة منها : «الالتفات، ووضع المضمر موضع المظهر، ووضع المظهر موضع المضمر، والقلب، والأسلوب الحكيم، والتغليب، وغيرها»(1). أو: الالتفات: لا في اللسان : «لفت ولهه عن القوم : صرفه ، والتفت التف ات ا؛ والتفت أكثر منه ، وتلفت إلى الشي والتفت إليه صرف ولهه إليه ، ويقال: لفتُّ فلان ا عن رأيه ؛ أي: صرفتُه عنه، ومنه الالتفات»(2). والمشهور من تعريفه أنه : «التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنةه بطريةق آخةر منها»(3). والمقصود بالطرق الثلاثة عن د القزويني، هي: (التكلم، أو اعطاب، أو الغيبة). والالتفات من الأساليب الأصلية العريقة في اللغة العربية ، وهو صورة عروج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وهي من الشجاعة الأدبيّة التي يستطيع فيها البليغ أن يفال المتلقي بالتنقُّل بين طرق الكلام الثلاثة: (التكلُّ م – واعطاب- والغيبة)؛ لأغراض بلاغيّة يريد التنبيه عليها بذلك؛ لذا لعل بعض البلاغيّين الالتفات من (شجاعة العربيّة)(4)،«وإنما سمُي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذلك أن الرلل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره ويتورّد مالا يتو ر ده سواه…»(5). وتناول الشيخ ابنعثيمين -رحمه الله - الالتفات بتعريفه وصوره ، وفوائده في تفسيره للقرآن (1 )ينظر: شرح عقود الجمان : 27، وحلية اللب : 71 . (2 )اللسان: (لفت). (3 )الإيضاح: 2/ 86، شرح : د. محمد خفالي. (4 )ينظر: المثل السائر: 2/ 4 . (5 )المثل السائر: 2/ 181 .

عدد الصفحات ١٣٩

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 140 الكر، وأولاه عناية خاصة حتى لعله أحد مواضيع كتابه (أصول في التفسير)(1) .ويرى أن يسمى انتقا لا بدلا من الالتفات ؛ قائلا : «منالبلاغيّين من يُسّمونه التفات ا ، ولو قيل : إنه انتقال لَكَان أَ حسَن»(2). ويُعرّف- رحمه الله - الالتفات بقوله: «تحويل أسلوب الكلام من وله إلى آخر »(3). وقد قسّم فوائد الالتفات إلى قسم: القسم الأول: الفوائد العامّة، وذكر منها: 1- حمل المخاطب على الانتباه لتغير وله الأسلوب عليه . 2- حمله على التفكير في المع، لأن تغيير وله الأسلوب ، يؤدي إلى التفكير في السبب. 3- دفع السآمة والملل عنه، لأن بقا الأسلوب على وله واحد ، يؤدي إلى الملل غالبا. وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره ، أما الفوائد اعاصة فتتعين في كل صورة ، حسب ما يقتضيه المقام»(4). وهذه الفوائد توافق ما ذكره الز ركشي والسيوطي(5). ويوضح الشيخ-رحمه الله - في موضع آخر معنى الالتفات وفوائده، فيقول: «والالتفات معناه: أن ينتقل الإنسان في أسلوبه من خطاب إلى غَيبة أو من غَيبة إلى خطاب، أو من تكلُّم إلى غَيبة، المهم أن تختل الضمائر، وفائدة ذلك الالتفات: أنه يشد ذهن السامع، فبينما الكلام على نسق واحد إذا به يختل ، انظر إلى قوله تعالى: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ﴾ [المائدة: 12]،وبعده: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [المائدة: 12]،ولم يقل: وبعث. وانظر إلى الفاتحة التي نقرأها كل يوم في كل ركعة من صلواتنا: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [الفاتحة: 2 – 4]،بعده: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ (1 )ينظر: أصول في التفسير: 69 . (2 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 1/ 452 . (3 )تفسير سورة البقرة : 1/ 69، أصول في التفس: 69-71 . (4 )السابق، وتفسير سورة النور، آية : 12 . (5 )ينظر: البرهان: 3/ 374، والإتقان: 2/ 912 .

عدد الصفحات ١٤٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 141 ﭥ﴾ [الفاتحة: 5]،ولم يقل: إياه نعبد، وسياق الآيات السابقة للغائب: (الحمد لله…) و ليست للمخاطب، (الحمد لك يا رب). فالمهم أن الالتفات أسلوب من أساليب اللغة العربية وفائدته: شد ذهن السامع لما يلقى إليه من الكلام»(1). ويش-رحمه الله - أن من حكمة القرآن الالتفا ت، فقد فسّرَ قوله تعالى : ﴿ﭮ ﭯ﴾ [يس: 2]،بذكر صفات القرآن ، ومنها أن القرآن : «حكيم في أسلوبه يشتد مواضع الشدة ، ويلين في مواضع اللين ، ويأتي بأساليب غريبة ما كانت معروفة في أساليب العرب ، فبينما الآية سياقها خبري إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة ، وبينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن »(2). وصور الالتفات التي تحدث عنها الشيخ-رحمه الله - هي: 3- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب: يرى الشيخ -رحمه الله - أن قوله تعالى: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [الفاتحة: 5]،فيه «دليل على أنه ينبغي للمتكلم أن يأتي بالأشيا التي تثير فطنة المخاطب وتنبهه، وذلك لأن الآيات الأولى الثلاث كلها بصيغة الغائب ، أو كلها في سياق الغيبة ، حيث قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ﴾ [الفاتحة: 1 – 4]،ولكن في الآية الرابعة قال : ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ التفات من الغيبة إلى اعطاب، والالتفات بلا شك يولب استيقاظ المخاطب ؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد انساب الإنسان وغفل ، ولم يُصل له انتباه ، فإذا تغير الأسلوب، فإن الذهن ينصدم بهذا التغير، ثم ينتبه فكأنه صوت منبه ينبه الإنسان على ما سيُخاطب به، ولهذا قال: ﴿ﭢ ﭣ ﴾، ولم يقل : (إياه نعبد) وفي هذه الآية دليل مبني على الالتفات الذي ذكرناه وهو الانتقال من الغيبة إلى اعطاب ، وهو (1 )لقا ات الباب المفتوح : 6 . (2 )تفسير سورة يس : 11 .

عدد الصفحات ١٤١

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 142 دليل على أهمية العبادة والاستعانة وإخلاصهما، كأن هذا الذي أثنيت عليه – وهو الله - فيما سبق من الآيات الثلاث، كأنه – لقوة إيمانك به – أمامك، تخُاطبه »(1). ومما فيه انتقال من الغيبة إلى اعطاب أيض ا، الآيات التي نزلت على رسول الله  معاتب ا فيها الربُّ  نبي هوهو أفضل اعلق حين حصل له ما حصل مععبد الله بن أم مكتوم  مع أن ما حصل للرسول  التهادٌ منه، فقال الله تعالى في ذلك: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴾ [عبس: 1 – 11]،«كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله  بأن بدأها بضمير الغيبة فقال: ﴿ﭑ﴾ كأنما يتحدث عن شخص آخر لا عن الرسول ،ولم يقل : عبست وتوليت؛ لأنه كما مر علينا كثير ا بأن المخاطب بصيغة اعطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة»(2). 2- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة: قال تعالى: ﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﴾ [آل عمران: 9] :«هذه الجملة موقعها مما قبلها لتأكيد وقوع ذلك اليو م. ووله ذلك : أن الله وعد به وهو لا يخل الميعاد، أي: لا يخل ما وعد به  من وقوع هذا اليوم ، وهذه الجملة أيض ا إذا تأملتها ولدت أنها تخال ما قبلها في السياق؛ لأن ما قبلها السياق فيه للمخاطب قال تعالى: ﴿ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﴾، وأما السياق هنا فهو للغائب: ﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﴾، ولم يقل : إنك لا تخل الميعاد»(3)،ثم يأتي -رحمه الله - بعدة تساؤلات قد تطرأ على ذهن القارئ ناصر ا قوله بالأدلة ومرلح ا اختياره، يقول: «فهل هذا من باب الالتفات والكلام من متكلم واحد؟ أو هذا من باب الاستئناف وهو من الله لا من قول الراسخين في العلم؟ على قولين للمفسرين : 1- منهم من قال: إن قوله تعالى: ﴿ﰇ ﰈ ﰉ ﴾ من كلام الله ، وليس فيه التفات (1 )أحكام من القرآن الكر : 26 . (2 )تفسير سورة ال صافات: 184، شرح صحيح البخاري : 2/ 622 . (3 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 59-61 .

عدد الصفحات ١٤٢

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 143 على هذا التقدير. 2-ومنهم من قال : إنه من كلام الراسخين في العلم ، وعلى هذا التقدير يكون فيه التفات. ولكل منهما مرلح ، فمن رل ح الأول، قال: إن الالتفات خروج بالكلام عن الم ألوف، والأصل عدمه، وعليه فيكون الكلام من كلام الله . ومن قال: إنه من كلام الراسخين ، وفيه التفات، قالوا: لأن الأصل أن الكلام من متكلم واحد ، لا سيما وأن بعضه مرتبط ببعض ﴿ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾، ﴿ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ فهو مرتبط بعضه ببعض ، وهذا القول عند التأمل أرلح »(1) .ثم يذكر فائدة ا لتفات في هذه الآيات: «أولا : تنبيه المخاطب، لأنه إذا كان الكلام على نسق واحد بقي الإنسان منسجم ا معه لا يتفطن، وتمر به الأشيا ، فإذا اختل أسلوب الكلام وتغيرّ عليه الأسلوب فإنه حينئذ ينتبه . ثاني ا: أما من حيث المعنى فلأن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم، كأنّ الرب  الذي هو الله، وهو ملك عظيم  يتحدث عنه بصيغة الغائب تعظيم ا وتفخيم ا، كما يقول الملك الذي يعظم نفسه للجنود، إن الملك يأمركم بكذا وكذا ، أو يقول القائد: إن القائد يأمركم بكذا وكذا ، بدل أن يقول: إني آمركم »(2). 1- الالتفات من الغيبة إلى التكلم: قال تعالى: ﴿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [البقرة : 285]،؛«هنا التفات من الغيبة إلى التكلم؛ ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: (لا يفرقون بين أحدٍ من رسله)؛ ولكنه تعالى قال: ﴿ﮦ ﮧ ﴾؛ وفائدة الالتفات هي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه ، وربما يغيب فكره ؛ وأما إذا لا الالتفات فكأنه يقرع الذهن ، يقول: انتبه! فالالتفات هنا من الغيبة إلى التكلم له فائدة (1 )السابق. (2 )السابق.

عدد الصفحات ١٤٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 144 زائدة على التنبيه – وهي أن يقول هؤلا المؤمنون : ﴿ﮦ ﮧ﴾ بقلوبنا، و ألسنتنا ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾؛ فالكل عندنا حق»(1). 4- الالتفات من التكلم إلى الغيبة: ومن أمثلته، قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [البقرة : 159]،قال: «و هذه الآية التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ…﴾، وقوله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ﴾؛ ولم يقل : (نلعنهم)؛ وللالتفات فائدتان: الأولى: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام أولب أن ينتبه المخاطب لما حصل من التغيير. والفائدة الثانية: تكون بحسب السياق: ففي هذه الآية: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ﴾ الفائدة: التعظيم؛ لأن قوله: ﴿ﮱ ﯓ﴾ أبلغ في التعظيم من (أولئك نلعنهم)؛ لأن المتكلم إذا تحدث عن نفسه بصيغة الغائب صار أشد هيبة، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا ، وكذا ؛ وأمر الملك بكذا، وكذا ، ويعني نفسه»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﴾ [آل عمران : 56 – 57]،قال: «ومن فوائد الآية: التنوع في الأسلوب وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة : ﴿ﮆ﴾ وهنا قال : ﴿ﮖ﴾ فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم هناك فرق من حيث المعنى ، أما اللفظ فظاهر ، ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد أن نعرف الفرق في المعنى . الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 444- 446 . (2 )السابق: 2/ 197، أصول في التفس: 69 .

عدد الصفحات ١٤٤

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 145 تستدعي سلطة وقهرا وعزة ، فكان الأنسب التعبير ب ة(أُ عذِّب) الدالة على قوة السلطان…وهناك فرقٌ بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم ، وأن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن الموالهة أشد من الغيبة…فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين فائدتان: لفظية ومعنوية، اللفظية هو الالتفات الذي يولب الانتباه ، والمعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب ، وإظهار الفضل والإحسان للعالمين في باب المثوبة»(1). والشيخ-رحمه الله-لم يتعرض لصورتين من صور الالتفات ؛ وهما: 1- الالتفات من التكلم إلى اعطاب. وهو يتفق مع المفسرين في أن هذه الصورة لا تصدر في حق الله (2). 2- الالتفات من اعطاب إلى التكلم. ولعدم ولود هذه الصورة في القرآن الكريم لم يتعرض - رحمه الله - لها، كما ذكره السيوطي ، قائلا : «الالتفات من اعطابِ إلى التكلمِ لم يقع القرآن »(3). ومما يذكر من لهود الشيخ – رحمه الله - هنا أنه يتلمّس السر في الانتقال من اعطاب بالتثنية إلى اعطاب بالجمع ومن خطاب بالجمع تارة ، وتارة أخرى بالمفرد ، وهذا النوع من الانتقال لا يسميه الجمهور التفاتا، والذي يسميه بذلك هو السكاكي(4)،فمذهبه أن كل تغيير من صي غة إلى صيغة يسمى التفات ا ، أما الجمهور فإنهم يُصرون الالتفات في الصور الست المذكورة آنف ا فقط. ويتناول الشيخ - رحمه الله - سر الانتقال من الجمع إلى الإفراد في قوله تعالى : ﴿ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ﴾ [آل عمران : 121] :«اعطاب للمؤمن، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ [آل عمران : 119]،وسبق أن لا بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في اعطاب، ومن فوائده الانتباه، لأن الإنسان إذا اختل الأسلوب عنده (1 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 348- 349 . (2 )ينظر: البرهان: 3/ 315، الإتقان: 2/ 912 . (3 )الإتقان: 2/ 913 . (4 )مفتاح العلوم: 118 .

عدد الصفحات ١٤٥