المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البلاغة القرآنية في تفسير الشيخ ابن عثيمين دراسة وتقويما

رانية بنت عبد الله بن عبد العزيز العسكر

صفحة ٨ من ٢٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 114 قال الله  :﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴾ [البقرة : 167]»(1). 5- النداء: وهو: «طلب إقبال المدعو على الداعي بأحد حروف مخصوصة»(2) .وأدواته ثمانٍ: الهمزة ، وأي، وآي، وآ (بمد الهمزة )، ويا، وأيا، وهيا، ووا(3). وهو عند الشيخ ابن عثيم– رحمه الله -: «طلب الإقبال بة(يا) أو إحدى أخواتها»(4). ويشيد-رحمه الله - بالندا من خلال تفسيره للآيات الكريمات ؛ كما في قوله تعالى : ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ [البقرة : 21]،فيذكر من فوائد هذه الآية: «بيان أهمية هذا الطلب وهو عبادة الله تعالى وحده ، ووله ذلك أنه لا يصدر اعطاب بالندا إلا للعناية به؛ لأن الندا نوع من التنبيه ، فأنت إذا ناديت المخاطب انتبه واتجه إليك»(5). «وهي في الاستعمال قسمان: الأول: الهمزة وأَيْ ، وهما موضوعتان لندا القريب . الثاني: باقي الأدوات، وهي موضوعة لندا البعيد»(6). وقد تخرج ألفاظ الندا عن معناها الأصلي وهو طلب الإقبال إلى معانٍ مجازية ، تُفهم من السياق بمعونة القرائن ، ومما ذكره الشيخ -رحمه الله-: - الإغرا ، كقوله تعالى: ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [آل عمران : 118]، «فاعطاب بمثل هذا أولا : تصديره ب الندا يدل على أهميته والتنبه له. ثاني ا: توليهه إلى المؤمنين (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 231-231 . (2 )عروس الأفراح : 2/ 333 . (3 )الكتاب: 1/ 325 . (4 )شرح دروس البلاغة : 48 . (5 )أحكام من القرآن الكر : 116 . (6 )ينظر: شرح الألفية لابن الناظم : 565، أوضح المسالك: 3/ 71 .

عدد الصفحات ١١٤

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 115 له ثلاث فوائد: الأولى: الإغرا على الامتثال ، كأنه يقول: إن كنت مؤمن ا فافعل كذا وكذا، وإن كنت مؤمن ا فصدق باعبر ، ففيه توليه وإغرا بالامتثال . الثانية: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوص ثم يوله إليه حكم متعلق بهذا الوص إلا كان ذلك دليلا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توله لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا ولّه الله اعطاب للمؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان، ثم لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وله الله اعطاب للمؤمنين، كما قال عبد الله بن مسعود :((إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك يعني استمع إليها ، فإما خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه))(1)»(2). ومثله أيض ا ما ذكره في توليه الند ا للمؤمنين في النهي عن أكل الربا ، قال تعالى : ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [آل عمران : 131]،يقول: «تصدير اعطاب بالندا يدل على الاهتمام به ؛ لأن الندا يولب يقظة المخاطب وانتباهه، واعطاب الذي يعتنى به يسبق بما يفيد الانتباه والاستيقاظ، وتوليهه إلى المؤمنين ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ يدل على فوائد : الأولى: الإغرا ، والحث على ما تضمنه اعطاب؛ لأن مناداة هؤلا باسم الإيمان يدل على أن ذلك من ألل أن يثير هممهم كما تقول للرلل تخاطبه : يا كريم أكرم ضيفك . فإنك إذا قلت : يا كريم ؛ فإن هذا من باب الإغرا والحث، يعني: من ألل كرمك أكرم . وتقو ل: يا رلل أترك السفلة ، أو يا حليم أترك السفه ، وما أشبه ذلك، فالمقصود بمثل هذا الإغرا والحث ، والثانية أن الالتزام بما دل عليه اعطاب من مقتضيات الإيمان، فمثلا ترك أكل الربا من مقتضيات الإيمان ؛ لأن اعطاب وُلِّه للمؤمنين، والثالثة أنه يستفاد أن المخالفة في هذا منقصة للإيمان وسبب لنقصانه»(3). - التنبيه، كما في قوله تعالى : ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [الكه: 49]،يقول الشيخ -رحمه الله - في هذه الآية: «(يا) حرف ندا (ويلتنا) (1 )أخرله : ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 196، وابن كثير في تفسيره : 1/ 61 . (2 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 95-96 . (3 )السابق: 2/ 153 .

عدد الصفحات ١١٥

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 116 هي الهلاك ولكن كي تنادى؟ الجواب: إما أن (يا) للتنبيه فقط؛ لأن الندا يتضمن الدعا والتنبيه، وإما أن نقول: إنهم لعلوا ويلتهم بمنْزلة العاقل الذي يوله إليه الندا ، ويكون التقدير (يا ويلتنا احضري )! لكن المعنى الأول أقرب ؛ لأنه لا يُتاج إلى تقدير، ولأنه أبلغ»(1). وهذان المعنيان اللذان ذكرهم ا الشيخ -رحمه الله - مما أورده العلما من معاني الندا (2). ثاني ا: الإنشاء غير الطلبي: أما الإنشا غير الطلبي، فهو: ما لا يستدعي مطلوب ا غير حاصل وقت الطلب. يقول العلا مة التفتازاني: «فالإنشا إن لم يكن طلب ا كأفعال المقاربة وأفعال المدح والذم وصيغ العقود والقسم وربّ ونحو ذلك، فلا يبحث عنها هاهنا ؛ لقلة المباحث البيانية المتعلقة بها، ولأن أكثرها في الأصل أخبار نقلت إلى معنى الإنشا »(3). ولم يهتم البلاغيون بهذا الأسلوب الإنشائي ؛ لقلة الأغراض المتعلقة به ، ولأن معظم أخباره نقلت عن معانيها الأصلية(4). ومع ذلك فإن أساليب الإنشا غير الطلبي لا تخلو من إشارات بلاغية إذا روعي السياق بأجمعه: «وهذا الحكم ليس على إطلاقه، إذ ليس معنى هذا أن تهمل أساليب الإنشا غير الطلبي من البحث، وأن البلاغيّين مصيبون تماما في اطراحهم لهذه الأساليب بدعوى خلوِّها من المعاني والأسرار البلاغية ، كلا، فإن بينها أسلوبا خصب ا حري ا بالدراسة المتأني ة التي تستجلي خصائصه وتستنبط أسراره ، ألا وهو أسلوب القسم»(5). ويذكر الشيخ -رحمه الله -: «أن الإنشا غير الطلبي يكون بة: التعجب، مثل: (ما أحسن زيد ا! )، ومثل قوله تعالى: ﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ [مر: 38]،وبالقسم؛ لأن القسم إنشا ٌ : (والله (1 )تفسير سورة الكه : 84 . (2 )ينظر: الندا في اللغة والقرآن : 161 . (3 )مختصر السعد: 2/ 236، والبلاغة فنونها وأفنانها-علم المعاني- لفضل عباس: 112 . (4 )ينظةةر: الإيضةةاح: 1/ 51، شةةرح : د. محمةةد خفةةالي، ومختصةةر السةةعد: 236 (شةةروح التلخةةيص )، وأسةةاليب بلاغيةةة لأحمد مطلوب: 111 . (5 )أسلوب الإنشا في سور المفصل: 411 .

عدد الصفحات ١١٦

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 117 لأفعلن) هذا ليس خبر ا عن قسَم ، بل هو إنشا قسَم . وصيغ العقود ك ة(بِعتُ ) (طَل قتُ ) (وق فتُ ) (رَهنتُ )، هذه ليست أخبار ا، هذه إنشا ؛ لأنها عقدٌ من الآن…»(1). وهو بذلك يتابع الجمهور على أن هذه الأساليب إنشائية لا خبرية. وفي تناوله- رحمه الله - للآيات تكلم عن أساليب متعددة في الإنشا غير الطلبي لكننا نجد له وقفات مع القسم دون غيره، ومن الصيغ التي أشار إليها: 3- القسم: ويكون بالواو والبا والتا وبغيرها؛ قال سيبويه: «وأكثرها الواو ثم البا يدخلان على كل محلوفٍ به ثم التا »(2). وقد أفرد الشيخ -رحمه الله- الحديث عنه في كتابه (أصول في التفسير) مبين ا تعريفه، قائلا : «القَسَم: بفتح القاف والسين ، اليمين، وهو: تأكيد الشي بذكر مُعَظ م بالواو، أو إحدى أخواتها»(3). ويذكر الشيخ -رحمه الله - أدوات القسم ، وقد أورد الشواهد عليها ، فقال: «وأدواته ثلاث: 1- (الواو)، مثل قوله تعالى: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾ [الذاريات : 23]،ويُذف معها العامل ولوب ا، ولا يليها إلا اسم ظاهر . 2- (البا)، مثل قوله تعالى: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴾ [القيامة: 1]،ويجوز معها ذكر العامل كما في هذا المثال، ويجوز حذفه كقوله تعالى عن إبليس : ﴿ﰖ \ﰗ ﰘ ﰙ ﴾ [ص: 82]،ويجوز أن يليها اسم ظاهر كما مث لنا، وأن يليها ضمير كما في قولك: الله ربي وبه أحل لينصرن المؤمنين . 3- (التا): مثل قوله تعالى: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ [النحل: 56]،ويُذف (1 )شرح دروس البلاغة : 49 . (2 )الكتاب: 3/ 496 . (3 )أصول في التفس: 55، تفسير سورة البقرة : 1/ 55 .

عدد الصفحات ١١٧

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 118 معها العامل ولوبا ، ولا يليها إلا اسم الله، أو ترَ بّ ، مثل: ترب الكعبة لأحجن إن شا الله»(1). وهو يوافق-رحمه الله- العلما في ذلك(2). ويقول-رحمه الله -: «فالواو: أكثرها استعما لا . والبا أكثرها صيغة ، يعني أن البا يُُلَ بها مع ولود الفعل وحذفه ، وتدخل على الظاهر وعلى المضمر، والتا أخص من الواو. فإذ ا أعم حروف القسم بالنسبة للاستعمال البا ؛ لأنها تستعمل مع ولود الفعل فتقول : أحل بالله لتفعلن كذا، ومع حذفه؛ فتقول: بالله لتفعلن كذا»(3). ويمثل الشيخ-رحمه الله - للتا بقوله تعالى: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ [النحل: 56]،يقول: «ويُُذف معها العامل ولوب ا ، ولا يليها إلا اسم الله ، أو رَب، مثل: تربِّ الكعبة لأحجن إن شا الله »(4). وكانت وقفات الشيخ -رحمه الله - مع القسم إما تحديد ا له بأنه قسم، أو ذكرَ المقسم عليه المحذوف، أو تفسير ا للقسم وبيان فائدته وأهميته، يقول: «في قوله تعا: ﴿ﭑ ﭒ ﴾ [الطارق : 1]،ابتدأ الله  هذه السورة بالقسم ، أقسم الله تعالى بالسما والطارق ، …فهنا يقسم الله تعالى بالسما ، وأما قوله: ﴿ﭒ﴾ فهو قسم ثان، أي إن الله أقسم بالطارق ، فما هو الطارق ؟ ليس الطارق هو الذي يطرق أهله لي لا بل فسره الله  بقوله: ﴿ﭙ ﭚ ﴾ [الطارق : 3]،هذا هو الطارق »(5). وفي قوله تعا: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﴾ [البلد: 1 – 2]،«قيل: المعنى: أقسم بهذا البلد حال كونك حا لا فيه، لأن حلول النبي  في مكةيزيدها شرف ا إلى شرفها. وقيل: المعنى وأنت تستحل هذا البلد، فيكون إقسام الله تعالى بمكة حال كونها ح لا للرسول (1 )السابق. (2 )الكتاب: 1/ 59 . (3 )تفسير سورة ص : 9 . (4 )أصول في التفس: 55-56، تفسير سورة البقرة : 1/ 55-56 . (5 )تفسير لز عم : 151- 151بتصرف .

عدد الصفحات ١١٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 119 »(1). ويق-رحمه الله - وقفة أخرى عند قول الله تعالى : ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [الليل: 1 – 3] :«فأقسم ا بالليل إذا يغشى يعني حين يغشى الأرض و يغطيها بظلامه، لأن الغشا بمعنى الغطا ، ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﴾ أي: إذا ظهر وبان، وذلك بطلوع الفجر الذي هو النور، والذي هو مقدمة طلوع الشمس ، …فالله  أقسم بأشيا متضادة على أشيا متضادة (2) :الليل ضد النهار ، الذكر ضد الأنثى ، السعي متضاد صالح وسي ، فتناسب المقسم به والمقسم عليه، وهذا من بلاغة القرآن »(3). ويختم الشيخ-رحمه الله - وقفاته وحديثه عن القسم بذكر فوائده ، والمواطن التي يُسن القسم فيها: «وللقسم فائدتان: إحداهما: بيان عظمة المقسم به، والثانية: بيان أهمية المقسم عليه، وإرادة توكيده ، ولذا لا يُسن القسم إلا في الأحوال التالية: الأولى: أن يكون المقسم عليه ذا أهمية. الثانية: أن يكون المخاطب متردد ا في شأنه. الثالثة: أن يكون المخاطب مُنكِر ا له»(4). 2- التعجب: وله صيغتان قياسيتان هما: ما أَفعلَهَ ، وأفعل به. ومثاله: «قول الحريري : (ما أغزر وبلك! ) »(5) .وله صيغ سماعية، كقولهم: (لله درك ! ). ويشير -رحمه الله - لأثر التعجب في إظهار المعنى وإبرازه ، فيقول: «قوله تعا : ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴾ [البقرة : 175]،(ما) تعجبية مبتدأ؛ وجملة (أصبرهم) خبرها؛ والمعنى: شي (1 )السابق: 215 . (2 )يشير إلى الطباق، وهو ما سأتناوله في المبحث الثالث من هذا الفصل– بإذن الله. (3 )تفسير لز عم : 231-231 . (4 )تفسير سورة البقرة : 1/ 56، أصول في التفس: 56 . (5 )مقامات الحريري : 32 .

عدد الصفحات ١١٩

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 120 عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار»(1). ويوضح ما تحتمله الآية من معانٍ ، في قوله تع الى: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾ [عبس: 17]، فيقول: «﴿ﮒ ﮓ ﴾ قال بعض العلما ، إن (ما) هنا استفهامية، أي: أي شي أكفره ؟ وما الذي حمله على الكفر ؟ وقال بعض العلما : إن هذا من باب التعجب يعني ما أعظم كفره ! »(2) .ثم يب-رحمه الله - الفرق بين القولين ؛ قائلا : «إنه على القول الأول تكون (ما) استفهامية، أي: ما الذي أكفره ؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية؛ يعني عجب ا له كي كفر مع أن كل شي متوفر لديه في بيان الحق والهدى والكفر والإيمان ! »(3). 1- أسلوب المدح وال م: ومنه: (نعم) التي للمدح، و(بئس) التي للذم، وما لرى مجراهما مثل (حبذا) و(لا حبذا). وقد اختل النحاة في هاتين الصيغتين، فذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان، والبصريون إلى أنهما فعلان ولكل من الفريقين أدلة وشواهد(4). ومعلوم أن هاتين الكلمت– نعم وبئس- لامدتان غير متصرفتين ، لازمتان لإنشا المدح والذم على سبيل المبالغة(5). والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - يتابع البصريين في أن (نعم) و(بئس) فعلان لا اسمان؛ ففي قوله تعالى : ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴾ [البقرة : 91]،يقول: «(بئس) فعل ماضٍ لإنشا الذم؛ يقابلها (نِعْم): فهي فعل ماضٍ لإنشا المدح؛ و(بئس)، و(نعْم) فعلان لامدان لا يتصرفان . أي لا يتحولان عن صيغة الماضي؛ و(ما) اسم موصول بمعنى الذي. أي بئس الذي اشتروا به أنفسهم؛ أو أنها نكرة موصوفة، والتقدير: (بئس شيئ ا اشتروا به أنفسهم)»(6). (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 226 . (2 )تفسير لز عم : 64 . (3 )السابق. (4 )ينظر: الإنصاف: 1/ 97-98، أوضح المسالك: 3/ 271 . (5 )ينظر: شرح التصريح : 2/ 94 . (6 )تفسير سورة البقرة : 1/ 291 .

عدد الصفحات ١٢٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 121 ويش-رحمه الله - إلى موضع المدح والذم في الآيات ؛ وأنها من جمل الإنشا ، قال: «(بئس) جملة إنشائية لإفادة الذم ، و(نعم) جملة إنشائية لإ فادة المدح ، و(بئس) و(نعم) يُتالان إلى شيئين: إلى فاعل ومخصوص»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﴾ [الحجرات : 11]،يذكر : «أن هذه الجملة إنشائية تفيد الذم، وما أفاد الذم فإنه منهي عنه بلا شك…»(2). ومثله قوله تعالى: ﴿ﰓ ﰔ ﴾ [البقرة : 126]،؛قال – رحمه الله -: «(بئس) فعل ماضٍ لامد إنشائي يراد به الذم ؛ و﴿ﰔ﴾ فاعل (بئس)؛ والمخصوص بالذم محذوف تقديره : هي، أي وبئس المصير هي»(3). ومن شواهده(نعم) قوله تعالى: ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [آل عمران : 136]،: «الجملة هنا إنشائية للمدح والثنا ، الثنا على هذا الألر العظيم و ﴿ﮓ ﮔ ﴾ أي: ثوابهم…»(4). وكقوله تعا : ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ [البقرة : 271]،قال -رحمه الله-: « في قوله تعا : ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ أي تظهروها ، ﴿ﭥ ﭦ ﴾: جملة إنشائية للمدح…»(5). وهو في الشواهد السابقة يذكر أن (نعم) و(بئس) من الجمل الإنشائية دون أن يُدد في كونها طلبية أو غير طلبية، ومشير ا إلى أنهما للمدح والذم. (1 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 394 . (2 )تفسير سورة الحجرات : 41 . (3 )تفسير سورة البقرة : 2/ 54 . (4 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 194 . (5 )تفسير سورة البقرة : 3/ 357 .

عدد الصفحات ١٢١

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 122 4- الجمل المصدرة بـ(رُب ) و(كم) الخبرية: وقد وردت (كم) اعبرية في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضع ا (1) ، وقد عدت من الأساليب الإنشائية لدلالتها على إنشا التكثير (2)،ومما تناوله الشيخ -رحمه الله - قوله تعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [البقرة : 249]،: «(كم) للتكثير، أي: ما أكثر ما تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة »(3). وقال تعا: ﴿ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﴾ [النجم: 26]،يعلق -رحمه الله - على الآية قائلا : «(كم) تكثيرية؛ لأنها تأتي تكثيرية، وتأتي استفهامية، فإذا قلت: كم مالك؟ فهي استفهامية، وهنا: ﴿ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ﴾ يعني كثير من الملائكة في السموات لا تغني شفاعتهم »(4). وذكر الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - في (رُ ب ) أنها تأتي للتقليل أو التكثير؛ فقال: «يرى بعض النحاة أنها – أي رب - للتقليل، والبعض يرى أنها للتك ثير، والصحيح أنها بحسب السياق، فقد تكون للتقليل، وقد تكون للتكثير حسب السياق. فقوله تعالى: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [الحجر: 2]،هذه للتكثير؛ لأنهم يتمنون دائم ا لو كانوا مسلمين. و(رب مبلغ أوعى من سامع) هذا للتقليل؛ لأن الغالب أن السامع يكون أوعى من المبلغ؛ لأنه يشاهد المتكلم، والمشاهد للمتكلم أبلغ في الوعي من السامع»(5). 5- الترجي: والحرف الموضوع له (لعل) وهناك أفعال تستعمل في هذا الأسلوب، وهي: عسى، حَرَى، اخلولق. (1 )ينظةةر: الإسةةرا : 17، مةةر: 3،74،98، الشةةعرا : 7، البقةةرة: 249، الأعةةراف : 4، الأنبيةةا: 11، الةةدخان: 25، القصص: 58، ق: 36، النجم: 26 . (2 )ينظر بغية الايضاح:1/91. (3 )تفسر سورة البقرة : 3/ 222 . (4 )تفسير سورة النجم : 219 . (5 )شرح صحيح البخاري : 1/ 162 .

عدد الصفحات ١٢٢

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 123 وذكر الدسوقي أن: «الترلي ليس بطلب بل هو ترقب الحصول »(1). وواضح أن هذا التعري يخُرج الترلي من الطلب . وقد اشترطوا الإمكان في المرلو (2)، وأدخلوا في الارتقاب : الطمع والإشفاق، وحدوا الطمع بأنه : ارتقاب المحبوب ، والإشفاق بأنه: ارتقاب المكروه (3). ومن شواهد الشيخ-رحمه الله- على مجي (عسى) للترلي؛ قوله تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾ [الكه: 24] :«(عسى) بمعنى الرلا إذا وقعت من المخلوق، فإن كانت من اعالق فهي للوقوع ، فقول الله تبارك وتعالى : ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [النسا: 98 – 99]،نقول: (عسى) هنا واقعة، وقال الله: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ [التوبة: 18] .أما من الإنسان فهي للرلا ، كقوله: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴾ [الكه: 24]،هذه للرلا »(4) .فهنا يتضح تمام الوضوح أن (عسى) التي تكون للرلا إنما هي في حق المخلوق لا في حق اعالق . ويورد الشيخ -رحمه الله - ما تحتمله (عسى) في الآية الكريمة: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾ [الكه: 41]،يقول: «قوله تعالى: ﴿ﮚ ﮛ ﴾ هذه الجملة هي لواب الشرط. وهل هي للترلي أم للتوقع؟ الجواب: فيها احتمالان: الأول: أنها للترلي وأن هذا دعا أن يؤتيه الله خير ا من لنته، وأن ينْزل عليها حسبان ا من السما ؛ لأنه احتقره واستذله فدعا عليه بمثل ما فعل به من الظلم، ولا حرج على الإنسان أن (1 )حاشية الدسوقي على مختصر السعد: 2/ 415 . (2 )ينظر: مواهب الفتاح: 2/ 239 . (3 )ينظر: المطول: 226 . (4 )تفسير سورة الكه : 48-49 .

عدد الصفحات ١٢٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 124 يَدعوَ على ظالمه بمثل ما ظلمه، ويُتمل أنه دعا عليه من ألل أن يعرف هذا المفتخر ربه ويدعَ الإعجاب بالمال، وهذا من مصلحته. فكأنه دعا أن يؤتيه الله ما يستأثر به عليه، وأن يتل هذه الجنة حتى يعرف هذا الذي افتخر بجنته وعزة نفره أن الأمر أمر الله، فكأنه دعا عليه بما يضره لمصلحة هي أعظم. فكون الإنسان يعرف نفسه ويرلع إلى ربه خير له من أن يفخر بماله ويعتز به، هذا إذا لعلنا عسى للترلي»(1). ويوضح-رحمه الله - معنى (عسى) في شاهد آخر، قائلا : قوله تعالى: ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ [البقرة : 216]،؛: «(عسى) تأتي لأربعة معانٍ : للرلا ؛ و للإشفاق؛ و للتوقع؛ و للتعليل؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترلية - لا الترلي -؛ فإن الله  لا يترَلى؛ كل شي عنده هين؛ لكن الترلية بمعنى: أنه يريد من المخاطَب أن يرلو هذا؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خير ا»(2). ومن خلال الش اهد السابق ، وبعد البحث – حسب اطلاعي – فإني لم ألد مَن استخدم هذا الإطلاق- الترلية- قبل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-. ويذكر -رحمه الله - القاعدة في (لعل)، في قوله تعالى: ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [غافر: 36]،يقول: «(لعل) هنا للتعليل، وهي تأتي للتعليل وللترلي وللإشفاق؛ ومن مجيئها للتعليل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ [يوس: 2]،هذه للتعليل، فكلما لا ت (لعل) في القرآن في حق الله  فهي للتعليل؛ لأن ا لا يترلى؛ إذ إن كل شي عليه هين، وتأتي للإشفاق مثل قولك: (لعل الحبيب هالك)، يعني: أخشى أن يكون هالك ا، وتأتي للترلي، مثل: (حضرت إلى الدرس فلعلي أفهم ) فإن قلت: لعلي أفهم صارت للتعليل. وإن قلت: فلعلي: صارت للترلي، وتكون أيض ا للتوقع، كقولك لشخص: (لعلك فاهم)؟ هذه المعاني التي تأتي في الحروف والأسما والأفعال فإذا كانت متعددة فالذي يعينها السياق وقرائن الأقوال »(3). (1 )السابق: 73-74 . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 48-49، وينظر: شرح صحيح البخاري : 2/ 228 . (3 )تفسير سورة غافر، آية : 36، وينظر: شرح رياض الصالحين : 5/ 163 .

عدد الصفحات ١٢٤

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 125 ومثله قوله تعالى: ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾ [عبس: 3]،«أي: أي شي يدريك أن يتزكى هذا الرلل ويقوى إيمانه . (لعله) أي: لعل ابن مكتوم ﴿ﭛ﴾ أي يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرلو منه فإنه أحق أن يلتفت إليه»(1). وفي قوله تعا: ﴿ ﮏ ﮐ ﴾ [المائدة: 6]،قال – رحمه الله -: «لعل هنا للتعليل: لألل أن تشكروا الله  على نعمته، ولا يمكن أن تأتي (لعل) في كلام الله المضاف إليه للترلي؛ لأن الرلا طلب ما في حصوله عُسرٌ ومشقة فكلما ولدت (لعل) في كتاب الله فهي للتعليل، أو التوقع حسب السياق»(2). (1 )تفسير لز عم : 61 . (2 )شرح صحيح البخاري : 1/ 434 .

عدد الصفحات ١٢٥

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 126 2 )التقديم والتأخير: التقديم من (قدّم) أي وضعه أمام غيره، والتأخير نقيض ذلك(1). قال سيبويه(181ه)، وهو يذكر الفاعل والمفعول : «كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميع ا يُهمانهم ويعنيانهم»(2). وذكر الزركشي (794ه) أن التقديم والتأخير هو: «أحد أساليب البلاغة، فإنهم أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة وملكتهم في الكلام وانقياده لهم، وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق»(3). ويقعبد القاهر الجرلاني (471ه) مشيدا بهذا الفن – التقديم والتأخير – قائلا : «هو باب كثير الفوائد ، لمُّ المحاسن ، واسع التصرُّف، بعيدُ الغاية ، لا يزا ل يفترُّ لك عن بديعة، ويفْضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعر ا يروقك مسمعه، ويلط لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سببَ أن راقك ولط عندك ، أن قُدم فيه شي ، وحُوِّ ل اللفظ عن مكان إلى مكان»(4). وبذلك يتضح فضل التقديم والتأخير من خلال كلام أهل البلاغة ؛ إذ هو من دقائقها وكنوزها . في حين أن ابن عثيمين -رحمه الله - يق على نصوص القرآن الكريم مشير ا إلى أن الأصل في الكلام أن يراعى نظمه حسب وروده ؛ فيكون الاعتبار للمتقدم، ومن ذلك ما لا في شرحه لحديث لابر بن عبد الله،فقال: «قوله :((أبدأ بما بدأ الله به))(5)؛لأن الله بدأ بالصفا، فقال: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﴾ [البقرة : 158]،وفيه إشارة إلى أن الله إذا بدأ بشي (1 )اللسان: (قدم) و(أخر). (2 )الكتاب: 1/ 15 . (3 )البرهان: 3/ 233 . (4 )دلائل الإعجاز: 116 . (5 )أخرله : مسلم: 2/ 886،(1218 .)

عدد الصفحات ١٢٦

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 127 كان دليلا على أنه مُقد م إلا بدليل»(1). ويقول: «التقديم والتأخ– من حيث الكلمات – ليست هذه الكلمة بأوْلى بالتقديم من هذه الكلمة، هذا من حيث الكلمات نفسها، لكن من حيث التركيب لا شك أن بعضها أوْلى بالتقديم…»(2). وفي موضع آخر يقول: «تقد الشي يدل على الترتيب في الأصل، ولهذا لما قال الله  :﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ [البقرة : 158]،قال النبي  :((أبدأ بما بدأ الله به))(3)، وكذلك قال الفقها في قوله تعالى: ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾ [التوبة: 61]،قالوا: يُبدأ بالفقرا ؛ لأنهم أشد حالة، فعليه نقول: إن الله وإن ذكر هذه المراتب الثلاث بالواو، فإن المعنى يقتضي الترتيب؛ لأن الواو لا تمنع الترتيب، كما أنها لا تستلزمه »(4). وقال– رحمه الله -: «إن الفقرا أشد حالة من المساك ؛ لأن الله بدأ بهم، وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم»(5). كذلك يذكر الشيخ -رحمه الله - أن تقديم المهالرين على الأنصار في قوله تعالى : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [التوبة: 111]،من العناية في تدبر القرآن بتقديم ما قدم، وتأخير ما أخر: «وبذلك نعرف أن المهالرين أفضل من الأنصار …؛ لأن الله قد مهم، ولأن المهالرين  جمعوا بين الهجرة والنصر ة، فهم نصروا النبي  وهالروا من ديارهم إلى رسول الله »(6). ويقول-رحمه الله - عن آية الوضو : «إن الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات ، والممسوح هو الرأس والطريقة في البلاغة أن تذكر الأشيا المتجانسة بعضها إلى بعض ، فلما (1 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 8/ 189، وينظر: 1/ 261-322 . (2 )شرح دروس البلاغة : 59 . (3 )أخرله : مسلم: 2/ 886،(1218 .) (4 )الشرح الممتع على زاد المستقنع : 12/ 444 . (5 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 1/ 322 . (6 )السابق: 1/ 323 .

عدد الصفحات ١٢٧

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 128 فةُرِّق بين المغسولات بإدخال عضو ممسوح عُلم أن الترتيب والبٌ ، وإلا لكان مخالف ا لمقتضى البلاغة، وهذا دليلٌ من حيث المعنى والسياق؛ إذن الترتيب والبٌ في الوضو »(1). وقدسُئل الشيخ – رحمه الله -: عن حكم الترتيب بين أعضا الوضو ؟ فألاب بقوله: «الترتيب من فروض الوضو . قال الله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [المائدة: 6]،ووله الدلالة من الآية: أو لا : إدخال الممسوح بين المغسولات ، وهذا خروج عن مقتضى البلاغة، والقرآن أبلغ ما يكون من الكلام، ولا نعلم لهذا اعروج عن قاعدة البلاغة فائدة إلا الترتيب»(2). ومما سبق يتضح لنا من كلام الشيخ ابن عثي مين-رحمه الله - أن الترتيب من مقتضى البلاغة؛ فما كان مقدم ا فهو دليل على أهميته والعناية به، وهذا ما قاله البلاغيون وما ولدته في كتاب سيبويه، وذكرته آنف ا. وقد أشار الشيخ -رحمه الله - إلى الأغراض التي يخرج إليها التقديم والتأخير ؛ عند وقوفه على الآيات الكريمة، وتحدث عن دواعيها موضّح ا ذلك بالأمثلة في شرحه لدروس البلاغة(3) . فتارة يكون لغرض واحد وتارة يكون لعدة أغراض ؛ ومن تلك الدواعي والأغراض التي يقع التقديم والتأخير من أللها، ما يأتي: أولا: التقديم للع لِّي ة: ومن فوائد الآية ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ [البقرة : 217]:« تقديم ما يفيد العلِّ ية؛ لقوله تعالى: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ [البقرة : 217]،المسؤول عنه القتال في الشهر الحرام ؛ لكنه قدم الشهر الحرام ؛ لأنه العلة في تحريم القتال؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾ (1 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 1/ 261، وينظر: شرح صحيح البخاري : 1/ 274 . (2 )مجموع الفتاوى : 11/ 142 . (3 )ينظر: شرح دروس البلاغة : 59-61 .

عدد الصفحات ١٢٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 129 [البقرة : 222]؛فقدم العلة على الحكم لتنفر النفوس من الفعل قبل الحكم به؛ فيقع الحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله» (1). ثانيا: لإفادة الحصر: وإفادة الحصر من الأغراض التي وق الشيخ -رحمه الله - عندها في كثير من الشواهد القرآنية ، ففي قوله تعالى: ﴿ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ [الزمر : 38]،يقول -رحمه الله-: «﴿ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ أي: كافيني، والحسب: الكفاية، وحسبي : مبتدأ، ولفظ الجلالة خبر، وهذا أبلغ. وقيل العكس، والرالح الأول ؛ لولهين : الأول: أن الأصل عدم التقديم والتأخير. الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر الحسب في الله، أي حسبي الله لا غيره؛ فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله، بخلاف قولك: الله حسبي؛ فليس فيه الحصر المذكور ؛ فلا يدل على حصر الحسب في الله»(2) .وبذلك نعلم أن الأصل في الكلام هو عدم التقديم والتأخ وأنه أفاد الحصر؛ وهو الغرض الذي من ألله بقي الكلام على ترتيبه . ومن ذلك أيض ا تقديم المفعول به في قوله تعالى : ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﴾ [الزمر : 14]،«فاسم الجلالة مفعول به لأعبد ، وقدّم المفعول به للحصر ؛ يعني لا أعبد غيره ، ونظيره من حيث التركيب ، قوله تعالى في سورة الفاتحة : ﴿ﭢ ﭣ ﴾ [الفاتحة: 5]،فقدم المفعول به هنا ﴿ﭫ ﭬ ﭭ﴾…لإفادة الحصر ثم أكّد هذا بقوله: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [الزمر : 14]،يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيض ا أكون مخلص ا له لا يشوب عبادتي إياه شي من الشرك»(3) .فهنا أفاد التقديم في الآية الكريمة حصر العبادة لله وحده دون غيره . وكما في تقديم اعبر في قوله تعالى : ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾ [الزمر : 44]،إفادة الحصر، حيث ذكر الشيخ -رحمه الله - أن: «هذه الجملة فيها حصر وهو (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 58 . (2 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 1/ 167 . (3 )تفسير سورة الزمر، آية : 14 .

عدد الصفحات ١٢٩