المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البلاغة القرآنية في تفسير الشيخ ابن عثيمين دراسة وتقويما

رانية بنت عبد الله بن عبد العزيز العسكر

صفحة ١٠ من ٢٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 146 انتبه، بخلاف ما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة »(1). ونخلص مما سبق: أن الشيخ -رحمه الله - يفضل تسمية الالتفات بالانتقال؛ فقد انفرد بهذه التسمية ، ولم يعر ف عند البلاغيّين بهذه التسمية ، فقد عُرف بالالتفات وعرف بالصرف (2)،وكذلك بالاعتراض(3)، وحين يق على شواهده فإنه يسميه وفق تسمية البلاغيّين له (التفاتا) عدا شواهد يسيره يشير لتسميته بالانتقال، كذلك أورد -رحمه الله - أنواعه و صوره وفوائده وأسراره ، ولم يتعرض لصورتين من صوره ، الأولى: الالتفات من التكلم إلى اعطاب فهي لا تصدر في حق الله ،والثانية: الالتفات من اعطاب إلى التكلم لعدم ورود هذه الصورة في القرآن ، وهو في هذا الفن يتفق اتفاقا تام ا مع علما البلاغة من حيث مفهوم الالتفات وصوره وفوائده . ثانيا: الأسلوب الحكيم: وهو من صور خروج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ، ويُعرّف بأنه: «تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيه ا على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيه ا على أنه الأولى بحاله أو المهم له»(4). وفي كلام الشيخ ابن عثيم -رحمه الله - ما ي صرح إلى معرفته به ، وقد تعرض لاسمه الاصطلاحي وتعريفه ؛ حين رد على من يقول : إن هناك أسلوبَ حكيم في قوله تعالى : ﴿ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﴾ [البقرة : 189]،قال: «يع: الحكمة فيها، بدليل الجواب: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا النبي  عن السبب في كون الهلال يبدو صغير ا ثم يكبر؛ فألاب الله  ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا ؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله  خلقها على هذا (1 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 113 . (2 )ينظر: البرهان في ولوه البيان لابن وهب : 152 . (3 )ينظر: حلية المحاضرة في صناعة الشعر لأبي علي الحاتمي : 1/ 157، العمدة: 2/ 45 . (4 )الإيضاح: 2/ 79، شرح : د. محمد خفالي.

عدد الصفحات ١٤٦

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 147 الوله ؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح»(1). وذكر الشيخ-رحمه الله- العلة في ردّ الشاهد؛ فقال: «…القول بأن الصحابة سألوا النبي  عن أحجام الأهلة: لماذا تبدو صغيرة ثم كبيرة؟ هذا لا سند له، وإنما ينقله علما البلاغة، وليس في الآية ما يدل عليه! الصحابة سألوا عن الأهلة: ما الحكمة من ولود الأهلة؟ فبين الله تعالى أنها مواقيت للناس والحج، كما في قوله تعالى: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ [يونس: 5] هذا هو الذي وقع السؤال عنه وهو مطابق تمام ا للجواب، لكن البلاغيّين يقولون: هذا من باب الأسلوب الحكيم، كأن الله عدل عن إلابة سؤالهم إلى الأهم والأنفع، وبنا على ذلك نقول: يجب على هذا الذي تكلم بهذا الكلام في حق الصحابة يجب عليه أن يتثبت، أو لا : هل صحيح أنهم سألوا: لماذا يبدو الهلال صغير ا ثم يكبر، أم سألوا عن الحكمة من إيجاد هذه الأهلة؟ أما أن يهالم الصحابة هذه المهاجمة دون أن ينظر إلى صحة القصة فلا شك أن هذا خطأ من الناحية العلمية والمنهجية، وإسا ة إلى الصحابة ،والآية معناها: أنهم سألوا الرسول عن الحكمة في هذه الأهلة فأليبوا ببيان الحكمة…غلط من الناحية المنهجية وخطأ من ناحية القدح في الصحابة، الصحابة ما سألوا هذا السؤال الذي قصد»(2). والشيخ ألاب عن كون هذه الآية قد تضمنت فن ا من فنون البلاغة وهو الأسلوب الحكيم على ما سار عليه البلاغيون؛ فيجيب من ولهين : الأول: في قول الشيخ – رحمه الله -: (لا سند له)؛ أي: ليس له سندٌ صحيح يعول عليه من ولود الأسلوب الحكيم في هذه الآية ، والشيخ -رحمه الله- يشير إلى ضع الإسناد الوارد في سبب نزول الآية ، وهو ما لا من طريق محمد بن مروان السدي ، (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 368 . (2 )لقا ات الباب المفتوح : 73 .

عدد الصفحات ١٤٧

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 148 عن محمد بن السائب الكل، عن أبي صالح، عن ابن عباس به. قال السيوطي: «وأوهى طرقه -أي ابن عباس- طريق الكلبي عن أبّ صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب»(1). وهو كما قال فة «الكلبي والسدي متروكان متهمان بالكذب ؛ ولذا لزم الحافظان ابن حجر والمناوي بوها سند اعبر. وقد تعجب ابن حجر(2) من الكثير الذين يوردون هذا اعبر مع سقوطه ، فقال: قد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وها السند فيه ، ولا شعور عندهم بذلك ، بل كاد يكون مقطوع ا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم »(3). والثا: في تنزيه الصحابة  عما سألوا الن عنه؛ فهم سألو ا عن الحكمة في إيجاد هذه الأهلة؛ لا عن حجمها في الصغر والكبر، وهو غلط من الناحية المنهجية وخطأ من ناحية القدح في الصحابة. وعليه فإن الشيخ – رحمه الله - يرى أن الجواب مطابقٌ للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح؛ وهو ما ذهب إليه بعض المفسرين (4). ويصرح الشيخ إلى هذا الفن البلاغي من خلال تفسيره للقرآن ، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﴾ [البقرة : 215]،يقول: «والسؤال هنا عن المنفَق؛ لا على المنفق عليه؛ أي يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم لنس ا، وقدر ا، وكيف ا؟ وقوله تعالى: ﴿ﯹ ﯺ (1 )الإتقان: 2/ 189 . (2 )العجاب في بيان الأسباب: 1/ 455 . (3 )إصلاح الإيضاح للدكتور : عبد المحسن العسكر: 41 . (4 )ينظر: قول قتادة في لامع البيان: 2/ 185 .

عدد الصفحات ١٤٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 149 ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾؛ (ما) شرطية ، فعل الشرط : (أنفقتم)؛ ولوابه ؛ ﴿ﯾ﴾؛ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله إنما ألابهم عن محل الإنفاق - لا عن (ماذا ينفقون)؛ لكن من تأمل الآية تبين له أن الله ألابهم عما ينفقون؛ وعما ينفقون فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ﴾؛ ففي هذا بيان ما ينفقون؛ وفي قوله تعالى: ﴿ﯾ﴾ بيان ما ينفقون فيه»(1). ويشيد-رحمه الله - بهذا الأسلوب في فوائد الآية؛ قائلا : «إن من حسن الإلابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحالة إليه؛ فإنهم سألوا عما ينفقون، وكان الج واب عما ينفقون، وفيما ينفقون؛ ونظير ذلك أن النبي  سئل عن الوضو بما البحر فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(2)»(3). ولم ألد - في المطبوع من تفاسير الشيخ -رحمه الله - غير هذين الشاهدين، وبذلك تتضح معرفة الشيخ -رحمه الله - بهذا الفن(4)،معرِّفا له وموضح ا شاهده وفق قول أهل البلاغة. ثالثا: التغليب: التغليب لغة: الترليح، يقال: غلبه: أي قهره ، وغُلّب على صاحبه: حكم له عليه بالغَلَبَة، وتغلب على بلد كذا استولى عليه قهرا ، وغلّبته أنا عليه تغليبا(5). وهو كما عرفه الزركشي بقوله : «وحقيقته إعطا الشي حكم غيره ، وقيل: ترليح أحد (1 )السابق: 3/ 43 . (2 )أخرلةةه : النسةةائي في السةةنن الكُةةبرى: 1/ 75،(58)، وأحمةةد في مسةةنده: 2/ 361،(8721 )والةةدارمي في سةةننه : 1/ 211،(729 .)وأبةةةةو داود في سةةةةننه: 1/ 21،(83)، وابةةةةن مالةةةةه في سةةةةننه: 1/ 136،(386)، وصةةةةححه: البخاري كما في العلل الكبير للترمةذي : 1/ 136، ونقةل الحةافظ بةن حجةر في ترجمةة المغةيرة بةن أبي بةردة مةن : تهةذيب التهذيب: 14/ 111، تصحيح هذا الحةديث عةن ابةن خزيمةة، وابةن حبةان، وابةن المنةذر، واعطةابي، والطحةاوي، وابةن بنةةةده، والحةةةاكم، وابةةةن حةةةزم، والبيهقةةةي، وعبةةةد الحةةةق الإشةةةبيلي، وآخةةةرين، وصةةةححه أيض ةةةا ابةةةن عبةةةد الةةةبر في التمهيةةةد: 16/ 218 . (3 )تفسير سورة البقرة : 3/ 45-46 . (4 )ينظر: شرح صحيح البخاري : 3/ 77 . (5 )اللسان: (غلب).

عدد الصفحات ١٤٩

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 150 المغلوبين على الآخر أو إطلاق لفظه عليهما إلرا للمختلفين مجرى المتفق »(1). وهو أنواع ؛ لذا قال القزويني: «التغليب باب واسع يجري في فنون كثيرة »(2). ومنه: «تغليب المذكر على المؤنث ، وتغليب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب، وتغليب العاقل على غيره، وتغليب المتص بالشي على ما لم يتص به، وتغليب الأكثر على الأقل، وتغليب الأشهر…»(3). والشيخ-رحمه الله - تعرض لهذا الفن في معرض تفسيره للآيات، فمن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾ [الرحمن : 22] :«أي: يخرج من البحرين العذب والمالح اللؤلؤ والمرلان ، وهو قطع من اللؤلؤ أحمر جميل الشكل واللون مع أنها مياه، وقوله تعالى: ﴿ﭪ﴾ أضاف اعروج إلى البحرين العذب والمالح، وقد قيل: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح ولا يخرج من العذب، والذين قالوا بهذا اضطربوا في معنى الآية، كي يقول الله ﴿ﭪ﴾ وهو من أحدهما؟ فألابوا: بأن هذا من باب التغليب، والتغليب أن يغلب أحد الجانبين على الآخر، مثلما يقال: العمران ، لأبي بكر وعمر، ويقال: القمران ، للشمس والقمر، فهذا من باب التغليب، فة ﴿ﭪ﴾ المراد واحد منهما»(4). ومما سبق يتضح مفهوم التغليب عند الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - وهو: «أن يغلب أحد الجانبين على الآخر…»(5). وكذلك ما لا في تغليب الكثير على القليل ، قال تعالى: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ [ص: 71 – 74] .فقد ذكر الملائكة دون ذكر من (1 )البرهان: 3/ 312 . (2 )الإيضاح: 91، التخليص: 112، شروح التلخيص : 2/ 51،4/ 473، المطول: 158، الأطول: 1/ 179 . (3 )الإيضاح: 92، التلخيص: 113،وينظر:شروح التلخيص : 2/ 52،4/ 474، المطول: 159،والأطول: 1/ 181 . (4 )تفسير سورة الرحمن : 319 . (5 )السابق، وينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد : 2/ 212، والشرح الممتع على زاد المستقنع : 5/ 162 .

عدد الصفحات ١٥٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 151 كان معهم من الجن على سبيل تغليب الكثير على القليل، فمن كان مع الملائكة من الجن داخلون في عموم الأمر بالسجود لآدم، يقول الشيخ -رحمه الله-: «ومن فوائد الآية: لواز توله الأمر (اعطاب) إلى العموم، وإن كان فيهم من غير لنسهم ، لقوله: ﴿ﯕ ﯖ ﴾ فإن إبليس بلا شك من غير الملائكة أصلا ونهاية، لكنه كان فيهم ، فصح أن يتوله اعطاب إليه ، وهذا ظاهر. فلو أنك أمرت جماعة بالسجود ، وفيهم من ليس منهم، ولكنه على صفتهم، ويعمل بعملهم، فتخل لا بد أن تلومه، لأن اعطاب موله للجميع »(1). ولا التغليب في قوله تعا : ﴿ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [ص: 75]،حيث قال الشيخ – رحمه الله-: «(هنا) المقصود تغليب المعنى على الشخصية؛ لأن كون الله خلقه بيده أمر لا يشاركه فيه أحد، لكن مجرد أنه مخلوق يشاركه جميع اعلق»(2). ومن خلال ما سبق يتضح أن الشيخ -رحمه الله - يتابع البلاغيّين في مفهوم التغليب وأنواعه، فقد وق على الكثير من شواهده وأشار إليه، وإلى أنواعه. رابعا: وضع الظاﻫر موضع المضمر: وهو من أساليب خروج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر. يقول العلوي: «واعلم أن هذا وإن كان معدود ا من علم الإعراب لكنْ له تعلّق بعلم المعاني ، وذلك أن الإفصاح بإظهاره في موضع الإضمار له موقع عظيم وفائدة لزلة ، وهو تعظيم حال الأمر المظهر والعناية بحقه»(3). وهو كما يذكر : «أنه يخرج لنكتة بلاغية ، ولغرض في سياق الكلام يريد المتكلم زيادة تقريره ، أو تعميمه، أو تعظيمه، أو الاعتنا به، أو العناية بما أسند إليه، أو لغرض آخر يُسهم في تحديده سياق الحديث، وقرائن الأحوال ، ويُدرك ذلك من أوتي حظ ا من البصر بأساليب البيان، وكان ذا حسّ بلاغي مره »(4). (1 )تفسير سورة ص : 246 . (2 )شرح التدمرية : 153 . (3 )الطراز : 2/ 79 . (4 )النظم القرآني في آيات الجهاد للدكتور : ناصر اعنين: 123 .

عدد الصفحات ١٥١

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 152 والشيخ-رحمه الله - تناول هذا الأسلوب ووق على كثير من الآيات مبين ا فيها مواضعه وفوائده، بل أفرد الحديث عنه في كتابه (أصول في التفسير)، حيث قال عنه: «الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير؛ لأنه أبين للمعنى و أكثر اختصارا للفظ، ولهذا ناب الضمير بقوله تعالى ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [الأحزاب : 35]،عن عشرين كلمة المذكورة قبله، وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر وهو ما يسمى (الإظهار في موضع الإضمار)، وله فوائد كثيرة، تظهر بحسب السياق منها: 1- الحكم على مرلعه بما يقتضيه الاسم الظاهر. 2- بيان علة الحكم. 3- عموم الحكم لكل متص بما يقتضيه الاسم الظاهر»(1). ومن الشواهد التي وق عليها الشيخ-رحمه الله - في تفسيره للآيات، ما يأتي: في قوله تعالى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [الزمر : 32] .«أظهر مقام الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول : (أليس في لهنم مثوى له) والإظهار في مقام الإضمار له فوائد: 1- فائدة العموم، يعني مثوى له ولغيره من الكافرين . 2- إفادة التعليل، لو قال: (أليس في لهنم مثوى له) لم نستفد ما هي العلة في أن مثواه لهنم، لكن إذا قال: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ عرفنا أن العلة كفرهم ففيه بيان العلة؛ فصار الإظهار في موضع الإضمار»(2). ومثله قولهتعالى: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﴾ [الأحزاب : 29]،«ولم يقل (لكُن )، بل قال: (للمحسنات) فأظهر في موضع الإضمار ليتبين أن هذه الإرادة أنها إحسان ، وأنهن إذ أردن الله ورسوله فإن ذلك من الإحسان ، وأن الله أعد للمحسنات منهن ألر ا عظيم ا»(3). (1 ) 67-68، وينظر: تفسير سورة البقرة : 67-68 . (2 )تفسير سورة الزمر، آية : 32 . (3 )تفسير سورة الأحزاب، آية : 29 .

عدد الصفحات ١٥٢

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 153 وقوله تعا: ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ﴾ [البقرة : 98]،قال: «وهنا أظهر في موضع الإضمار لفائدتين؛ إحداهما: لفظية؛ والثانية: معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فمناسبة رؤوس الآي؛ وأما الفائدة المعنوية فهي تتضمن ثلاثة أمور: الأول: الحكم على أن من كان عدو ا لله ومن ذُكر بأنه يكون كافر ا، يعني: الحكم على هؤلا بالكفر، الثاني: أن كل كافر سوا أكان سبب كفره معاداة الله، أم لا، فالله عدو له، الثالث: بيان العلة. وهي في هذه الآية: الكفر…»(1) .فقد أظهر في قوله : ﴿ﮧ ﮨ﴾، ولم يضمر ويقل : (عدو لهم)، وقد التمع هنا في هذه الآية شاهدان بلاغيان؛ لفظي: وهو مناسبة الفاصلة القرآنية ، ومعنوي: وهو الإظهار في موضع الإضمار. ومثله قوله تعالى: ﴿ﭺ ﭻ ﴾ [النسا: 61]،«هنا نكتة بلاغية، وهي: الإظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ﴾ (رأيتهم )، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾، وإذا لا الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّي ة الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد العلة في هذا الشي ، فالعلة في صدهم : هو النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرلع الضمير بهذا الوص ؛ أي: إن مرلع الضمير متص بهذا الوص . وهو: النفاق- لكن لو قال: (رأيت ) لم نعرف أنهم كانوا منافقين . الفائدة الثالثة: العموم؛ أي: إنه يعم هؤلا وغيرهم من المنافقين ، ولو قال : (رأيتهم ) فقط لم يشمل غيرهم»(2). وقال تعا : ﴿ﭯ ﭰ ﴾ [ص: 4]،يقول رحمه الله : «فيه وضعُ الظاهر موضع المضمر، ويكون الكلام لو أُتيَ بالمضمر: (وعجبوا أن لا هم منذر منهم و قالوا هذا ساحر كذاب)، لكن قال: ﴿ﭯ ﭰ﴾»(3). (1 )تفسير سورة البقرة : 1/ 315 . (2 )تفسير سورة النسا : 1/ 465-466 . (3 )تفسير سورة ص : 24 .

عدد الصفحات ١٥٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 154 وكما في قوله تعا : ﴿ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾ [الأعراف : 171]،قال فيها – رحمه الله -: «ولم يقل إنا لا نضيع ألرهم ؛ فأفاد ثلاثة أمور: 1-الحكم بالإِصلاح للذين يمسكون الكتاب، ويقيمون الصلاة. 2- أن الله آلرهم ؛ لإصلاحهم. 3- أن كل مصلح فله ألر غير مضاع عند الله تعالى»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [النسا: 61]،يذكر الشيخ -رحمه الله - الفوائد المستنبطة من الإظهار في موضع المضمر؛ فيقول: «في قوله تعا: ﴿ﭺ ﭻ﴾: إظهار في موضع الإضمار لثلاث فوائد: الأولى: أن هؤلا الذين يزعمون الإيمان كانوا منافقين. الثانية: أن هذا لا يصدر إلا من منافق؛ لأن المؤمن حقا لا بد أن ينقاد لأمر الله ورسوله بدون صدود. الثالثة: التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فقد يغفل الإنسان عنه، فإذا تغير، حصل له انتباه»(2). و قوله تعالى: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾ [البقرة : 282]،قال: «من البلاغة: الإظهار في موضع الإضمار؛ لأنه لم يقل: فتذكرها الأخرى ؛ لأن النسيان قد يكون متفاوت ا، فتنسى هذه جملة، وتنسى الأخرى جملة؛ فهذه تذكر هذه بما نسيت؛ وهذه تذكر هذه بما نسيت؛ فلهذا قال تعالى: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﴾؛ لئلا يكون المعنى قاصر ا على واحدة هي الناسية، والأخرى تذكرها »(3). واعلاصة: أن الشيخ -رحمه الله- يشيد - في مواضع عديدة من تفسيره - بهذا الفن، ويوضح فوائده في الآيات وأسراره ؛ مستضيئ ا بما قاله علما البلاغة، متوسع ا في بيان الأسرار (1 )أصول في التفس: 67، وتفسير سورة الب قرة : 1/ 67 . (2 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 2/ 169 . (3 )تفسير سورة البقرة : 3/ 417 .

عدد الصفحات ١٥٤

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 155 واللطائ.

عدد الصفحات ١٥٥

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 156 5 )القصر: القصر: الحبس، وفي القرآن الكريم : ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [الرحمن : 72]،محبوسات فيها(1). قال السعد عن القصر: إنه: «تخصيص شي بشي بطريق مخصوص »(2) .والقصر هو الحصر(3). والقصر من الأساليب البليغة في لسان العرب ، وتكمن بلاغته في كونه يفيد الإيجاز مع التأكيد وتقرير الأمر المراد . وللقصر طرق كثيرة ، وأشهرها استعمالا (4) أربعة ، هي: 1- النفي والاستثنا. 2- القصر بإنما. 3- القصر بتقديم ماحقه التأخ. 4- القصر بالعط بة(لا) و(بل) و(لكن). وينقسم القصر إلى ثلاثة أقسام(5)،هي: الأول - القصر باعتبار الحقيقة والإضافة، وهو نوعان: أ- القصر الحقيقي. ب- القصر الإضافي. الثاني- القصر باعتبار الطرفين ، وهو قسمان: أ- قصر الموصوف على صفة. (1 )اللسان: (قصر). (2 )مختصر السعد على التلخيص: 2/ 166 . (3 )ينظةةةةةر: دلائةةةةةل الإعجةةةةةاز: 252، مفتةةةةةاح العلةةةةةوم: 138، الإيضةةةةةاح: 118، التلخةةةةةيص: 137، شةةةةةروح التلخةةةةةيص : 2/ 166، المطول: 214، الأطول: 1/ 213، معترك الأقران : 1/ 181 . (4 )ينظر: الإيضاح: 4/ 21-28، شرح : د. محمد خفالي. (5 )ينظر: الإيضاح: 122، وبغية الإيضاح: 2/ 3، ومواهب الفتاح: 2/ 169 .

عدد الصفحات ١٥٦

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 157 ب- قصر الصفة على الموصوف. الثالث- القصر باعتبار المخاطب، وهو ثلاثة أقسام: أ- قصر الإفراد. ب- قصر القلب. ج- قصر التعيين. وعرفه الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - بقوله: «والحصر: إثبات الحكم في المذكور ، ونفيه عما سواه، كما لو قلت: (إنما القائم زيد )؛ أثبت القيام لزيد ، ونفيته عمن سواه»(1). والملاحظ أن الشيخ ابن عثيم– رحمه الله - يسمي القصر بالحصر، وهذه تسمية بعض الفقها والأصوليين(2). وقد أسهم ابن عثيم-رحمه الله - في الحديث عن القصر، وطرقه الأربعة عند وقوفه على بعض الآيات؛ ومن هذه الوقفات التي تحدث فيها -رحمه الله - عن القصر: ما ذكر في سورة آل عمران :«والحصر عند العلما إثبات الحكم للمحصور فيه، ونفيه عما سواه، إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق : منها (إنما)، ومنها تقديم ماحقُّه التأخير، ومنها النفي والإثبات مثل: (لا قائم إلا زيد ) ومنها إذا كانت الجملة اسمية معرّف ا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة»(3). أو: القصر بالنفي والإثبات: قال تعالى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾ [التوبة: 18]،يقول رحمه الله : «في هذه الآية حصر، طريقه الإثبات والنفي، ﴿ ﭘ ﮧ﴾ نفي، ﴿ﮨ ﮩ ﴾ إثبات. والمعنى: أن خشيته انحصرت في الله  ف يخشى غيره»(4). ومثله قوله تعا: ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾ [البقرة : 255]،يقول رحمه الله : « في (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 237 . (2 )الآيات البينات على شرح المحلي على جمع الجوامع للعبادي : 2/ 42، البحر المحيط للزركشي : 5/ 191 . (3 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 453 . (4 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 2/ 72 .

عدد الصفحات ١٥٧

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 158 هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية ، وذلك من قوله: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾؛ لأن هذه الجملة تفيد الحصر، وطريقُه النفي والإثبات وهذه من أقوى صيغ الحصر»(1). وفي قوله تعالى: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [ص: 65]،«هذا حصر من أقوى أنواع الحصر؛ لأنه مبني على النفي والإثبات، النفي المؤكد ب ة(مِنْ ) ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ لأن (مِنْ ) حرف لر زائد ، والزائد يفيد زيادة المعنى في القرآن الكريم ، وقوله: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﴾ أي: ما من معبود حق إلا الله، وإلا فهناك آلهة تعبد لكن ليست بآلهة حق ا، بل هي أسما سماها أصحابها ما أنزل الله بها من سلطان »(2). ثانيا: القصر بإنما: وقد اختل علما البلاغة في إفادة (أنما) بالفتح للقصر، فمنهم مَن رد إفادتها للقصر(3)، ومنهم من يرى لواز إفادتها للقصر (4)،وهو الرالح ؛ وقد اختار الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- هذا القول -من خلال ما أتضح لي من شوهده-. ففي قوله تعالى: ﴿ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ﴾ [الكه: 111]،يقول -رحمه الله -: «هذه الجملة حصر، كأنه قال: لا إله إلا واحد، واستفدنا أنها للحصر من (أنم ا)؛ لأن (أنما) من أدوات الحصر، تقول: أنما زيد قائم، يعني ليس له وص غير القيام، وتقول: أنما العلم بالتعلم، وليس هناك طريق للعلم إلا بالتعلم»(5). ثالثا: القصر بطريق التقديم والتأخير: وهو كثير في القرآن الكريم ؛ فقد أشار الشيخ -رحمه الله - إلى اشتماله على القصر من خلال تحليله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ (1 )شرح العقيدة الواسطية : 1/ 165 . (2 )تفسير سورة ص : 226 . (3 )ينظر: الإيضاح: 1/ 24، شرح : د. محمد خفالي، عروس الأفراح : 1/ 518، البحر المحيط: 7/ 233 . (4 )ينظر: الكشاف: 3/ 139، التحرير والتنوير : 2/ 213،: 7/ 31، اللباب في علوم الكتاب: 16/ 623، بغية الإيضاح: 1/ 74 . (5 )تفسير سورة الكه : 152 .

عدد الصفحات ١٥٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 159 [آل عمران: 119]،فقد اختص الله  بملكية السموات والأرض وما فيهن، فقال -رحمه الله -: «اعبر هنا مقدم لفائدة وهي الحصر، يعني التخصيص؛ لأنك إذا قدمت ما حقه التأخير كان ذلك حصرا ، فكلما قدّمت شيئ ا حقُّه التأخير كان هذا حصرا، سوا ٌ أكان المقدم خبر ا أم مفعو لا به أم لار ا ومجرور ا؛ فمثلا : ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [الفاتحة: 5]،قدّم المفعول به لإفادة الحصر، أي لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين إلا إيّاك، وهنا ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ﴾ أي: لا لغيره. فقدّم اعبر لألل الحصر»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾ [يس: 31]،يذكر أن تقديم المعمول هنا لف ائدتين قائلا: «قدم المعمول وهو (به) لإفادة الحصر، ولمناسبة رؤوس الآيات فقدم لفائدتين: فائدة لفظية، وهي مراعاة الفواصل ، وفائدة معنوية ، وهي: الحصر، كأنه قال : (إذا أتاهم الرسول فكأنهم لا يستهز ئو ن بأحد سوى هذا الرسول )، وهم يستهز ئو ن بغيره، ولكن لما كان هؤلا قد أمعنوا في الاستهزا بالرسل صاروا كأنهم لا يستهز ئو ن إلا بالرسل والاستهزا هو السخرية والهز »(2) .وها هنا التمع شاهدان بلاغيان؛ الحصر وطريقة التقديم والتأخير ، ومناسبة رؤوس الآيات. وقد التمع طريقان من طرق القصر بآية واحدة ؛ إذ يقول الرب  :﴿ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﴾ [الأنعام: 59]،«﴿ﯬ﴾: أي: عند الله وهو خبر مقدم ﴿ﯭ﴾ مبتدأ مؤخر . ويفيد هذا التركيب الحصر والاختصاص، عنده لا عند غيره مفاتح الغيب، وأكد هذا الحصر بقوله: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ﴾، ففي الجملة حصر بأن علم هذه المفاتح عند الله بطر يقتين: إحداهما: بطريقة التقديم والتأخير والثانية: طريقة النفي والإثبات»(3). (1 )تفسير سورة آل عمران : 3/ 38، وينظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 1/ 22 . (2 )تفسير سورة يس : 117- 118 . (3 )شرح العقيدة الواسطية : 1/ 193 .

عدد الصفحات ١٥٩

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 160 ومنه تقديم الجار والمجرور، ففي قوله تعالى: ﴿ﯡ ﯢ ﴾ [الأنعام: 163]،يقول -رحمه الله-: «(بذلك): الجار والمجرور متعلق بة ﴿ﯢ﴾ فيكون دالا على الحصر والتخصيص، وإنما خص بذلك، لأنه أعظم المأمورات ، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشرك ، فكأنه ما أمر إلا بهذا، ومعلوم أن من أخلص لله تعالى، فسيقوم بعبادة الله في جميع الأمور»(1). ومنه أيض ا تقديم الحال على صاحبها، يقول -رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [النحل: 96] :«قوله: ﴿ﭼ ﭽ ﴾ حال من الرزق ، وقدم الحال مع أن موضعها التأخير عن صاحبها لإفادة الحصر؛ إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: فابتغوا الرزق حال كونه عند الله لا عند غيره»(2). وكما لا في قوله تعا : ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [البقرة : 238]،«قوله: ﴿ﭗ﴾ اللام للاختصاص؛ لأن هذا يجب فيه الإخلاص ، وفي قوله : ﴿ﭗ ﭘ ﴾ الإشارة إلى ولوب القنوت لله تعالى؛ ولهذا قدم الإخلاص على العمل؛ فقال: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﴾؛ لأنه إذا كان الإنسان قانتا لله فإنه سوف يقنت»(3). رابعا: القصر بتعريف الطرفين: يتناول الشيخ -رحمه الله - القصر بتعري الطرفين المسند إليه والمسند ؛ إذ يذهب إلى إفادته القصر في قوله تعالى: ﴿ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ [البقرة : 255]،يقول -رحمه الله -: «مثل هذه الجملة التي طرفاها معرفتان تفيد الحصر؛ فهو وحده العلي؛ أي ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شي ، و﴿ﯽ﴾ أي ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته»(4). وفي قوله تعا: ﴿ﰈ ﰉ ﴾ [البقرة : 286]،يقو ل -رحمه الله -: «الجملة هنا خبرية مكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة ؛ وقد قال علما البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ، (1 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 1/ 218 . (2 )السابق: 1/ 268 . (3 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 2/ 368 . (4 )تفسير سورة البقرة : 3/ 256 .

عدد الصفحات ١٦٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 161 وخ كلاهما معرفة تفيد الحصر؛ والمراد : متولي أمورنا »(1). كما أفاد التعري بالقصر قوله تعا : ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ [الزمر: 15]، «الجملة فيها تأكيدوفيها حصر، أين التأكيد؟! ﴿ﭹ ﭺ ﴾، الحصر في أن طرفي الجملة معرفتان ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾؛ فكأنه قال: إن اعاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؛ فإذن فيها تأكيد وحصر »(2). والحقيقة أن هذا التحليل من الشيخ ابن عثيم-رحمه الله- لآيات القصر يدل على استيعابه لهذا الأسلوب وأثره في الكلام . وهناك طرق وأساليب أخرى أشار إليها ابن عثيمين -رحمه الله - وأوضح أثرها في التخصيص، ومنها: ضمير الفصل: أما القصر بضمير الفصل فيدرك وقوعه في إثبات الحكم للمقصور ، ونفيه عما سواه؛ كما لا في التنزيل : ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [البقرة : 121]،يقول -رحمه الله-: «وهو ما كان عليه محمد ،وفي قوله: ﴿ﭟ ﭠ ﴾، ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه ، لأنه- أعني ضمير الفصل – من أدوات الحصر»(3). وكثير ا ما كان يؤكد-رحمه الله - على أهمية ضمير الفصل وفوائده، وأن من فوائده الحصر، ففي قوله تعالى: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ [البقرة : 27]،يقول الشيخ -رحمه الله -: «جملة اسمية مؤك دة بضمير الفصل: ﴿ﯚ﴾؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد؛ الفائدة الأولى: التوكيد ؛ والفائدة الثانية: الحصر؛ والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة، واعبر»(4). ثم يوضح الحصر بمثال قائلا : «والفائدة الثالثة: الحصر؛ فإنك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) فقد حصرت هذا الوص فيه دون غيره؛ وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب ، كما في (1 )السابق: 3/ 453 . (2 )تفسير سورة الزمر، آية : 15 . (3 )أحكام من القرآن الكريم : 433 . (4 )تفسير سورة البقرة : 1/ 113 .

عدد الصفحات ١٦١