الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 98 أسباب تُعرف من السياق، فتستوقفه أدوات التوكيد في قوله تعالى : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [الرعد : 43]،ذلك أنه: «قد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تعرف من السياق . فهنا الكفار يقولون: لست مرسلا ، في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم والب ا يعني مما تولبه البلاغة»(1). أسلوب النفي: ولكون أسلوب النفي من اعبر، فإن الشيخ -رحمه الله- بين الأغراض التي يفيدها أسلوب النفي: فقد يفيد النفي: التنزيه لله ،فمن ذلك ما لا في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾ [البقرة : 255]،حيث قال -رحمه الله-: «امتناع السِّنَة والنوم؛لكمال حياته وقيوميته، بحيث لا يعتريهما أدنى نقص؛ لقوله تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين؛ أحدهما: الإيمان بانتفا الصفة المذكورة ؛ والثاني: إثبات كمال ضدها ؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر، وإن كان يرد عليه النقص من بعض الولوه ؛ لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقصٌ أبد ا بوله من الولوه ؛ مثال ذلك: إذا قيل: (فلان كريم ) فقد يراد به أنه كريم في الأغلب الأكثر؛ فإذا قيل: (فلان كريم لا يبخل ) عُلم أن المراد كمال كرمه، بحيث لا يُصل منه بخل؛ وهنا النفي حصل بقوله تعالى : ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾؛ فدل على كمال حياته وقيوميته»(2). ومن الأغراض التي يفيدها أسلوب النفي : دفع الإيهام وإزالة الشبهة ، كما لا في تفسيره -رحمه الله- لقوله تعالى: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﴾ [البقرة : 158]،فقال: «من فوائد الآية: دفع ما توهمه بعض الصحابة (1 )تفسير سورة يس : 13-14 بتصرف . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 258 .
عدد الصفحات ٩٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 99 من الإثم بالطواف بالصفا والمروة؛ لقوله تعالى: ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﴾، وعلى هذا فلا ينافي أن يكون الطواف بينهما ركن ا من أركان الحج، أو والب ا من والباته، أو مشروع ا من مشروعاته؛ فعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج ؛ لأنها من شعائر الله؛ وليس لبيان أصل الحكم»(1). ومن الأغراض التي يفيدها أسلوب النفي : التحذير، كما لا في تفسيره -رحمه الله- لقوله تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾ [البقرة : 145]،حيث قال: «إنه يستحيل شرع ا أن يتبع المسلم طريقة اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾، وله الاستحالة : أن الجملة لا ت بالاسمية المؤكدة بحرف الجر في سياق النفي؛ فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعدا الله، ولا أن يأخذ بآر ائهم، وأفكارهم ، واتجاهاتهم؛ وقد حمى النبي ذلك غاية الحماية ، حيث قال : ((من تشبه بقوم فهو منهم))(2)،حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعدا الله، والتقليد لهم سوا في أمور العبادة، وفي أمور العادة؛ فإن التشبه بأعدا الله حرام ، وقد يؤدي إلى الكفر والشرك والعياذ با لله»(3). ونخلص مما سبق إلى أن الشيخ ابن عثيم -رحمه الله تعالى – موافق للبلاغيين ؛ في تعريفهم للخبر ،وذكر أضربه، وخروله لأغراض بلاغية متعددة . الإنشاء: وهو القسم الثاني من أقسام الكلام، وهو قسيم اعبر. قال السيوطي: «اعلم أن الحذّاق من النحاة وغيرهم، وأهل البيان قاطبة على انحصار الكلام فيهما – أي اعبر والإنشا - وأنه ليس له قسم ثالث»(4). وقد أُثبِتَ للإنشا دلالة تخال دلالة اعبر وهي أنه الكلام الذي لا يُتمل الصدق (1 )السابق: 2/ 187 . (2 )أخرلةةةةه أحمةةةةد في مسةةةةنده : 2/ 51،(5114)، وأبةةةةو داود في سةةةةننه: 78/ 4،(4133)، قةةةةال ابةةةةن حجةةةةر في فةةةةتح الباري : 11/ 271 :أخرله أبو داود بسند حسن؛ و قال الألباني: صحيح. ينظر: إروا الغليل: 5/ 119 . (3 )تفسير سورة البقرة : 2/ 137-138 . (4 )معترك الأقران : 1/ 319 .
عدد الصفحات ٩٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 100 والكذب لذاته(1) .وعدم احتمال الصدق أو الكذب إنما هو بالنسبة إلى الأسلوب ذاته، وليس إلى ما يستلز مه. وعرّف الشيخ -رحمه الله- الإنشا بأنه: «ما لا يمكن أن يوص بالصدق والكذب»(2). وقد قسم ابن عثيمين الإنشا إلى قسم : إنشا طلبي ، وإنشا غير طلبي ، كما هو المعروف عند العلما . وأفاض في الحديث -رحمه الله- عن الإنشا الطلبي؛ ولم يكت الشيخ - في كثير من الأحيان - بالإشارة إلى موضعه بل كان يق عندها شارح ا وموضح ا ومبين ا. أما الإنشا غير الطلبي ؛ فلم يُطِل -رحمه الله- في بحث مسائله عدا : (القسم) الذي تحدث عنه بصورة ظاهرة ، باعتباره أسلوب تأكيد مهم ا، ولاشتمال القرآن على كثير من ه حيث لاوزت مائتي موضع(3). أولا : الإنشاء الطلبي: الإنشا الطلبي خمسة أنواع وهي : الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والندا ، ونفصل القول فيها حسبما يأتي: 3- الأمر: وهو نقيض النهي، يقال: أمره به وأمره يأمره أمرا وإمار ا، فأتمر أي قبل أمره (4). وعند جمهورالبلاغيّين هو: «طلب فعل غير ك ع لى وله الاستعلا والإلزام »(5). وقد عرف الشيخ -رحمه الله- الأمر في أثنا عرضه للشواهد، ووافق البلاغيّين في تعريفه ؛ قائلا : «والأمر: هو طلب الفعل على وله الاستعلا ، بصيغة (افعل) أو ما ينوب منابها . فقولنا: طلب الفعل، كلمة (طلب) خرج بها اعبر ؛ لأنه ليس بطلب، و طلب الفعل خرج به (1 )حاشية الدسوقي: 1/ 166 . (2 )تفسير سورة النسا : 1/ 438-439، شرح الأصول : 114 . (3 )مجموع الفتاوى : 11/ 19-21 . (4 )مقاييس اللغة: 1/ 138 . (5 )الطراز : 3/ 281، المختصر: 2/ 318 (شروح التلخيص ).
عدد الصفحات ١٠٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 101 النهي؛ لأن النهي طلب الك ، و(على وله الاستعلا ) خرج به الالتماس والدعا ، وقولنا: على وله الاستعلا ولم نقل على وله العلو ؛ ليشمل ما إذا كان الآمر علي ا حقيقة أو مستعلي ا أو دعا ، إن لم يكن علي ا في الواقع، فهنا عندنا قيود»(1). ويذكر أن ا صل في الأمر أنه للولوب إلا أنه قد يخرج لأغراض أخرى ، قائلا: «وكل أمر موله من الله للعباد فالأصل فيه أنه لطلب الفعل وأنه للولوب ، لكن قد تخرج الأوامر عن غير ذلك للقرائن »(2). ويقول الشيخ-رحمه الله- في موضع آخر: «وقد يخرج الأمر عن الولوب والفورية لدليل يقتضي ذلك، ومعلوم أنه إذا ولد الدليل الدال على أن الأمر ليس للولوب اطمأنت النفس، وانشرح الصدر، ولا إشكال في ذلك »(3). فمن مجي الأمر للولوب « قوله تعا: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي: ائتوا بها، فمن فوائد الآية: الأمر بإقامة الصلاة على وله الولوب فيما لا تصح الصلاة إلا ب ه؛ وعلى وله الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونه، وهو من كمالها »(4). ومن الشواهد على خروج الأمر عن الولوب إلى معانٍ أخرى ، مايأتي: 1- الإباحة: « قوله تعا: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ [البقرة : 35]،و﴿ﯛ﴾، أمر بمعنى الإباحة، والإكرام ؛ (منها) أي من هذه الجنة …، بدليل قوله تعالى : ﴿ﯞ ﯟ﴾ [البقرة : 35]،وهذه هي القرينة التي يقصدها - خير هما أن يأكلا من أي مكان؛ ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة ؛ ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل على أنه للإباحة»(5). 2- اهانة: (1 )تفسير سورة النسا : 1/ 438-439 . (2 )السابق: 1/ 438-439بتصرف . (3 )شرح الأصول : 165 . (4 )تفسير سورة البقرة : 1/ 156-157 . (5 )السابق: 1/ 128-131بتصرف، وينظر : شرح صحيح البخاري : 2/ 235 .
عدد الصفحات ١٠١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 102 يقول الله تعا: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﴾ [ص: 57]،«قوله﴿ﯥ﴾ للأمر، والدليل أنها لام الأمر وليست لام التعليل أنها سكنت بعد الفا ، ولام الأمر تسكن بعد الفا و الواو، ﴿ﯥ ﯦ ﯧ﴾ أي: فليكتووا بحره …، و﴿ﯦ﴾: خبر، و(غساق): معطوف عليه، وتكون جملة ﴿ﯥ﴾ معترضة بين المبتدأ واعبر للمبادرة بإهانتهم ، فإن قوله : ﴿ﯥ﴾ لا شك أنه إهانة، فمن ألل المبادرة قد م هذا على اعبر»(1). 3- التحدي والتعجيز: يقول تعالى ﴿ﯵ ﯶ ﯷ﴾ [البقرة : 11]،«هاتوا: فعل أمر؛ لأن ما دل على الطلب ولحقته العلامة فهو فعل أمر؛ …، والأمر هنا للتحدي، والتعجيز…»(2). 4-التهديد: يقول – رحمه الله -: «والأمر في قوله: ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﴾ [التوبة: 24]،يراد به التهديد: أي: انتظروا عقاب الله»(3). 5- الإرشاد: «فقوله: ﴿ﰕ ﰖ ﰗ ﴾ [الكه: 111]،: الفا رابطة لجواب الشرط ، والأمر للإرشاد ؛ أي: من كان يريد أن يلقى الله على الوله الذي يرضاه سبحانه؛ فليعمل عملا صالحا»(4). 6- التكريم: « قال تعا: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﴾ [الطور: 19]،﴿ﭵ ﭶ ﴾، فعل (1 )تفسير سورة ص : 214-215 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 366 . (3 )القول المفيد: 2/ 48 . (4 )السابق: 2/ 128، ومن شواهد مجيئه للإرشاد، ينظر : فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 1/ 133 .
عدد الصفحات ١٠٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 103 أمر، وهذا الأمر ليس تكليف ا وإنما الأمر هنا للتكريم، أي يقال لهم: كلوا من كل ما في الجنة من النعيم»(1). 7- الدعاء: «كما في قوله تعا :﴿ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴾ [يوس: 111]،فهو دعا بأن يتوفاه الله على الإسلام»(2). 8- الندب: ومنه قوله تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ [البقرة : 282]،فقال: «…فيكون هذا من باب الندب، وليس من باب الوالب ؛ لأن الحق لك ، وإذا ضاع حقك فأنت المسؤول عن نفسك»(3). ومما تقدم تظهر الموافقة بين حديث الشيخ وما ذكره البلاغيون في أغراض الأمر (4). 2- النهي: النهي: خلاف الأمر، نهاه نهَي ا فانتهى وتناهى: ك (5). وهو عند الجمهور: «طلب الك عن الفعل على وله الاستعلا والإلزام »(6). والشيخ-رحمه الله- له وقفات مع النهي أثنا شرحه للبلاغة ؛ وقد عرّف النهي موافق ا به تعري البلاغيّين له، بأنه: «قول يتضمن طلب الك على وله الاستعلا بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية»(7). (1 )تفسير سورة الطور : 184 . (2 )شرح صحيح البخاري : 1/ 28 . (3 )شرح الأصول : 166 . (4 )ينظةةةةر: الإيضةةةةاح: 1/ 143، شةةةةرح : د. محمةةةةد خفةةةةالي، التلخةةةةيص: 168، الطةةةةراز : 3/ 281، شةةةةروح التلخةةةةيص : 2/ 318، المطول: 239، الأطول: 1/ 246، عروس الأفراح : 2/ 322 . (5 )اللسان: (نهى). (6 )ينظر: الأطول: 1/ 249، مواهب الفتاح: 2/ 324 (شروح التلخيص ). (7 )ينظر: الأصول مةن علةم الأصةول: 27، شةرح الأربعةين النوويةة : 66، شةرح الأصةول : 118،354،463، فةتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 5/ 472 .
عدد الصفحات ١٠٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 104 ويب-ر حمه الله- معنى التعري قائ لا : «فخرج بقولنا: (قول)؛ الإشارة ، فلا تسمى نهي ا وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: (طلب الك )؛ الأمر، لأنه طلب فعل. وخرج بقولنا: (على وله الاستعلا )؛ الالتماس والدعا وغيرهما مما يستفاد من النهي بالقرائن . وخرج بقولنا: (بصيغة مخصوصة هي المضارع إلخ)؛ ما دل على طلب الك بصيغة الأمر مثل: دع، اترك ، ك ، ونحوها؛ فإن هذه وإن تضمنت طلب الك لكنها بصيغة الأمر فتكون أمر ا لا نهي ا»(1). ويأتي النهي في الأصل للتحر ؛ «ومنه قوله تعا : ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ [النسا: 5]، والنهي للتحريم؛ ولا سيما إذا قرن النهي بم ا يفيد العلة، وهي ﴿ﯖ﴾ فكأنه قال: لا تؤتوهم لسفههم؛ لأنكم إذا أعطيتموهم وهم سفها أضاعوا المال»(2). وكما في قوله تعالى: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾ [النسا: 32]،فهذا نهي للإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، لقوله: ﴿ﮟ ﮠ ﴾، وهل النهي للتحريم؟ ، الجواب: نعم هو للتحريم؛ لأن هذا النوع من التمني هو الحسد بعينه ؛ لأنه قال: ﴿ﮡ ﮢ ﮣ﴾ ولم يقل : مثل ما فضل الله، ولو قال: ولا تتمنوا مثل لكان في المسألة إشكال، وصار أول الآية يناقض آخرها في قوله: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾، لكن المعنى: لا تتمنوا أن يكون ما فضل الله به غيركم لكم ، ويُُرم غيركم إ ياه، وعلى هذا فنقول: النهي هنا للتحريم، وهذا النوع هو الحسد»(3). ويذكر -رحمه الله - أن النهي قد يخرج عن معناه الأصلي ، إلى معانٍ أخرى تفهم من سياق الجملة؛ ومن شواهده -رحمه الله - على خروج النهي عن معناه الأصلي ، ما يأتي: 1- الدعا نحو: «قوله تعا: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾ [البقرة : 286]،﴿ﯹ (1 )السابق. (2 )تفسير سورة النسا : 1/ 41 . (3 )السابق: 2/ 273 .
عدد الصفحات ١٠٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 105 ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾ [البقرة : 286]،هذا دعا »(1). 2-التهديد: كقوله تعالى: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴾ [آل عمران : 196]،وهذا تهديد ليس للرسول ،بل تهديد لهؤلا الذين يتقل بون في البلاد؛ ولهذا قال بعدها : ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ﴾ [آل عمران : 197]»(2). 3- الترلي، ففي قوله تعالى: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [الأعراف : 151]،فقد رد على مؤلفي دروس البلاغة حين لعلوه ضمن الدعا ، وقد ولهه على النحو التالي : «ولا يُسن المثال بهذا على الدعا ؛ هذه نعم لو ولهت لله لكان صحيح ا؛ لأنه لا في الحديث التعوذ من شماتة الأعدا ، فلو وله ت لله كانت دعا ، ولكن إذا وله ت للمخلوق الذي هو أعلى منك وإن كانوا يتساهلون يقولون : دعا ، فلا ينبغي، بل ينبغي أن يقال: إنه تةَرَج أو نحو ذلك»(3). 1- الاستفهام: الاستفهام من أساليب الإنشا الطلبي التي فطن لها أوائل المؤلفين و البلاغيّين(4)،قال السكاكي: «والاستفهام لطلب حصول في الذهن، والمطلوب حصوله في الذهن إما أن يكون حكما بشي على شي أو لا يكون ؛ والأول: هو التصديق ، ويمتنع انفكاكه من تصور الطرفين ، والثاني: هو التصور ولا يمتنع انفكاكه من التصديق »(5). ولا بد أن نعلم أن الاستفهام بهذا المعنى لا يصدر من الله تعالى(6)،يقول ابن تيمية -رحمه الله-: «والله لا يستفهم لطلب الفهم والعلم؛ فإنه بكل شي عليم، ولكن مثل هذا يسميه (1 )شرح دروس البلاغة : 37 . (2 )السابق: 38 . (3 )السابق: 37 . (4 )معجم المصطلحات البلاغية وتطورها لأحمد مطلوب : 1/ 181 . (5 )مفتاح العلوم: 146 . (6 )تحفة الأريب على مغني اللبيب : 1/ 21، نقلا عن أسلوب الإنشا في سور المفصل: 217 .
عدد الصفحات ١٠٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 106 أهل العربية : استفهام إنكار»(1)،يقصد الاستفهام في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [التحر: 1]،ويذكر البلاغيون أن الاستفهام «هو طلب المرا د من الغير على لهة الاستعلام»(2) .وذلك ما يرتئيه ابن عثيم -رحمه الله- من خلال تعريفه . حيث قدم الشيخ -رحمه الله- تعريف ا له، وتناول بعض ا من أغراضه. فقال: «الاستفهام أصله طلب الفهم، أو طلب الإفهام، أي: الإعلام بالشي ، فإذا قلت: هل قام زيد ؟ فالمعنى: أعْلِمني هل قام زيد ، فهو طلب الإعلام بالشي »(3) .وهو يستدرك على المؤلف (4) في تعريفهم قائلا : «وهذا التفسير أدق من تفسير المؤل: (طلب العلم)؛ لأن من يُطالع الكتب ليتعل م يُقال: إنه طالب عِلم، ولا يقال : مُسْتَفهِم، فالأحسن أن يُقال: الاستفهام: طلبُ الإعلام بالشي »(5). ويورد -رحمه الله- أدوات الاستفهام: «هذه الأدوات تأتي استفهامية وغير استفهامية ، لكن هي من أدوات الاستفهام: 1 .الهمزة –وهي الأصل-: أقائم زيد ؟ 2 .هل: هل قام زيدٌ ؟ 3 .ما: ما هذا؟ 4 .مَنْ: مَن القائم؟ 5 .أي ان: أي ان تقوم؟ 6 .كي: كي لا زيد ؟ 7 .أين: أين تنزل ؟ 8 .أ: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ﴾ [الدخان: 13]. (1 )مجموع فتاوى ابن تيمية : 35/ 329 . (2 )الطراز : 3/ 158 . (3 )شرح دروس البلاغة : 39 . (4 )أي: مؤلفو كتاب دروس ال بلاغة: حفني ناص ، سلطان محمد، محمد دياب، مصطفى طموم. (5 )شرح دروس البلاغة : 39 .
عدد الصفحات ١٠٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 107 9 .كم: كم مالك؟ 11 .أيّ: أيّ الرللين قائم؟ 11 .م: متى لئت؟ »(1). ويخرج الاستفهام عن أصل وضعه ، فيُستفهم به عن الشي مع العلم به لأغراض تستفاد من سياق الحديث(2)،فقد عر ج -رحمه الله- على ذكر بعض من تلك الأغراض . وأكثر الأغراض ورود ا في حديث ابن عثيمين -رحمه الله- مايفيد الإنكار، قال تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ [الواقعة: 81]،«يع: أبعد هذا البيان لعظمة القرآن الكريم تدهنون به الكفار وتسكتون عن بيانه وعن العمل به؟ »(3). ثم يذكر ابن عثيم -رحمه الله- نوع هذا الاستفه ام، فيقول: «وهذا الاستفهام للإنكار؛ لأن الوالب على من آمن بأنه ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [الواقعة: 81]،وأنه قرآن كريم ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون الوالب أن يصارح ويصرح ولا يدهن …»(4). ومنه-أيض ا- قوله -رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﴾ [النمل: 61] :«الاستفهام للإنكار، أو بمعنى النفي، وهما متقاربان ، أي: هل أحد مع الله يفعل ذلك؟! الجواب: لا، وإذا كان كذلك ؛ فيجب أن تصرف العبادة لله وحده ، وكذلك الدعا ؛ فالوالب على العبد أن يوله السؤال إلى الله تعالى ، ولا يطلب من أحد أن يزيل ضرورته ويكش سو ه وهو لا يستطيع»(5). ومن الشواهد–أيض ا – ما قاله الشيخ عند قوله تعالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [النجم: 35] :«وهذا الاستفهام استفهام استنكار بمعنى النفي، يعني ليس عنده علم الغيب، وهو يرى أنه سينتقل إلى دار أفضل من التي هو فيها ، وعلى هذا فتكون الجملة جملة نفي، (1 )السابق. (2 )ينظر: مفتاح العلوم: 424-425، والإيضاح: 3/ 68، شرح : د. محمد خفالي. (3 )تفسير سورة الواقعة : 349 . (4 )السابق. (5 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 1/ 274 .
عدد الصفحات ١٠٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 108 وليست جملة إثبات، وليست جملة استخبار، بل هي جملة نفي واستنكار، إذ لا أحد عنده علم الغيب ، ولولا ما أخبر الله به من النعيم في الجنة والجحيم لأهل النار ، ما علمنا بهذا شيئ ا»(1). ويأتي الاستفهامليفيد التقرير - لتقرير أمر حاصل - كما يراه ابن عثيمين -رحمه الله- في قوله تعالى : ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ [البقرة : 258] :«قوله تعا : ﴿ﭭ ﭮ﴾ الهمزة للاستفهام ؛ والمراد به هنا التقرير ، والتعجب؛ (التقرير ) يعني: تقرير هذا الأمر ، وأنه حاصل، و(التعجب) معناه: دعوة المخاطَب إلى التعجب من هذا الأمر العجيب الغريب الذي فيه المحالة لله »(2). ومثله قوله -رحمه الله - في تعالى : ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [البقرة : 261] :«هذا الاستفهام للتقرير ؛ وليس للإنكار، ولا النفي ؛ فهو كقوله تعالى : ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾ [الشرح : 1]،يعني: قد شرحنا لك ؛ فمعنى: ﴿ﭛ ﭜ﴾: ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم »(3). والشيخ-رحمه الله- يقعّد للاستفهام التقريري، فيما لو كان المخاطب عالما بالأمر ثم وُل ه له سؤالٌ ، وإذا ولي حرف الاستفهام نفي تعين في الكلام استفهام التقرير ، وهذا ما قرره العلما من قبله؛ إذ يقول في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [البقرة : 246] :«قوله تعا: ﴿ﭑ ﭒ ﴾ [البقرة : 246]،: …والاستفهام هنا الظاهر أنه للتشويق – يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها-؛ لأن التقرير إنما يكون في أمر كان معلوم ا للمخاطب، فيُقر ر به، كقوله تعالى: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾ [الشرح : 1]،وأما هذا فهو أمر ليس معلوم ا للمخاطب إلا بعد أن يخبر به؛ فيكون هنا للتشويق، مثل قوله تعالى: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ [الص: 11]،وقوله تعالى: ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [الغاشية: 1]،وما (1 )تفسير سورة النجم : 241 . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 277 . (3 )السابق: 3/ 299-311 .
عدد الصفحات ١٠٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 109 أشبهها؛ أما لو كان يخاطب من كان عالم ا بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير »(1) .وأفادنا الشيخ -رحمه الله- أن التقرير قد يصاحبه غرض آخر كالتشويق . ويمضي الشيخ -رحمه الله- مستعرض ا أغراض ا أخرى عروج الاستفهام عن معناه الأصلي، فمن ذلك خروله إلى معنى التشويق ، حيث قال قوله تعالى: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [النازعات : 18] :«الاستفهام هنا للتشويق، تشويق فرعون أن يتزكى مما هو عليه من الشر والفساد ، وأصل الزكاة النمو والزيادة ، وتطلق بمعنى الإسلام والتوحيد …»(2). ومن ذلك قوله-رحمه الله- في قوله تعالى: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﴾ [القمر: 41] :«الاستفهام هنا للتشويق، يعني هل أحد يد كر ويتعظ بما لرى للمكذبين للرسل من إهلاكهم وتدميرهم، وقيل: إن الاستفهام للأمر، وأن المعنى فادكروا ، وسوا أقلنا: للتشويق أم للأمر؛ فإن الوالب علينا أن نتذكر وأن نخشى من عقاب الله تبارك وتعالى …»(3). ويأتي الاستفهامليخرج لمعنى ا لأمر، ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾ [آل عمران : 21] : «﴿ﮣ﴾، فيها قرا تان ، آأسلمتم، وأأسلمتم، أي: بتحقيق الهمزتين وإدخال أل بينهما . والاستفهام هنا يراد به الأمر ؛ يعني: قل للذين أوتوا الكتاب والأميين: أسلموا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [الأنبيا: 118]»(4) .وكان العلما يمثلون على خروج الاستفهام للأمر بهذه الآية ، أعني قوله تعالى : ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾(5). ومن أغراض الاستفهام مايخرج لمعنى التفخيم والتعظيم، قال: «هذه الجملة بهذهالصيغة – أي صيغة ما أدراك - يستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مط ردة في القرآن الكريم، قال تعالى: (1 )السابق: 3/ 216 . (2 )تفسير لز عم : 46 . (3 )تفسير سورة القمر : 272-273 . (4 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 133 . (5 )ينظر: معترك الأقران : 1/ 436 .
عدد الصفحات ١٠٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 110 ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [الانفطار: 17]،وقال تعالى: ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [الحاقة: 1 - 3]،وقال تعالى: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ [القارعة: 1 - 3]،فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهنا قال: ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾ [القدر: 2]،أي: ما أعلمك ليلة القدر، وشأنها وشرفها وعظمها »(1). ومن ذلك ما قاله الشيخ-رحمه الله- عند قوله تعالى: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ [آل عمران: 25]،قال -رحمه الله-: «أي كي تكون حالهم في هذا الوقت ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾؟ والاستفهام للتعظيم، أي: ما أعظم ما تكون حالهم في ذلك اليوم! وما أشد حسرتهم إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ! …»(2). ومن أغراض الاستفهام مجيئه بمعنى الاعتراض وبمعنى الاستكشاف، ففي قوله تعالى: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ [البقرة : 247]،قال الشيخ -رحمه الله- عنه: «استفهام هؤلا القوم يُتمل أن يكون المراد به الاعتراض ؛ ويُتمل أن يراد به الاستكشاف والبحث عن السبب بدون اعتراض : كي كان ملكا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال ؟ فإن كان الأول فإن حالهم تقتضي الذم ؛ لأنهم كي يعترضون وهو الذين طَلَبوا أن يبعث لهم ملك ا! ! ، وإن كان الثاني فلا اعتراض عليهم ، ولا لوم عليهم »(3). ويأتي الاستفهامليفيد معنى الاستبعاد، كما في سؤال الرلل الذي استبعد إحيا الله للقرية بعد موتها : قال تعالى: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾ [البقرة : 259]،يقول -رحمه الله -: «﴿ﮥ﴾ اسم استفهام للاستبعاد؛ وسياق الآية ير لحه؛ أي إنه استبعد حسب تصوره أن الله يعيد إلى هذه القرية ما كان سابق ا، وقال: كي يُيي الله هذه القرية بعد موتها ؟ وقال (1 )تفسير لز عم : 274 . (2 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 151 . (3 )تفسير سورة البقرة : 3/ 215 .
عدد الصفحات ١١٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 111 بعضهم: إنه للاستعجال والتمني؛ كأنه يقول: متى يُيي الله هذه القرية بعد موتها وقد كانت بالأمس قرية مزدهرة بالسكان والتجارة ، وغير ذلك؛ فمتى يعود عليها ما كان قبل ؟ »(1). وقد يأتي الاستفهام ليفيد معنى ا لتهديد؛ ففي قوله تعالى : ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ [الصافات: 87]،يعلق ابن عثيمين -رحمه الله- على الآية قائ لا : «الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤل (2)،يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره؟ أتظنون أن يترككم ؟ والجواب: لا، ويُتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلها فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة ، فالله لن يقبل، قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركا عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ))(3)،أو ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾؟ فما ظنكم بعظم ته وللاله ، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره »(4). ومن ذلك مجي الاستفهام ليفيد معنى التحقير، قال تعالى: ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [الصافات: 92]،قال الشيخ: «الاستفهام هنا للتحق، أي إنه يُقرها -أي الأصنام- لكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبة العقلا في قول ه: ﴿ﮡ ﮢ ﴾: ولم يقل : ما لكن ، تنز لا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم وذوات القبول والدفع عنهم ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾ [الصافات: 92]،يعني: أي شي يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة ؟ »(5). ويأتي الاستفهام ليفيدمعنى النفي، قال تعالى: ﴿ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾ [الزمر : 9]،«وهذا استفهام بمعنى النفي، يعني: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وإذا لا النفي بصيغة الاستفهام صار أبلغ؛ لأنه في هذه الصيغة يتضمن معنى التحري ، كأن المتكلم يقول: إذا كان يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فأخبرني بهم . فإذا لا ك النفي (1 )السابق: 3/ 289 . (2 )يريد مؤل تفسير الجلال . (3 )أخرله : مسلم، 4/ 2289،(2985 .) (4 )تفسير سورة الصافات : 195 . (5 )السابق: 211 .
عدد الصفحات ١١١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 112 بصيغة الاستفهام فإنهيكون أبلغ من النفي المُجرد»(1). وهكذا يمضي-رحمه الله- في تفسيره مستعرض ا أغراض ا أخرى للاستفهام، فمما ذكره أنه يأتي: للتعجب(2)،وللتوضيح(3)،وللحث(4). 4- التمني: عرّف الشيخ -رحمه الله - التمني في أثنا تفسير الآيات، فقال: «والتمني هوأن الإنسان يطلب تقدير ا ما يصعب حصوله، هذا التمني أن يتمنى تقدير ا ما في قلبه يصعب حصوله سوا أكان يصعب ثم يُصل أم يصعب ولا يُصل ، ولهذا يقع التمني على الأشيا المستحيلة، كقول الشاعر: أَ لا لَ يْةةةةةةةةةةتَ الش ةةةةةةةةةةبَ ابَ يةَ عُةةةةةةةةةةودُ يةَ وْ م ةةةةةةةةةةا فَةةةةةةةةةةةةأُ خْ برَِ هُ بمَِةةةةةةةةةةةةا فةَ عَةةةةةةةةةةةةلَ المشِةةةةةةةةةةةة يْ بُ (5) ولا يمكن أن يعود، ويكون في الشي الذي فيه العسر، ولكنه قليل…»(6). وهو-رحمه الله - يوافق تعري مؤلفي دروس البلاغة؛ حين عرّفوا التمني بقوله - رحمه الله- التمني: «طلب شي محبوب لا يُرلى حصوله؛ لكونه مستحيلا أو بعيد الوقوع » .و يبتعد هذا التعري عن تعري البلاغيّين؛ فهو عندهم: «توقع أمر محبوب في المستقبل»(7) . وهم يفرقون بين نوعين من التم : الأول: توقّع الأمر المحبوب الذي لا يرلى حصوله لكونه مستحيلا . الثاني: توقع الأمر المحبوب الذي لا يرلى حصوله لكونه ممكن ا غير مطموع في نيله»(8). (1 )شرح صحيح البخاري : 1/ 168 . (2 )القول المفيد على كتاب التوح يد: 2/ 169 . (3 )شرح التدمرية : 1/ 29 . (4 )مجموع الفتاوى : 9/ 31 . (5 )البيت لأبي العتاهية، ديوان أبي العتاهية: 425، ديوان المعا: 2/ 155 . (6 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 234 . (7 )ينظر: مفتاح العلوم: 414-415، الطراز : 3/ 161 . (8 )ينظةر: مفتةةاح العلةوم: 147، ايضةةاح: 2/ 131، شةرح : د. محمةةد خفةالي، التلخةةيص: 151، الطةةراز : 3/ 321، معترك الأقران : 1/ 444، الإتقان: 2/ 82، شرح عقود الجمان : 48، حلية اللب: 93، الروض المريع : 77 .
عدد الصفحات ١١٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 113 وللتمني أربعُ أدواتٍ: واحدة أصليةٌ ، وهي: (ليت). وثلاثٌ غيرُ أصليةٍ ، وهي: (هل) و(لو) ولعل)(1). يقول-رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾ [الفجر: 24] :«يتم أنه قدم لحياته، وما هي حياته؟ أهي حياة الدنيا؟ لا والله، الحياة الدنيا انتهت وقضت، وليست الحياة الدنيا حياة في الواقع، الواقع أنها همو م وأكدار، كل صفو يعقبه كدر، كل عافية يتبعها مرض، كل التماع يعقبه تفرق ، انظروا ما حصل؟ أين الآبا ؟ أين الإخوان؟ أين الأبنا ؟ أين الأزواج؟ الحياة هي ما بينه الله :﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ [العنكبوت: 64]،يعني لهي الحياة التامة ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [العنكبوت: 64]،يقول هذا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾ [الفجر: 24]،يتمني لكن لا يُصل ﴿ﯶ ﯷ ﯸ﴾ [الفجر: 23]»(2). ومثله قوله تعا: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴾ [النسا: 73]،«أي: أتمنى أني معهم ﴿ﯣ ﯤ ﯥ﴾»(3). و(لو) كما في قوله تعالى : ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [البقرة : 167] :«(لو) هنا ليست شرطية ؛ ولكنها للتمني؛ يعني: ليت لنا كرة فنتبرأ؛ والدليل على أنها للتمني أن الفعل نصب بعدها؛ وهو منصوب بة(أنْ ) المضمرة بعد الفا السببية؛ و(لو) تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أوله : تكون شرطية ؛ وتكون للتمني؛ وتكون مصدرية ؛ فة(لو) في قوله تعالى: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﴾ [الممتحنة: 2]،مصدرية ؛ و(لو) في قوله تعالى: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾ [البقرة : 253]،شرطية ؛ و(لو) في قوله تعالى: ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [البقرة : 167]،للتمني؛ ومثلها قوله تعالى: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ [الشعرا : 112]،و(الكر ة) الرلوع إلى الشي ؛ والمراد هنا: الرلوع إلى الدنيا؛ فنتبرأ منهم في الدنيا إذا رلعنا كما تبر وا منا هنا في الآخرة ؛ فنجازيهم بما لازونا به؛ لكن أنى لهم ذلك! فهذا التمني لا ينفعهم؛ ولذلك (1 )ينظر: الإيضاح: 3/ 53-54، شرح : د. محمد خفالي، مفتاح العلوم: 418، الطراز : 3/ 161 . (2 )تفسير لز عم: 213 . (3 )تفسير سورة النسا : 2/ 521-521 .
عدد الصفحات ١١٣