الفصل الأول: القضايا البلاغية 66 آدم، ولكن لا يعني هذا أن الآية ليس فيها دلالة على ثبوت اليد لله، بل فيها دلالة على ثبوت اليد لله تعالى؛ لأنه لولا أن له يد ا ما ص ح أن يضيفها إلى نفسه»(1). و ذكره لفوائد الآيات في سورة النسا ، يقول: «إطلاق السبب على مسببه، لقو له: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [النسا: 171]،فإن عيسى ليس هو الكلمة نفسها، لكنه خلق بالكلمة، فأطلق السبب و أريد المسبب»(2). وبعد هذا العرض نخلص إلى ما يأتي: أن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- له رأي ان في مسألة الحقيقة والمجاز، وهو ما صرح به من كلامه أنه كان يقول به في أول أمره ، ثم مال إلى المنع. أن الشيخ -رحمه الله- ذكر أسباب ا لمنع المجاز؛ وهي: 1- أن مصطلح المجاز حادث بعد القرون الثلاثة الأو. 2- ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أن المجاز الذي ادعوه إنما أرادوا به أن يُرفوا آيات الصفات وأحاديثها عما أرا د الله بها ورسوله ؛ لذا فكان إنكار المجاز سد ا لطر يق المبتدعة ؛ حين اتخذوا المجاز سلم ا للوصول إلى أغراضهم ومعتقداتهم. 3- أن من علامات المجاز صحةَ نفيه، و ليس في القرآن ما يصح نفيه. 4- أن المعنى إنما يُعيِّ نه السياق وقرائن الأحوال ، وأن الكلمات نفسها ليس لها معنى ذاتي، بل هي بحسب التركيب ، وإذا كانت بحس ب التر كيب صار الذي يُعين المعنى هو السياق، وإذا تعين المعنى فهذا هو الحقيقة. الرد على أسباب منع المجاز: 1- دعوىأن كلمة مجاز لم تعرف بمعناها الا صطلاحي المعر وف عند علما البلاغة، إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة. وهذه الدعوى مردودة من ولوه : الأول: أن الآمدي قال: إن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع (1 )السابق: 2/ 511 . (2 )تفسير سورة النسا : 2/ 516 .
عدد الصفحات ٦٦الفصل الأول: القضايا البلاغية 67 تسميةَ هذا حقيقة وهذا مجاز ا. وقد ذكر ابن تيمية أن من العلما من نقل عن العرب أنهم كانوا يعرفون الحقيقة والمجاز ، منهم القاضي أبو الطيب الباقلاني (413هة)، وأبو الحسن البصري (436هة)، والقاضي أبو يعلى(458هة)، وغيرهم(1). وتكلم المبرد والآمدي والرماني واب ن لني والباقلاني وابن رشيق وابن سنان اعفالي عن المجاز، ولم يسموه بهذا الا سم(2). ومثل هؤلا لا يمكن اتهامهم في نقلهم، بأنهم نقلوا ما لم يكن، وليس من منهج البحث السليم أن نتهم علما في صحة نقلهم إذا كنا نح ن لم نق على ما وقفوا عليه، ومعروف لكل من درس التاريخ الإسلامي ما أصاب تراثنا من محن قضت على كث ير منه، على أن ا حين نرلع إلى أصو ل البحث والمناظرة فإن قول المثبت مقدم على قول النافي . الثاني: اكتش العلما منذ بدايات التصني أساليب المجاز في كلام العرب ، وفي كلام الله ،وفي كلام رسوله ،ووقفوا على كلمات تؤدي معنى كلمة مجاز، فسيبويه مثلا يستعمل كلمة (الاتساع )(3)،والفرا يسميه ( الإلازة )(4) ،وكذلك الشعرا الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري ، أي: منذ بد التصني ، فهو قديم قدم التألي اللغوي، لكن لا باسمه الصر يح(5)،ومما لا في الكتاب لسيبويه باسم سعة الكلام، والاتساع (6) :«ومما لا على اتساع الكلام والاختصار، قوله تعالى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [يوس: 82]،إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ [سبأ: 33]،وإنما المعنى: بل مكركم في الليل (1 )ينظر: المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإلازة والمنع ، لعبد العظيم المطعني: 22 . (2 )ينظر: المجاز المرسل والكناية ليوس أبو العدوس : 15-41، وفنون بلاغية لأحمد مطلوب: 111-111 . (3)ينظر: الكتاب: 1/ 118 (4 )معاني القرآن :3/271-271. (5 )المجةةةاز في اللغةةةة والقةةةرآن، محاضةةةرة للةةةدكتور عبةةةد المحسةةةن العسةةةكر ألقاهةةةا في الجمعيةةةة السةةةعودية للقةةةرآن الكةةةريم : 6-7، وينظر: المجاز في اللغة والقرآن الكريم : 22-23 . (6)الكتاب: 1/ 118 .
عدد الصفحات ٦٧الفصل الأول: القضايا البلاغية 68 والنهار»(1)،والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني لعلوه نوعا من المجاز العقلي. والاستعارة عرفت في القرون الثلاثة المفضلة، وهي نوع من المجاز، ومن ذلك: كان أبو عمرو بن العلا لا يرى أن لأحد مثل هذه العبارة ، قول ذي الرمة : أَ قَ امَ تْ بِ هِ حَ تى ذَ وَ ى العودُ فيِ الثة رَ ى وَ سَ اقَ الثةُّ رَ ي ا فيِْ مَ لا َ تِ هِ الفَ جْ رُ (2) ويقول: ألا ترى كي صير له ملا ة، ولا ملا ة له، وإنما استعار له هذه اللفظة(3). ومما اختاره ابن الأعرابي قول أرطاة بن سهية: فةَ قُ لْ تُ لهََ ا يَ ا أم بةَ يْ ضَ ا َ إِ ن نيِْ هُ رِ يْ قَ شَ بَ ابيِْ ، وَ اسْ تَ شَ ن أَ دِ يمِ يْ (4) فقال: هريق شبابي لما في الشباب من الرونق والطراوة التي هي كالما . ثم قال: استشن أديمي؛ لأن الشن هو القربة اليابسة، فكأن أديمه صار شن ا لما هريق ما شبابه، فصحت له الاستعارة من كل وله ، ولم يبعد(5). ولا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، معلق ا على قول لرير : لا قةَةةةةةةوْ مَ أَ كْةةةةةةرَ مُ مِةةةةةةنْ تمَِةةةةةةيمٍ إِ ذْ غَةةةةةةدَ تْ عُةةةةةةةوذُ النِّ سَةةةةةةةا ِ يُ سَةةةةةةةقْ نَ كَ الآلَةةةةةةةالِ (6) قوله: عوذ النسا : هن اللاتي معهن أولادهن . والأصل في عوذ الإبل التي معها أولادها ، فنقله العرب إلى النسا ، وهذا من المستعار. وقد تفعل العرب ذلك كثير ا(7). وكل هؤلا عاشوا في القرن الثاني الهجري . «ومن الرواة من عرفوه باسم (البديع) كابن المعتز الذي أل أول كتاب في البديع، ألفه سنة (ت274ه) حيث قال: «وما جمع قبلي فنون البديع أحد»،أي إن مهمته كانت الجمع لا الاختر اع، وإن ذكروا أنه وضع بعض الألقاب. (1 )الكتاب: 1/ 118 . (2 )البيت لذي الرمة : ديوان ذي الرمة : 211، خزانة الأدب : 1/ 111 . (3 )العمدة في محاسن الشعر وآدابه: 1/ 181 . (4 )البيت لأرطأة بن سهية الطرماح : ديوان الطرماح : 11، العمدة: 1/ 91 . (5 )السابق: 1/ 185 . (6 )البيت للفرزدق : ديوان الفرزدق : 386، منتهى الطلب من أشعار العرب : 1/ 213 . (7 )نقائض لرير والفرزدق : 1/ 121 .
عدد الصفحات ٦٨الفصل الأول: القضايا البلاغية 69 بل إن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز كان معروف ا في أوائل القرن الثالث الهجري ، قال أبو تمام (ت232ه) في وص اعمر: لَ قَةةةةةةةةةةةدْ تةَةةةةةةةةةةةرَ كَ تْ نيِْ كَ أْ سُةةةةةةةةةةةهَ ا وحَ قِ يقَةةةةةةةةةةةتيِْ مجََةةةةةازٌ وَ صُةةةةةبْ حٌ مِةةةةةنْ يَ قِ يةةةةةنيَِ كَةةةةةالظ نِّ (1) وعليه فلا بد أن تكون كلمة مجاز المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة ، حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عُني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره ، والشعرا ليسوا من أرباب وضع المصطلحات»(2). واشتهر المجاز بمعناه الاصطلاحي الذي يقابل الحقيقة عند العلما ، منهم: «ابن قتيبة -رحمه الله- (ت276ه) عرض في كتابه (تأويل المشكل) باب ا سماه: (القول في المجاز)(3)،ثم تكلم عمن يطعن في القرآن بالمجاز، ثم تكلم أيضا على الذين يردون على مَن نفى المجاز، وناقشهم نقاشا كثيرا، هنالك أيضا شيخه الجاحظ (ت 255 ه)، له كتابات في المجاز منتشرة في (الحيوان)، فتناوله وسماه (المجاز)، والجاحظ معدود في طائفة الأدبا . وابن قتيبة إلى اللغويين أقرب منه إلى غيرهم. كذلك ممن عرض للمجاز من أهل القرن الثالث: الإمام الدارمي (ت281ه)، في كتابه (النقض على بشر المريسي )؛ فإنه عرض للمجاز في صفحات متعددة من كتابه، وهو معدود في علما الإسلام الكبار. الإمام البخاري (ت 256ه) -رحمه الله - في كتابه: (خلق أفعال العباد) تكلم عن المجاز في مقابل لفظ (الحقيقة). وهذا الإيراد للمجاز بمعناه الاصطلاحي في هذه البيئات المختلفة؛ الأدبا ِ ، واللغويين، والمحدثين، وعلما ِ الشريعة - يدل على أنه كان مشهورا في القرن الثالث ولا سيما في المنتص الأول منه»(4). (1 )البيت لأبي تمام: ديوان أبي تمام: 1/ 898 . (2 )المجاز في اللغة والقرآن الكر : 22-34 . (3 )ينظر: تأويل مشكل القرآن : 1/ 17-32 . (4 )المجاز في اللغة والقرآن للعسكر : 9 .
عدد الصفحات ٦٩الفصل الأول: القضايا البلاغية 70 2- الرد على السبب الثاني في إنكار المجاز عند الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -: ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أن المجاز الذي ادعوه إنما أر ادوا به أن يُر فوا آيات الصفات وأحاديثها عما أرا د الله بها ور سوله. فأقول: «إن من الممكن أن نعتقد مذهب السل في الأسما والصفات-وهو مذهب قويم وسليم- دون أن ننكر المجاز؛ ذلك أنه لا بد لكل مجاز من قرينة …على أن من المثبتين للمجاز -بل كثير منهم- يدينون بمذهب السل في إثبات الأسما والصفات، فيقولون: لله سبحانه وله وعين ويد، ولكن ليس كولوهنا وعيوننا وأيدينا، ولم يؤثر إثبات المجاز شيئ ا في عقيدتهم هذه»(1). فالمثبتون للمجاز من أئمة أهل السنة لم يدفعهم تأويل المبتدعة للقرآن الكريم وا لسنة النبوية إلى إنكار المجاز، بل أثبتوه لكونه أسلوبا من أساليب العرب ، وكنز ا من كنوز البلاغة ، ودليلَ الفصاحة في اللغة، مع إنكارهم و ردهم على مَنْ اتخذه ذريعة للتأويل في أسما الله وصفاته ، فلا يلزم من قبول المجاز تأويل الصفات . (ومن هؤلا الإمام عثمان بن سعيد الدارمي -رحمه الله - الذي رد على المريسي الجهمي في كتابه: (النقض على بشر المريسي ) قال: «ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات »(2)،ثم ذكر بطلان ما يدعيه الجهمي في تذرعه بالمجاز. وكتاب الدارمي هذا قال عنه ابن القيم في (التما ع الجيوش الإسلامية): «كان شيخ الإسلام يعظمه لدا وكان يوصي بقرا ته »(3). وقال ابن عبد البر في سياق رده على تأويل المعتزلة لاستوا الله على عرشه : «من حق الكلام أن يُمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز ، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل (1 )السابق: 11 . (2 )نقض الإمام الدارمي على المريسي : 2/ 855-856 . (3 )التماع الجيوش الإسلامية لابن القيم :143 .
عدد الصفحات ٧٠الفصل الأول: القضايا البلاغية 71 إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوله كلام الله إلى الأشهر والأظهر من ولوهه ، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعا المجاز لكل مدع ما ثبت شي من العبارات . ولل الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين»(1). «وقد سلك هذا المسلك شيخ الإسلام -رحمه الله - أيض ا، وله فيه كتابات مؤصلة مفردة ومضمنه. ذكر أصولا وقعّد قواعد في كل كلام يُاوَل صرفه من حقيقته إلى مجازه ، وهذه القواعد عصها -رحمه الله - في رسالته (المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات)، وكذلك عص هذه القواعد في أول: (بيان تلبيس الجهمية). ولو أن هذه القواعد طبقت على كل نص يُاوَل تعطيله من نصوص الصفات وغيرها لكانت لامعة مانعة»(2). وقد اختصر -رحمه الله- هذه القواعد فقال: «لا يجوز تأويل النصوص من الحقيقة إلى المجاز إلا بعد تحقق أربعة أشيا ؛ أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي ، الثاني: أن يكون معه دليل يولب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه . الثالث: أنه لا بد من أن يسلَم ذلك الدليل الصارف عن معارض. الرابع : أن الرسول إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد به مجازه »(3). وابن تيمية– كما ذكرت آنف ا- ممن ينكر المجاز، ويرى أنه لو صح القول به فإنه لا بد من ضوابط تضبطه، ومن ذلك ضابط القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي إلى المجازي (4). «هذه الطريقة في مجادلة المعطلة وغيرهم ممن يلجؤون إلى المجاز هي وسيلة عظيمة نافعة ينبغي سلوك ها، أما إنكار المجاز، فإنه يتعذر؛ لأن المجازات ضرورة في كل لغة»(5). والذي يظهر: «أن إنكار المجاز ليس هو الجواب الكا، ولا الدوا النالع في الرد على المبتدعة، كما أن إثبات المجاز ليس هو المصحح لعقائد المخالفين، ولا المسوغ لقبول مذاهبهم (1 )التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 7/ 131 . (2 )ااز في اللغة والقرآن للعسكر : 14 . (3 )مجموع فتاوى ابن تيمية : 361 . (4 )ينظر: إثبات القول بالمجاز عند أئمة أهل السنة والجماعة للدكتور : يوس العليوي: 59-61 . (5 )المجاز في اللغة والقرآن للعسكر : 14 .
عدد الصفحات ٧١الفصل الأول: القضايا البلاغية 72 الفاسدة المخالفة اع السل ، فلا أثر في إثبات المجاز ولا نفيه في تأييد مذهب أي الطائفتين»(1). 3- الرد على السبب الثالث لمنع المجاز عند الشيخ اب ن عثيمين -رحمه الله- وهو: أن من علامات المجاز صحةَ نفيه و ليس في القرآن ما يصح نفيه. يقال: إن المنفي هو المعنى الحقيقي للفظ، أما المعنى المجازي له فثابت، وهو المراد ، «فمثلا إذا قيل: سمعت بحر ا يعظ، تريد رللا عالم ا واسع العلم، تستطيع أن تقول: ليس هو ببحر، فتنفي أنه بحر حقيقة، لكن لا تستطيع أن تقول: ليس هو ببحر على المجاز؛ لأن القرينة تكذبك. وعلى ذلك فعندما تنفي المجاز لا تنفيه هو وإنما تنفي حقيقته»(2). قال ابن قتيبة: «وأما الطاعنون على القرآن بة (المجاز) فإنهم زعموا أنه كذب ؛ لأن الجدار لا يريد ، والقرية لا تُ سأل…ولو كان المجاز كذب ا وكلُّ فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا كان أكثر كلامنا فاسد ا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة ، وأينعت الثمرة ، وأقام الجبل، ورخص السِّعر. وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا ، والفعل لم يكن وإنما كُوِّن…والله تعالى يقول: ﴿ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾ [محمد: 21]،وإنما يُعزم فيه. ويقول: ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ [البقرة : 16]،وإنما يُربح فيها. ويقول: ﴿ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ [يوس: 18]،وإنما كُذِّب به…»(3). 4- الرد على السبب الرابع لمنع المجاز عند الشيخ -رحمه الله - وهو: أن المعنى إنما يُعيِّ نه السياق وقرائن الأح وال، وأن الكلمات نفسها ليس لها معنى ذاتي، بل هي بحسب التركيب ، وإذا كانت بحسب التركيب صار الذ ي يُعين المعنى هو السياق، وإذا تعين المعنى فهذا هو الحقيقة. «يرد على هذا بأن لدينا الوسائلَ اللغوية التي تقطع بأن استعمال هذه الكلمة في هذا (1 )ينظر: البلاغة في ضو مذهب السل في الاعتقاد، للدكتور : عبد المحسن العسةكر: (ضةمن نةدوة الدراسةات البلاغيةة الواقع والمأمول): 1584 . (2 )المجاز في اللغة والقرآن الكريم للمطع : 31 . (3 )تأويل مشكل القرآن : 132 .
عدد الصفحات ٧٢الفصل الأول: القضايا البلاغية 73 المعنى أصل وفي غيره فرع ، وذلك ما قدمناه من استصحاب المعنى الأصلي للكلمة حين تنقل إلى غيره، وعدم استصحابها المعنى الثاني حين تطلق على المعنى الأول، فإطلاق الحسام على الرلل الماضي في أمره فيه استصحاب معنى الحسام وهو القطع والمضا ، و إضافة ذلك إلى الرلل ، وليس في إطلاق الحسام على الحسام المعروف معنى من معاني الرلل ، وهذا قاطع في أنه أصل في هذا وفرع في ذاك »(1). «ودلالة الأسد على الحيوان المفترس تختل عن دلالته على الرلل ال شجاع ، من ولهين : الوله الأول: أنه لا يدل على الشجاع إلا بضميمة هي التي نسميها قرينة ، ويدل على الحيوان المفترس من غير ضميمة، والقول بأن الأسد مع القرينة حقيقة في الشجاع ، تسليم بأن الأسد من غير القرينة ليس ح قيقة في الشجاع . الوله الثاني: وهو الأهم أن الأسد حين يطلق على الرلل الشجاع يضي إليه معنى من معاني الأسد، وحين يطلق على الأسد لا يضي إليه معنى من معاني الرلل الشجاع ، وهذا واضح، وقاطع ببطلان القول بتماثل الدلالة، ثم هو واضح أيض ا في أن المعنى الأصلي للأسد يظل ناشب ا به في الاستعمال الثاني، وأن دلالته على الشجاعة متكئة على دلالته على السبع، وليس الأمر كذلك في دلالته على السبع »(2). وبعد هذا كله، فالشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - رغم تصريُه بمنع المجاز إلا أنه يتناول المجاز بعلاقاته وإن لم يصرح - في كثير منها - بمصطلح المجاز، ثم هو –أيض ا- يثبت الكناية(3)، والاستعارة في كلامه، ويقر شواهدهما؛ وهما من المجاز عند البلاغيّين(4). وهذا كله «مما يدل على أن ولود المجاز أمر لا بد منه في بعض الحالات ، والقول به ضرورة ؛ لهذا فإن إنكار ولود المجاز مما لا يكون عق لا ، ولا سبيل إلى إبطال ه إلا بإبطال كلام العرب ، فالعلما يختلفون في المسألة الواحدة عند التطبيق، ولكن لا يعني أن القاعدة باطلة أو (1 )التصوير البياني لمحمد محمد أبو موسى: 31 . (2 )السابق: 27-28 . (3 )ينظر: تفسير سورة الكه : 146، وشرح الأر بعين النووية: 1/ 51 . (4 )ينظر: الكشاف: 1/ 37-38، والعمدة: 1/ 268، والطراز : 1/ 172 .
عدد الصفحات ٧٣الفصل الأول: القضايا البلاغية 74 فاسدة، ولو أخذنا بهذا المنطق لأبطلنا الكثير من أصول العلوم»(1). (1 )البلاغة في ضو مذهب السل في الاعتقاد: 1594 وينظر: المجاز في اللغة والقرآن الكريم للمطعةني : 77، والمجةاز اللغة والقرآن للعسكر: 14، وإثبات القول بالمجاز: 72 .
عدد الصفحات ٧٤الفصل الأول: القضايا البلاغية 75 المبحث الرابع: التوجيه البلاغي في آيات العقيدة: (يُقصد بالتوليه بيان وله الشي ؛ ووله الشي : حقيقته والمقصود منه، ومنه قولهم: وله الكلام، أي: السبيل المقصود فيه. ولا في اللسان : «خرج القوم فوَل هُوا للناس الطريقَ توليه ا ، إذا وَطِئُوه وسَلَكوه حتى استبان أَثةَرُ الطريق لمن يسلكه، وأَلْهَتِ السما ُ فهي مجُْهِيَةٌ إذا أَصْبَحت ، وأَلْهَت لك الس بيلُ أَي: استبانت، وبيتٌ أَلْهَى : لا سِتةْرَ عليه»(1). ومن هنا فإن المراد بالتوليه البلاغي لآية معينة : بيان المقصود من الاستشهاد بها على المسألة البلاغية، أو بيان وله الاستشهاد بالآية على الفن البلاغي . ودارت مادة (عقد) في المعالم اللغوية على معنى التوثيق، والربط بشدة وقوة وإحكام ، والتوكيد ، والإلزام (2). والعقيدة عند أهل السنة هي: «الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره شره »(3). وعليه فيراد بآيات العقيدة: الآيات التي يستدل بها على الأصول الإيمانية، وبها يكون الرد على المخالفين لها)(4). ولقد عُنيَ الشيخ ابن عثيم - ر حمة الله عليه- بتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة أيما عناية، وذلك ظاهر في مؤلفاته ودروسه ومحاضراته ؛ إذ إنه يُعنىَ بتقرير منهج أهل السنة والجماعة، وهم من ساروا على سَنَن الرسول وأصحابه علم ا ، واعتقاد ا، وقو لا ، وعملا ، ومنهجُهم أسلَم وأحكم من منهج مخالفيهم. وفي ضو ما تناول الشيخ من إيضاح وتقرير وتوليه -كان فيه خدمة لعقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات وحدانية الله وفي ألوهيته : ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [النسا: (1 )ينظر: تاج العروس، ولسان العرب : (وله ). (2 )ينظر: لسان العرب، وتاج العروس، ومقاييس اللغة : (عقد). (3 )شرح العقيدة الواسطية : 2/ 129 . (4 )التوليه البلاغي لآيات العقيد : د.يوس العليوي :15-17.
عدد الصفحات ٧٥الفصل الأول: القضايا البلاغية 76 36]،وفي ربوبيته : ﴿ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [لقمان: 25]،وفي أسمائه وصفاته: ﴿ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [الشورى : 11]،وإلى لانب ذلك نجده -رحمه الله- يرد على الذين اتخذوا البلاغة وسيلة لإثبات مذاهبهم المخالفة(1) .وقد تناول الشيخ آيات العقيدة موله ا لها توليه ا بلاغيا، مستخدم ا الأساليب البلاغية في إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة، والرد على مخالفيهم ، ومن تلك الشواهد على ذلك ما يلي: من شواهد التوليهات البلاغية لآيات العقيدة عند الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - ما لا في توليهه للقول بالحقيقة دون المجاز : في قوله تعالى: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ [البقرة : 14 – 15]،يقول الشيخ -رحمه الله - : «والاستهزا هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزا الله بهؤلا المستهزئين دال على كماله ، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم ؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى : ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴾ [الطارق : 15 – 16]،أي أعظمَ منه كيد ا؛ فالاستهزا من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره ، فتفسيره بغير ظاهره محرم ؛ وكل من فسر شيئ ا من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام …بل نحن نؤمن بأن الله يستهزئ بمن يستحق الاستهزا ، يستهز ئ بالمنافقين استهزا حقيقي ا؛ لكن ليس كاستهزائن ا؛ بل أعظم من استهزائنا وأكبر ، وليس كمثله شي ؛ لأن الله وص به نفسه فهو كمال . وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وص الله به نفسه ، فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم : (إنه حلال) فكذلك لا تقول لما وص به نفسه: إن هذا ليس المراد ؛ فكل ما وص الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره ، لكن تعلم أن ظاهره ليس (1 )ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع : 1/ 291،5/ 83، شرح مقدمة التفس ير: 73، كتاب العلم : 1/ 212، لقا ات الباب المفتوح : 13/ شرح دروس البلاغة : 135-141 .
عدد الصفحات ٧٦الفصل الأول: القضايا البلاغية 77 كالذي ينسب لك؛ فاستهزا الله ليس كا ستهزائنا ؛ وقرب الله ليس كقربنا ؛ واستوا الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير ؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على ظاهرها ، ولا نقول على الله مالا نعلم؛ ولكن ننزه ربن ا عما نزه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [الشورى : 11]،أما اعيانة فلا يوص بها الله مطلق ا؛ لأن اعيانة صفة نقص مطلق؛ (واعيانة) معناها: اعديعة في موضع الائتمان، وهذا نقص؛ ولهذا قال الله :﴿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ [انفال: 71]، ولم يقل : فخانهم؛ لكن لما قال تعالى: ﴿ﭺ ﭻ ﴾ [النسا: 142]،قال: ﴿ ﭼ ﭽ ﴾ [النسا: 142]؛لأن اعديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قال الرسول :((الحرب خدعة ))، وقال :((لا تخن من خانك))؛ لأن اعيانة تكون في موضع الائتمان، أما اعداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان؛ واعيانة صفة نقص مطلقة»(1). ويقول-رحمه الله - في توليه قوله تعالى : ﴿ ﯯ ﯰ ﯱ﴾ [المائدة: 64] :«المراد بهما – يعني: يدي الله النعمة، قلنا له: لا نقبل هذا؛ لأن استعمال اليد في النعمة مجاز، ولا يمكن أن يُمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحق يقة»(2). و قوله تعالى: ﴿ ﭓ ﭔ ﴾ [الفاتحة: 1]،«صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما ذو الرحمة …والرحمة صفة من صفات الله الحقيقية الثابتة له على وله الحقيقة لا المجاز »(3). ثم يوله الشيخ -رحمه الله - كلامه قائلا : «فنقول: عجب ا لكم، دلالة العقل على الرحمة أبلغ و أظهر وأوضح من دلالته على الإرادة ، ولهذا لعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص ، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، فلو سألت طالب العلم بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم ، لكن الرحمة كل يعرف أن لله تعالى رحمة ، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق فنقول: نزل الم طر، واخضرت الأرض ، ورويت الزروع ، وما (1 )تفسير سورة البقرة : 1/ 57-58، وأحكام من القرآن الكر : 93بتصرف . (2 )شرح الأصول : 126 . (3 )تفسير سورة يس : 6-7 .
عدد الصفحات ٧٧الفصل الأول: القضايا البلاغية 78 أشبه ذلك، من أين هذا؟ فيقول لك مباشرة : من رحمة الله ، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة ، ولكن نسأل الله لنا ولهم الهداية، ومن لم يجعل الله له نور ا فماله من نور»(1). و حديث آخر يذكر سبب ا آخرَ لضلال ا لمعطلة، و يرد عليهم قائ لا : «وقد أنكر قوم وص الله تعالى بالرحمة الحقيقية ، وحرفوها إلى الإنعام ، وإرادة الإنعام ، زعم ا منهم أن العقل يُيل وص الله بذلك؛ قالوا: (لأن الرحمة انعطاف ، ولين، وخضوع ، ورقة ؛ وهذا لا يليق بالله ) .والرد على ولهين : الوله الأول : منع أن يكون في الرحمة خضوع ، وانكسار، ورقة ؛ لأننا نجد من الملوك الأقويا رحمة دون أن يكون منهم خضوع ، ورقة ، وانكسار. الوله الثاني : أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق ؛ أما رحمة اعالق فهي تليق بعظمته، و للاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقص ا بوله من الولوه. ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله مانشاهده في المخلوقات من الرحمة بينهما يدل على رحم ة الله ؛ولأن الرحمة كمال ؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها، كإنزال المط ر وإزالة الجدب ، وما أشبه ذلك –يدل على رحم ة الله. والعجب أن منكري وص الله بالرحمة الحقيقية بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله ، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلا على الإرادة ؛ ولا شك: أن هذا صحيح؛ لكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير ؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام : فإنك لو سألت عامي ا صباح ليلة المطر: (بَِِ مُطرنا؟ ) لقال: (بفضل الله ورحمته )»(2()3). ومنه توليهه البلاغي لعجب الإنكار من ا في آية الصافات، حيث قال في تفسير قوله تعالى : ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [الصافات: 12]،موله ا وموضح ا: «في هذه الآية (1 )السابق: 7-8 . (2 )تفسير في لز عم : 9 -11 . (3 )للاستزاد ة حول صفة الرحمةة والةرد علةى المعطلةين ينظةر : تفسةير سةورة النسةا : 1/ 226-256-482، وتفسةير سةورة البقرة 1/ 5-6 .
عدد الصفحات ٧٨الفصل الأول: القضايا البلاغية 79 قرا تان بفتح التا ، فيعود الضمير على رسول الله ،وبالضم على الله ،هذا القول الصحيح، وإذا كان عائد ا إلى الله فهل هو عجب حقيقي أو مجازي ؟ الصحيح أنه حقيقي وأنه كسائر الصفات ، فإذا قال قائل: إن العجب هو حالة تطرأ على الإنسان لفعل ما لا يخطر له على بال، فكي يمكن أن يوص الله به؟ فالجواب أن نقول : إن أنواع العجب ثلاثة أقسام : عجب استحسان، وعجب إنكار، وعجب استفهام ، والعجب الذي بمعنى الاستفهام لا يكون في حق الله ؛ لأنه يكون عفا الأسباب على هذا المستغرب للشي المتعجب منه ، بحيث يأتيه بغتة بدون توقع ، وهذا مستحيل على الله تعالى ؛ لأن الله تعالى بكل شي عليم . مثال للعجب الذي يُمل عليه الاستحسان: ((يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة ))(1)،مثال عجب الإنكار من الله: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [الصافات: 12]،هذا عجب إنكار»(2). ومن توليهاته البلاغية في آيات العقيدة ما ذكر في تفسير اليدين في قوله تعالى: ﴿ ﯢ ﯣ ﯤ…الآية﴾، يقول: «قال المؤل في تفسير قوله: ﴿ ﯤ﴾ [ص: 75]،(أي: توليتُ خَلْقَه، وهذا تشري لآدم ) عفا الله عنك أيها المؤل ! يقول: (توليتُ خَلْقَه ) فرار ا من إثبات اليد لله، و لا شك أن هذا تحري ، وألاب عن الإضافة في قوله ﴿ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [ص: 75]، بأن هذا تشري لآدم ، وإلا فكل مخلوق فإن الله قد تولى خَلْقَه. وبنا على كلام المؤل لا يبقى لآدم فضل على سائر المخلوقات مادمنا نُفسر: (خلقت بيدي) أي: توليتُ خلقه ، فإن الله تولى خلق بني آدم، وخلق الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فلم يبق لآدم فضل على أي أحد، بل لم يبقَ لآدم فضل على الشيطان الذي أبّ أن يسجد؛ لأن الشيطان تولىّ خلقه الله ؛ولهذا نقول إن المؤل : أخطأ في هذا، وأن معنى الآية: أن الله تعالى خلقَ آدم بيده ، (1 )أخرله : أحمد في مسنده: 151/ 4،(371)؛حسن لغيره، عبد الله بن لهيعة سي الحفظ، لكن الراوي عنه هنةا هةو قتيبة بن سعيد، وقد مش ى بعض أهل العلم حديثه عن ابن لهيعة؛ وذلةك لأنةه كتةب أحاديثةه مةن كتةاب ابةن وهةب ثم سمعها من ابن لهيعة، وكان ابن وهب ممن سمع منه قةديما قبةل اختلاطةه واحةتراق كتبةه، ينظةر: مسةند أحمةد: 2/ 611، وحس ن هذا الإسناد الهيثمي في (المجمع) 1/ 271 . (2 )تفسير سورة الصافات : 41 .
عدد الصفحات ٧٩الفصل الأول: القضايا البلاغية 80 وخلق غير آدم من الشياطين والملائك ة بكلمته، أي: بقول: كن، أما آدم فبيده، وهذا هو وله الميزة واعصيصة لآدم أن الله خلقه بيده»(1). ومن توليهاته البلاغية ما لا في إثبات رؤية الله والرد على من أنكر ذلك ، يقول - رحمه الله -: «﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾ [المطفف: 15]،أي حق ا إنهم عن ربهم لمحجوبون، وذلك في يوم القيامة، فإنهم يُُ جبون عن رؤية الله كما حُجبوا عن رؤية شريعته وآياته، فرأوا أنها أساطير الأولين . وبهذه الآية استدل أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله ،ووله الدلالة ظاهر فإنه ما حجب هؤلا في حال السخط إلا وقد مكن للأبرار من رؤيته تعالى في حال الرضا ، فإذا كان هؤلا محجوب ين، فإن الأبرار غير محجوبين ، ولو كان الحجب لكل منهم لم يكن لتخصيصه بالفجار فائدة إطلاق ا. ورؤية الله ثابتة بالكتاب، ومتواتر السنة، وإجماع الصحابة والأئمة ، لا إشكال في هذا أنه تعالى يُرى حق ا بالعين كما قال تعالى: ﴿ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾ [القيامة: 22]،وقال تعالى: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [يونس: 26]، وقد فسر النبي الزيادة بأنها النظر إلى وله الله تعا (2)،وكما في قوله تعالى : ﴿ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ﴾ [ق: 35]،والمزيد هنا هو بمعنى الزيادة في قوله : ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ [يونس: 26]،وكما قال تعالى : ﴿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [الأنعام: 113]،فإن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية ؛ ولهذا كانت هذه الآية مما استدل به السل على رؤية الله، واستدل به اعل على عدم رؤية الله، ولا شك أن الآية دليل عليهم ؛ لأن الله لم ين بها الرؤية وإنما نفى الإدراك ، ونفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية . فالحاصل أن القرآن دل على ثبوت رؤية الله حق ا بالع، وكذلك لا ت السنة الصحيحة بذلك»(3). وهنا يشير بل يؤكد على إثبات المحبة لله تعا ؛ إذ يقول: «إثبات المحبة، تؤخذ من (1) تفسير سورة ص : 238- 239 . (2 )أخرله : الشاشي في مسنده: 2/ 389،(991)، والشاميين في مسنده: 3/ 312،(2331 .) (3 )تفسير لز عم : 111- 112، ينظر: مجموع الفتاوى: 8/ 469 .
عدد الصفحات ٨٠الفصل الأول: القضايا البلاغية 81 قوله: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾ [النسا: 36]،فإذا قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات. فالجواب: أن نقول: لو كانت المحبة منتفية ولا تجوز على الله لم يكن لنفيها فا ئدة هنا، وعلى هذا فإنها تدل على إثبات المحبة لله، ومذهب السل وأهل السنة إثبات المحبة لله حقيقة، وأنه يُب »(1)،ثم يرد -رحمه الله تعالى - على من أنكر المحبة من المعطلة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن شابههم، الذين يقولون: إنه لا يمكن أن الله يُب، والمحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فيحب الرلل زولته ، ويُب ابنه، ويُب صديقه، ولا تناسب بين اعالق والمخلوق، فكي يُب الله شخصا؟ وهم يقولون: إن المراد بالمحبة في القرآن إرادة الثواب ، أو الثواب نفسه. فيقول -رحمه الله -: «إذا قلنا: هي إرادة الثواب فإرادة الثواب لا تكون إلا على شي محبوب، وهل يريد الله أن يثيب أحد ا وهو يكرهه؟ لا يمكن، إذ ا ما دمتم أثبتم الثواب فيلزمكم أن تثبتوا المحبة ؛ إذ لا يمكن أن تكون إرادة الثواب أو الثواب نفسه إلا على شي محبوب لله. و أما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فنقول: باطل، فقد ثبت عن النبي أنه قال: ((أُحد لبل يُبنا ونحبه))(2)،والجبل كومة من الأحجار والأتربة وغيرها ، فهو جماد، ومع ذلك قال: (يُبنا ونحبه) …»(3). ومن التوليه البلاغي توكيد الفعل بالمصدر ينفي المجا ز؛ كما في قوله تعالى: «﴿ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ [النسا: 164]،(كَ ل مَ ) فعلُ ماضٍ ، (الله) فاعلٌ ، (تكليما) مصدر مؤكد ، قال العلما ُ (علما اللغة) والتأكيد ينفي احتمال المجاز، يعني إذا كانت الكلمة تحتمل المجاز ثم أُ كِّ دت دل هذا على أنها ليست مجاز ا، و(تكليم ا) مصدر مؤكد ، و معنى ذلك أن الكلام هنا حقيقة أن الله كلم موسى كلام ا بحروف وأصوات حقيقية وسمعه موسى »(4). ومن توليهاته البلاغية -رحمه الله - الرد على من لعل آيات الصفات مجهولة المعنى ؛ (1 )تفسير سورة النسا : 313-314 . (2 )رواه: البخاري : 2/ 125،( 3855)؛ ومسلم: 2/ 1111،( 1393) . (3 )تفسير سورة الن سا : 1/ 315 . (4 )شرح التدمرية : 39 .
عدد الصفحات ٨١