الفصل الأول: القضايا البلاغية 50 لفظه نكرة كان غير ا ول، وإذا لم يكن ذاك لم يكن تكرار ا»(1). في حين أن الزركشي خال هذا الرأي ، فقال: «إن الجملة الثانية هنا تأكيد للأو لتقرير ها في النفس وتمكينها من القلب، ولأنها تكرير صريح لها ولا تدل على تعدد اليسر ، كما لا يدل قولنا : (إن مع زيد كتاب ا إن مع زيد كتاب ا) على أن معه كت ابين فالأصح أن هذا تأكيد»(2). ويبدو أن ما ذهب إليه الشيخ ابن عثيم ين -رحمه الله - وقبله ابن الزبير واعطيب الإسكافي هو الر أي الرالح ؛ فالعسر واحد لأنه تكرر وه و معرفة ، أما اليسر ف هو متعدد، فة(يسر) الثاني غير الأول؛ لأنه ورد نكرة ، ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث الشري . يقول الشيخ -رحمه الله - في تفسير سورة الصافات : «وقد لاتهم الر سل بالحجة، ولكن قالوا: ﴿ …ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الزخرف : 23]،وفي الآية الأخرى : ﴿ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ﴾ [الزخرف : 22]،فهم علموا أن آبا هم ضالُّ و ن، ومع ذلك بقوا على ما هم عليه، بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤ هم»(3) .وهنا يشير الشيخ إلى التشابه اللفظي بين الآيتين و نوعه اختلا ف بالإبدال بين: ﴿ﭥ﴾ و﴿ﰄ﴾. والتوليه أن يقال فيهما: «أن ما تقدم الآية الأولى حكاية قول كفار العرب المعاصرين لرسول الله والسامع منه القرآن المسمى هدى في غير موضع كقوله سبحانه: ﴿ ﭚ ﭛ ﴾ [البقرة : 2]،وقوله: ﴿ ﯧ ﯨ﴾ [الجاثية: 11]،وقوله: ﴿ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [لقمان: 3]،فلما دعاهم ليهتدوا بهديه قابلوا دعا ه بقولهم: إنهم مهتدون وإنهم ولدوا آ با هم على أمة، وإن ما ولدوهم عليه هدى ، فقالوا: ﴿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾ [الزخرف : 23]،أي: (1 )درة التنزيةةةةةةل : 3/ 1364، وينظةةةةةةر: تفسةةةةةةير الةةةةةةرازي : 6/ 23، وتفسةةةةةةير القةةةةةةرط: 21/ 117، وتفسةةةةةةير ابةةةةةةن كثةةةةةة : 4/ 525 . (2 )البرهان في علوم القرآن : 4/ 98 . (3 )تفسير سورة الصافات : 159 .
عدد الصفحات ٥٠الفصل الأول: القضايا البلاغية 51 على دين وإنا على آثارهم مهتدون كهديهم ، فلما دعاهم زعموا أنهم على هدى ، وهذا أبين تناسب. وأما الآية الثانية فحكاية أقوال قرون مختلفة، وقد ذكر تعالى من قول بعضهم: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﴾ [الأنبيا: 53]،وفي موضع آخر: ﴿ ﮱ ﯓ﴾ [الشعرا: 74]، …فهو اعتراف بتقليد، واتباع تعظيم لفعل آبائهم من غير ادعا شبهة ، فلم يكن ليطابق هذا إلا الوارد في قوله تعالى عنهم : ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [الزخرف : 23]،فجا كل على ما يناسب»(1). وعند قوله تعالى: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [البقرة : 95]،قال – رحمه الله -: «وفي سورة الجمعة، قال تعالى: ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﴾ [الجمعة: 7]،وذلك لأنهم يعلمون كذ ب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة »(2) .وفي هذا إشارة إلى التشابه اللفظي، و نوع التشابه هنا إبدال بحرف . والتوليه في هذا أن يقال: «إن(لن) تأكيد ا وتشديد ا ليس في (لا) فأتى مرة بلفظ التأكيد: ﴿ ﭣ ﭤ ﴾ [البقرة : 95]،ومرة بغير لفظه : ﴿ ﯗ ﯘ ﴾ [الجمعة: 7]»(3). ويتضح سبب تخصيص كل آية بحرف النفي الذي وردت فيه – أكثر- في توليه ابن الزبير ؛ إذ يقول: «خُصصت آية البقرة بقوله: (ولن يتمنوه)، وآية الجمعة بقوله: (ولا يتمنونه ) مع اتحاد الأخبار؟ ووله ذلك – والله أعلم – أن آية البقرة لما كان الوارد بينها لواب ا لحكم أُ خراوي يستقبل و ليس في الحال منه إلا زعم مجرد واعتقاد أن الأمر يكون كذلك ناسبه النفي بما وضعه من الحروف لنفي المستقبل؛ لأن لن يفعل لواب سيفعل، ولما كان الوارد في سورة الجمعة لواب ا لزعمهم أنهم أوليا الله من دون الناس وذل ك حكم دنياوي ووص حالي لا استقبال فيه ناسب ه النفي بلا التي لنفي ما يأتي من غير تخصيص (إلا) بغير الماضي ، وقد تتعاقب مع (ما) التي لنفي الحال»(4). (1 )ملاك التأويل: 2/ 1116-1117 . (2 )تفس سورة البقرة : 317 . (3 )تفسير الكشاف: 3/ 229 . (4 )ملاك التأويل: 1/ 227 .
عدد الصفحات ٥١الفصل الأول: القضايا البلاغية 52 وقال عند قوله تعالى: ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ [النسا: 87]: «فخبرُ الله أصدقُ الأخبار، وأخبر به عن نفسه: بخبر هو أصدق الأخبار؛ لقوله تعالى: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [النسا: 122]»(1). وقد يسأل سائل : لمَِ لي بالتميي ز مختلف ا فقيل في الأولى (حديث ا) وفي الثانية: (قيلا ) فخول في العبارة مع وحدة المعنى ؟ و التوليه في ذلك، كما ذكره ابن الزبير ، قائلا : «إن التعبير الثاني مبنى على ما يجب ربطه به من قوله: ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [النسا: 122]،وقيل: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [النسا: 122]،وأنيب مناب (وعدا) فكأنه قد قيل: ومن أصدق من الله وعدا؟ وهو ما وعدهم به تعالى من النعيم وعظيم الإحسان، فجي بلفظ يوازن المصدر ين قبله وهما (وعدا) و(حقا) ويشابههما في اعفة، فسكون عين الكلمة وعدد حروفها كالمصدرين قبلها، وكأنه إنما أريد تكرار المصدر بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب ، وعادة العرب في ذلك التكرارُ ، فعدل إلى ما يجاريه ويُرز المعنى، ولتُ جرى المصادر الثلاثة مجرى واحدا خفة ووزن ا إحرازا للتناسب والتلاؤم. ولما لم يتقدم في الآية الأولى ما يستلزم هذا وإن قوله تعالى: ﴿ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [النسا: 87]،إخبار وحديث عن البعث بعد الموت وجمع اعلق لحسابهم ومجازاتهم على اعير والشر فهو إخبار وإنبا ، ومثله ما ورد في قوله تعالى إخبارا عن قول منكر ي البعث: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾ [سبأ: 7]،فالإنبا هنا هو ذلك اعبر الصدق منه تعالى بقوله: ﴿ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [النسا: 87]،فقد وضح ورود كل واحدة من الآيتين على ما يناسب ويلائم»(2). يقول – رحمه الله - في فوائد الآيات: «إن إبليس ملعون لقوله: ﴿ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾ [ص: 78]،وفي آية أخرى : ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [الحجر: 35]،فهل (1 )تفس سورة آل عمران : 1/ 413 . (2 )ملاك التأويل: 1/ 452 .
عدد الصفحات ٥٢الفصل الأول: القضايا البلاغية 53 نقول: إن اللعنة المطلقة في قوله: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [الحجر: 35]،هي المقيدة في قوله هنا: ﴿ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ [ص: 78]،أو نقول: إن اللعنة هناك أعم، فعلى إبليس لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، يُتمل هذا وهذا، ويُتمل أن نأخذ بالمطلق؛ لأنه أعمّ ، ويُتمل أن نحمل المطلق هناك على المقيد هنا»(1). وفي هذا إشارة إلى المتشابه اللفظي بين الآيتين، وقد تشابهتا في السياق، وفي التعري لة(اللعنة) إلا أن (اللعنة) في سورة (ص) لا ت معرّفة بالإضافة، والأخرى في سورة (الحجر) معرفة بة(أل). وسبب ذلك عند ابن الزبير أنه قال في سورة (ص): ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [ص: 75]،فكانت إضافة اللعنة إلى يا المتكلم مناسبة لإضافة اليدين إليه، ولما لم ي كن كذلك في الحجر قال (اللعنة)(2) .وقد سبقه إلى هذا الرأي اعطيب الإسكافي(3) .فالمناسبة عندهما لفظية. «ثم إنه في قصة(ص) ذكر نفسه أكثر مما في الحجر، فإنه ذكر نفسه في (ص) ست مرات وفي الحجر ثلاث مرات . قال في الحجر: ﴿ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾ [الحجر: 29]،وقال في (ص) مثل ذلك وزاد عليه قوله : ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [ص: 75]،وقو له: ﴿ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ [ص: 78]،فكان كل تعبير م ناسب ا لجو القصة التي ورد فيها»(4). وقال الشيخ – رحمه الله -: «حسن بلاغة القرآن حيث قا ل هنا: ﴿ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ [النسا: 91]،وهناك في الآية الأولى، قال: ﴿ ﮕ ﮖ﴾ [النسا: 89]؛لأن اختلاف الألفاظ يؤدي إلى النشاط، واتفاقها يؤدي إلى الملل غالب ا»(5). (1 )تفس سورة ص: 249 . (2 )ينظر: ملاك التأويل: 2/ 587 . (3 )ينظر: درة التنزيل : 2/ 816 . (4 )التعبير القرآني للدكتور : فاضل السامرائي : 318 . (5 )تفس سورة النسا : 2/ 67 .
عدد الصفحات ٥٣الفصل الأول: القضايا البلاغية 54 المبحث الثالث: المجاز: تعريفه لغة : يطلق المجاز في لغة العرب ويراد به التعدي والانتقال ، من (لَازَ ): إذا تعدى وانتقل من مكانٍ إلى آخر(1). وقال ابن فارس : «والجيم والواو والزاي أصلان، أحدهما قطع الشي ، والآخر وسط الشي …»(2). قال الليث: «لزت الطريق لواز ا ومجاز ا، والمجاز الموضع وكذا ا لمجازة …وعن الأصمعي: لزت الموضع سرت فيه ، وألزته خل فته وقطعته، وأولزته أنفذته »(3). وفي الصحاح : «وتجو ز في كلامه أي تكلّم بالمجاز ، وقولهم: لعل فلان ذلك مجاز ا إلى حالته أي طريق ا ومسلك ا»(4). والمجاز في الاصطلاح: هو: «ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضعالذي وقع فيه التخاطب، لعلاقة بين الأول والثاني»(5). ويُقسم البلاغيون المجاز إلى لغوي، وعقلي: أما المجاز اللغوي فهو: «الكلمة المستعملة في غير ما وُضعت له في اصطلاح التخاطُب على وله يصحُّ ، مع قرينة عدم إرادته »(6). والعلاقة قد تكون المشابهة بأن تصلح أن تكونوله شبه بين المعنى الأصلي الذي وضعت له الكلمة والمعنى المجازي الذي استعملت فيه . وإذا كانت العلاقة المشابهة سمي هذا النوع من (1 )لسان العرب (لوز). (2 )مقاييس اللغة: 1/ 494 . (3 )تهذيب اللغة: 11/ 148-149 . (4 )الصحاح: 3/ 871-871 . (5 )الطراز : 1/ 32 . (6 )الإيضاح: 2/ 12، ، شرح : د. محمد خفالي، وينظر: شروح التلخيص : 4/ 21-26 .
عدد الصفحات ٥٤الفصل الأول: القضايا البلاغية 55 المجاز استعارة (1) .وقد تكون العلاقة غير المشابهة، بحيث لا تولد مشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، وهذا النوع يسمى المجاز المر سل(2). وسمي بالمجاز المرسل ؛ لأنه أطلق عن التقييد بعلاقة مخصوصة، أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المطلوبة في الاستعارة ، وهي المشابهة؛ إذ ليست العلاقة فيه بين المعنيين المشابهة حتى يدعى اتحادهما، ولأن الإرسال في اللغة بمعنى : الإطلاق(3). وقد توسع العلما في بحث المجاز المرسل وجمعوا له علاقات كثيرة (4)،أوصلها السبكي إلى ما يقرب من أربعين علاقة (5). وأما المجاز العقلي فيكون في الإسناد، ونسبة الشي إلى غير ما هو له. وله أسما عديدة، منها: المجاز في الإسناد، و مجاز الملابسة، و المجاز الحكمي، و المجاز النسبي، و المجاز في الإثبات، و المجاز العقلي، وهو أشهرها (6). وللمجاز العقلي علاقات كثيرة –أيض ا- بين المسند والمسند إليه ، منها: الفاعلية، والمفعولية، والمصدرية ، والزمانية ، والمكانية، والسببية، وغيرها(7). موقف العلماء من المجاز: انقسم العلما في المجاز إلى ثلاثة أقسام: 1- منيثبت وقوعه في القرآن الكريم واللغة : وهو مذهب جمهور العلما ، والمفسرين ، والأصوليين، و اللغويين، و البلاغيّين، وغيرهم؛ بل حكى الإجماع على ذلك يُيى بن حمزة (1 )ينظر: الإيضاح: 2/ 22، شرح : د. محمد خفالي. (2 )السابق: 2/ 16 . (3 )ينظر: حاشية الدسوقي (شروح التلخيص ): 4/ 29، والبيان في ضو أساليب القرآن، لعبد الفتاح لاشين: 157 . (4 )ينظر: البرهان: 2/ 254-299، والإيضاح: 4/ 233-239، ، شرح : د. محمد خفالي، والمطول: 575 . (5 )ينظر: عروس الأفراح (شروح التلخيص ): 4/ 29-31 . (6 )ينظةةةةر: المطةةةةول: 57، مواهةةةةب الفتةةةةاح: 1/ 231، وحاشةةةةية الدسةةةةوقي (شةةةةروح التلخةةةةيص ): 1/ 231، وخصةةةةائص التراكيب: 155، وعلم المعاني، لفيود: 1/ 61، وعلم البيان: 145 . (7 )ينظر: شروح التلخيص : 1/ 235، وعلم البيان: 149 .
عدد الصفحات ٥٥الفصل الأول: القضايا البلاغية 56 العلوي في كتابه (الطراز )(1). 2- من ينفي وقوعه في القرآن الكر واللغة، وينةزههما عنه: وقد ذهب إلى ذلك أبو علي الفارسي ، و أبو إسحاق الإسفراي يني، وتبعه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه ابن القيم(2). 3- من ينفي وقوعه في القرآن الكريم مع ثبوته في اللغة ، وهم بين الفريقين الأولين : وقد ذهب إلى ذلك داود الظاهري ، وابنه محمد، وابن القاصّ الشافعي، ومنذر بن سعيد البلوطي، وابن خويز منداد المالكي، وابن حامد الحنبلي، ومن المعاصرين الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي(3). المجازعند ابن عثيمين: صرح الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بأن له رأيين في المجاز : الأول: لواز إطلاق المجاز في اللغة والقرآن . الثاني: رد إطلاق المجاز في اللغة والقرآن ومنعه ؛ وهو ما رلحه ، حيث قال -رحمه الله- في شرح الأصول من علم الأصول : «ونحن وضعنا في هذا الكتاب الحقيقة والمجاز، وهو من تأليفنا؛ لكنْ إنما وضعناه قبل أن يتبين لنا بيان ا واضح ا أن المجاز ليس بمولود. وعذر ثان وهو: أنهم وضعوا لنا خطة لتصني منهج معين للمعهد، و سرنا على هذه اعطة، وقد نبهتهم أن يكتبوا تنبيه ا: إنما كان تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ، بنا على ما عليه أكثر الأصوليين المتأخرين ، وقد رلح شيخ الإ سلام ابن تيمية وابن القيم أنه ليس هناك مجاز، وقد أرسلت تن بيه ا بهذا الشأن إلى من تولى إخراج متن الكتاب للطبعة الأولى ولكن فاتهم (1 )ينظر: الطراز : 1/ 46 . (2 )ينظر: الإبهاج شرح المنهاج للتاج سبكي :1/296، وجمع الجوامع حاشية العطار :1/296، وكتاب الإيمان :85، ومختصر الصواعق المرسلة : 2/242-243 . (3 )ينظةةر: الإتقةةان في علةةوم القةةرآن للسةةيوطي : 4 /1517،و منةةع المجةةاز في المنةةزل لل تعبةةد والإعجةةاز للشةةيخ محمةةد الأمةةين الشنقيطي: 6-8،الحقيقة والمجاز في القرآن لع لةي حسةين: 5-21، المجةاز في اللغةة والقةرآن الكةريم بةين مجوزيةه ومانعيةه للدكتور : عبد العظيم إبراهيم المطعني: 1/ 589 .
عدد الصفحات ٥٦الفصل الأول: القضايا البلاغية 57 تدارك الأمر . والإنسان قد يتبدل رأيه …»(1). وقال -رحمه الله-: «وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمه ما الله- أنه اصطلاح حادث بعد انقضا القرون الثلاثة المفضلة، ونصراه بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب»(2). وبنا على هذا اعلاف في رأي الشيخ -رحمه الله- في المجاز بين الق ديم والجديد نجد الشيخ أثنا تناوله للشواهد بالشرح وال توضيح دائر ا بين منهجين: الأول: المنهج النظري ؛ وفيه يُنظِّر لمنع المجاز في القرآن الكريم واللغة، ويسير في تفسيره لبعض الآيات وفق هذا المنهج التنظيري. الثاني: المنهج التطبيقي؛ وفيه يذكر علاقات المج از وأنواعه أثنا تناوله لتفسير الآيات، مما يدل على أن القول بالمجاز ضرورة ، وأن الإنسان لا يمكن أن يتخلص من أساليبه. أولا: في منعه للمجاز: الشيخ -رحمه الله - يسلم تسليم ا مطلق ا بظاهر كل ما وص الله تعالى به نفسه دون تحري أو تكيي أو تمثيل؛ وكان من أبرز ذل ك استوا الله على العرش، فهو يتبع فيها مذهب السل الصالح الذي عبر عنه الإمام مالك -رحمه الله - بقوله لرلل سأله عنه : «الاستوا معلوم، والكي مجهول، و السؤال عنه بدعة، وأرا ك رلل سو »(3) .وا كان التأويل يقوم أساس ا على المجاز أنكر الشيخ ابن عثيمين وقوعه في اللغة، وتبع ا لذلك أنكر وقوعه في القر آن الكر يم؛ فقد قال -رحمه الله- في حديث: ((الأبرص و الأقرع و الأعمى))(4) :«وإثبات صفة الرضا لله لا يقتضي انتفا صفة الحكمة، بخلاف ر ضا المخلوق، فقد تنتفي معه الحكمة…ومن فسّر الرضا بالثواب أو إرادته ؛ فتفسير ه مردود ع ليه، فإنه إذا قيل: إن معنى (رضي )؛ أي: أراد أن (1 )شرح الأصول من علم الأصول: 119-121 . (2 )السابق: 137 . (3 )رواه اللالكةةةائي في شةةةرح أصةةةول اعتقةةةاد أهةةةل السةةةنة والجماعةةةة: 664، والبيهقةةةي في الأسمةةةا والصةةةفات: 867، وقةةةال الحافظ في الفتح: 13/ 417 إسناده ليد. (4 )أخرله : البخاري : 1/ 1679،(3464)،ومسلم: 4/ 2275،(2964 .)
عدد الصفحات ٥٧الفصل الأول: القضايا البلاغية 58 يثيب، فمقتضاه أنه لا يرضى ، ولو قالوا: لا يرضى لكفرو ا؛ لأنهم نفوها نفي لحو د؛ لكن أولوها تأويلا يستلزم لواز نفي الرضا ؛ لأن المجاز معناه نفي الحقيقة، وهذا أمرٌ خطير لدا . و لهذا بينّ شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة ، خلافا لمن قال: كل شي في اللغة مجاز»(1) .وهاهنا يتضح السبب الأول في منعه المجاز – كما ذ كرت - وهو رفضه التأويل المجازي في أسما ا لله وصفاته. ويتضح السبب الآخر من منعه المجاز من خلال الشاهد التالي: ففي شرحه للعقيدة السفارينية يذكر توليه ه لبيت الناظم الذي يقول: مةةةةةةةةةةةةةةةنْ رَ حمَْةةةةةةةةةةةةةةةةٍ وَ نحَْ وِ هَةةةةةةةةةةةةةةةا كوَ لْ هِةةةةةةةةةةةةةةةهِ ويَةةةةةةةةةةةةدِ هِ وَ كُةةةةةةةةةةةةلِّ مَةةةةةةةةةةةةا مِةةةةةةةةةةةةنْ نةَ هْ جِةةةةةةةةةةةة هِ «قوله -رحمه الله-: (ويده) يعني وكذلك نؤ من بيد الله بدون تمثيل…هل اليد حقيقة أو مجاز؟ وقبل أن نجيب لا بد أن نعرف أنه ليس في ال قرآن مجاز أص لا ؛ وذلك لأن من أبرز علامات المجاز لواز نفيه، وليس في القرآن شي يجو ز نفيه أبد ا، فمثلا إذا قلت: رأي ت أسد ا يُمل حقيبته ويُفظ درسه . فة(أسد) هنا أعني به طالب ا شجاع ا. فإذا قال لي المخاطب: هذا ليس بِأَسدٍ بل هذا بشر، فإنه يصح ك لامه. إذ ا فهنا قد نفينا وصح الكلام، وعلى ذلك فالمجاز يصح نفيه. لكن ليس في القرآن شي يصح نفيه . وهذا دليل و اضح على ذلك ، وعليه اعتم د الشنقيطي -رحمه الله - في كتابه : (منع المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز في القر آن)، و لكن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - ذهبا إلى أبعد من ذلك، وقالا: ليس في اللغة العربية كلها مج از، والمجاز الذي ادعاه من ادعاه طاغوت أرادوا به أن يُرفوا آيات الصفات وأحاديثها عما أراد الله بها ورسوله ، ولهذا عنون ابن القيم -رحمه الله - في النونية على هذه المسألة فقال: «فصل في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت»،يعني المجاز الذي كانوا يلهجون به ويُتجون به وعلى العكس من ذلك فقد رأيت كلام ا لبعض أهل اللغة نقله ابن القيم. أيض ا في (الصواعق المرسلة )، يقولون: جميع الكلام في اللغة العربية مجاز، (1 )القولالمفيد على كتاب التوحيد : 2/ 297 .
عدد الصفحات ٥٨الفصل الأول: القضايا البلاغية 59 وليسفيه حقيقة، فإذا قيل: إن زيد ا قائم، قالوا: إن زيد ا قائم، ليس حقيقة؛ لأنه لا يقع الفعل على نفس الجملة، بل يقع على مدلولها. وكذلك قولنا: خلق الله الإنسان، قالوا: ليس هذا القول حقيقة بل مجاز، وهكذا يأتون بأشيا يضحك منها المجنون لا العاقل. وعلى كل حال فإننا نقول: ليس في القرآن مجاز، بل ولا في ا للغة العرب ية مجاز؛ لأن المجاز أبرز علاماته أنه يصح نفيه، ومن المعلوم أن الكلمة في مكانها ومعناها الذي دلت عليه وضع ا أو بقرينة لا يمكن ن فيها»(1). يقول في حديث النبي في أُحد: ((هذا لبل يُبنا و نحبه))(2) .«وبهذاالحديث نعرف الرد على المثبتين للمجاز في القرآن ، والذي يرفعون دائم ا عَلَ مَهُم مستدلين بهذه الآية: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ [الكه: 77]،يقول: كي يري د الجدار؟! فنقول: يا سبحان الله العليم اعبير يقول: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ [الكه: 77]،وأنت تقول: لا يريد ! أهذا معقو ل؟ فليس من حقك بعد هذا أن تقول: كي يري د؟! وهذا يجعلنا نسأل أنفسنا: هل نحن أوتينا علم كل شي ؟ فنجيب بالقول بأننا ما أُوتينا من العلم إلا قليلا . فقول من يعلم الغيب والش هادة: ﴿ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ [الكه: 77]،لا يسوغ لنا أن نعترض عليه، فنقول: لا إرادة للجدار ! ولا ي ريد أن ينقض! وهذا من مفاسد المجاز؛ لأنه يلزم منه نفي ما أثبته القرآن »(3) .و يولد في القرآن الكريم ما يصح نفيه، لأنه لو صح نفيه لقلنا: إن في القرآن الكريم ما هو كذب ؛ وهو من أسباب رفض المجاز لدى منكريه . ويقول -رحمه الله - في رده على من أنكر صفات الله بعد أن أثبت عدة صفات لله : «…إغير ذلك من الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه ، أو على لسان رسوله وهم ينكرون أن تكون لله وكلام رسوله ،وإذا ك انت هذه النصوص مجاز ا بإقرارهم ، فإن (1 )شرح العقيدة السفارينية : 253-256 . (2 )أخرله : البخاري : 3/ 1519،(2736)،ومسلم: 2/ 993،(1365 .) (3 )شرح العقيدة الواسطية: 1/ 439-441، وينظر: شرح صحيح البخاري : 3/ 533 .
عدد الصفحات ٥٩الفصل الأول: القضايا البلاغية 60 من أبرز علامات المجاز صحة نفيه فيكون نفيها سائغ ا على زعمهم مع أن الله أ ثبتها لنفسه»(1). فالمثبتون للمجاز، يقو لون: إن المجاز يصح نفيه، وهو دليل من أدلة ثبوته، ولكن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - الذي ينفي ولوده في القرآن الكريم ؛ يستدل بهذه الكلمة على استحالته في كتاب الله تعالى ، فيقول: المجاز يصح نفيه، ولا شي في كتاب الله يصح نفيه ؛ فالمجاز لا يقع في كتاب الله . ويسترسل في الحديث -رحمه الله - في منعه للمجاز، موضح ا ومستشهد ا بالآية الكريمة في سورة يوس ، فيقول: «وربما أورد علينا قول الله تعالى: ﴿ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [يوس: 82]،فقيل: أليس هذا مجازا؟ وهل القرية تُ سأل؟ فنقول: إن هذا ليس مجاز ا؛ لأن المخاطب يعرف المعنى ، ولو أرد ت أن تحول القرية إلى الجدرا ن والبيوت لقيل: إنك مجنو ن. وأولاد يعقو ب لما قالوا: ﴿ ﮚ ﮛ ﴾ [يوس: 82]،ما كانوا يريدو ن من أبيهم ولا يمكن أن يفهم أبوهم أنهم يريدون أن يذهب إلى القرية ويق عن د كل لدار ويسأله هل سرق ابني؟ أبدا، ما كانوا يريدون هذا ولا خطر ببا لهم، ويعقو ب أيض ا يفهم أنهم لم يريدوا هذا، فإذا كان المتبادر من هذا السياق أن المراد سؤال من يصح توليه السؤال إليه ، بقي الكلام حقيقة. فالأصل إذ ا في الكلام الحقيقة ، حتى عند القائلين بأ ن هناك حقيقة ومجازا ، يرون أن الأصل في الكلام الحقيقة، ونحن إذا حملنا النصوص في اليد على حقيقتها لم يلزم م نها محظور، لا في ذات الله ولا في صفاته ، فليس هناك محذور في أن نقو ل: لله يد حقيقية بها يأخذ و يقبض ويبسط، ولكنها لا تشبه أيديَ المخلوقين»(2). و قوله تعالى: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ [البقرة : 19]،يقول -رحمه الله-: «قوله تعا : (1 )مجموع الفتاوى : 1/ 275 . (2 )السابق: 254-256 .
عدد الصفحات ٦٠الفصل الأول: القضايا البلاغية 61 ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾، هذا وقد قيل: إن في الآية مجاز ا من ولهين ؛ الأو ل: أن الأصابع ليست كلها تجعل في الأذن ؛ و الثاني: أنه ليس كل الأصبع يدخل في الأذن؛ والتحقيق: أنه ليس في الآية مجاز؛ أما الأول: فلأن (أصابع) جمع عائد على قوله تعالى: ﴿ ﭲ﴾، فيكون من باب توزيع الجمع على الجمع - أي يجعل كل واحد منهم أصبعه في أذنه؛ وأما الثاني: فلأن المخاطب لا يمكن أن يفهم من لعل الأصبع في الأذن أن جميع الأصبع تدخل في الأذن؛ وإذا كان لا يمكن ذلك امتنع أن تحمل الحقيقة على إدخال جميع الأصبع؛ بل الحقيقة أن ذلك إدخال بعض الأصبع؛ وحي نئذ لا مجاز في الآية؛ على أن القول الرالح أنه لا مج از في القرآن أصلا؛ لأن معاني الآيات تدرك بالسياق ؛ وحقيقة الكلام ما دل علي ه السياق و إن استعملت الكلمات في غير أصلها؛ وبحث ذلك مذكور في كتب البلاغ ة، وأصول الفقه»(1). ومن الشاهدين السابقين يتبين لنا أن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- يسلك مسلك ابن تيمية وابن القيم(2)،ويشير – رحمه الله - أن من علامات المجاز صحةَ نفيه و ليس في القرآن ما يصح نفيه، وأن المجاز لا مكان له في القرآن الكريم ولا في اللغة العر بية؛ وأن المعنى يُفهم من السياق دون اللجو للقول بالمجاز، كما في قوله تعالى : ﴿ ﮚ ﮛ ﴾ [يوس: 82]، فالمعنى واضح، وهو أن المقصود من السؤال هم أهل القرية وليس من العقل مخاطبة القرية ؛ أي أن ذلك على وله الحقيقة ؛ و المخاطب يعلم أن المقصود بالسؤال هم أهل القرية ، إذن لا داعي للقول بالمجاز هنا، وبالتالي نفي وقوعه. وفي قوله تعالى: ﴿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾ [الكه: 77]،قال: «﴿ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ أي: إنه مائل ير يد أن يسقط، فإن قيل: هل للجدار إرادة ؟ فالجواب: نعم له إرادة ، فإن ميله يدل على إرادة ا لسقوط، ولا ت تعجب أن كان للجماد إرادة فها (1 )تفس سورة البقرة : 1/ 67-68 . (2 )ينظر: كتاب الإيمان لابن تيمية: 86-87، ومختصر الصواعق لابن القيم: 2/ 243-287 .
عدد الصفحات ٦١الفصل الأول: القضايا البلاغية 62 هو(أحد) قال عنه النبي :إنه ((يُبنا ونحبه))(1)،والمحبة وص زائد على الإرادة ، أما قول بعض الناس الذين يجيزون المجاز في القرآن : إن هذا كناية ، وأنه ليس للجماد إرادة فلا وله له)(2). في حديث مَنْ سب الدهر؛ فقد آذى الله: ((يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر و أنا الدهر؛ أقلب الليل والنهار))(3) .قال الشيخ: «قوله: (وأنا الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه ، لقوله تعالى: ﴿ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [آل عمران : 141]،ولقو له في الحديث: ((أقلب الليل والنهار))، والليل والنهار هما الدهر. ولا يقال بأن الله هو الدهر نفسه، ومن قال ذلك، فقد لعل اعالق مخلوق ا، والمقلِّب بكسر اللام مقل با بفتح اللام. فإن قيل: أليس المجاز ممنوع ا في كلام الله وكلام رس وله وفي اللغة؟ أليب: إن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن ، وهنا في الكلام محذوف تقديره : وأنا مقلب الدهر؛ لأنه فسره بقوله : (أقلب الليل والنهار)، والليل والنهار هما الدهر؛ ولأن العقل لا يمكن أن يجعل اعالقَ الفاعلَ هو المخلوقَ المفعولَ ، و المقلِّ ب هو المقل ب، وبهذا عرف خطأ من قال : إن الدهر من أسما الله…»(4). ويقسم الشيخ ابن عثيم-رحمه الله- العلما في قبول المجاز وإنكاره في القرآن ال كريم واللغة، ضاربا الأمثلة على ذلك ، فيقول: «المجاز هل هو مولود في اللغة أو لا؟ من العلما من أنكر أن يكون مولود ا في اللغة، وحُجتُه أن المعنى إنما يُعيِّ نه السياق وقرائن الأحوال، وأن الكلم ات نفسها ليس لها معنى ذاتي ، بل هي بحسب التركيب ، وإذا كانت بحسب التر كيب صار الذي يُعين المعنى هو السياق، وإذا تعين المعنى فهذا هو الحقيقة، فإذا قلت: (رأي تُ أسد يُمل سيف ا) هل يمكن لأيّ واحد يسمع هذا الكلام أن يشتبه عليه الأسد الحقيقي بالأسد الشجاع ، أو لا يمكن؟: لا يمكن، إذ ا هو حقيقة، هذا اللفظ مستعملٌ حقيقة في موضعه بقرين ة الحال، لكن لو قلت: (رأيت أسد ا) فهنا لا يمكن أن يراد به الرلل الشجاع ؛ (1 )أخرله : البخاري : 3/ 1519، (2736)،ومسلم: 2/ 993،(1365 .) (2 )تفس سورة الكه : 121 . (3 )أخرله : البخار ي: 4/ 1825،(7153)، ومسلم: 4/ 1762،(2246 .) (4 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 2/ 245-246 .
عدد الصفحات ٦٢الفصل الأول: القضايا البلاغية 63 لأن الكلمة موضوعة في الأصل للحيوان المفترس المعروف، فتُ حملُ عند عدم القرينة على ما وضعت له أو لا ، وهذا الذي حققه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وأطال فيه في كت اب (الإيمان)، و عصّه تلميذه ابن القيم و قرّبه إلى الأفهام بكتابه (الصواعق المرسلة على الجه مية والمعطلة). على كل حال يرى هؤلا ال علما أنه لا مجاز في اللغة مطلق ا، حُجتهم أن المعنى يعينه السياق، و أن الكلمة بسياقها لا يمكن أن يُراد بها إلا ما سيقت له وهذا هو الحقيقة. ومنهم من يرى أن المجاز في اللغة واقع، وفي القرآن ممن وع، كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: فإنه أل رسالة تدل على أن المجاز مم نوع في القرآن ، لكنه مولود في ال لغة العربية ، حجته في ذلك يقول: إن من علامات المجاز لواز نفيه، ولاشي في القرآن يجو ز نفيه، فبطل أن يكون في القرآن مجازٌ ، مثال ذلك لو قلت: (رأيت أسد ا يُمل سيفا) يجو ز لأي واحد أن يعارك ويقول : (هذا ليس بأسد، هذا رلل شجاع )، فمن علامات المجاز صحة نفيه، وليس في القرآن ما يصح نفيه. لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام -رحمه الله- أقرب إلى الصواب، مادمنا نقول: (إن المعنى تابعٌ للسياق وقرائن الأحوال)؛ فإنه لا مجاز فيه، ولهذا نجدُ الفرق حتى في نبرات الصوت، لو قلت لواحد: (اسكت) – بهدو - وآخر: (اسكت) بشدة -؛ يُفهم من الأول: الأمر بالسكو ت بطمأنينة، ومن الثاني: الزلر بشدة ، مع أن الاختلاف في الأدا فقط، فالمعاني تُعيِّ نها السياقات والقرائن . لكن الجمهور على ثبوت المجاز في القر آن وفي اللغة العربية ، فلننظر ما هو المجاز عندهم؟ »(1) . ثاني ا: في تطبيقه للمجاز: من شواهد تطبيقه للمجاز مايأتي: في قوله تعالى: ﴿ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ [يس: 31]، يقول-رحمه الله -: «(على العباد ) المراد بالعباد هنا ا لعبودية العامة ، وليست اعاصة ؛ لأن العبودية خاصة لا تحسر على أهلها، وقد تقدم أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية عامة وخاصة ، فإن قيل: العبودية العامة أيدخل فيها غير المكذبين؟ فالجواب أن نقول: العبودية هنا (1 )شرح دروس البلاغة: 117 .
عدد الصفحات ٦٣الفصل الأول: القضايا البلاغية 64 عامة، لكنه عام أريد به اع صوص، وهم المكذبون للرسل ، قال المؤل (للال الدين المحلي): «ونداؤها مجاز» يعني ليس حقيقة؛ لأن الندا حقيقة إنما يوله إلى من يعقل، وما لا يعقل فليس نداؤه على سبيل الحقيقة، ولهذا قالوا في قول الشاعر: أَ لا أيةُّ هَةةةةةةةا ال ليْةةةةةةةلُ الط وِ يةةةةةةةلُ ألاَ انجَْ لِةةةةةةةيْ بِ صُةةبْ حٍ وَ مَةةا الإصْةةبَ احُ مِ نْةةكَ بِ أَ مْ ثَةةلِ (1) إن هذا ي راد به التمني، وليس الندا بمعنى طلب الحضور ؛ لأن الليل لا يعقل، فالندا حقيقة إنما يوله لم ن يعقل، وإذا وله لمن لا يعقل صار له معنى آخر على سبيل التجو ز، والمعنى أنه لعل غير العاقل كالعاقل، كأن الحسرة شي يأتي ويذهب …»(2) .وهنايشر إلى إنكاره لقول المؤل وتابع تفسير الآية بما تحتمله من مجاز. في قوله تعالى: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ [آل عمران : 41]،قال الشيخ: «وقوله ﴿ ﭽ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة، واردٌ في القرآن : ﴿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [يوس: 36]،يعني أعصر عنبا يكون خمر ا؛ لأن اعمر لا يعصر، فعبر عن الشي بما يؤول إليه»(3). فالشيخ هنا و إن لم يستعمل مصطلح المجاز فإنه يذكر تحليلات أهل المجاز وتعليلاتهم. ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ [آل عمران : 93]،فبعد أن ذكر الشيخ أن في: ﴿ ﭲ ﴾ قرا ت ين، وفصّ ل الحديث في القرا ات قال: «أما بالنسبة للفرق بين (تنةُ زّل) و(تةُ نةْزَل) فلا فرق ، لأن التوراة نزلت جملة واحدة ، سوا أقيل (تنّ زل) أم (تنزَل)، أما القرآن فإنه نزل مفرق ا، فإذا لا : (نزّلنا عليك) فالمراد نزوله شيئ ا فشيئ ا، وإذا قيل: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [القدر: 1]،فالمراد : يعني ابتدأنا إنزاله . وإذا قيل: ﴿ (1) البيت لامرئ القيس، ديوان امرئ القيس : 147 . (2 )تفس سورة يس: 116-117 . (3 )تفس سورة آل عمران : 1/ 244 .
عدد الصفحات ٦٤الفصل الأول: القضايا البلاغية 65 ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [النحل: 44]،فباعتبار أنه سيكون تام ا، وبتمامه يكون قد نزل كله »(1) . وهذا كالذي قبله . وقال عند قوله تعالى: ﴿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [البقرة : 43]،من فوائد الآيات: «لواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: ﴿ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [البقرة : 43]»(2). ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾ [آل عمران : 177]،حيث قال: «قوله: (إن الذين اشتروا الكفر): أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة تباع و تشترى، فالاشترا هنا بمعنى الاختيار و ترك الطرف الآخر . يقول بعض علما البلاغة: في هذه الجملة مجاز بالاستعارة المكنية، أو الاستعارة التصر يُية التبعية، فإنه شبه الكفر بالسلعة التي تباع وتشترى ، وحذف المشب ه به ورمز له بشي من لوازمه وهو الشرا ، هذا على أنها مكنية، وتصريُية تبعية معناها: أنها تجري مجرى الاستعارة بالفعل أو اسم الفا عل، يعني با لشي المشتق، فهنا (اشتروا) بمعنى اختاروا، فشب ه الاختيار بالشرا ، ثم اشتق من لفظ الشرا (اشتر وا) على سبيل الاستعار ة التصريُية التبعية»(3) .فنقلُه عن بعض علما البلاغة، وعدمُ تعقّ بِه يدل على أنه يقول بذلك القول. وقال عند قوله تعالى: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾ [آل عمران : 182] :من فوائد هذه الآية: «لواز إطلاق البعض على الكل إذا ولدت قرينة تدل عليه؛ لقوله: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﴾، فاليد بعض من الإنسان لكن (القرينة ) تدل على أن المراد الكل يعني (بما قدمتم)، ونظيرها في صفات الله قوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ [يس: 71]،هل نقول: إن الله خلق الإبل مثلا بيده كما خ لق آدم؟ الجواب: لا، فيكون المراد : ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ أي: مما عملنا؛ لأن الله لم يخلق الإبل بيده كم ا خلق (1 )السابق: 1/ 533 . (2 )تفس سورة البقرة : 1/ 157 . (3 )تفس سورة آل عمران : 2/ 464-465 .
عدد الصفحات ٦٥