المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البلاغة القرآنية في تفسير الشيخ ابن عثيمين دراسة وتقويما

رانية بنت عبد الله بن عبد العزيز العسكر

صفحة ٣ من ٢٣

الفصل الأول: القضايا البلاغية 34 نملها أبدا، وهذا على عكس أي كلام آخر ، فلو قَ ر أت قطعة من أحسن قصيدة من قصائد العرب وكررتها في اليوم مرتين فإنك تمل ، ثم لا تلبث أن تحس وكأنها شي خَ لِ ق، أما هذا القرآن فإنك مهما كررته لا تمله ، وربما إذا وفقك الله للتدبر أن يفتح الله عليك في المرة الثانية من المعاني واللطائ ما لم تجده في المرة الأولى »،ثم يضي الشيخ أيضا أن من ضمن الإعجاز أثره على القلب : «وكذلك أيض ا في تأثيره على القلب ، فإن الإنسان إذا قرأه بتدبر فإنه يلين القلب، ويوله الإنسان إلى ربه ، ويولد طعم ا عجيب ا للإيمان»(1). ونرى الشيخ يفاضل في ولوه الإعجاز فأولها عنده هي : 1- نظم القرآن وأسلوبه . 2- تأثيره على القلوب، وآثاره في الفتوحات وانتصار الأمة الإسلامية وإعزازها وغير ذلك . 3- إعجاز الناس أن يأتوا بمثله، ولا بسورة ، ولا بحديث ، مع أنهم أمرا الفصاحة والبلاغة ، وهذا لا شك أنه من آيات الله . 4- أن قارئه لا يمل منه ولو كرره عدة مرات ، بخلاف غيره فإنه مهما كان من الفصاحة والبلاغة فإنه يمل. 5- حفظ الله له حيث بقي إلى وقتنا الحاضر في القرن اعامس عشر ، ولم يستطع أحد أن يغير منه حرف ا واحد ا، بينما الكتب السابقة بقيت دون ذلك وحرف ت. 6- ما فيه من الأخبار السابقة واللاحقة، حيث يخبر عن الشي فيقع كما أخبر، ويخبر عن الماضي، ولا شك أن الماضي كما أخبر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴾ [إبراهيم: 9]،فيجب التحري في نقل أخبار الأمم السابقة ؛ لأنه لا يعلمهم إلا الله (2)،وبين الشيخ أن العرب تحُدوا بأفضل ما يتميزون به ويتقنونه ، قال الشيخ : «…أما محمد فإنه بعث في زمن البلاغة العظيمة التي ترقت إلى أعلى ما يكون العرب ، واللسان العربي المبين أفصح الألسنة وأدلها على ما في الضمير، فبعثه الله (1) السابق: 556 . (2 )السابق: 571 .

عدد الصفحات ٣٤

الفصل الأول: القضايا البلاغية 35 بقرآن كريم أعجز العرب أن يأتوا بمثله، ولن يأتي أحد بمثله لا الجن ولا الإنس …»(1). وقبل أن ننتقل إلى قصة التحدي لابد أن نق على أمرين وق عندهما الشيخ ، وهما الإعجاز بالحرف المقطع في أوائل السور ، وقضية الصرفة لنرى تناول الشيخ لهما : أولا: الحروف المقطعة في أوائل السور: تحدث الشيخ عن الحر وف المقطعة التي تأتي في أوائل الآيات فبينّ الشيخ أنها ليست لغو ا بل لها مغز ى عظيمٌ وأن الغرض منها: «هو الإشارة إلى بيان إعجاز القرآن العظيم ، وأن هذا القرآن لم يأت بكلمات ، أو بحروف خارلة عن نطاق البشر ؛ وإنما هو من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر؛ ومع ذلك فقد أعجزهم ؛ فهذا أبين في الإعجاز؛ لأنه لو كان في القرآن حروف أخرى لا يتكلم الناس بها لم يكن الإعجاز في ذلك واقعا ؛ لكنه بنفس الحروف التي يتكلم بها الناس- ومع هذا فقد أعجزهم -؛ فالحكمة منها ظهور إعجاز القرآن الكريم في أبلغ ما يكون من العبارة »(2)،ويؤكد أ لا أدل على ذلك من أن الآيات التي تأتي بعد هذه الحروف تتحدث عن القرآن أو يُ ذكر بعدها خصائص القر آن(3)،ومثال ذلك ما نجده في سورة غافر حيث قال تعالى: ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾ [غافر: 1 - 2]،و ما نجده في سورة فصلت ، قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ﴾ [فصلت: 1 - 3]. ويرفض الشيخ -رحمه الله- قول من ذكر أن هذه الحروف ليس لها دلالة، وكذا قول من قال: إن الله أعلم بها، أو أنه يجب أن نتوق عند معناها، ويرى أن أرلح الأقوال هو ما ذكره ، وهو الإشارة إلى إعجاز القرآن العظيم ؛ وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم، والحافظ الذهبي، وجمع كثير من أهل العلم كما يقول رحمه الله (4). (1 )تفسير سورة الحديد : 421 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 22- 23، وينظر: تفسير سورة النسا : 915، وسورة يس : 15 . (3 )ينظر: تفسير سورة البقرة : 1/ 22- 23، وسورة يس : 15 . (4 )السابق: 1/ 22-23 .

عدد الصفحات ٣٥

الفصل الأول: القضايا البلاغية 36 ثانيا: الصرفة: عرض الشيخ -رحمه الله- موضوع الإعجاز بالصرفة وهو أن الله صرف العرب عن معارض ة القرآن ، وبذلك لم ينظموا مثله، وكان بإمكان العرب أن يأتوا به ؛ ولكنهم ممنوعون من ذلك، وهذا قول بعض المعتزلة (1) الذين ذهبوا إلى أن القرآن غير معجز في ذاته وإنما بالصرف عن المعارضة(2). عرف الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- الصرفة فقال : «يعني أن الله صرفهم عن أن يأتوا بمثله، أما في الأصل فإنهم قادرون على أن يأتوا بمثله» .وقد أبطلَ الشيخ هذا الوله قائ: «ولاشك أن هذا القول قولٌ ب اطل؛ وذلك لأن القرآن كلام الله ؛ وكلام الله صفة من صفاته ، وإذا كانت جميع صفات الله لا يمكن أن يتص بمثلها المخلوق ، فكذلك الكلام لا يمكن أن يأتي بمثله المخلوق، وليس لأن الله صرفهم عن معارضته ، بل لأنهم عالزون من أصلهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن ». وتكم الشيخ إلى العقل فيرى أنه لو أخذنا بالصرفة لكان المعنى: «أن صرْفَ الله عن معارضته دليلٌ على أن القرآن حق ، وإلا لسلّط عليهم من يعارضهم، لكن هذا القول ضعي والذين أنكروه قالوا : إن إعجاز القرآن ليس بالصرفة ، قالوا: لأنه لو كان بالصرفة لكان باستطاعة اعلق أن يأتوا بمثله فلا يكون آية»(3). ويستمر الشيخ-رحمه الله - في دحض الصرفة إلى أن قال : «والصحيح الذي لاشك فيه: أن اعلق عالزون عن معارضة القرآن أن يأتوا بمثله ، لا لأنهم صُ رفوا عن ذلك ومنعوا منه قدرا ، ولكن لأنهم عالزون من الأصل؛ لأن القرآن كلام الله صفته ؛ وصفات الله لا يمكن أن يشابهها (1) ينظةةةر:الحيةةةوان:4/91، الملةةةل والنحةةةل للشهرسةةةتاني 1 /56 ،إعجةةةاز القةةةرآن للبةةةاق : 42، إعجةةةاز القةةةرآن والبلاغةةةة النبوية للرافعي : 121-122، المعجزة الكةبرى القةرآن لمحمةد أبةو زهةرة : 63-64، في الإعجةاز البلاغةي للقةرآن الكةر للدكتور وليد قصاب : 19- 22 . (2 )ينظةةر: إعجةةاز القةةرآن والبلاغةةة النبويةةة لمصةةطفى الرافعةةي : 121-124، ومباحةةث في إعجةةاز القةةرآن لمصةةطفى مسةةلم : 59-71 . (3 )ينظر: شرح العقيدة السفارينية : 571-571 .

عدد الصفحات ٣٦

الفصل الأول: القضايا البلاغية 37 صفات»(1). ثالثا: قصة التحدي: يذكر الشيخ المقدار المتحدى به بسورة منه ولو كانت قصيرة أو حديث ا منه(2)،قائلا: «قال الله تعا: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [الإسرا: 88]،وقال تعالى: ﴿ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [البقرة : 23]،وقال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [هود: 13]،فعجْ زُ العربِ وهم أهل البلاغة أن يأتوا بمثل القرآن دليلٌ على أن هذا القرآن كلام الله ؛ لأنه لو كان كلام المخلوق لأمكن للمخلوق أن يأتي بمثله ، فلما عجز المخلوقون أن يأتوا بمثله علم أنه صفة من صفات الله التي لا تماثلها صفات المخلوقين»(3) . ويستمر الشيخ موضح ا أن الله  يتحداهمأن يأتوا: 1. «بمثل القرآن كله . 2. وبعشر سور منه. 3. وبسورة منه . 4. وبحديث منه. والحديث يشمل مادون السورة ، وبالقرآن كله ، في قوله تعالى: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [الإسرا: 88»](4) .حيث ي علل ابن عاشور من أن التحدي وقع بسورة قصيرة ولم يقع في عدد من الآيات معللا أن أفانين البلاغة ترلع إلى مجموع النظم ، وصوغه بسبب الغرض الذي سيق فيه من فواتح الكلام وخواتمه ، وانتقال الأغراض ، والرلوع للغرض ، وفنون الاستطرا د والإطناب، (1 )ينظر: السابق: 216-218 . (2 )ينظر: السابق: 218 . (3 )ينظر: السابق: 216 . (4 )السابق: 218-218 .

عدد الصفحات ٣٧

الفصل الأول: القضايا البلاغية 38 وهذا هو وله لإيقاع التحدي بس ورة دون أن يجعل بعدد من الآيات (1)،وما ذهب إليه الشيخ أصوب فهناك آيات قرآنية أطول من بعض السور فما الذي يمنع من التحدي بها ؟! أو بجز منها كما في آية الدين في سورة البقرة ؟! ذلك أن عموم لفظ حديث يشمل السورة والآيات ، ثم إن بعض الآيات يكون لها تقديم وتمهيد أشبه بمقدمة السورة ، أو يكون لها موضوعا مستقلا ، وتختم بخاتمة مناسبة؛ فتكون مقاربة للتحدي بالسورة . وبعد هذا أذكِّر بأبرز ما خرلت به من هذا المبحث: 1- أناختيارَ الشيخِ هو تسميةُ القرآن آية ، دون معجزة ، ابتعاد ا عن السحر وحركات البهلوان مما يعجز - من لم يأخذ بأسبابها - من البشر أن يأتوا به. 2- أن القرآن معجز كله . 3- أن مرد ا لإعجاز في القرآن هو أسلوب القرآن ونظمه . 4- تأكيد الشيخ على الأثرِ الذي يتركه القرآن على نفس سامعه وقارئه وهو ما تحدث به القرآن عن نفسه ، قال تعالى: ﴿ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ [الزمر : 23](2). وهذا نجده واضحا على كثيرٍ من غير المسلمين، فكثير ا ما كان سبب ا في إسلام أحدهم، فالقرآن يبث الطمأنينة ، وهو موعظة و شفا لما في الصدور(3). وبعد هذا العرض فإن الإعجاز يكمن في نظم القرآن وفصاحته وبلاغته. (1 )ينظر: التحرير والتنوير: 1/ 112 . (2 )وهةةذا مةةن الولةةوه الةةتي ارت ضةةاها اعطةةابي في إعجةةاز القةةرآن حيةةث يةةرى : «أن مةةا للقةةرآن مةةن العذوبةةة في حةةس السةةامع، والهشاشةةة في نفسةةه، ومةةا يتحلةةى بةةه مةةن الرونةةق والبهجةةة الةةتي يبةةاين بهةةا سةةائر الكةةلام حةةتى يكةةون لةةه هةةذا الصةةنيع في القلةةةةوب، والتةةةةأثير في النفةةةةوس، فتصةةةةطلح مةةةةن أللةةةةه الألسةةةةن علةةةةى أنةةةةه كةةةةلام لا يشةةةةبهه كةةةةلام، وتحصةةةةر الأقةةةةوال عةةةةن معارضته»…ينظر: إعجاز القرآن للخطابي ضمن ثلاث رسائل : 25-26-71 . (3 )ينظر: التعبير القرآني والدلالة النفسية، تألي عبد الله محمد الجيوسي: 119- 111 .

عدد الصفحات ٣٨

الفصل الأول: القضايا البلاغية 39 المبحث الثاني: المتشابه اللفظي: تعريفه لغة: (المتشابه اللفظي) مصطلح يتكون من لز أين (كلمتين)، يُتاج لتعري كل من لزئيه، كما يلي: أو لا : المتشابه: هو اسم فاعل من التشابه، والتشابه: تفاعُلٌ من الش بَه. يقال: شِبْههُ ، وشَبَههُ وشبيه: أي مثله، والجمع: أشْباه. والشِّبْ ه والش بَه: لغتان بمعنى . وشَابهَه وأشْبةَهَه : ماثله، وتَشَابهتْ الآيات : تساوت(1) .قال ابن فارس: «الشين والبا والها: أصلٌ واحدٌ يدل على تشابه الشي وتشاكُله لون ا ووصف ا، والش بَه من الجواهر : الذي يشبه الذهب ، والمُشْبِهات من الأمور : المشكلات. واشتبه الأمران : إذا أشكلا»(2). ثانيا: اللّفْظِيّ : نسبة إلى (اللفظ)؛ لأن اليا المشدد ة في آخره : يا النسبة – على القياس(3)- واللفظ: واحدُ الألفاظ، وهو بمعنى المفعول: أي: الملفوظ؛ وهو في الأصل مصدر؛ يقال: لَفَظَ يةَلْفِظُ لفظ ا، ولَفَظَ بالكلام، وتلفّظ به: تكلم(4). ويذكر ابن فارس : «أن(اللام والفا والظا ): كلمة صحيحة تدل على طرح الشي ، وغالب ذلك أن يكون من الفم»(5). وقال الراغب : «اللفظ بالكلام: مستعارٌ من لَفْظِ الشي من الفمِ ، ولَفَظَ الرّحى الدقيق، ومنه: سمُّي الدّيك اللّفظة؛ لطرحه بعض ما يلتقطه للدّلاج. قال تعالى: ﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾ [ق: 18]»(6). (1 )ينظر (شبه) في: الصحاح، القاموس المحيط. (2 )مقاييس اللغة: 5/ 259 . (3 )ينظر: معجم القو اعد العربية لعبد الغني الدقر: 542 . (4 )ينظر: (لفظ) في: أساس البلاغة، لسان العرب، القاموس المحيط . (5 )مقاييس اللغة: 5/ 295 . (6 )مفردات غريب القرآن : 743- 744 .

عدد الصفحات ٣٩

الفصل الأول: القضايا البلاغية 40 تعريفه اصطلاحا: المتشابه اللفظي: «إيراد القصة الواحدة واعبر(1) في صور ش، وفواصل مختلفة ويكثر فى إيراد القصص والأنبا وحكمته التصرف فى الكلام وإتيانه على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكررا »(2)،ولا في تأويلِ مشكل القرآن (3) :«أن يشتبه اللفظ الظاهر مع اختلاف المعنى، كما قال تعالى في وص الثمر: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [البقرة : 25]،أي: متفق المناظر ومختل الطعوم. وقد يقال لكل ما غَمُضَ ودقّ : متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من لهة الشبه بغيره، كما يقال للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه عفا معناها، وليس من لهة الشبه بغيرها والتباسها بها. والمتشابه مثل المشكل، لأنه أشكل، أي: دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله». فوائد علم المتشابه اللفظي: يقول الشيخ الطاهر الدمشقي الجزائري – في بيان مكانة هذا العلم إجمالا -: «ولا يخفى أن المسائل المذكورة من متعلّقات العلم المسمّى بعلم المتشابه من القرآن ، وهو علم لليل الشأن؛ له اتصال بعلم المناسبات. وقد ألّ َ فيه كثير من العلما الأعلام فألادوا ، إلا أنه كغيرهِ من العلوم قد تكلّم فيه كثير ممن ليس لهم براعة فيه؛ فخبطوا خبط عشوا في ليلة ظلما ، إلا أن ذلك لا يؤثر في نفس العلم شيئ ا، ولا يُط من قدره ، ولا يولب الإعراض عنه …»(4). ولا يكفي الحديث عن أهمية هذا العلم إجما لا بل لا بدَ من شي ٍ من التفصيل في ذِكر مكانته؛ فمن ذلك:  ما فيه من زيادة تدبر للقرآن ، فهو يدعو لكثرة النظر والتأمل لآياته ، ومحاو لة إدراك أسرار معانيه وبديع أساليبه ؛ يقول ابن الزبير : «وإن مما حرّك إلى هذا الغرض وهو- (1 )المراد بالقصة الواحدة : الموضوع الواحد؛ سوا أكان في قِصّة أم غيرها؛ بدليل قوله-الزركشي - بعد التعري : «ويكثر في إيراد القصص والأنبا »،فهو صريح في عدم حصره في ذلك : البرهان: 1/ 217 . (2 )ينظر: البرهان: 1/ 122، الإتقان: 3/ 339، معترك الأقران : 1/ 66، الكليات لأبي البقا: 845 . (3 )لابن قتيبة: 112-وينظر البرهان للزركشي : 2/ 69 . (4 )التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريق الإتقان للطاهر الدمشقي الجزائري : 311 .

عدد الصفحات ٤٠

الفصل الأول: القضايا البلاغية 41 توليه ما تكرر من آياته لفظ ا، أو اختل بتقديم أو تأخير، وبعض زيادة في التعبير -، وألحقه عند من تحلّى ولوع ا باعتباره ، والتدبر لعجائبه الباهرة وأسراره …فحرّك من فكري الساكن، وأضربت عن فسحته بالاستدراك بلكن ، وأبديت بحول ربي من مكنون خاطري إلى الظهور ، ما أثبته بعون الله وقوته في هذا المسطور»(1).  أنه خير معين لمن أراد حِفظ القرآن الكر ؛ فهو يخدم حافظه بعمل سهل مُيسر لضبط حفظه.  ما فيه من الإعجاز البلاغي– البياني – للقرآن الكريم ؛ وقد ذهب الزركشي إلى أن الحكمة من ولود المتشابه اللفظي في القرآن الكريم : «إظهارُ عجز البشر عن جميع طرق الكلام وضروبه ؛ مبتدأ به ومتكررا »(2). المتشابه اللفظي عند ابن عثيمين: وقد تعرض الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - في تضاعي تفاسيره لهذا الفن ، واختل في طر يقة عرضه: 1- فهو كثا لا يصرح بلفظ (المتشابه اللفظي) بل يأتي بالكاف التي هي حرف تشبيه ؛ وهي التي من معانيها اللغوية التشابه(3)،إشارة إلى المتشابه اللفظي . 2- وتارة يصرح بقوله : (تشبه) وأخرى يعبر بها قائ لا : «تدل (أو) نفس الآية». 3- وتارة أخرى يناقش الشاهد ، وتارة يم ر به مرورا . 4- يذكر أن الآية لها نظائر ، والنظائر تارة يعبر بها عن المتشابه اللفظي ، وتارة يعبر بها عن معنى الآية أي: يفسر القرآن بالقرآن (4). 5- يقوم بتوليه الآيات المتشابهة لفظ ا التي التمعت أمامه على طريقة إثارة السؤال ، وتقرير الجواب ، والرد على ما يعرض من شبهٍ في هذا المقام. (1) ملاك التأويل: 1/ 145-146 . (2 )البرهان في علوم القرآن : 1/ 217 . (3 )كفاية المُعا: للبيتوشي: 52 . (4 )ينظر: تفسير لز عم : 199 .

عدد الصفحات ٤١

الفصل الأول: القضايا البلاغية 42 6- غالبا ما يبدأ الإلابة بعبارة : «الجواب أن يقال»،«الجواب عن ذلك أن يقال» ثم يأتي بالجواب. 7- أنه يرّد على بعض المشككين من الزنادقة والملحدين المحتجين لباطلهم ، والذين يطعنون في القرآن من خلال ما تشابه أو تماثل أو تكرر من ألفاظ القرآن وآياته التي تبدو لهم متعارضة المعنى ، مدعين أن ما به من المتشابه اللفظي غير مفهوم، أو أنه تكرار لا هدف له ، بسبب تقديم أو تأخير، أو غير ذلك مما تقدم في تعري المتشابه اللفظي. 8- يعبر عن المتشابه اللفظيبالتقارب في المعنى. 9- يتضح من الشواهد السابقة أن الشيخ– رحمه الله - يشير إلى الآيات التي فيها تشابه وإن لم يولهها توليها بلاغيا . من الشواﻫد على لك ما يلي: في قوله تعالى : ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴾ [الكه: 22]،يقول -رحمه الله - تعالى: «سيقولون ثلاثة، أربعة ، خمسة، كي يمكن أن يكو ن قولان لغائب واحد ؟ هذا يخرج على ولهين : الوله الأول: أن المعنى سيقول بعضهم ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقول البعض الآخر: خمسة سادسهم كلبهم، ويقول البعض الثالث: سبعة وثامنهم كلبهم . والوله الثاني : أن المعنى أنهم سيترددون؛ مرة يقولون : ثلاثة، ومرة يقولون : خمسة، ومرة يقولون: سبعة. وكلاهما محتمل ولا يتنافيان ، فتَجدُهم أحيان ا يقولون كذا ، وأحيان ا يقولون كذا حسب ما يكون في أذهانهم، ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾ ولم يقل : رجم ا بالغيب، بل سكت ،وهذا يدل على أن عددهم سبعة وثامنهم كلبهم ؛ لأن الله عندما أبطل القولين الأولين، وسكت عن الثالث صار الثالث

عدد الصفحات ٤٢

الفصل الأول: القضايا البلاغية 43 صوابا، نظيره(1) قول الله تبارك وتعالى في المشركين إذا فعلوا فاحشة : ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾ [الأعراف: 28]،هذا واحد، ﴿ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [الأعراف : 28]،هذا اثنان، قال الله تعالى: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [الأعراف : 28]، فأبطل قولهم: ﴿ ﯓ ﯔ ﯕ﴾، وسكت عن الأول؛ فدل على أن الأول: ﴿ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾ [الأعراف : 28] صحيح. وهنا لما قال: ﴿ ﭽ ﭾ﴾ في القولين الأولين، وسكت عن الثالث دل على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم »(2). قال تعا: ﴿ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﴾ [الكه: 74]،يقول الشيخ – رحمه الله -«﴿ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﴾ [الكه: 74]، هذه العبارة أشد من العبارة الأولى . في الأولى قال: ﴿ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾ [الكه: 71]، ولكن هنا قال : (نُ كرا ) أي منكر ا عظيم ا»(3)،فهل يمكن هنا أن نضع (الإِمْر ) و(النكر) أحدهما موضع الآخر؟ أم لكل واحد معنى يخصصه بمكانه؟ والجواب: أن لكل واحد منهما معنى؛ فالإِمْر: هي الداهية، وقيل إنه: العجب. والنكر: ما تنكره العقول ولا تعرفه . وهو أعظم من الإِمْر ، أي: منكر ا لد ا، وقال الراغب (4) :المنكر الدها والأمر الصعب الذي لا يعرف (5) .وقد أوضح-رحمه الله - هذا الأمر قائلا : «والفرق بين هذا وهذا، أن خرق السفينة قد يكون به الغرق وقد لا يكون وهذا هو الذي حصل، لم تغرق السفينة، أما قتل النفس فهو منكر حادث ما فيه احتمال»(6). ثم أوضح ماالآيات من تشابه لفظي، فقال في قوله تعالى: «﴿ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ (1 )يقصد نظير الآيات في النظم. (2 )تفسير سورة الكه : 41-42 . (3 )تفسير سورة الكه : 118 . (4 )مفردات غريب القرآن : 824 . (5 )ينظر: لامع البيان للطبري: 15/ 287، وروح المعا : 2/ 317-319، والتحرير والتنوير: 7/ 375 . (6 )تفسير سورة الكه : 118 .

عدد الصفحات ٤٣

الفصل الأول: القضايا البلاغية 44 ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [الكه: 75]،فقوله تعالى : ﴿ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ هنا فيها لوم أشد على موسى، ففي الأولى قال: ﴿ ﭓ ﭔ ﭖ ﴾، وفي الثانية ﴿ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾، يعني كأنك لم تفهم ولن تفهم، ولذلك كان الناس يفرقون بين الجملتين ، فلو أنك كلمت شخص ا بشي وخالفك فتقول في الأول: (ألم أقل إنك) وفي الثاني تقول: (ألم أقل لك إنك يعني أن اعطاب ورد عليك ورود ا لا خفا فيه، ومع ذلك خالفت، فكان قول اعضر لموسى في الثانية أشد: ﴿ ﭓ ﭔ ﭕ…﴾»(1). وفي قوله تعالى: ﴿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾ [الذاريات : 16]،قال -رحمه الله-: «﴿ﮁ﴾ حال من الضمير المستتر باعبر، أي: حال كونهم آخذين ما آتاهم ربهم ، أي: ما أعطاهم من النعيم، وهذه الآية كالآية التي في سورة الطور : ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [الطور: 18](2). وقو ل الله تعالى: ﴿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾ [ص: 4]، يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -: «…هذا عجب استنكار ورد، وليس عجب رض ا واستحسان، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق : ﴿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [ق: 2](3). وفي قوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ [البقرة : 225] .يقول الشيخ-رحمه الله -: «…المراد باللغو هنا اليمين التي لا يقصدها الحال ، كقول: (لا والله )، (بلى والله ) في عرض حديثه ؛ ويبين ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ [المائدة: 89] . أي نويتم عقده»(4)،إذن فقد لا ت الآية في سورة المائدة بيانية، ففي سورة البقرة لا ت (المؤاخذة) مجملة وبينتها آية المائدة بالكفارة ؛ فاللغو في البقرة مقابلٌ لما كسبه القلب، واللغو (1 )السابق. (2 )تفسسورة الطور : 124 . (3 )تفسير سورة ص : 23 . (4 )تفسير سورة البقرة : 3/ 92-93 .

عدد الصفحات ٤٤

الفصل الأول: القضايا البلاغية 45 في المائدة مقابلٌ للأيمان المعقودة(1). وفي قول الله تعا: ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ [القمر: 21]،قال- رحمه الله -: «وفي الحاقة قال تعا: ﴿ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﴾ [الحاقة: 7]،والمعنى متقارب ، لكن من بلاغة القرآن أن يجري الكلام فيه على نسق واحد ، فهناك: ﴿ ﯶ ﯷ ﯸ ﯝ ﴾ مناسب للفواصل(2) التي في سورة القمر ، لأن تناسب الكلام واتساقه من كمال بلاغته »(3). فلو سأل سائل لم كانت في الأو : ﴿ ﯝ ﴾ وفي الثانية: ﴿ﯹ﴾؟ فالجواب: كما ذكره الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - أنها لمناسبة الفواصل وهو موافق لكلام أبي حيان الأندلسي(4). ويفسر قوله تعا: ﴿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾ قائلا : «هذا الذي قاله موسى  قاله فيما يعتقده في نفسه في تلك الساعة من أنه سيصبر، لكنه علّقه بمشيئة الله؛ لئلا يكون ذلك اعتزاز ا بنفسه وإعجاب ا بها»(5) .ثم يشير إلى المتشابه اللفظي في الآية، فيقول: «وقوله: ﴿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ هو كقول إسماعيل بن إبراهيم – عليهما الصلاة والسلام - لما قال له أبوه: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ﴾ [الصافات: 112]،وموسى قال للخضر : ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴾ [الكه: 69]»(6) .فلو وضعنا كلم : ﴿ ﮭ ﴾ و﴿ﰔ ﴾ إحداهما مكان الأخرى فهل يصح ذلك؟ ثم ما الفرق بينهما؟ والجواب أن نقول: «إن ﴿ﰓ ﰔ﴾ من المبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في الوص (1 )ينظر: التحرير والتنوير: 2/ 383-384، حاشية القونوي على الشهاب: 5/ 231 . (2 )سيأتي ذكر الفواصل القرآنية في الفصل الثاني، المبحث الثالث إن شا الله. (3 )تفسسورة القمر : 276 . (4 )ينظر: البحر المحيط في التفسير: 11/ 42 . (5 )تفس سورة الكه : 114 . (6 )السابق.

عدد الصفحات ٤٥

الفصل الأول: القضايا البلاغية 46 بصابر؛ لأنه يفيد أنه سيجده في عداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا به ، أما قول موسى  للخضر؛ فحمل على التصبر إلابة لمقترح اعضر ، مع ما فيها من مراعاة لرؤوس الآي »(1). وفي قوله تعا: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ [الكافرون: 3 - 4] . يقول-رحمه الله - نافي ا التكرار في السورة وموضح ا معنى كل آية : «قد يظن الظان أن هذه مكررة للتوكيد ، وليس ك ذلك؛ لأن الصيغة مختلفة ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [الكافرون: 2] فعل، ﴿ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ ﴿ ﭢ ﴾ و﴿ ﭜ ﴾ اسم، والتوكيد لابد أن تكون الجملة الثانية كالأولى. إذ ا القول بأنه كرر للتوكيد ضعي ، إذ ا لماذا هذا التكرار ؟ »(2). معنى ذلك أنه ينفي أن يكون في الآية تشابه، على رأي من قال : «إنها لم تتكرر فيها آية واحدة إذا اعتبرت أن كلّ آية منها تفيد من المعنى وتحرر ما لا تفيده الأخرى بذلك التحرير، فكأنها متباينة الألفاظ لتباين معانيها مع لليل التشاكل وعُلوّ التلاؤم والتناسب…فلم يقع تكرار »(3). ولكن هناك من ذهب إلى أن في السورة الكريمة تكرار ا، كابن قتيبة الذي ذهب إلى أن التكرار هنا للتوكيد ، فقال: «ومن مذاهبهم– أي العرب – التكر ار، إرادة التوكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار: إرادة التخفي والإ يجاز…ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من السبب الذي نزلت فيه ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﴾؛ لأنهم أرادوا أن يَ عبدَ ما يعبدون، ليعبدوا ما يعبدُ ، وأبدؤوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله  حسم أعمالهم و إكذاب ظنونهم، فأبدأ وأعاد في الجواب، وهو معنى قوله: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ [القلم: 9]،أي تلين لهم في دينك فيدينون في أديانهم»(4). ثم يمضي الشيخ ابن عثيم- رحمه الله - موضح ا معنى الآيات من خلال أقوال بعض العلما مؤكد ا أن القرآن ليس فيه شي مكرر إلا وله فائدة ، مستشهدا بآيات منه، إذ يقول: (1 )ينظر: التحرير والتنوير: 23/ 152، روح المعا : 11-12/ 124 . (2 )تفسير لز عم : 341 . (3 )ينظر: درة التنزيل : 3/ 1371، ملاك التأويل: 2/ 1151، الإتقان: 3/ 213 . (4 )تأويل مشكل القرآن : 235-237 .

عدد الصفحات ٤٦

الفصل الأول: القضايا البلاغية 47 «…نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شي مكرر لغير فائدة إطلاقا، ليس فيه شي مكرر إلا وله فائدة. لأننا لو قلنا: إن في القرآن شيئ ا مكرر ا بدون فائدة كان في القرآ ن ما هو لغو، وهو منةزه عن ذلك ، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن : ﴿ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴾، وفي سورة المرسلات : ﴿ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾، تكرار لفائدة عظيمة ، وهي أن كل آية مما بين هذه الآية المكررة تش تمل على نعم عظيمة ، وآلا لسيمة ، ثم إن فيها من الفائدة اللفظية التنبيه للمخاطب حيث يكرر عليه: ﴿ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴾ ويكرر عليه: ﴿ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾(1). وعلى هذا يتضح أن الشيخ ابن عثيم وجمهور من المفسرين – رحمهم الله – يرون أنه لا تكرار في سورة (الكافرون)، بل كل آية لها معنى قائم بنفسه فهو من قبيل المتفق اللفظي ، وليس المتشابه، بينما التكرار في سورتي الرحمن والم رسلات إنما هو من المتشابه اللفظي (2). وعند قوله تعالى: ﴿ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ﴾ [الصافات: 178 - 179]،قال: «كرر تأكيدا لتهديدهم، وتسلية لرسول الله ،والآية التي قبلها، يقول: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴾ [الصافات: 174 - 175]،وهنا قال: ﴿ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ﴾ فلِ مَ تختل عنها بحرف العط ؟ فالأول ﴿ ﯞ ﴾ والثاني ﴿ ﯱ ﴾، والأولى قال: ﴿ ﯣ﴾ والثانية ﴿ﯶ ﴾، فأطلق وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم وذلك بتهديدهم ، وتسلية الرسول ؛لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيد ا»(3) . وفي قوله تعالى: ﴿ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﴾ [النسا: 132] . يقول: «هذا تكرار مهم ، ففي الأول بيان غناه  عن خلقه، ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ (1 )تفسير لز عم : 341-342. (2 )ينظر: من بلاغة المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، للدكتور : محمد الصامل: 13 . (3 )تفسير سورة الصافات : 365-366 .

عدد الصفحات ٤٧

الفصل الأول: القضايا البلاغية 48 ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ [النسا: 131]،وفي الثاني: بيان مراقبته علقه ، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة»(1) . قالتعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ [البقرة : 49] .يقول -رحمه الله -: «قوله تعالى: ﴿ ﭙ ﭚ ﴾ الفعل مضع للمبالغة؛ لكثرة من يذبحون ، وعظم ذبحهم؛ هذا وقد لا في سورة الأعراف : ﴿ ﮉ ﴾ [الأعراف : 141]،وهو بمعنى ﴿ﭙ﴾؛ ويُتمل أن يكون مغاير ا له؛ فيُحمل على أنهم يقتلون بعض ا بغير الذبح، ويذبحون بعض ا؛ وعلى كل فالجملة بيان لقوله تعالى: ﴿ ﭖ ﭗ ﭘ﴾؛ هذا ولا في سورة إبراهيم : ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [إبراهيم: 6]،بالواو عطف ا على قوله تعالى: ﴿ﭞ﴾؛ والعط يقتضي المغايرة ؛ فيكون المعنى أنهم جمعوا بين سوم العذاب- وهو التنكيل، والتعذيب- وبين الذبح»(2) .وفي سورة الصافات يقول : «وقد ذك ر الله قوم موسى بهذه النعمة : ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [الأعراف : 141]،وفي آية أخرى : ﴿ ﭙ ﴾ [البقرة : 49]؛لأنهم تارة يقتلو نهم، وتارة يذبحونهم، كما تذبح الشاة- والعياذ بالله – إرهاب ا وإزعال ا، فأنجاهم الله منهم»(3). وما ذكره الشيخ من أن الفعلين: (يذبحون) و(يقتلون) بينهما مغايرة يوافق كلام ابن الزبير الغرناطي ، حيث قال ابن الزبير : «أن الذبح منب عن القتل وصفته، وأما اسم القتل فلا يفهم إلا إعدام الحياة ويتناول من غير المقتول في الغالب، فعبر أو لا بما يوفي المقصود من الإخبار بالقتل مع إحراز الإيجاز ، إذ لو ذكر القتل وأتبع بالصفة لما كان إيجاز ا، فعدل إلى ما يُصل عنه (1 )تفسير سورة النسا : 2/ 313-314 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 175 . (3 )تفس سورة الصافات: 266 .

عدد الصفحات ٤٨

الفصل الأول: القضايا البلاغية 49 المقصود(مع الإيجاز) فقيل: ﴿ ﭙ﴾، وعبر في سورة الأعراف بالقتل ؛ لأنه أولز من لفظ (يذبحون)؛ لألل التضعي إذ لفظ (يذبحون) أثقل لتضعيفه وقد حصلت صفة القتل في سورة البقرة ؛ فأحرز الإيجاز في الكل، ولا على ما يجب ويناسب ، والله أعلم»(1) .وفي الثاني توليه : إذ أنه لعل ﴿ ﭙ ﴾ بدلا من قوله ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ فلم يُتج إلى الواو، وإذا لُعل قوله: ﴿ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ عبارة عن مكروه وسو مغاير لتذبيح الأبنا لم يكن الثاني إلا بالواو…(2) .فهو اختلاف بالإبدال. وفي الآية الكريمة، التي يقول الرب فيها  :﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ [الشرح : 5 – 6]،يقول -رحمه الله -: «قال ابن عباس عن هذهالآية: ((لن يغلب عسرٌ يسرين ))(3)، وتوليه كلامه  مع أن العسر ذكر مرتين واليسر ذك ر مر تين. قال أهل البلاغة: تول يه كلامه أن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة : ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [الشرح : 5 – 6]،العسر الأول أُعيد في الثانية بة(أل)، فة(أل) هنا للعهد الذكري ، وأما يسر فإنه لم يأت مُعر ف ا بل لا مُنكر ا، والقاعدة: أنه إذا كرر الاسم مرت ين بصيغة التعري فالثاني هو الأول إلا ما ندر، وإذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأو ل، لأن الثاني نكرة ، فهو غير الأو ل، إذ ا في الآيتين الكريمتين يُسران وفيهما عسر واحد؛ لأن العسر كرر م رتين بصيغة التعري : ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ [الشرح : 5]»(4). وهو كرأي اعطيب الإسكافي و ابن الزبير (5)؛حيث قال الإسكافي: «قال :((لن يغلب عسر يسرين ))(6)،لأن العسر لما أُعيد لفظه معرّف ا كالأول لم يكن إلا إياه، و(يسر) لما أعيد (1 )ملاك التأويل: 1/ 199-211 . (2 )ينظر: درة التنزيل: 1/ 231-231 . (3 )رواه مالك في الموطأ: 2/ 446، وابن أبي شيبة في المصن : 5/ 335،13/ 318 . (4 )تفس لز عم: 252-253 . (5 )ينظر: ملاك التأويل: 2/ 953 . (6 )رواه مالك في الموطأ: 2/ 446، وابن أبي شيبة في المصن : 5/ 335،13/ 318 .

عدد الصفحات ٤٩