المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البلاغة القرآنية في تفسير الشيخ ابن عثيمين دراسة وتقويما

رانية بنت عبد الله بن عبد العزيز العسكر

صفحة ٢ من ٢٣

التمهيد 18 قلوبهم، وقبلوا قولكم فلا بأس بعد ذلك أن تعملوا لإظهارها ، لكن ينبغي ألا يكون العمل بالسنة داعية إلى التفريق بين الناس ، وإيقاع البلابل بينهم ، أو ردّ الحق الذي يدعوهم إليه مما هو أولى من هذا وأكبر»(1). ومن سمات ابن عثيمين الظاهرة قوة الحافظة ، وسعة الاطلاع، والقدرة على التألي ، يجد هذا مَ ن وق على مؤلفاته ورسائله الكثيرة . هذه ب عض الأخلاق والشمائل والمثل النبيلة التي أهّلته - بتوفيق الله - لمكانة علمية مرموقة (2)،ومن نظر في كتاب (توليه الراغبين إلى اختيارات الشيخ ابن عثيمين )(3)علم قوة الشيخ في الفقه وسعة اطلاعه، بحيث لا يشك في أنه من كبار فقها الإسلام . ثناء العلماء عليه: أَثنى على الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - الكثير من العُلما والأُمرا والأُدبا ؛ وقد اخترت بعض ا من كلام العلما فيه؛ منها:  ذكر سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، قائلا : «الشيخ محمد- غفر الله لنا وله - لا تخفى على الجميع مكانته وآثاره العلمية من خلال التألي والمحاضرات والدروس والمقالات ، ومن خلال الأشرطة التي تحمل في طياتها كل خير، ومن حيث اعتداله وبعده عن الإفراط والتفريط ، وكونه في أموره على طريق مستقيم ، وكم ربّّ من طلاب ؛ وكم شرح من كتاب ؛ واستفاد منه المستفيدون؛ ونسأل الله أن يجازيه عنا وعن الإسلام خير الجزا …»(4).  فضيلة الشيخعبد الله بن لبرين -رحمه الله - عضو الإفتا قال: «عندما قدمنا للدعوة في الرياض ؛ زودنا ببعض مؤلفاته، ومنها تلخيصه الحموية وغيره من الرسائل التي كان قد (1 )من شريط : الشيخ ابن عثيمين كما عرفته للشيخ : خالد المصلح: الوله الأول . (2 )ينظر: العقد الثمين من قواعد الشيخ ابن عثيمين لرائد بالوري : 15-16، والجامع لحيةاة ابةن عثيمة: 24، والإمةام الزاهد : 174 . (3 )للشيخ ابن عثيمين، جمع وإعداد: محمد بن عبد الله الذياب. (4 )صحيفة عكاظ العدد رقم : 12556 .

عدد الصفحات ١٨

التمهيد 19 طبعها، وبشرنا بأنه مقبل على التألي والكتابة ، وشرح لنا شيئ ا عن شيخه عبد الرحمن ابن سعدي – رحمه الله - وذكر أنه هو الذي استفاد منه كثير ا، ثم ذكر لنا أنه يقوم باعطابة في أحد المسالد بعنيزة ، وأنه يؤل اعطب ويكتبها في موضوعات ذات أهمية، ولها مناسبة للوقت ، اقتدا بشيخه ابن سعدي الذي كان يخطب في كل مناسبة بما يناسب الوقت…وكن ا غالبا ما نستفيد منه ، ونرسل إليه الكثير من الأسئلة . وكذلك نرلع نحن وغيرنا إلى مؤلفاته القيمة التي تعب فيها وحققها وجمع فيها كل ما حضر إليه ، وكل مسألة كتبها تدل على عمق اختياره ، وقد عرفنا منه حرصه على موافقة اختيارات شيخه ابن سعدي -رحمه الله - وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، ولو كان غيره قد يخالفه في شي من تلك الالتهادات التي في مجال الالتهاد»(1).  فضيلة الشيخ : صالح بن عبد الله بن حميد ، رئيس مجلس الشورى سابق ا وإمام الحرم المكي، قال: «كانت له طريقة فريدة في التعليم وشحذ همِم الطلاب ، وإثارة الأسئ لة التعليمية، وضرب الأمثلة ، والتخريج على القواعد ، وفي الإفتا له مسلك ظاهر في القصد إلى التيسير والاعتدال، مع لزوم الأدب مع المخال ، واحترام فقه اعلاف، وكان حسن الرعاية لتلاميذه ، متابع ا لتحصيلهم؛ مما لعل قلوب طلاب العلم تتعلق به، وترحل إليه ، وتثني ركبها بين يديه، لقد وسعهم بعلمه، كما وسعهم بحلمه، وشملهم برعايته كما شملهم بتوليهه »(2). وفاته: بدأت على الشيخ أعراض المرض في سنة 1421ه؛ وكان -رحمه الله- يظن بادي الأمر أنها امتداد للعملية الجراحية التي ألراها من قبل ذلك ، فلم يعره ا اهتمام ا، وبعد انتها العام الدراسي سنة 1421ه ذهب لزيارة بعض الأقارب في الرياض ، وكان يشتكي ضع النظر ، فذهب به ابنه إبراهيم إلى مستشفى الملك فهد للحرس الوطني ؛ لغرض فحص النظر فقط، فأَلح عليه ابنه عبد الله بوصية من والدته أن يجري فحص ا عام ا؛ ليتعرفوا على الأعراض التي يشكو (1 )صحيفة البلاد: العدد رقم : 16233 . (2 )صحيفة الجزيرة العدد رقم : 11347 .

عدد الصفحات ١٩

التمهيد 20 منها، فوافق -رحمه الله - على نصيحة الأطبا ؛ وفي نفس اليوم أُلريت له الفحوصات المطلوبة فتبين للأطبا أن الشيخ مصاب بمرض سرطان القولون (1)،ثم قرر الأطبا بأن يُُال الشيخ إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض ؛ لأنه مختص بعلاج هذا المرض، وهناك ألريت له الفحوصات وتأكد لهم ولود هذا المرض ، ثم انتقلوا إلى مرحلة العلاج ، فاختلفت ولهات النظر بالنسبة إلى الأطبا فبعضهم يرى أن يستعمل الجرعات الكيماوية ، وبعضهم يرى أن يستعمل الإشعاع ، ومع هذا فلم يؤثر المرض على نفسية الشيخ مع علمه به ولم يغير شيئ ا من حياته المعتادة، فاستقبل المرض بالصبر والاحتساب والإيمان. ثم عُرض على الشيخ -رحمه الله - السفر إلى بلاد أمريكا للعلاج فوافق - رحمه الله - بعد إلحاح ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية ، وإلحاح أفراد أسرته والمحبين له ، وكان برفقته أخوه الدكتور عبد الله وأبناؤه الأربعة عبد الله وإبراهيم و عبد الرحيم و عبد العزيز ، وزولا ابنتيه خالد المصلح وسامي الصقير، ولكن المرض تفشى كثيرا . واتفق الأطبا على علاج معين وهو متوفر في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض ، فقرر الشيخ -رحمه الله - العودة إلى السعودية ومواصلة العلاج هناك، وقد كره الشيخ العلاج بالكيماوي ؛ بل رفضه ؛ لأنه يسبب تساقط الشعر ومنه اللحية(2). ثم تضاع عليه المرض ولزم الفراش في المستشفى ؛ ليكون تحت عناية الأطبا ، وفي رمضان عام 1421ه وهو في العناية المركزة كان يُلِحّ على الأطبا أن يذهب إلى مكة للصلاة في الحرم وإلقا الدروس ، فسمحوا له فأرسلوه بطائرة إ خلا طبية، ووضعت له غرفة في المسجد الحرام بمكة المكرمة متكاملة بالألهزة مع فريق طبي متكامل . وأخذت حال الشيخ تزداد سو ا يوم ا بعد يوم، وهو لا يتوانى عن أن ينفع الناس، وعندما تدهورت الحالة الصحيّة لديه منع الأطبا السلام عليه ومصافحته؛ لضع المناعة عند الشيخ بسبب العلاج والعقاقير، وقرر الأطبا عودته من الحرم إلى المستشفى التخصصي في لدة ، (1 )كان الشةيخ–رحمةه الله - لا يُةب أن يسةمي مةرض السةرطان بةة(المةرض اعبيةث)؛ لأن هةذا بةلا مةن الله، والله لا يةأتي باعبيث، بل كله خير . ينظر: الجامع لحياة الشيخ: 177 . (2 )هذا ما أفادتني به ابنة الشيخفاطمة باتصال هاتفي في 2/ 8/ 1429ه، والذي ذكر في أغلب المصةادر الةتي تر جمةت للشيخ -رحمه الله - أنه وافق على أخذ الكيماوي بعد كراهيته .

عدد الصفحات ٢٠

التمهيد 21 وأدخل غرفة العناية المركزة بعد أن صل ى عيد الفطر عام1421ه بالحرم ، وذكر من كان حوله أنه كان يقرأ القرآن ويلهجُ بالذكر حتى دخل في غيبوبة، ثم وافته المنية بعد عصر يوم الأربعا 15/ 11/ 1421ه، عن عمر يناهز الرابعة والسبعين ، قضاها في خدمة الإسلام والمسلمين. وصُلي عليه في المسجد الحرام - بعد صلاة العصر يوم اعميس - وشيعته جموع عظيمة من الناس إلى مقبرة العدل بجوار شيخه العلامة عبد العزيز ابن باز رحمهما الله جميع ا ولعل في قبر يهما الضيا والنور والفسحة والسرور(1). (1 )ينظر: الجامع لحياة الشيخ: 166-172، إغاثة الجموع 38، العقد الثم: 17 .

عدد الصفحات ٢١

التمهيد 22 2- آثار الشيخ ابن عثيمين: للشيخ -رحمه الله تعالى - مؤلفات كثيرة ، بعضها كان دروس ا مُلقاة ثم نقلها تلاميذه إلى الورق ، وأخذها الشيخ بالمرالعة والتحرير ، حتى خرلت نتال ا حافلا بالفوائد والفرائد ، وقد تُرجمت بعضٌ منها إلى لغاتٍ عدة من: الإنجليزية و الفرنسية و التاميلية وغيرها، ومن هذه المؤلفات المطبوعة: - أحكام من القرآن الكريم : (الفاتحة والبقرة ). - أسئلة مهمة. - أسئلة وألوبة في صلاة العيدين. - الإلمام ببعض آيات الأحكام تفسير ا واستنباط ا. - إرشاد العباد إلى معرفة الله وتوحيده . - إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار. - أسما الله وصفاته وموق أهل السنة منها. - الاختيارات والترليحات . - أخطا يرتكبها بعض الحجاج . - أسئلة من بائعي السيارات . - تفسير قوله تعالى: (يا نسا النبي…). - تخريج أحاديث الروض المربع . - تنبيه الأفهام بشرح عمدة الأحكام . - التمسك بالسنة النبوية وآثارها . - التوبة. - التحذير من فتنة التكفير. - التوحيد ومعنى الشهادتين وحكم المتابعة . - تسهيل الفرائض . - تفسير آية الكرسي . - تفسير سورتي الفاتحة والبقرة .

عدد الصفحات ٢٢

التمهيد 23 - تفسير سورة آل عمران . - تفسير سورة النسا . - تفسير سورة الكه . - تفسير سورة ص . - تفسير سورة يس . - تفسير سورة الحج رات حتى سورة الحديد . - تفسير سورة الصافات . - تفسير لز عم . - الحكمة من إرسال الرسل . - حقوق الراعي والرعية . - حاشية على الروض المربع . - توليهات للمؤمنات حول التبرج والسفور . - حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة . - رسالة الحجاب . - رسالة في أن الطلاق الثلاثَ واحدٌ ولو بكلمات. - رسائل فقهية . - رسالة في قصر الصلاة للمبتعثين . - رسالة في صفة الصلاة . - رسالة في القضا والقدر . - رسالة إلى الدعاة . - رسالة في الصلاة والطهارة لأهل الأعذار . - رسالة في أقسام المداينة . - رسالة في النكاح وفوائده . - رسالة في الوضو والغسل والصلاة . - زاد الداعية إلى الله . - شرح الأربعين النووية .

عدد الصفحات ٢٣

التمهيد 24 - شرح حلية طالب العلم . - شرح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية . - شرح القواعد الحِسان في تفسير القرآن. - شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث . - شرح الآلرومية . - الشرح الممتع على زاد المستقنع . - شرح دروس البلاغة . - شرح رياض الصالحين . - الصحوة الإسلامية ضوابط وتوليهات . - الضيا اللامع من اعطب والجوامع. - فصول في حكم الصيام والتراويح والزكاة . - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام . - الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية . - فتاوى وتوليهات في الإلازات والرحلات . - الفتاوى النسائية. - فقه العبادات. - كتاب العلم. - كي يؤدي المسلم مناسك الحج والعمرة . - مجموع فتاوى ورسائل ، صدر منها حتى تحرير هذا البحث أربعة وثلاثون مجلدا ، وهو يُوي بين طياته العديد من الفتاوى والرسائل العلمية . - مناسك الحج والعمرة والمشروع في الزيارة . - مكارم الأخلاق . - منهاج أهل السنة. - مختارات من فتاوى الصلاة . - مختارات م ن إعلام الموقعين. - مختارات من الطرق الحكمية .

عدد الصفحات ٢٤

التمهيد 25 - مختارات من زاد المعاد . - المناهي اللفظية. - نيل الأرب من قواعد ابن رلب . - مختصر مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب لابن هشام في النحو. - المنتقى من فرائد الفوائد . - منظومة في أصول الفقه وقواعده. - المنهج لمريد العمرة والحج . - المجمو ع الثمين.

عدد الصفحات ٢٥

التمهيد 26 1-عنايته بالدرس البلاغي: الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – من علما الإسلام الكبار، وهو يُعد ظاهرة علمية فكرية متميزة؛ فقد ضرب في كل علمٍ بسهم، فهو فقيه، وأصولي، ومفسر، ونحوي، ولغوي، وبلاغي، ولقد تنوعت ثقافته وتعددت روافدها، ومن مظاهر عنايته – رحمه الله تعالى- بالدرس البلاغي ما يلي: - اهتمامه بالتحليلات الذوقية، وتتبعِ الأغراض البلاغية، ولا سيما في التلابه الشواهد من القرآن الكريم ، والسنة النبوية، وذلك عائد إلى ثقافته الشرعية الواسعة . - موازنته الظاهرة بين علم البلاغة وتوليهاته ، وبين العلوم الأخرى ولا س يما علم العقيدة؛ فإنه يسبر أغوار علم البلاغة، ويطبق هذا العلم على الآيات القرآنية، مثبت ا ما يليق بجانب الله – عز ولل – ونافي ا ما ينزه عنه سبحانه . - من عناية الشيخ – رحمه الله - أنه يناقش أقوال البلاغيين، فله تحريرات وتع قبات ظاهرة . - أنه – رحمه الله – لم يق موق الناقل والمتابع، بل يق موق العالم الموسوعي الذي تذوق هذا العلم، حتى أضاف إليه بعض الأقسام والأسما التي لم يسبقه إليها أحد قبله. - حديثه – رحمه الله – عن فضل علم البلاغة في مناسبات تدعو إلى ذلك. - تكرار شرحه لكتاب دروس البلاغة، حيث شرحه أكثر من مرة . لهذا كله نرى أن لهود الشيخ ابن عث يمين في البلاغة جمة، ولا سيما تحليلاته لآيات القرآن والأحاديث النبوية، ففيها فرائد بيانية وفوائد ثرة، وكثير منها توصل إليها الشيخ بثاقب فكره ، ودقيق نظره ، وقوة تأصيله العلمي، وكل من رالع تفسير الشيخ للقرآن وشروحاته الحديثية يدرك ذلك، فرحمه الله رحم ة واسعة.

عدد الصفحات ٢٦

الفصل الأول القضايا البلاغية وفيه أربعة مباحث : المبحث الأول: وجوه إعجاز القرآن. المبحث الثاني: المتشابه اللفظي. المبحث الثالث: المجاز. المبحث الرابع: التوجيه البلاغي في آيات العقيدة.

عدد الصفحات ٢٧

الفصل الأول: القضايا البلاغية 28 المبحث الأول: وجوه إعجاز القرآن الكريم: تعريف الإعجاز: في اللغة: يقال: عَ جَ زَ الشي يةَ عْ جِ زُ عَ جْ ز ا فهو عالزٌ ؛ أي ضعي ، ويقال: أعجزني فلان ، إذا عَ جَ زتُ عن طلبه وإدراكه ، وعجزت المرأة تةَ عْ جِ ز عُجُوز ا: كَ برِ ت وأسن ت: لعجزها في كثير من الأمور، قال تعالى: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الشعرا: 171]،العَجْزُ نقيض الحَزْم، عَجَز عن الأَمر عجزا ، فمعنى الإعجاز: الفوت والسبق، فالمعجزة مأخوذة من العجز الذي هو نقيض القدرة (1). والمعجزة في الاصطلاح: «أمرٌ خارقٌ للعادة مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة يُ ظهره الله على يد رسله »(2). منوجوه إعجاز القرآن: الإعجاز البلاغي : وهو الأساس الذي تحدّى به العرب، حيث كانوا من حذاق البلاغة وأرباب الفصاحة ، وهذه سنة لرت في تحدي القوم بما يجدون ، قال تعالى: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [الإسرا: 88]،وقال تعالى: ﴿ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [البقرة : 23]،وليست مباحث الإعجاز إلا تأكيد ا وشرح ا لهذه الفكرة (3)وهي أن القرآن معجز ، استعاراته معجزة ، وإيجازه معجز ، وأساليب إنشائه وقصره ، والفصل والوصل بين جمله بديع ومعجز، كذلك التجانس البديع بين أصوات الحروف معجز، والحروف المقطعة (1 )ينظر: مقاييس اللغة: 4/ 232، ولسان العرب : (عجز). (2 )الإتقان في علوم القرآن لابن قتيبة :2/116 . (3 )ينظر: تأثير الفكر الديني في البلاغة العربية : 223 .

عدد الصفحات ٢٨

الفصل الأول: القضايا البلاغية 29 في أوائل السور، وفواصله معجزة ، وحسن استهلاله وح سن اختتام السور، والتقديم والتأخير بين ألفاظه ، واشتماله على الكنايات والتعريض مُعْجِز ، فنظمه البديع المخال لكل نظم معهود، و أسلوبه العجيب المخال لجميع الأساليب، و لزالته التي لا تمكن لمخلوق معجزة ، فقد تصرف القرآن في الألفاظ العربية على وله لا يستقل به عربي، هذه لمحة سريعة عن أبرز ولوه الإعجاز التي ذكرها العلما السابقون (1). ويظلُّ هذا الوله – وهو الإعجاز البلاغي - هو الأساس في التحدي والإعجاز للعرب ، وهو نظم القرآن ونسقه ، فتركيبه هو ما أعجز العرب ، قال اعط ابي «لأنه لا بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التألي مضمنا أصح المعاني»(2)، ويأتي الباقلاني ليصرح بأن القرآن بديع النظم عجيب التألي (3)،ويأتي الشيخ عبد القاهر ليصرح أكثر بأن مَرد الإعجاز هو النظم ... بل لا نبالغ إذا قلنا: إن عبد القاهر قد سخر كتابه (الدلائل) ليثبت هذه النظرية التي هي أساس الإعجاز(4). والحديثعن هذا الإعجاز البلاغي لا تتسع له مقدمتنا هذه، فقد أردنا أن نبين بلمحة سريعة لتكون ت و طئة لما سنتحدث عنه. وجوه الإعجاز عند الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: أثنا البحث عن حديث الشيخ عن الإعجاز ولدته يقوم على ثلاثة أشيا : 1- تعري الإعجاز. 2- ولوه الإعجاز . 3- قصة التحدي للعرب . أولا: تعريفه للإعجاز: عرف ابن عثيمين -رحمه الله- الإعجاز اصطلاح ا تعريف ا لا يبعد عما ذكرنا سابق ا، قال (1 )ينظر: الطراز : 1/ 579-586، معترك الأقران : 1/ 14-514، مناهل العرفان : 2/ 311. (2 )إعجاز القرآن للخطابي ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : 27 . (3 )إعجاز القرآن للباقلاني : 111 . (4 )ينظر دلائل الإعجاز: 45- 51- 99- 111 .

عدد الصفحات ٢٩

الفصل الأول: القضايا البلاغية 30 في شرحه للعقيدة السفارينية عند ما قال صاحب العقيدة : (ومعجزات خاتم الأنب يا ) و«المعجزات : جمع معجزة ، وهي في التعري أمرٌ خارق للعادة ي ظهره الله  على يد الرسول شهادة بصدقه؛ فهو يشهد بصدقه بالفعل وهو إظهار هذه المعجزة »(1)،ويمضي ابن عثيمين ليُفسر معنى كلمة خارق للعادة: «فقولنا: أمرٌ خارق للعادة ، خرج به ما كان لاري ا على سنن العادة»(2)،وضرب الشيخ مث لا من أن ه لو ادعى رللٌ أن الشمس ستشرق غدا صباح ا وأشرقت ، فلا يعد قوله هذا معجزة ؛ لأن هذا يُدث كل يوم ولم يأت بجديد ، وذكر أيضا أنه لا كرامة في ذلك ، قال ابن عثيمين: «فلو أن رللا ادعى الولاية ، وأراد أن يثبت ذلك للناس بكرامة له ، فأخبر أن الشمس تطلع في اليوم المحدد في الوقت المحدد، وكان هذا ال وقت هو موعد طلوعها الذي يعرفه الناس ويعهدونه ، فخرلت كما قال ، فإنه لا يعد ذلك شهادة له بالولاية ، ولا يعد كرامة له ؛ لأنه ليس خارق ا للعادة، فلا يكون كرامة »(3)،ويضرب مثلا آخر بما ورد عن ابن تيمية حين طلب أحد أصحاب العقائد الفاسدة أن يدخل هو وابن تيمية في النار فأيهما لم يُترق فهو على حق: «فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله -: نعم ليس عندي مانع، فإذا كان الله  لعل النار بردا وسلام ا على إبراهيم ، فإنها تكون برد ا وسلام ا على أمة محمد، فلا مانع من أن ندخل النار، لكن بشرط أن نغتسل وننظ ألسامنا أنا وأنت قب ل أن ندخل النار، فنَ كصَ الرلل على عقبيه ، فقال شيخ الإسلام: أنا أعلم أن هذا الرلل قد طلى لسمه بمادة تمنع الاحتراق، فأراد أن يعجزني بهذا ، فبُ هت الذي ابتدع »(4). وبعد هذا يسأل الشيخ ، فيقول: «هل إذا دخل رلل النار ولم تحرقه فهل هذا خارق للعادة؟ ، قال الشيخ: مسألة: لو أن رل لا من الناس دخل النار حقيقة ولم يُترق تأييد ا للشرع هل يعد هذا كرامة ؟ الجواب: نعم، لأنه أمر خارق للعادة»(5). ويمضي الشيخ مبينا معنى قول من عرّف المعجزة بأن: (يُ ظهره الله على يد الرسول تأييد ا (1 )شرح العقيدة السفارينية : 568 . (2 )السابق: 568 . (3 )السابق. (4 )السابق: 568-569 . (5 )السابق: 569 .

عدد الصفحات ٣٠

الفصل الأول: القضايا البلاغية 31 له، فإن أظهره الله على مدعي الرسالة تكذيب ا له لا تصديق ا فليس بمعجزة )(1)،أي إن حدث عكس الأمر المتوقع كأن يطلب من المدعي أن يُيي الزرع الهالك فيقرأ عليه فيموت الزرع الباقي، واستشهد ابن عثيمين بقصة مسيلمة حينما طلب منه قومه حين غارت بئر لهم أن يمج الما الذي تمضمض فيه في البئر، فغار الما الباقي وهم ينظرون «أنيُدث بالما ما حدث في بئر غزوة الحديبية فلما مَ ج هذا الما في الما الباقي غار -بإذن الله-، وهذا خارق للعادة وليس موافق ا لها، لكن كان تكذيب ا لا تصديق ا. وذكروا عنه أيض ا، أنهم أتوه بصبي شعر رأسه متمزق ليمسحه حتى يخرج بقية الشعر ، فلما مسح على رأسه زال الشعر المولود ، وصار الصبي أصلع بالمرة ، وهذا أيض ا خارق للعادة ؛ لأن الإنسان لو مسح على رأس الصبي ما نبت الشعر ولا زال ، لكن كان ذلك تكذيب ا له؛ ولهذا قلنا: المعجزة أمرٌ خارقٌ للعادة يظهره الله على يد الرسول تأييد ا له، وتصديق ا له»(2) فابن عثيم-رحمه ا لله- يُقيد تعري المعجزة بأنها تكون تأييد ا لا تكذيب ا للرسول ، وهذا هو الفرق بينه و بين الذي حدث للنبي في بئر غزوة الحديبية، فلما مج هذا الما في الما الباقي غار -بإذن الله-، وهذا هو اعارق للعادة . ولم يقيد الشيخ المعجزة بالإعجاز القرآني فقط ؛ وذلك لأنه يتحدث هنا عن معجزات عامة، فليس فيما أوردنا من أن مقصده تعري الإعجاز القرآني بل تعري للمعجزات عامة ، وبهذا نستطيع أن نقول: إن الشيخ يتكلم عن معجزات عامة ، ولكننا نجده بعد ذلك يبدأ التخصيص في الحديث عندما وق على قول صاحب العقيدة السفارينية ، قال المؤل -رحمه الله-: «(منها كلام الله معجز الورى )، أي من هذه المعجزات (كلام الله)  وهو القرآن ، الذي أعجز الورى »(3). ويُرص الشيخ-رحمه الله - على تسمية معجز القرآن (بالآية)، بل ويعمم ذلك على جميع معجزات الأنبيا ، ويستدرك على مؤل العقيدة السفارينية عندما قال : «ومعجز القرآن …»، قال الشيخ : «لكن هنا ملاحظة على قول المؤل : (ومعجز القرآن ) هذا من باب إضافة (1 )ينظر: إعجاز القرآن الكريم :د.فضل عباس ، وسنا عباس: 21. (2 )السابق: 569-571 . (3 )السابق: 571 .

عدد الصفحات ٣١

الفصل الأول: القضايا البلاغية 32 الصفة إلى موصوفها لأن المع: والقرآن المعجز ، وكان ينبغي له ألا يعبر عن آيات الأنبيا بالإعجاز؛ لأن الإعجاز ليس من خصائص الأنبيا ، فإن الساحر يُ عجِ ز، والبهلواني يُ عجِ ز، فلم ا كان هذا اللفظ مشترك ا بين الحق والباطل، كان الأَ ولى أن نأتي بلفظ يتعين فيه الحق، وهو ما نطق الله به وهو (الآيات) كما قال الله تعالى في القرآن : ﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [العنكبوت: 49]،فالأولى أن يقول : آيات القرآن بدل : معجز القرآن ، والأولى في جميع ما يسمى بمعج زات الأنبيا أن نسميه آيات الأنبيا ؛ لأن الآيات بمعنى العلامات الدالة على صدقه»(1)،ويرفض الشيخ رأي من قال إن هناك فرق ا؛ لأن معجزات الأنبيا مقرونة بالتحدي، فيرد الشيخ قائلا: «وهذا غير صحيح؛ لأن آيات الأنبيا تارة تكون تحدي ا؛ وتارة تكون ابتدا بدون تحد . فقد لا الصحابة  إلى الرسول  في غزوة الحديبية، وقالوا له: يا رسول الله ، ليس عندنا ما ، فدعا بإنا فوضع أصابع يده عليه فجعل الما يفور من بين أصابعه(2)،وليس في هذا تحََ د ، وهم  لم يقولوا له ائتنا بآية، بل شكوا إليه قلة الما فجا ت هذه الآية». ويستمر الشيخ في ضرب الأمثلة على ذلك قائلا : «وآيات الرسول  كثا ما تكون بغير تحََ د ، كما لا ه الرلل وهو على المنبر (3)،فقال: ادع الله أن يغيثنا : فدعا  فأُغيثوا قبل أن ينزل من منبره ، ولا في الجمعة الثانية ، وقال: ادع الله أن يمُْ سِ كها عنا فدعا فانفرلت السما ، وليس في هذا تحد »(4)،ويضي الشيخ في التفريق بين معجزة الأنبيا وكرامات الأوليا : «وقال بعض الناس: إن معجزات الأنبيا تشبه كرامات الأوليا ، فلذلك يجب أن نُ نكر إما آيات الأنبيا أو كرامات الأوليا ، وآيات الأنبيا لا يمكن إنكارها فلنُ نكر كرامات الأوليا ؛ فقالوا: لا يمكن أن يولد للأوليا كرامات ، والصواب أن كرامات الأوليا ثابتة فيمن (1) السابق: 553 . (2 )أخرله :البخاري :11/214،(4152. ) (3 )أخرله : البخاري : 1/459،(1113 )،ومسلم:3/24،(2115.) (4) السابق: 554-555 .

عدد الصفحات ٣٢

الفصل الأول: القضايا البلاغية 33 قبلنا وفي هذه الأُمة…»(1). ويضربُ مث لا بقصة مريم ليتوصل الشيخ إلى أن الكرامات لا تكون إلا من ولي تابع لنبي ، وهذا الولي لا يُزكي نفسه ، ولا يقول إنه ولي وتأتيه كرامة (2)،ولعل سبب تشابه اصطلاح المعجزة بأفعال السحرة والبهلوان وما يكرم به الله الأوليا هو ما لعل الشيخ يفضل العدول عن لفظ المعجزة ، إضافة إلى هذا ما ورد في الآية الكريمة من تسمية المعجزات بآيات بيّنات، ويذكر الشيخ أن المصن يتابع تسميته بالمعجزة : «والمهم أن القرآن من أعظم المعجزات للنبي ،وأقول: من أعظم المعجزات تبع ا للمؤل ، وإلا فالصواب أن نقول: الآيات»(3). ثانيا: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم عند الشيخ: يقرر الشيخ أن القرآن معجز بجميع ولوه الإعجاز ، إلا أنه يجعل أسلوبه على رأس هذه الولوه ، قال: «إذا قال قائل: ما وله الإع جاز في القرآن ؟ وكي أعجز البشر ؟ الجواب: أنه معجز بجميع ولوه الإعجاز ؛ لأنه كلام الله ، وفيه من ولوه الإعجاز ما لا يُدرك؛ فمن ذلك: أو لا : قوة الأسلوب، وجماله، والبلاغة، والفصاحة، وعدم الملل في قرا ته »(4)،فهو يرى أن هناك ولوه ا من الإعجاز لا تُدرك، ومثال ذلك الأخبار المستقبلية فقد لا يدركها الإنسان لبعد الزمان ، وهناك ما لا ينتبه لها أي شخص، ثم ترى الشيخ في موضع آخر متسائلا أي الأمور هو مكمن إعجاز القرآن الكريم ؟ وأي هذه الولوه هو الأقوى ليكون السبب الأقوى والأول في الإعجاز؟ قال الشيخ: «فإن قيل: كي كان القرآن آ ية؟ أبلفظه أم بمعناه أم بصدق مخبره أم بماذا؟ فالجواب: أنه آيةٌ بكل معنى الآية في اللفظ والأسلوب والمعنى، وأنه مهما كررته فلا يمكن أن تمل منه…»(5)،فالشيخ بعدما طرح اعيارات يرى أن مرد الإعجاز ، لفظه وأسلوبه ومعناه، ويمضي الشيخ يضرب لنا مثلا كعادته من أن : «الفاتحة التي نكررها في اليوم مرات ومرات ولا (1) السابق: 555 . (2 )السابق. (3) السابق: 571 . (4 )تفسير سورة البقرة : 1/ 88-89 . (5) السابق: 555-556 .

عدد الصفحات ٣٣