الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 258 قوله: ﴿ﰎ ﰏ ﰐ ﴾ [المائدة: 119] من المشاكلة. إلى غير هذا مما ذكروه ونفوا من ألله حقيقة ما وص الله به نفسه من ذلك»(1). ويتضح أيض ا ردّه للمشاكلة في قوله تعالى: ﴿ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [البقرة : 15] يقول: «فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه المعاني لله على سبيل الحقيقة. لكن أهل التحري يقولون: لا يمكن أن يوص بها أبد ا، لكن ذكر مكر الله ومكرهم من باب المشاكلة اللفظية، والمعنى مختل ؛ مثل: ﴿ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ﴾ [المائدة: 119]»(2). ومما سبق يتضح أن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - يق على شواهد المشاكلة في القرآن الكريم؛ وقد وصفها بالمقابلة . ويرد الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - المشاكلة في أسما الله وصفاته، وهو مذهب أهل السنة والجماعة وأن ما لا في أسما الله وصفاته إنما هو على سبيل الحقيقة لا المجاز؛ لكن نجده يثبت المشاكلة في غير آيات الصفات؛ وهي ما أوردتها في أول البحث. (1 )مجموع الفتاوى : 1/ 186 . (2 )السابق: 8/ 284 .
عدد الصفحات ٢٥٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 259 6- تأكيد المدح بما يشبه ال م والعكس: أولا : تأكيد المدح بما يشبه ال م: هذا الفن من الأساليب التي نبّه عليها البلاغيون قديم ا وحديث ا بهذا الاسم(1)،أو (بما يوهم الذم) أو تحت اسم (الاستثنا )(2) أو (النفي والجحود)(3) .وهو: «أن يص الشاعر أو الكاتب شيئ ا ويؤكده ويقرره في مناقبه ومحامده ألفاظ ا تُوهم السامع قبل أن يعيها ويتحققها أن المتكلم قد رلع من المدح إلى الذم »(4). وللشيخ ابن عثيم-رحمه الله - إشارة إلى هذا الفن في آيات الذكر الحكيم ؛ فقد قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [البقرة : 97]؛قال: «﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴾ أي معادي ا له؛ (ولبريل ) هو الملَك الموكل بالوحي ؛ وكان اليهود يعادونه، ويقولون: (إنه ينْزل بالعذاب)؛ ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾: فيه إعرابان : الأول: أن الجملة لواب الشرط ؛ ووله ارتباطه بفعل الشرط من الناحية المعنوية تأكيد ذم هؤلا اليهود المعادين لجبريل، كأنه لم يكن فيه ما يولب العداوة إلا أنه نزله على قلبك؛ وهذا يشبه تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول القائل: وَ لا عَ يْ بَ فِ يهِ مْ غَ يةْ رَ أَ ن سُ يُ وفةَ هُ مْ بهِِ ن فةُ لُ ولٌ مِ نْ قِ رَ اعِ الكَ تَ ائِ بِ (5) فالمع: من كان عدو ا لجبريل فلا مولب لعداوته إلا أنه نزله ، أي القرآن ، على قلبك؛ وهذا الوص يقتضي ولايته لا عداوته»(6). (1 )حلية المحاضرة : 1/ 162 . (2 )البديع لابن منقذ: 121 . (3 )أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم المد : 6/ 452 . (4 )روضة الفصاحة للرازي : 251 . (5) البيت للنابغة الذبياني، ديوان النابغة: 199، الأمثال لابن سلام: 1/ 19 . (6 )تفسير سورة البقرة : 1/ 313 .
عدد الصفحات ٢٥٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 260 ثاني ا: تأكيد ال م بما يشبه المدح: وهو على العكس من سابقه، ويسمى: تأكيد الشي بما يشبه ضده(1). وقد عرض الشيخ -رحمه الله - هذا الفن في قوله تعالى: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [البروج : 8]،قال: (أي ما أنكر هؤلا الذين سعروا النار بألساد هؤلا المؤمنين إلا هذا، أي: إلا أنهم آمنوا بالله ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾، وهذا من باب توكيد الذم بما يشبه المدح؛ لأن الإيمان بالله ليس محل إنكار)2). (1 )التحرير والتنوير : 31/ 38 . (2 )تفسير لز عم : 126 .
عدد الصفحات ٢٦٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 261 7-الفواصل: الفاصلة في اللغة: مأخوذة من الفصل مابين الشيئين(1). واصطلاح ا: تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد(2) .والمراد بالفاصلت : الكلمتان الأخيرتان من الفقرتين . والمراد تواطؤهما على حرف واحد في آخرهما . وقد آثر كثير من البلاغيّين تسمية ما في القرآن الكريم من هذا النوع من البديع بة(الفواصل) على مصطلح (السجع)؛ لأن السجع في الأصل هديل الحمام، فينبغي تنزيه ا لقرآن عن أن يستعار لشي فيه لفظ هو في الأصل صوت الطائر، ولأنه سمة مميزة لحديث الكهان قبل الإسلام؛ يقول الرازي : «ولا يقال لأواخر الكلم في القرآن : أسجاع ، بل فواصل كما قال الله تعالى : ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ [فصلت: 3](3)،على أن من البلاغيّين من ارتضى تسمية هذا الفن بة(السجع)»(4). والشيخ ابن عثيم-رحمه الله - يسميه الفواصل وربما ذكر السجع وهذا قليل. ولكنه يق منه متوسط ا، كسائر المحسنات اللفظية؛ فيقول: «والسجع إذا لم يكن متكلف ا فإنه لا شك يزين الكلام ويُببه إلى النفس، ولهذا يقع أحيان ا في كلام الرسول لكن بدون تكل »(5). وقد تحدث الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - في شرحه لدروس البلاغة عن السجع المحمود والمذموم وقيمته، وأورد الأمثلة عليه ؛ فيقول: «السجع كثير في كلام العرب ، وفي الحديث النبوي، وفي كلام العلما ، ومن أقدر من قرأتُ كتابه على السّجع ابن الجوزي -رحمه الله - في (التبصرة )، يأتي بسجعٍ عجيبٍ يأخذ باللبِّ ، وتشعر بأن الر لل لا يتكل ، وقد يولد من يكون كلامه كله سَجْع ا، ويسهلُ عليه السجعُ ، فهل السجع محمود أم مذموم؟ (1 )اللسان (فصل). (2 )الإيضاح: 412، المثل السائر: 1/ 318 . (3 )روضة الفصاحة: 211 . (4 )ينظر: الصناعتين: 285، سر الفصاحة: 166، المثل السائر: 1/ 318 . (5 )شرح مقدمة التفس : 5 .
عدد الصفحات ٢٦١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 262 نقول: إذا كان غير متكلّ ولا ت به الطبيعة فإنه محمودٌ ؛ لأن ينمِّق الكلام ويُسنه ويُطرِب الأسماع . وأما إذا ك ان متكل ف ا فإنه لا شك أنه مذمومٌ ؛ ولهذا تجد السّجع المتكل يُصل فيه غموضٌ في المعنى؛ لأن المتكلم يُاول أن يأتي بالكلمات المتناسبة ولكن مع مشقة. أما إذا أُريد به الباطل فهذا واضحٌ أنه سوا كان سَجع ا أم غير سَجع أنه مذمومٌ بلا شك، فقول الرسول :((قضاالله أحق، وشرط الله أوثق ، وإنما الولا لمن أعتق )(1))؛هذا سجعٌ بلا شك، لكنه محمودٌ ؛ لأنه غير متكلّ لا ت به السليقة هكذا، فلا يكون مذموم ا. وكذلك يولد في بعض اعطب – خُطب العلما – رحمهم الله – التي قبل بد الكلام سَجعٌ كثيرٌ . أما إذا قُصِدَ به الباطل فلا شك أنه مذموم، مثل قول حمَل بن النابغة للرسول ح قَضَى في قصة المرأتين المقتتلتين بديةٍ وغُرة، قال: «يا رسول ا ! كي أغْرَمُ مَن لا شَرِبَ ولا أكَلْ ، ولا نَطَقَ ولا استهلّ ؟ ، فمثل ذلك يُطَلّ » .…فقال الن :((إنما هذا من إخوان الكُه ان))، من ألل سجعِ ه الذي سَجَعَ (2)،يعني: من ألل كلامه المسجوع ؛ لأن الكاهن يأتي بكلام مسجوع لينمّق الكلام ويكون أشد طرب ا للأسماع»(3). ويةَعُدّ الشيخ السجع في الدعا دون تكل مما يضفي على اللفظ الحسن والجمال والمبالغة، و يذم التكل فيه؛ لأنه ربما يؤدي إلى الاعتدا في الدعا ، فيقول: «وإذا لا السجع سجية وطبيعة بدون تكل فإنه مما يُسن اللفظ ويجمله، ولهذا كان النبي أحيان ا يستعمل السجع مثل قوله :((قضا الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولا لمن أعتق))، فإذا لا السجع من غير تكل فهو من محسنات اللفظ، أما مع التكل كما يولد في بعض ما يدعو به بعض الناس في دعا ختم القرآن من الأسجاع الطويلة العريضة ، (1 )أخرله : البخاري :1/989 ،(2168. ) (2 )أخرله :البخاري :1/2939 ،(5761 )، ومسلم:5/111 ،( 4485. ) (3 )شرح دروس البلاغة : 158 .
عدد الصفحات ٢٦٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 263 وربما يكون فيها اعتدا في الدعا بحيث يتوسلون إلى الله تعالى بما لم يكن وسيلة، أو يدعون الله تعالى بما لا يمكن أن يكون لهم، فهذا غلط»(1). وخلاصة كلام الشيخ في السجع : - أن السجعَ المتك ل مذمومٌ . - أن السجع الذي يُراد به إبطال الحق مذمومٌ . لكن الأول مذموم من حيث الشكل، والثاني مذموم من حيث المضمون. - أن السجع الذي لا يبطل حق ا ولا يأتي متكلف ا محمودٌ ؛ لأنه لا شك أنه يَُُسِّن الكلام. و كثيرا ما يذكر الشيخ أن تقديم الكلمة أو تأخيرها إنما لا مراعاة للفاصلة ، أي إشارات فقط، وله وقفات وحديث في بلاغة الفاصلة ، فمن ذلك: عند قوله تعالى: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ [القمر: 21] «وفي الحاقة قال تعا: ﴿ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﴾ [الحاقة: 7] والمع متقارب ، لكن من بلاغة القرآن أن يجري الكلام فيه على نسق واحد، فهناك: ﴿ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﴾ مناسب للفواصل التي في الحاقة، أما هنا: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ مناسب للفواصل التي في سورة القمر؛ لأن تناسب الكلام واتساقه من كمال بلاغته»(2) .فيذكر -رحمه الله - أن مراعاة الفاصلة القرآنية من البلاغة . وفي قوله تعالى: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ [آل عمران : 32]،يقول: «ومن الفوائد اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، فإن قال: (فإن تولوا فإن الله لا يُبهم) لم تتناسب هذه الفاصلة مع الفواصل التي قبلها وبعدها، ومراعاة الفواصل من البلاغة ؛ ألم تروا إلى قوله تعالى في سورة طه : ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾ [طه: 71]،مع أنه في الآية الأخرى يقدم موسى ، وموسى أفضل من هارون –لا شك-، وأحق بالتقديم، لكنه قدم هارون على موسى في هذه الآية من سورة طه من ألل مراعاة الفواصل ، ولا شك أن القرآن في قمة البلاغة ، ومراعاة (1 )لقا ات الباب المفتوح : 81 . (2 )تفسير سورة القمر : 276 .
عدد الصفحات ٢٦٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 264 الفواصل من البلاغة»(1). فيقوله تعا : ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾ [البقرة : 143]؛يقول – رجمه الله - «…﴿ﮙ﴾ قال العلما : إن الرأفة أشد الرحم ة؛ فهي رحمة خاصة؛ و﴿ﮚ﴾ أي متص بالرحمة ؛ وقالوا: إنه قدمت: ﴿ﮙ﴾ على: ﴿ﮚ﴾ مع أن (الرؤوف) أبلغ من ألل مراعاة الفواصل؛ وقال تعالى: ﴿ﮚ﴾؛ لأن هذا يتعلق بفعله أي برحمته اعلق»(2). وقال– رحمه الله - في قوله تعالى : «﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ [الضحى: 7] و يقل: فهداك، ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [الضحى: 8]،ولم يقل: فأغناك لماذا؟! لمناسبتين إحداهما: لفظية، والثانية: معنوية، أما اللفظية فلألل أن تتناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾ [الضحى: 1 - 5]،كل آخر الآيات أل فقوله: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [الضحى: 6]،لو قال: فآواك اختل اللفظ، وولدك ضالا فهداك اختل اللفظ، وولدك عائلا فأغناك اختل اللفظ، لكن لعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد»(3). وأخير ا كما في قوله تعا: ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ [الصافات: 177]؛قال الشيخ -رحمه الله-: في هذه الآية «أقام الظاهر مقام المضمر ، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا ب د لها من فائدة: إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، وهنا إقامة الظاهر مقام المضمر له فائدة لفظية ومعنوية ، فاللفظية هي : مراعاة فواصل الآيات . لأن الله تعالى يعبر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من ألل مراعاة الفواصل ، ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾ [طه: 71]،ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يقدم عليه في كتاب الله ، لكن في هذه الآية قدم هارون على موسى مراعاة للفواصل ؛ لأن سورة طه فواصلها غالبها بالأل . وهنا نقول: (فسا (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 211، وينظر: شرح صحيح البخاري : 2/ 17 . (2 )تفسير سورة البقرة : 2/ 114 . (3 )شرح رياض الصا : 1/ 315 .
عدد الصفحات ٢٦٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 265 صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها، فقال: ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﴾؛ وهذه فائدة لفظية»(1). (1 )تفسير سورة الصافات : 365 .
عدد الصفحات ٢٦٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 266 8- التقسيم: وهو فن بديعي عريق ، وقد عرّفه أبو هلال العسكري بقوله: «التقسيم الصحيح: أن تقسّم الكلام قسمة مستوية تحتوى على جميع أنواعه، ولا يخرج منها لنس من ألناسه »(1) .وهذا التعري للتقسيم هو الذي يلحظ في كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله -؛ فمن ذلك ما لا في تفسيره لسو رة البقرة ، فقد ذكر-رحمه الله - أن هذا التقسيم في أول السورة من : «بلاغة القرآن ؛ بل فصاحة القرآن في التقسيم؛ لأن الله ابتدأ هذه السورة بالمؤمنين اعل ص، ثم الكفار اعل ص، ثم بالمنافقين؛ وذلك؛ لأن التقسيم مما يزيد الإنسان معرفة ، وفهم ا…»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ [يس: 72]،ذكر الشيخ -رحمه الله- ما في الآية من تقسيم ؛ فقال: «﴿ﭞ﴾ أي: سخرناها ولعلناها ذليلة تنقاد لهم…ثم قسّم الله ولوه الانتفاع فقال : ﴿ﭠ ﭡ ﴾…أ ي: فمنها ما يركبونه ، مثل الإبل. ﴿ﭢ ﭣ ﴾ مثل الغنم، ومنها ما يجمع بين الأكل والركوب مثل الإبل …فالمنافع كثيرة في هذه الأنعام التي خلقها الله لنا. وقوله :﴿ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ (من) في الموضعين هل هي للتبعيض، أو للابتدا ، أو للجنس؟ مقتضى التقسيم أن تكون للتبعيض، أي: بعضها يركب وبعضها يؤكل »(3). (1 )كتاب الصناعت: 341 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 39 . (3 )السابق: 271 .
عدد الصفحات ٢٦٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 267 9- الاكتفاء: الاكتفا في اللغة: من كَفَى يَكْفِي كِفَايَة ، إذا قام بالأمر، ويقال: اسْتَكْفَةيْته أَمْةرا فكَفانِةةيه. ويقةةال: كَفةةاك هةةذا الأَمةةرُ أَي حَسْةةبُك،وكفةةاك الشةةي يكفيةةك واكتفيةةت بةةه . وكفةةاه الأمةةر : إذا قام فيه مقامه(1). واصةةةطلاح ا: أن يقتضةةةي المقةةةام ذكةةةر شةةةيئين بينهمةةةا تةةةلازم وارتبةةةاط ، فيكتفةةةى بأحةةةدهما عةةةن الآخةةر لنكتةةة؛ولا يكةةون المكتفةةى عنةة ه إلا آخةةرا لدلالةةة الأول عليةةه، وذلةةك الارتبةةاط قةةد يكةةون بالعط وهو الغالب(2). وذكر البلاغيون أنه ضرب من الإيجاز ؛ لدلالة بعض الكلام على الذاهب منه(3). ولم يشر الشيخ -رحمه الله- إلى أن الاكتفا من البديع، بل لةا الاكتفةا عنةده مةن خةلال وقوفةةه علةةةى بعةةةض شةةواهده البلاغيةةةة، فمةةةن ذلةةةك: مةةا لةةةا في قولةةةه تعةةةالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [الصافات: 72]،يذكر -رحمه الله-: «أنه ينبغةي في اعطةاب أن يةذكر مةا يناسةب المقةةام، وأن يُةةذف مةةا تكةةون الفصةةاحة في حذفةةه، ولهةةه أنةةه اقتصةةر هنةةا علةةى ذكةةر الإ نةةذار بالنسةةةةبة للرسةةةةل مةةةةع أن الرسةةةةل علةةةةيهم السةةةةلام حةةةةالهم الإنةةةةذار والتبشةةةةير، قةةةةال الله تعةةةةالى: ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [النسا: 165]»(4). وكما في قوله تعا : ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ (1 )اللسان (كفى). (2 )أنوار الربيع في أنواع البديع : 3/ 71، وينظر: المنزع البديع : 188، والإتقان: 1/ 61، ومعترك الأقران : 1/ 321 . (3 )ينظر: العمدة: 1/ 251، النكت في إعجاز القرآن : 71، خزانة الأدب : 126، أنوار الربيع : 3/ 71، المنزع البديع : 188 . (4 )تفسير سورة الصافات : 165 .
عدد الصفحات ٢٦٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 268 ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [آل عمران: 13]. ففي قوله :﴿ﮌ ﮍ ﴾ [آل عمران : 13]،«ولم يقل ا :(تقاتل في سبيل كذا)، وهذا من باب الاكتفا بذكر أحد الوصفين عن الآخر، الأولى : قال: ﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ [آل عمران : 13]، ولم يقل : فئة (مؤمنة) تقاتل في سبيل الله. والأخرى قال: ﴿ﮍ﴾، ولم يقل : تقاتل في سبيل الطاغوت. فحذف من الأولى مقابل ما ذكر في الثانية. حذف من الأولى (مؤمنة) التي تقابلها: ﴿ﮍ﴾، وحذف من الثانية ضد ما ذكر في الأولى؛ فحذف: (في سبيل الطاغوت)، وذكر في الأولى: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﴾، وهذا من باب الاكتفا بذكر أحد الوصفين عن الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية »(1)، أقول: ومن العلما من يعد هذا نوعا من الاحتباك، ولكل ولهة صحيحة(2).والاحتباك: «هو أن يُذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما اثبت نظيره في الأول»(3). وفي قولةةه تعةةالى: ﴿ﭣ ﭤ﴾ [الصةةافات: 5]،قةةال -رحمةةه الله -: «قةةال المؤلةة(4) - رحمه الله-: (أي والمغرب للشةمس، لهةا كةل يةوم مشةرق ومغةرب )، فكأنةه مةن بةاب الاكتفةا بةةذكر المقابةةل عةةن مقابلةةه، نظةةير قولةةه تعةةالى : ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [النحةةل: 81]،يعني والبرد، فإن السرابيل التي هي القمص وشبهها تقي الحر والبرد »(5). وفي قولةةةةةةةه تعةةةةةةةا: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [البقةةةةةةةرة : 187]، قةةةةال -رحمةةةةه الله -: «قولةةةةه تعةةةةا: ﴿ﭽ ﭾ﴾ بيةةةةان لمعةةةةنى ﴿ﭸ ﭹ﴾؛ ولم يةةةةذكر في (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 79 . (2)ينظر: الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق اعفية المعروف بالجمل للأزهري : 1/ 363 . (3 )الاتقان في علوم القرآن :3/214. (4 )هو للال الدين المحلي–رحمه الله -. (5 )تفسير سورة الصافات : 19 .
عدد الصفحات ٢٦٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البديع 269 اعةةةةةيط الأسةةةةةود(مةةةةةن الليةةةةةل) اكتفةةةةةا بةةةةةالأول، كمةةةةةا في قولةةةةةه تعةةةةةالى: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [النحل: 81]،يعني: والبرد؛ فهةذا مةن بةاب الاكتفةا بةذكر أحةد المتقةابلين عن المقابل الآخر»(1). وبهذه الشواهد في الاكتفا عند الشيخ-رحمه الله - تتجلى معرفته لهذا الفن، فهو يوافق البلاغيّين في تعري الاكتفا وكونه ضربا من الإيجاز. أما المحسنات اللفظية ، فتناول الشيخ -رحمه الله - للسجع كما سبق، وتناول الجناس، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴾ [النسا: 83]،قال -رحمه الله -: «ففيه لناس غير تام؛ لأن فيه اختلافَ الحرف من را إلى نون . وأما قوله: عَ ب اسُ عَ ب اسٌ إِ ذَ ا احْ تَ دَ مَ الوَ غَ ى والفَ ضْ لُ فَ ضِ لٌ، والر بِ يعُ رَ بِ يعُ (2) فهذا لناس تام؛ لأن عباس ا علم وصفة، والفضل علم وصفة، والربيع علم على رلل اسمه (الربيع ) وصفة أحد الفصول الأربعة »(3). هذا ما ولدته للشيخ مما عرض له من المحسنات البديعية، وهي قليلة بالنسبة لما ولدته عنده من مسائل المعاني والبيان كما ذكرت . (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 348 . (2) البيت لأبي نواس في ديوانه: 54 . (3 )السابق: 2/ 22 .
عدد الصفحات ٢٦٩الفصل الثالث السمات البلاغية وتقويمها ويشتمل على أربعة مباحث : المبحث الأول: في المنهج. المبحث الثاني: في المصطلحات. المبحث الثالث: في الشواهد. المبحث الرابع: في المصادر.
عدد الصفحات ٢٧٠الفصلالثالث: السمات البلاغية وتقويمها 271 لاشكّ أن ثمّة خصائصَ وسماتٍ عامة يمكن أن يلمحها الدارس لتقو الجهد الذي بذلَه الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - في المباحث البلاغية السابقة، والوقوف على منهجه في عرض تلك الشواهد البلاغية، و من أي المصادر استقى آرا ه ، وكي كان اختياره للمصطلح البلاغي ؟ المبحث الأول: في المنهج: إن المتأمل لتفسير الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - يرى أنه يسير وفق منهج المفسرين في عرضه للشواهد البلاغية والوقوف عليها؛ فنجده – في كثير من الأحيان – يق على الآية مفسر ا لها ، ومبين ا معناها وما يتعلّق بها ؛ وموضح ا أصل الكلمة واشتقاقها ، مع الاعتنا بالقرا ات ، التي هي وله من ولوه الإعجاز ، ويوله ها من الناحية الإعرابية ، والناحية اللغوية، ثم يق على ما بها من بلاغة محُل لا وموضح ا نوعها، وقد يتطرق لتعريفه وبيان صوره وفوائده أو أسراره البلاغية ؛ فلا يتجاوزها حتى يعطيها حقها من أمثلة وشواهد تدعم الصورة وتوضحها، وتظهر ما في الآية من بلاغة ، ومن ذلك كلام ه عن الالتفات ، حيث قال : «الالتفات: تحويل أسلوب الكلام من وله إلى آخر، وله صور منها: 1- الالتفات من الغيبة إلى اعطاب كقوله تعالى: ﴿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الفاتحة: 2 - 5]،فحوّ ل الكلام من الغيبة إلى اعطاب في قوله: ﴿ ﭢ ﴾. 2- الالتفات من اعطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾ [يونس: 22] .فحوّل الكلام من اعطاب إلى الغيبة بقوله: ﴿ﭶ ﭷ﴾. 3- الالتفات من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: ﴿ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [المائدة: 12] .فحول الكلام من الغيبة إلى التكلم في قوله وبعثنا. 4- الالتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: ﴿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [الكوثر: 1-2] .فحوّل الكلام من التكلم إلى الغيبة بقوله: ﴿ﮋ﴾. وللالتفات فوائد منها:
عدد الصفحات ٢٧١الفصلالثالث: السمات البلاغية وتقويمها 272 1- حمل المخاطب على الانتباه لتغير وله الأسلوب عليه. 2- حمله على التفكير في المعنى؛ لأن تغيير وله الأسلوب، يؤدي إلى التفكير في السبب. 3- دفع السآمة والملل عنه؛ لأن بقا الأسلوب على وله واحد، يؤدي إلى الملل غالبا. وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره ، أما الفوائد اعاصة فتتعين في كل صورة ، حسب ما يقتضيه المقام»(1). فهو يبين مافي الآية من بلاغة ويورد صور الالتفات وفوائده. كما أن الشيخ -رحمه الله - في مواطن أخرى من تفسيره ، يمرّ بالشاهد البلاغي مشير ا إلى نوعه عَرَض ا دون التفصيل في ذلك؛ إما لوضوح الشاهد ، أو لأن المقام لا يُتمل أكثر من ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ ﯤ ﯥ ﴾ [المطفف: 26]،«أي فليتسابق المتسابقون سباق ا يصل بهم إلى حد النفس، وهو كناية عن السرعة في المسابقة »(2) .فهو يشير إلى أن الآية كناية دون التوسع في عرض الكناية في الآية وبلاغتها فيها. وهي سمة في بعض القضايا البلاغية التي يتناولها من خلال الشاهد البلاغي فيغلب الحديث المستعجل؛ بأن يأخذ ما يراه يفي بالحالة ، إذ يشير إلى نوع البلاغة فيه، وقلّما يُلله. وقد يفصِّل الحديث في أكثر من موضع للشاهد البلاغي؛ وذلك لأهميته، كما في ذكره لأحوال المخاطب في اعبر. وذكرُ فوائد الآيات منهجٌ علميي سلكه أهل التحقيق من العلما ، كابن القيم وابن سعدي – رحمه ا الله – إلا أن الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - تميّز بالتزام ذكر فوائد الآيات التي يُفسرها، فيلتزم بذلك في كلِّ آية يقومُ بتفسيرها؛ مما يعين على فهم الآيات وتدبرها . وهذه الفوائد التي يستنبطها من الآيات التي ليس لها موضوعٌ معين، وإنما هي شاملةٌ لكل ما يمكن أن يُستنبط من الآية؛ ففيها تقرير لع قيدة أهل السنة والجماعة، وتصحيح الأخطا ، والرد على المخالفين ، وذكر للأحكام الفقهيّة المتعلقة بالآية ، وبيان الأوله البلاغية ، وأسرار التعبير القرآني ؛ وهذا محور حديثنا وما يهمنا في هذا البحث. (1 )تفسير سورة البقرة : 1/ 55-56 . (2 )تفسير لز عم : 115 .
عدد الصفحات ٢٧٢الفصلالثالث: السمات البلاغية وتقويمها 273 ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الفوائد ليست ذات نمطٍ واحدٍ من لهةِ ا لطّولِ والقِصر ، فقد يطيل في ذكر الفائدة من الآية موضح ا الناحية البلاغية فيها، ومسترسلا في الحديث عنها، وقد يتوسط، وقد يختصر الفائدة البلاغية التي يذكرها فلا تتجاوز السطر أو السطرين ، وربما يعرض عن بعضها. وقد يأتي بآيات توافق اختياره وتوليهه فيها ، لتكون رِ دف ا للآية في التوضيح والتبيان ، وتقرير المعنى لدى القارئ ، كما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾ [البقرة : 246]، قال: «والاستفهام هنا الظاهر أنه للتشويق - يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها - ؛ لأن التقرير إنما يكون في أمر كان معلوم ا للمخاطب؛ فيةُقَر ر به، كقوله تعالى: ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾ [الشرح : 1]؛وأما هذا فهو أمر ليس معلوم ا للمخاطب إلا بعد أن يخبر به؛ فيكون هنا للتشويق، مثل قوله تعالى: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ [الص: 11]،وقوله تعالى: ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [الغاشية: 1]،وما أشبهها؛ أما لو كان يخاطب من كان عالم ا بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير »(1). وقد يلتزم الشيخ – في كثير من الأحيان – بذكر الرأي الذي يُرلحه في هذا الشاهد، ويفاضل بين الآرا ، كأن يقول: والأرلح ، والصحيح، وهذا الوله أحسن من الوله الآخر وغير ذلك، عند ولود أكثر من رأي بلاغي على هذه الآية ؛ كما في توليهه للبا في قوله تعالى: ﴿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [المطفف: 28]،فيقول: «لماذا قال: ﴿ﯬ ﯭ ﴾؟ هل هي إنا يُُمل حتى يقال شرب بالإنا ؟ فالجواب: لا؛ لأن العين والنهر لا يُُمل ، إذن لماذا لم يقل يشرب منها المقربون ؟ والجواب عن هذا الإشكال من أحد ولهين : فمن العلما من قال: (البا ) بمعنى (من) فمعنى: ﴿ ﯬ ﯭ ﴾ أي يشرب منها. ومنهم من قال: إن يشرب بمعنى يروى ضمّنت معنى يروى فمعنى: ﴿ ﯬ ﯭ ﴾ أي يروى بها المقربون . وهذا المعنى أو هذا الوله أحسن من الوله الذي قبله؛ لأن هذا الوله يتضمن شيئين يرلحانه ، وهما : أو لا : إبقا حرف الجر على معناه الأصلي. (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 216 .
عدد الصفحات ٢٧٣