الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 226 4- اعتبار ما سيكون: صرّح الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - بلفظ هذه العلاقة عند وقوفه على شواهده القرآنية ؛ ففي قوله تعالى : ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ [آل عمران : 41]،يذكر الشيخ -رحمه الله - أن في قوله تعالى ﴿ﭽ﴾: «مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة، واردٌ في القرآن: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [يوس: 36]،يعني أعصر عنب ا يكون خمر ا؛ لأن اعمر لا يُعصر، فعبر عن الشي بما يؤول إليه»(1). وقوله تعا : ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [النحل: 44]،أي: «فباعتبار أنه سيكون تام ا وبتمامه يكون قد نزل كله »(2). 5- التجوز بالحذف: كما في قوله تعالى: ﴿ﮚ ﮛ﴾ [يوس: 82]،قال -رحمه الله -: «أي واسأل أهل القرية ، فحذفت (أهل) مجاز ا، فمن المعلوم أن أبنا يعقوب لم يريدوا من يعقوب أن يق على كل لدار في القرية ويسأل عن ا بنه، وإنما يطلبون منه أن يسأل أهل القرية ؛ إذن: ففي الكلام حذف، وهذا الحذف من المجاز المرسل »(3). 6- التجوز بالزيادة: من ذلك ما لا في قوله تعالى: ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴾ [المائدة: 19]،فذكر الشيخ هنا أن (مِنْ ): «زائدة ؛ لأن الكلام يتم بدونها من حيث التركيب ، فلو كان ن ص القرآن الكريم : ما لا نا بشير، لاستقام الكلام»(4). وكما في قوله تعا : ﴿ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [الشورى : 11]،فذكر الشيخ -رحمه الله - أن (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 244 . (2 )السابق: 1/ 533 . (3 )السابق: 134-135 . (4 )السابق: 133 .
عدد الصفحات ٢٢٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 227 هذا الشاهد في المجاز بالزيادة : «فقالوا: إن الكاف زائدة ، لتأكيد نفي المثل عن الله، قالوا: لا يمكن أن تجتمع كلمتان دالتان على التشبيه ؛ لأنه لو التمعت كلمتان دالتان على التشبيه لكان هذا عين التشبيه؛ لأن نفي النفي إثبات…لذا قالوا: الكاف زائدة في الكلام من حيث التركيب فلو قيل : ليس مثله شي ، أي: ليس شي مثله؛ لاستقام الكلام، إذن: فنحمل الآية الكريمة على أن الكاف زائدة مجاز ا»(1). ومما سبق يتضح أن الشيخ -رحمه الله - في تفسيره للآيات يشير إلى علاقات المجاز المرسل دون ذكره لمصطلح المجاز - غالب ا- وهذا يعود إلى منهجه الأخير في إنكار المجاز، فإنه يتلافى ذكره ما استطاع إلى ذلك سبيلا . كذلك فهو لا يذكر بلاغات المجاز في الشاهد ، وإنما يكتفي فقط- كما ذكرت - بالعلاقة. (1 )السابق.
عدد الصفحات ٢٢٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 228 1- الاستعارة: تعدّ الاستعارة ثمرة يانعة من ثمار رياض البيان العربي ، «ومن الفضيلة الجامعة أنها تبرز البيان أبد ا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا ، وتولب له بعد الفضل فض لا …»(1). تعريف الاستعارة: ولا ت الاستعارة في اللغة بمعنى : طلب الإعارة . والعاريّة: ما تداولوه بينهم، وقد أعاره الشي وأعاره منه وعاوره إياه واستعاره الشي واستعار منه : طلب منه أن يعيره إياه(2). وفي الاصطلاح: أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر ، مدّعي ا دخول المشبه في لنس المشبه به ، دالا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخصّ المشبه به(3)،يقول الشيخ عبد القاهر: «والتشبيه كالأصل في الاستعارة وهي شبيه بالفرع له ، أو صورة مقتضية من صوره »(4). أقسام الاستعارة: تنقسم الاستعارة ؛ باعتبار ما يُذكر من الطرفين إلى قسمين: أ- تصريُية؛ وهي: أن يكون الطرف المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به (5). ب- مكنيّة؛ وهي: أن تذكر المشبه وتريد المشبه به ، وتدل بمثل شي من لوازمه إلى المشبه(6). وتنقسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار إلى: 1- أصلية؛ وهي: أن يكون المستعار اسم لنس كرلل وقيام وقعود . ووله كونها أصلية هو (1 )أسرار البلاغة : 41-41 . (2 )اللسان: (عور). (3 )مفتاح العلوم: 369 . (4 )أسرار البلاغة : 28 . (5 )مفتاح العلوم: 176 . (6 )المصباح: 64، وينظر السابق: 179 .
عدد الصفحات ٢٢٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 229 أن الاستعارة مبناها على تشبيه المستعار له با ستعار منه(1). 2- تبعي ة؛ وهي: ما تقع في غير أسما الألناس كالأفعال والصفات المشتقة منها وكالحروف (2). كما تنقسم الاستعارة ؛ باعتبار ذكر الملائم إلى: 1- مرش حَة؛ وهي: أن يُراعى لانب المستعار ويولي ما يستدعيه ويضم إليه ما يقتضيه(3). 2- ومجُر دة ؛ وهي: أن تُ قرن بما يلائم المستعار له (4). 3- ومُطلَقَة؛ وهي: التي لم تقترن بصفة ولا تفريع كلام ، والمراد المعنوية لا النعت (5). وتنقسم الاستعارة باعتبار طرفيها – المستعار والمستعار له- إلى: 1- وفاقية؛ وهي: أن يكون التماع الطرفين في شي ممكن ا لما بينهما من الاتفاق(6). 2- وعنادية؛ وهي: ما لا يمكن التماع الطرفين في شي (7). وتقسم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع ؛ إلى ستة أقسام ؛ وهي: «استعارة محسوس لمحسوس بوله حسي ، أو بوله عقلي ، أو بما بعضه حسي وبعضه عقلي. واستعارة معقول لمعقول، واستعارة محسوس لمعقول ، واستعارة معقول لمحسوس ، كل ذلك بوله عقلي (8). والشيخ ابن عثيم-رحمه الله - يق عند شواهد الاستعارة في الآيات ، وقد عرض لما أسماه البلاغيون بالاستعارة التصريُيّة والاستعارة المكنية وأورد تعريفا لهما، دون أن ألد تعريف ا للاستعارة بمعناها العام ؛ وقد يصرح الشيخ -رحمه الله - بلفظ الاس تعارة ونوعها من حيث الطرفين ، و يشير إلى أن في الشاهد استعارة دون ذكر لفظ استعارة ، و يندر أن تجد تحليلا أو (1 )مفتاح العلوم: 179، وينظر: 176 . (2 )السابق: 181، وينظر: 176 . (3 )نهاية الإيجاز: 92 . (4 )المصباح: 33 . (5 )الإيضاح: 311، التلخيص: 317 . (6 )الإيضاح: 289، التلخيص: 318، المطول: 364، الأطول: 2/ 129 . (7 )الإيضاح: 289، التلخيص: 318، شروح التلخيص : 4/ 77، المطول: 365 . (8 )الإيضاح: 297-298 .
عدد الصفحات ٢٢٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 230 إلرا للاستعارة كما يجريها البلاغيون . الاستعارة وشواﻫدﻫا عند الشيخ ابن عثيمين في تفسيره: تصريحه بالاستعارة المكنية، وتعريفه لها: قوله تعالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ [الصافات: 177] .قال: «أي: حل العذاب بهم وبساحتهم أي بفنائهم ، وهذه الكلمة يقولها العرب للتهديد … فكأنه يقول : تقدير الآية: فإذا نزل بهم ، ولكن لا حالة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل في القوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة ، ولكنه ينزل بساحتهم ومنازلهم ، ثم يهجم عليهم ويغير عليهم، وفي هذا استعارة - كما يقول البلاغيون – حيث شبه العذاب بعدو ينزل بهم يعني بساحتهم، ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشي من لوازمه وهو النزول بالساحة ، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية ؛ لأنه حذف فيها المشبه به ورمز إليه بشي من لوازمه »(1). وهنا صرح بنوع الاستعارة وهي الاستعارة المكنية ، وعرّفها. ومثلها في قوله تعالى: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﴾ [البقرة : 16]،فقال عنها الشيخ – رحمه الله -: «…إذا لعلنا الاستعارة في كلمة ﴿ﯷ﴾؛ نقول: شُبِّهت الضلالةُ بالمتاع -؛ لأن المتاع هو الذي يُشترَى -، وحُذف المتاعُ ورُمز إليه بشي ٍ من لوازمه وهو الشرا ، فهذه استعارة مكنية . وقال الشاعر: وَ إِ ذَ ا المني ةةةةةةةةةةةةةةةةةُ أَ نْ شَةةةةةةةةةةةةةةةةبَ تْ أَ ظْ فَ ارَهَةةةةةةةةةةةةةةةةا أَ لْ فَ يْةةةةةةةةةةةتَ كُةةةةةةةةةةةل تمَِ يمَةةةةةةةةةةةةٍ لا تَنفَةةةةةةةةةةةعُ (2) هل للمنية أظفارٌ تنشب ؟ لا، لكنه شب ه المَنِي ة بالوحشِ أنشَبَ ظُفُرَ هُ ، وحذَفَ الوحش ، ورمز إليه بشي ٍ من لوازمه وهي الأظفار»(3). وقد ألرى الشيخ -رحمه الله - الاستعارتين المكنية والتصريُية في شاهد واحد فقال في قوله (1 )تفسير سورة الصافات : 363-364 . (2 )البيت لأبي ذؤيب الهذ: ديوان الهذليين: 3/ 1 . (3 )شرح دروس البلاغة : 116 .
عدد الصفحات ٢٣٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 231 تعا: ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾ [آل عمران : 177] :«أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة يباع ويشترى، فالاشترا هنا بمعنى الاختيار وترك الطرف الآخر . يقول بعض علما البلاغة : في هذه الجملة مجاز بالاستعارة المكنية أو الاستعارة التصريُية التبعية ، فإنه شب ه الكفر بالسلعة التي تباع وتشترى ، وحذف المشبه به ورمز له بشي من لوازمه وهو الشرا ، هذا على أنها مكنية، وتصريُية تبعية معناها: أنها تجري مجرى الاستعارة بالفعل أو اسم الفاعل ، يعني بالشي المشتق ، فهنا ﴿ﮊ﴾ بمعنى اختاروا، فشب ه الاختيار بالشرا ثم اشتق من لفظ الشرا (اشتروا) على سبيل الاستعارة التصريُية التبعية »(1) .وهذا الشاهد يدلنا على سبر الشيخ -رحمه الله- لهاتين الاستعارتين ، والاستعارة باعتبار لفظ المستعار (الأصلية والتبعية ) كما هو معروف عند البلاغيّين، وتعريفه للاستعارة التبعية ؛ بقوله: «إنها تجري مجرى الاستعارة بالفعل أو اسم الفاعل ، يعني بالشي المشتق»(2). وقوله تعا : ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [آل عمران : 36] .قال: «﴿ﯭ ﯮ ﴾ الرليم : بمعنى المرلوم ، وأصل الرلم القذف بالحجارة ؛ ومنه: رلم الزاني ، وعلى هذا فيكون في الكلام استعارة ، أي إننا استعرنا الرلم بالحجارة الدال على إبعاد المرلوم للمُبةْعَد المطرود…»(3). وفي قوله تعا: ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﴾ [آل عمران: 21]،قال الشيخ -رحمه الله - في هذه الآية : «…وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤ أو هي من باب تشبيه البشارة بما يسو بالبشارة بما يسر ، بجامع أن ك لا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير ؟ يُتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا إنها من باب التهكم، استفيد بذلك زيادة الألم على هؤلا المبشرين ؛ كقوله تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ (1 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 464-465 . (2 )السابق. (3 )السابق: 1/ 219 .
عدد الصفحات ٢٣١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 232 ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [الدخان: 47 – 49] …»(1). وهذا الشاهد مما ذكره القزويني ضمن شواهد الاستعارة العنادية ؛ «فقد نُزل التضاد منزلة التناسب، فشبه الإنذار بالتبشير بجامع إدخال السرور في كل وإن كان تنزيلي ا بالنسبة للمشبه، ثم استعير لفظ المشبّه به للمشبه استعارة تصريُية أصلية عنادية، ثم اشتق منه بشر بمعنى أنذر على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية أو التمليحية العنادية »(2). وكذلك في قوله تعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ [النبأ: 14]،قال الشيخ -رحمه الله- فيها: «يعني من السحاب، ووصفها الله بأنها معصر ات كأنما تعصر هذا الما عند نزوله عصر ا، كما يعصر الثوب، فإن هذا الما يتخلل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الما من الثوب المعصور»(3) .وهي من قبيل الاستعارة التصريُية . وفي قوله تعالى: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [يس: 37]،قال الشيخ -رحمه الله - في توليهها : «نسلخ، يقول المؤل (4) (نةَفْ صِ ل)، وسمى الله هذا الفصل سلخ ا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة، ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﴾، لأن النهار أمر ولودي يولد بولود الشمس ، فهو وارد على الليل ، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضو كالجلد يسلخ من البهيمة ، وأنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يترالع شيئ ا فشيئ ا، وهكذا ضو النهار بالنسبة لليل يسلخ الله النهار من الليل، كما يسلخ الجلد من البهيمة»(5) .وهي استعارة محسوس لمحسوس بوله عقلي كما تناوله القزويني في إيضاحه ، «فإن المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها ، والمستعار له إزالة الضو عن مكان الليل ، وملقى ظله وهما حسيان، والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر »(6). (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 141-141، وينظر: شرح صحيح البخاري : 3/ 453 . (2 )ينظر: الإيضاح: 2/ 64، شرح : د. محمد خفالي. (3 )تفسير لز عم : 24 . (4 )أي مؤل تفسير الجلال. (5 )تفسير سورة يس : 134 . (6 )الإيضاح: 2/ 77، شرح : د. محمد خفالي.
عدد الصفحات ٢٣٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 233 ويبدو من الشواهد السابقة أن الشيخ له دراية تامة في التفريق بين التصريُية والمكنية ، لكنه لا يطيل و لا يفصل في الحديث عن الاستعارة إلا بمقدار ما يجده مناسب ا للحديث عنه. وكما ذكرت -في مبحث المجاز- أن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - يرفض المجاز ؛ لذا فهو حين يصرح بلفظ الاستعارة في الآية فإنه يذكر أن أهل البلاغة يذكرون أنها استعارة أو يقول : يسمونها؛ يشير إلى علما البلاغة، مما يدل بعبارته هذه على رده المجاز والاستعارة ، وكما علمنا أن الاستعارة نوع من ا لمجاز.
عدد الصفحات ٢٣٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 234 2- المجاز العقلي: المجاز العقلي هو: إسناد الفعل أو معناه إلى غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر لعلاقة، مع قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له(1). وسمي بعدة أسما ؛ فقال ابن يعقوب المغربي عنها: «ومن الإسناد مطلق ا مجاز عقلي؛ لأن حصوله بالتصر ف العقلي، ويسمى مجاز ا حكمي ا؛ لوقوعه في الحكم بالمسند إليه، ويسمى أيضا مجازا في الإثبات ؛ لحصوله في إثبات أحد الطرفين للآخر ، والسلب حقيقته ومجازه نابع لما يُقق في الإثبات ويسمى أيضا إسناد ا مجازي ا، نسبة إلى المجاز بمعنى المصدر؛ لأن الإسناد لاوز به المتكلم حقيقته وأصله إلى غير ذلك»(2). ولابد لهذا النوع من المجاز أن تكون له علاقة ، وأشهر علاقاته: «المفعولية فيما بني للفاعل وأسند إلى المفعول به الحقيقي ، والفاعلية فيما بُني للمفعول وأسند إلى الفاعل الحقيقي ، والمصدرية فيما بني للفاعل وأسند إلى المصدر ، والزماني ة فيما بني للفاعل وأسند إلى الزمان ، والمكانية فيما بني للفاعل وأسند إلى المكان، والسببية فيما بني للفاعل وأسند إلى السبب»(3). والشيخ ابن عثيم-رحمه الله- يق على شواهد المجاز العقلي؛ لكنه لا يصرح باسمه ، بل يشير إلى علاقاته، أو يلمح لها؛ و لم ألد للشيخ تعر يف ا خاص ا بهذا النوع من المجاز عدا ما تناول شرحه في دروس البلاغة (4)؛وقد ذكر الشيخ -رحمه الله - الفرق بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي؛ فقال: «إذا قال قائل ما الفرق بين المجاز العقلي والمجاز اللغوي ؟ فالجواب: المجاز اللغوي يكون في الألفاظ، والمجاز العقلي يكون في الإسناد. بمعنى أن الكلمات يُراد بها معناها الحقيقي، لكن إسناد هذه الكلمة إلى هذه الكلمة هو المجاز، فمثلا : (بنى الأميرُ المدينة)، ما المراد بالبنا ؟ الحقيقةُ ، والأمير؟ الحقيقةُ ، لكن إسناد البنا للأمير هذا هو المجاز»(5) .ومن شواهده على هذا النوع من المجاز، ما يأتي: (1 )الإيضاح: 1/ 83، شرح : د. محمد خفالي. (2 )مواهب الفتاح: 1/ 231-232 . (3 )ينظر: الإيضاح: 1/ 86، شرح : د. محمد خفالي، البلاغة العربية : 1/ 667 . (4 )شرح دروس البلاغة : 133 . (5 )السابق: 134 .
عدد الصفحات ٢٣٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 235 ما علاقته السببية: في قوله تعالى: ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [غافر: 36]،قال الشيخ -رحمه الله-: «هامان وزير فرعون ، وقوله: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﴾ أي: مُرْ من يبني ذلك ؛ لأنه من المعلوم أن الوزير لن يباشر بنا الصرح »(1) .وقال في فوائد هذه الآية: «لواز نسبة الشي إلى الآمر به دون فاعله؛ يؤخذ من قوله : ﴿ﮏ ﮐ ﴾ وهو لا يريد أن يقوم هامان بالبنا بنفسه بل يأمر به لأنه هو الوزير »(2) .وهو يشير إلى ما أسندفيه الفعل إلى السبب. وفي قوله تعالى: ﴿ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴾ [يس: 12]،قال مشير ا إلى المجاز العقلي: «هل الذي يكتب ا،أو الملائكة بأمر الله؟ الجواب: الملائكة بأمر الله لقوله تعالى: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ [الانفطار: 9 – 12]،وإسناد الكتابة إلى الآمر مولود في اللغة العربية كثير ا، يقول السيد: (كتبت كذا وكذا ) والمراد كتبه عبيده ، فهنا يقول الله :﴿ﯢ﴾ والمراد ملائكتنا »(3). ماعلاقته المفعولية: قال تعالى: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴾ [القارعة : 7]،قال الشيخ -رحمه الله - عنها: «﴿ﭹ﴾ قيل: إنها اسم فاعل بمعنى اسم المفعول، أي: مرضية . وقيل: إنها اسم فاعل من باب النسبة أي ذات رض ا، وكلا المعنيين واحد، والمعنى: أنها عيشة طيبة ليس فيها نكد…»(4) .وقال في موضع آخر عن هذه الآية: «﴿ﭹ﴾ يعني: مرضية ، فأتى باسم الفاعل ويُراد به اسم المفعول، فقد أسند الرضا إلى العيشة، والعيشةُ لا ترضى، وإنما العيشةُ تُرضَى، فأسند ما في معنى الفعل إلى غير ما هو له على وله المجاز العقلي »(5). (1 )تفسير سورة غافر، آية : 36، وينظر: شرح العقيدة الواسطية : 1/ 395 . (2) تفسير سورة غافر، آية : 36 . (3 )تفسير سورة يس : 45-46 . (4 )تفسير لز عم : 312 . (5 )شرح دروس البلاغة : 133 .
عدد الصفحات ٢٣٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 236 4- الكناية والتعريض: تعدّ الكناية من أنواع البيان التي تضفي على المعنى جما لا ، وترتقي بوسائل التعبير غير المباشر، وتزيده قوة ، يقول العلوي واصف ا لها : «وادٍ من أودية البلاغة ، وركن من أركان المجاز»(1). تعريف الكناية: والكناية في اللغة: أن تتكلم بشي وتريد به غيره . وكنىّ عن الأمر بغيره يكني كناية : إذا تكلم بغيره مما يستدل عليه نحو: الرفث والغائط ونحوه ، وقد كنيت بكذا عن كذا وكنوت (2). وفي الاصطلاح هي: لفظ أُريد به لازم معناه، مع لواز إرادة معناه حينئذ (3). أقسام الكناية: وتنقسم الكناية إلى أقسام ثلاثة: 1- الكناية عن الصفة. 2- الكناية عن الموصوف. 3- الكناية عن النسبة. الكناية وشواﻫدﻫا عند الشيخ ابن عثيمين: والكناية عند الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - لا تعدو غير إشارات لمواضعها ، دون التفصيل، ومن ذلك: عرف الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - الكناية بقوله: «أن يعبر عن الشي بلازمه ، كما يقولون: فلان كثير الرماد ، يعني: أنه كريم بكرمه يكثر الضيوف عليه ، وإذا كثر الضيوف كثر الإطعام وإذا كثر الطعام ، كثر إيقاد النيران لطهي الطعام، وكذلك يقولون : فلان طويل العماد، (1 )الطراز : 1/ 364 . (2 )ينظر: اللسان: (كني): الصحاح: 6/ 2477، القاموس المحيط: 4/ 384 . (3 )الإيضاح: 331، التلخيص: 337 .
عدد الصفحات ٢٣٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 237 يع: أنه ذو كرم ولاه ؛ لأن خيمته تكون طويلة»(1) .وهو تعري علما البلاغة لها . و في قوله تعالى: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﴾ [البقرة : 222]؛قال – رحمه الله -: «الفا رابطة لجواب الشرط ؛ وهو قوله تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﴾؛ والمراد بالإتيان الجماع - كني بالإتيان عن المجامعة»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﴾ [الكه: 83] «أي: صاحب القرنين …قيل: معناه ذي الملك الواسع من المشرق والمغرب ، فإن المشرق قرن والمغرب قرن ، كما قال النبي عن المشرق : ((حيث يطلع قرن الشيطان))، فيكون هذا كناية عن سعة ملكه»(3). وفي قوله تعالى: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾ [الكه: 115] .«يع أنه لا قدر لهم عندنا ولا ميزان ، وهو كناية عن سقوط مرتبتهم عند الله»(4). ونظيره قوله تعا : ﴿ﯤ ﯥ ﴾ [المطفف: 26] .«أي فليتسابق المتسابقون سباق ا يصل بهم إلى حد النفس، وهو كناية عن السرعة في المسابقة»(5). وقوله تعالى: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [الملك: 16 - 17]،فقال الشيخ -رحمه الله-: «والذي في السما هو الله ،لكنه كنى عن نفسه بهذا، لأن المقام مقام إظهار عظمته، وأنه فوقكم، قادر عليكم، مسيطر عليكم، مهيمن عليكم؛ لأن العالي له سلطة على من تحته»(6). وهكذا يمضي الشيخ مشير ا للكناية في الآيات القرآنية، ومعرف ا لها وفق تعري البلاغيّين، دون الإسهاب في الحديث عنها، فهو حديث مولز يكتفي فيه الشيخ -رحمه الله- ببيان أن (1 )شرح صحيح البخاري : 3/ 192 . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 82 . (3 )تفسير سورة الكه : 125 . (4 )السابق: 146 . (5 )تفسير لز عم : 115 . (6 )شرح العقيدة الواسطية : 1/ 396 .
عدد الصفحات ٢٣٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 238 الكلام كنائي وليس حقيقة . تعريف التعريض: التعريض لغة : خلاف التصريح ، يقال: عرّضتَ لفلان أو بفلان إذا قلتَ قو لا وأنت تعنيه، ومنه المعاريض في الكلام (1). وقد عرّفه ابن الأثير بأنه: اللفظ الدال على الشي من طريق المفهوم بالوضع الحقيقي والمجازي (2) .وعند السبكي بأنه: الدلالة بالمفهوم بقصد المتكلم(3). وتباينت آرا البلاغيّين في العلاقة بين الكناية والتعريض ؛ فمنهم من ذهب إلى أن الكناية والتعريض شي واحد ، ومنهم من لعل التعريض قسم ا من الكناية، وآخرون رأوا أن الكناية تختل عن التعريض . التعريض وشواﻫده عند الشيخ – رحمه الله-: وقوف الشيخ على التعريض كوقوفه على الكناية في الآيات ، فإنه يشير إلى موضعها في القرآن ، دون الإسهاب في الحديث عنها، ولا يفصل في بلاغاتها ، ولم يذكر الفرق بين التعريض والكناية، على أن الشيخ -رحمه الله- وضح معنى التعريض في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [البقرة : 235]،فقال: «التعريض هو أن يأتي الإنسان بكلام لا يُ صرح فيه بمراده ؛ لكنه مقارب ، مثل أن يقول للمرأة : إني في مثلكِ لراغب ؛ إنكِ امرأة يرغب فيكِ الرلال ؛ إذا انقضت العدة فأخبريني؛ وعلى هذا فقس؛ فهذا ليس فيه تصريح أن يخطبها لا لنفسه، ولا لغيره؛ لكنه يسمى تعريض ا؛ والتعريض والتلويح بمعنى واحد»(4). وقد فرق جمهور البلاغيّين(5) بين التعريض والتلويح ، بينما الشيخ – رحمه الله - يجعلهما (1 )ينظر: اللسان: (بين) والصحاح: (بين)، والطراز : 1/ 381 . (2 )المثل السائر: 3/ 66، وينظر: البرهان: 2/ 311 . (3 )عروس الأفراح : 4/ 472 . (4 )تفسير سورة البقرة : 3/ 159 . (5 )ينظر: الإيضاح: 327، التلخيص: 344، شروح التلخيص : 4/ 296، المطول: 314، الأطول: 2/ 176، شرح عقود الجمان: 113، حلية اللب: 169 .
عدد الصفحات ٢٣٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 239 بمعنى واحد؛ فقد تحدث السكاكي عن التلويح في الكناية فقال: «متى كانت الكناية عرضية على ما عرفت كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسبا ، وإذا لم تكن كذلك نظر فإن كانت ذات مسافة بينها وبين المكنى عنه متباعدة لتوسط لوازم كما في (كثير الرماد ) وأشباهه كان إطلاق اسم التلويح عليها مناسبا؛ لأن التلويح هو أن تشير على غيرك عن بعد»(1). وذكر-رحمه الله - أن من فوائد الآيات في سورة غافر: «استعمال التعريض ، وأن المسرفين هم أصحاب النار ، وله ذلك أنه لم يقل لهم أنتم أصحاب النار ، ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ [غافر: 43]،ولا شك أن أول من يدخل في هذه الجملة هؤلا لكنه لم يشأ أن يتكلم بذلك صريُ ا»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ [الأنعام: 77] .يقول: «وهذا تعريض لقومه بالضلال »(3). وقوله تعا: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴾ [البقرة : 235]،وهذا القول: «ليس هو لنس ما قبله من المواعدة سر ا؛ لأن المواعدة سر ا ليس من القول المعروف؛ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح »(4). وفي قوله تعا: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ [آل عمران: 61]، قال: «إن من فوائد الآية: لواز التعريض ، أو لواز المخاطبة بالتعريض ؛ لأن قوله: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم ، بل هو تعريض بهؤلا وأنهم ذوو خلق سي ، فلا تكن منهم، وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل »(5). وفي قوله تعا: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ [مر: 28]،ذكر الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - في هذه الآية الكريمة ما للتعريض من أثر قائ لا : «يريدون أن (1 )مفتاح العلوم: 194 . (2 )تفسير سورة غافر، آية : 43 . (3 )تفسير سورة الصافات : 198 . (4 )تفسير سورة البقرة : 3/ 161 . (5 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 354 .
عدد الصفحات ٢٣٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 240 يقولوا: إنها بغيي ، ولكن من أين لا ها البغا ! ؟ ، أبوها ليس امرأ سو ٍ ، وأٌ مُّ ها ليست بغي ا!!، هذا التعريض يقول بعض العلما : إنه أشد وقع ا من التصريح ، ولعلوا منه قوله تعالى عن ابني آدم: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾ [المائدة: 27]،يُعرِّضُ بأن أخاه قابيل ليس مُتقي ا»(1). ولا تحريم اعمر على مراحل وقد عُرِّض بإحدى تلك المراحل؛ فقد ذكر الشيخ التدرج في تحريم اعمر؛ فقال: «إن الله تعالى لما أراد تحريم اعمر لم يُرمه بتات ا مرة واحدة، بل لعل ذلك درلات : فأباحه أو لا ، ثم بين أن مضرته أكثر، ثم نهى عنه في وقت من الأوقات، ثم نهى عنه مطلق ا، فالمراتب أربع : أحله في قوله تعالى: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [النحل: 67]،وهذا في سياق الامتنان فيكون حلالا . عرض بتحريمه في قوله: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴾ [البقرة : 219]،و منعه في وقت من الأوقات: ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾ [النسا: 43]،وهذا يقتضي أن نتركه عند الصلاة»(2). وبهذه الشواهد في التعريض عند الشيخ -رحمه الله - يتجلى منهجه، فهو لا يُلل ولا يبين قيمة الأسلوب من الناحية البيانية ، ولكن يكتفي بذكر كونه تعريض ا، على طريقة الفقها ، والشيخ -رحمه الله - واحد منهم ، فكأنه لا يعنيه سوى أن يبين أنه تعريض وليس حقيقة صريُ ا. (1 )شرح دروس البلاغة : 142 . (2 )للسات رمضانية : 4/ 17، وينظر: شرح رياض الصالحين : 1/ 1817 .
عدد الصفحات ٢٤٠المبحث الثالث في علم البديع ويشتمل على ما يلي: 1- الطباق والمقابلة. 2- اللف والنشر. 3- التورية. 4- تأكيد المعنى(المبالغة). 5- المشاكلة. 6- تأكيد المدح بما يشبه الذم والعكس. 7- الفواصل. 8- التقسيم. 9- الاكتفاء. 11- صور أخرى.
عدد الصفحات ٢٤١