الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 210 تشبيها بليغا»(1) .ويفصّل-رحمه الله - الحديث عن التشبيه البليغ في هذا الشاهد مبين ا الفرق بينه وبين غيره، وسبب كونه بليغ ا؛ قائلا : «والفرق بينهما أن التشبيه هنا بليغ ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح. وإلا فكل القرآن بليغ ؛ لأنهم يقولون: التشبيه بليغ مؤكد ، وغير مؤكد ، وبليغ غير بليغ إذا ذكرت الكاف ، فإذا ذكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، وإذا حذفت أداة التشبيه ووله الشبه صار بليغ ا، وهنا حذفت أداة التشبيه ووله الشبه ، أما إذا ذكرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيه ا مرسلا ، وإذا ذكرتَ وله الشبه صار مرس لا غير مؤكد »(2). فهو هنا قد وض ح الفرق بين التشبيه البليغ وغير البليغ، والمرسل وغير المرسل ، ثم يسترسل -رحمه الله - في الحديث عن التشبيه وأنواعه، مدعِّم ا هذا التوضيح للفروق بالأمثلة، فيقول: «فلان كالبحر كرم ا، وإن شئت فق ل: في الكرم ، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة ؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس ، مشبه، ومشبه به، وأداة التشبيه، ووله الشبه ، باعتبار ذكر أداة التشبيه يسمى مرس لا ، وباعتبار ذكر وله الشبه يسمى غير بليغ ، يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه إذا ذكر المشبه والم شبه به وأداة التشبيه ووله الشبه ، فهذا أدنى أنواع التشبيه . وإذا حذفت أداة التشبيه وذكر وله الشبه صار مؤكد ا لكن غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: (فلان بحر في الكرم ) أكدت أنه بحر في الكرم لكن نقصت قلي لا ، فإذا حذفت أداة التشبيه ووله الشبه صار تشبيه ا بليغ ا، كما إذا قلت: (فلان بحر)، فإذا قلت: رأيت بحر ا يعطي الدراهم بلا عد ، صار هذا أبلغ من الأول، ويسمى هذا استعارة على كل حال : ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﴾، هذا التشبيه بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووله الشبه ، فيكون بليغ ا»(3). ومما سبق يظهر بجلا ادارك الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - للتشبيهات، ورصد الفروق بينها، كما هي عند علما البلاغة. (1 )تفسير سورة الحديد : 418 . (2 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 167 . (3 )السابق: 2/ 167-168 .
عدد الصفحات ٢١٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 211 تشبيه التمثيل: والشيخ -رحمه الله - يق عند شواهد هذا النوع ، ويذكر الفرق بين التشبيه والتمثيل ، كما في قوله تعالى: ﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾ [آل عمران : 117] .«هذا تشبيه تمثيلي؛ لأن التشبيه يقولو ن: إنه نوعان: تشبيه إفرادي مثل أن نقول : فلان كالبحر ، فلان كالأسد . وتشبيه تمثيلي بمعنى أن تشبّه الهيئة بالهيئة، فيكون المشبه شيئ ا مؤلف ا من عدة أمور، والمشبه به كذلك يكون شيئ ا مؤلف ا من عدة أمور، فيسم ى عند البلاغيّين تشبيه ا تمثيلي ا، والأول تشبيه ا إفرادي ا»(1). إذ ا فالشيخ يتابعبعض البلاغيّين في مسألة التفريق بين التشبيه والتمثيل . ثم إنه -رحمه الله- يبرز الطرفين من خلال تحليله للآية ، بقوله: «الصورة الآن : ريح شديدة فيها برودة عظيمة ولها صرير من شدتها …هذه حال الكفار إذا أنفقوا أموالهم فلن ينتفعوا بها إطلاق ا، كمثل ريح فيها صِري أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته »(2) .ثم يبين وله الشبه ، قائلا : «ووله الشبه ظاهر؛ لأنهم سُلطوا على أموالهم تسليط ا عظيم ا لكن لم ينتفعوا بهذا التسليط وعادت هبا كما قال تعالى: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾ [الأنفال: 36]»(3). ونظيره قوله تعا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [البقرة : 17] .«وهذا المثل مطابق لحال المنافقين تمام ا وهو من أمثل التمثيل كما في علم البلاغة ، فهذا رلل احتاج إلى نار يستدف بها ويستنير بها ، ولكن ليس معه ما يستنير به فاستوقد نار ا من شخص، أي طلب أن يوقد له نار ا، فأوقد له النار، فلما تبين ضو ُ ها من الشعلة طُفئت الشعلة، فبقي في ظلمة بعد أن كان في نور ، وبقيت حرارة النار التي قد يكون فيها ضرر»(4) .والتشبيه التمثيل من قبيل الاستعارة التي سنوردها في هذا (1 )السابق: 2/ 88 . (2 )السابق: 2/ 89، بتصرف . (3 )السابق: 2/ 89 . (4 )أحكام من القرآن الكر : 96 .
عدد الصفحات ٢١١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 212 المبحث–بإذن الله-. وفي قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [القمر: 7]،يقول الشيخ -رحمه الله - معلق ا على هذه الآية: «وهذا من أدق التشبيهات؛ لأن الجراد المنتشر تجده يذهب يمين ا ويسار ا لا يدري أين يذهب، فهم سيخرلون من الألداث على هذا الوله »(1) . وهي صورة متكاملة تمثل حال خروج الأموات من قبورهم بالجراد المنتش ر. والشيخ يُقعد للمثل بأنه لا يأتي مفردا، يقول: في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [يس: 13] :«(اضرب ) بمعنى اتخذ؛ لأن الضرب يدل على صناعة وتكيي …فشُبه ذكر المثل للاعتبار به بصناعة الشي ؛ لأن المثل يشتمل غالب ا على هيئة متكاملة مركبة من ألزا متعددة ؛ ولهذا لا يأتي المثل في تشبيهِ مفرد بمفرد، إنما يأتي المثل في تشبيه صورة مشتملة على ألزا متعددة بصورة ، فلهذا سمي ضربَ مثل »(2). وكما في قوله تعا : ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ [البقرة : 264]. فالشيخ-رحمه الله - يذك ر صورة تلك التشبيه ومعناه : «فإن لم يصبها المطر الشديد أصابها طل - وهو المطر اعفي ، ويكفيها عن المطر الكثير؛ لأنها في أرض خصبة مرتفعة بينة للشمس والهوا ؛ والمثل منطبق: فقد شبه هذا الذي ينفق ماله ابتغا مرضاة الله، وتثبيت ا من نفسه بهذه الجنة. وهل المشبه نفس الرلل أو النفقة؟ الجواب: المشبه هو النفقة؛ ولهذا قال بعضهم: إن التقدير: (مَثَل إنفاق الذين ينفقون أموالهم كمثل لنة)؛ ويُتمل أن التقدير: (كمثل صاحب لنة)؛ فيكون المشبه (المنفِق) لا (الإنفاق)؛ وقال بعضهم: لا حالة إلى التقدير للعلم به من السياق، وأن هذا من بلاغة القرآن ، حيث طوى ذكر الشي لدلالة (1 )تفسير سورة القمر : 266 . (2 )تفسسورة يس : 53 .
عدد الصفحات ٢١٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 213 السياق عليه»(1). ثم يذكر -رحمه الله - بلاغة القرآن في هذا الفن ؛ فيقول: «من فوائد الآية: …بلاغة القرآن في التشبيه؛ لأنك إذا طابقت بين المشبه، والمشبه به، ولدت بينهما مطابقة تامة. ومنها - أي من فوائد الآية -: إثبات كون القياس دليلا صحيح ا؛ وله ذلك: التمثيل، والتشبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنه دليل على القياس؛ لأن المقصود به نقل حكم هذا المشبه به إلى المشبه»(2) .وهو تشبيهُ معقولٍ بمحسوس . التشبيه المقلوب: وقد ذكر الشيخ -رحمه الله - التشبيه المقلوب، أو كما يسميه بعضهم : (المعكوس)؛ عند وقوفه على تفسير الآيات الكريمة، ففي قوله تعالى: ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [آل عمران : 36] . يذكر ما في الآية من تشبيه مقلوب ، فيقول: «وفي هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى ، وكأنّ الإنسان يُدث نفسه ويقول : إن مقتضى الحال أن تكون العبارة : (وليس الأنثى كالذكر )؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يُشبه بالأعلى، فهنا: (ليس الأنثى كالذكر ) أقرب إلى بادي الرأي من ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ ولهذا ادعى بعض العلما أن في التشبيه قلب ا؛ والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية ، ولا سيما عند الشعرا في العصور الوسطى ، حتى بالغ بعضهم في التشبيه المقلوب فيقول: وَ بَةةةةةةةةةةةةةةةةدَ ا الص ةةةةةةةةةةةةةةةةبَ احُ كَةةةةةةةةةةةةةةةةأَ ن غُ ر تَةةةةةةةةةةةةةةةةهُ وَ لْةةةةةةةةةةةةهُ اعَ لِ يفَةةةةةةةةةةةةةِ حَةةةةةةةةةةةةينَْ يمُْ تَةةةةةةةةةةةةدَ حُ (3) فالصباح الذي يملأ الأفق ويضي الدنيا، كأن غرته – بياضه – وله اعليفة إذا امتدح ، هذا من المبالغة الكريهة في الواقع »(4) .والشيخ-رحمه الله - هنا يفصح عن الغرض الذي يفيده التشبيه المقلوب في هذا البيت وهو (قصد المبالغة). وفي قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 327 . (2 )السابق: 3/ 323 . (3 )البيت لمحمد بن وهب، عيار الشعر: 1/ 32، كتاب الصناعت : 1/ 23 . (4 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 216-217 .
عدد الصفحات ٢١٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 214 ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾ [البقرة : 275] قال: «شب ه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على الربا العظيم - الذي يتضخم المال من ألله - بالإنسان المصروع الذي لا يعرف كي يتصرف ؛ وهذا قول كثير من المتأخرين … و أنهم عُمِّ يَ عليهم الفرق بين البيع والربا ؛ أو أنهم كابروا فألحقوا الربا بالبيع؛ ولذلك عكسوا التشبيه، فقالوا: إنما البيع مثل الربا ، ولم يقولوا: إنما الربا مثل البيع، كما هو مقتضى الحال»(1). فقد بلغ من اعتقادهم استحلال الربا أنهم لعلوه أص لا في الحِل، والبيع فرع ا. تشبيه المعقول بالمحسوس: وفي القرآن الكريم الكثير من هذا النوع من التشبيه ، وقد تناولها الشيخ مشيرا لها في مواضع، ومفصلا الحديث عنها في مواضع أخرى ، من ذلك: ما ذكره -رحمه الله - أن من البلاغة في القر آن الكريم هذا النوع من التشبيه وذلك لغاية ، فيقول في فوائد آيات سورة البقرة : «بلاغة القرآن ، حيث يضرب للمعقولات أمثالا محسوسات؛ لأن الشي المحسوس أقرب إلى الفهم من الشي المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان ليد ا، كما قال تعالى: ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾ [العنكبوت: 43]»(2) .و موضع آخر يقول: «ولأنها تقرب المع »(3). وفي قوله تعا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ [البقرة : 265] .يقول: «فقد شبه هذا الذي ينفق ماله ابتغا مرضاة الله، وتثبيت ا من نفسه بهذه الجنة. وهل المشبه نفس الرلل أو النفقة؟ الجواب: المشبه هو النفقة؛ ولهذا قال بعضهم: إن التقدير: (مَثَل إنفاق الذين ينفقون أموالهم كمثل لنة)؛ ويُتمل أن التقدير: (كمثل صاحب (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 374-375 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 64،3/ 332 . (3 )تفس سورة غافر، آية : 27 .
عدد الصفحات ٢١٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 215 لنة)؛ فيكون المشبه المنفِق لا الإنفاق؛ وقال بعضهم: لا حالة إلى التقدير للعلم به من السياق، وأن هذا من بلاغة القرآن ، حيث طوى ذكر الشي لدلالة السياق عليه»(1) .ويقول: «ويُسن في التعليم أن يُبين المعقولُ بالمحسوس ؛ كقوله تعالى: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ [البقرة : 265]،ونظيره قوله تعالى: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [البقرة : 261] .شِبهُ هؤلا كشبه هذا الشي …قال بعض العلما : إن الآية فيها تقدير: إما في المبتدأ؛ وإما في اعبر: فإما أن يقدر: مثل عمل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة؛ أو يقدر: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل زارع حبة أنبتت سبع سنابل؛ والحكمة من هذا الطيّ أن يكون المثل صالح ا للتمثيل بالعامل، والتمثيل بالعمل؛ وهذا من بلاغة القرآن »(2) .ثم يوضح وله الشبه في هذا الشاهد ، فيقول: «وله الشبه في قوله تعا : ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾، أن هذه الحبة أنبتت سبع سنابل؛ وشبهها الله بذلك؛ لأن السنابل غذا للجسم، والبدن؛ كذلك الإنفاق في سبيل الله غذا للقلب، والروح »(3). وفي قوله تعا: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [البقرة : 74] . فيذكر -رحمه الله - أن من فوائد الآية : «تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: ﴿ﮝ ﮞ﴾ [البقرة : 74]؛لأن الحجارة أمر محسوس؛ والقلب قسوته أمر معقول؛ إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو؛ فالقلب هو هو؛ لكن المراد : أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه؛ فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي؛ وهذا من بلاغة القرآن وهو تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين»(4). ويذكر الشيخ ابن عثيم -رحمه الله - أن من البلاغة : «أن يضرب المتكلم الأمثال المحسوسة للمخاطب؛ ليتوصل بها إلى المعاني المعقولة، لأن إدراك الشي المحسوس أقرب من (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 327 . (2 )السابق: 3/ 318 . (3 )السابق: 3/ 311 . (4 )السابق: 1/ 247-248 .
عدد الصفحات ٢١٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 216 إدراك الشي المعقول »(1). وفي قوله تعا: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾ [البقرة : 26] . قال: «إن من فوائد هذه الآية : أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يستدل بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ [العنكبوت: 41]؛وهذا البيت لا يقيها من حَرّ ، ولا برد ، ولا مطر، ولا رياح ، ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ [العنكبوت: 41]؛ وقال تعالى: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾ [الرعد: 14] :إنسان بسط كفيه إلى غدير مثلا ، أو نهر يريد أن يصل الما إلى فمه! هذا لا يمكن؛ هؤلا الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثال لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنسان إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبيان وله هذا المثل»(2) .ثم يقول: «ومن فوائد الآية: رحمةُ الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثال المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم »(3). التشبيه التخييلي أو الوهمي: وذلك في قوله تعالى : ﴿ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﴾ [الصافات: 65]،حيث رأى ابن عثيمين – رحمه الله - أن التشبيه في هذه الآية «تشبيه بما يتخيل فكر ا، لا بما يعلم حس ا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه في القبح»(4) .والغرض من هذا التشبيه التقبيح، فيقول: «إن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيّين بالتقبيح، فيشبه الشي بما يستقبح نفسي ا، وإن لم يكن معلوم ا حسي ا لقول : ﴿ﮠﮡ ﮢ ﴾، وأن رؤوس الشياطين مستكرهة مستقبحة؛ لأنه شب ه بها القبحَ ، والتشبيه إلحاق الشي بما هو أعلى منه في الصفة التي ألحق (1 )ينظر: أحكام من القرآن الكريم : 97-98 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 98-99، وينظر: شرح صحيح البخاري : 2/ 147 . (3 )السابق: 1/ 99 . (4 )تفسير سورة الصافات : 149 .
عدد الصفحات ٢١٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 217 فيها، لأن المشبه دون المشبه به»(1). ومن أغراض التشبيه ما يأتي: التشبيه التقبيحي: فإذا كان المشبّه قبيح ا قبح ا حقيقي ا أو اعتباري ا فيؤتى له بمشبّه به أقبح منه يولّد في النفس صورة قبيحة عن الم شبّه تدعو إلى التنفير عنه(2) .ومن ذلك ما وق الشيخ ابن عثيم-رحمه الله- عنده في قوله تعالى: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ [الأعراف : 175 - 176] .فقال: «(مثله كمثل الكلب) ذم ا وتقبيح ا. وقال النبي :((العائد في هبته كالكلب يقي ثم يعود في قيئه)) شبهه بالكلب تحذير ا وتقبيح ا، وقال تعالى في بني إسرائيل بل في اليهود خاصة: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [الجمعة: 5] .وقال النبي :((الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يُمل أسفار ا))، فتجد أن تشبيه بني آدم بالحيوان إنما يكون في مقام الذم، فإذا تشبه الإنسان بالحيوان في تركيب شي في عينه فقد نةَز لَ نفسه عن المرتبة التي لعله الله عليها»(3). وقوله تعا: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾ [الحجرات : 12]،«من يُب أن يأكل لحم أخيه ميت ا، هل أحدٌ يُب هذا؟! لا أحد يُب أن يأكل لحم أخيه ميت ا، وشب ه الله الغيبة بأكل لحم الميت، لأن المغتاب ليس بحاضر ليدافع عن نفسه، كالميت إذا أكلتَه فهو ميت لا يدافع عن نفسه، وهذا تشبيهٌ بأقبحِ ما يكون، مما يدل (1 )السابق: 151 . (2 )ينظر: في البلاغة العربية (علم البيان) لعبد العزيز عتيق : 111 . (3 )فتاوى نور على الدرب : شريط رقم : 11، وينظر: شرح رياض الصالحين : 1/ 1912 .
عدد الصفحات ٢١٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 218 على أن الغيبة مكروهة عند الله ،ويجب أن تكون مكروهة عند العاقل؛ لأنه تعالى قال: ﴿ﭫ﴾»(1) .فلبشاعة الغيبة شبه المغتاب بآكل لحم الميتة– والعياذ بالله – لذا لا التشبيه تقبيحي ا غير مقبول يجعل صورته ترد في النفس فترفضها لقبحها. التشبيه التحسيني: واستشهد الشيخ -رحمه الله - لذلك بقوله تعالى: ﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ [الصافات: 49] . قال: «وكأن هذه للتشبيه…والمعنى أنهن يشبهن في البياض والرقة البيض ، وليس المراد البيض القشور، بل البيض الذي هو بياض البيضة لرقته وبيانه وحسنه ، وهو (مكنون) بما على البيضة من القشرة »(2)،ثم ذكر -رحمه الله - أن من فوائد هذه الآية استعمال التشبيه التحسيني لقوله: «﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ وهذا تشبيه تحسيني وعكس ذلك التشبيه ا لتقبيحي قوله تعالى : ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [الصافات: 65]،فقوله: ﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ يراد به تحسين هؤلا النسا »(3). مما سبق ومن خلال وقوف الشيخ– رحمه الله - على الآيات يتضح أنه لا يصرح في الغالب بهذه الأركان - أركان التشبيه -، بل يكتفي بأن يقول: شبّه كذا بكذا في كذا… أو يجُري التشبيه عن طريق المعنى ، ويذكر أغراض التشبيه ، ويبين وله الشبه . وهذا مما يساعد على للا المعاني، وهو ما يُرص الشيخ عليه -رحمه الله -. (1 )لقا ات الباب المفتوح : 5، وينظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المر ام: 3/ 122 . (2 )تفسير سورة الصافات : 111 . (3 )السابق: 114 .
عدد الصفحات ٢١٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 219 2- المجاز: تمهيد: الحقيقة والمجاز اللغويان: سأذكر- بإذن الله – قبل أن أشرع في تفصيل أنواع المجاز ملامحَ تتعلق بالحقيقة اللغوية دون المجاز(1). تعريف الحقيقة: الحقيقة مأخوذة من حق الشي إذا ثبت وولب ، فالحقيقة في اللغة هي الشي الثابت(2). وفي الاصطلاح: «هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب»(3). أقسام الحقيقة: وللحقيقة أقسام؛ فمنها: 1- الحقيقة اللغويّة: وهي ما وضعها واضع اللغة ودل ت على معان مصطلح عليها في تلك المواضعة(4)،كألفاظ القلم والكتاب والشمس والقمر، فإذا استعملت في معناها الأصلي فإنها تكون حقيقة، وإذا استعملت في غيره فإنها تكون مجاز ا(5). 2- الحقيقة العرفيّة: وهي التي نقلت من مسماها اللغويّ إلى غيره بعرف الاستعمال، وذلك الاستعمال قد يكون عام ا، وقد يكون خاص ا(6). 3- الحقيقة الشرعيّة: وهي اللفظة التي يستفاد من لهة الشرع وضعها لمعنى غير ما كانت (1 )سبق التفصيل في تعريفها في الفصل الأول، المبحث الثالث. (2 )اللسان: (حقق). (3 )الإيضاح: 265، التلخيص: 292 . (4 )الإيضاح: 277 . (5 )مفتاح العلوم: 171، الطراز : 1/ 55 . (6 )السابق، وينظر: الإيضا ح: 265، التلخيص: 292، شروح التلخيص : 4/ 2، المطول: 348، الأطول: 2/ 111 .
عدد الصفحات ٢١٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 220 تدل عليه في أصل وضعها اللغوي كالصلاة والزكاة (1). أقسام المجاز: وقد ذكرت في م بحث المجاز، أن المجاز ينقسم إلى قسمين، وهما: أ - المجاز المرسل . ب - الاستعارة . علاقات المجاز المرسل: وللمجاز المرسل علاقات أشار إليها البلاغيّو ن؛ وأبرزها ما يأتي : 1- السببيّة: بأن يكون المعنى الموضوع له اللفظ المذكور سبب ا في المعنى المراد ، فيطلق السبب على المسبّب(2). 2- المسببيّة: وذلك بأن يذكر المسبّب ويراد السبب(3). 3- الجزئية: بأن يذكر الجز ويراد الكل (4). 4- الكليّة: بأن يعبر عن الجز بلفظ الكل (5). 5- المحلية: بأن يذكر اسم المحل ويراد الحال به (1). (1 )السابق. (2 )بغية الإيضاح: 3/ 92، شروح التلخيص : 4/ 37 . (3 )السابق. (4 )السابق. (5 )بغية الإيضاح: 3/ 95 .
عدد الصفحات ٢٢٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 221 6- اعتبار ما كان : بأن يعبرّ عن الشي باسم ما كان عليه من قبل(2). 7- اعتبار ما سيكون: بأن يعبرّ عن الشي باسم ما يؤول إليه في المستقبل(3). 8- المجاورة: وذلك بأن يعبرّ عن الشي باسم ما يجاوره ؛ بأن يكثر اقتران الاسمين ومجاورتهما كثرة تسوغ استعمال أحدهما مكان الآخر(4). وبهذا التمهيد، سأوضح كي عرّف الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - الحقيقة والمجاز، وكي تناوله من خلال تفسيره للقرآن ؟ أورد الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - حديث ا مستقلا عن الحقيقة والمجاز في كتاب الأصول من علم الأصول، وقام بشرحه في كتابه شرح الأصول . فهو يرى -رحمه الله - أن الكلام ينقسم من حيث الاستعمال إلى حقيقة ومجاز(5). ثم يفصل الشيخ ابن عثيم- رحمه الله - الحديث عن الحقيقة والمجاز؛ فيقول في الحقيقة: «الحقيقة هي : اللفظ المستعمل فيما وضع له، مثل: أسد للحيوان المفترس. فخرج بقولنا: (المستعمل)؛ المهمل، فلا يسمى حقيقة ولا مجاز ا. وخرج بقولنا: (فيما وضع له)؛ المجاز. وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية وشرعية وعرفية . فاللغوية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة، فخرج بقولنا: (في اللغة)؛ الحقيقة الشرعية والعرفية . مثال ذلك الصلاة، فإن حقيقتها اللغوية الدعا ، فتحمل عليه في كلام أهل اللغة. (1 )السابق: 3/ 111 . (2 )شروح التلخيص : 4/ 41 . (3 )السابق. (4 )حاشية الدسوقي: 4/ 34، بتصرف . (5 )الأصول: -17 .
عدد الصفحات ٢٢١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 222 والحقيقة الشرعية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع ، فخرج بقولنا: (في الشرع )؛ الحقيقة اللغوية والعرفية . مثال ذلك: الصلاة، فإن حقيقتها الشرعية الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فتحمل في كلام أهل الشرع على ذلك. والحقيقة العرفية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف ، فخرج بقولنا: (في العرف )؛ الحقيقة اللغوية والشرعية . مثال ذلك: الدابة، فإن حقيقتها العرفية ذات الأربع من الحيوان، فتحمل عليه في كلام أهل العرف . وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله، فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية ، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية »(1). ويتناول-رحمه الله - الحديث عن المجاز؛ معرّف ا له ومشير ا في كثير من الشواهد على شروط المجاز؛ فيقول: «والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مثل: أسد للرلل الشجاع . فخرج بقولنا: (المستعمل)؛ المهمل، فلا يسمى حقيقة ولا مجاز ا. وخرج بقولنا: (في غير ما وضع له)؛ الحقيقة»(2). ويضرب الشيخ -رحمه الله - مثالا على الحقيقة، قائلا : «وإذا ضربنا لهذا مث لا في صفات الله تبين اراد : ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [طه: 5]،حقيقة الاستوا هو العلو، فإذا حر فه أحد إلى الاستيلا فهو إخراج له عن حقيقته، ولا يقبل إلا بدليل »(3). وشاهد آخر يقول فيه-رحمه الله-: «وإذا قال قائل: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ [المائدة: 64]، المراد بهما – يعني يدي الله - النعمة، قلنا له: لا نقبل هذا؛ لأن استعمال اليد في النعمة مجاز، ولا يمكن أن يُمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة »(4). (1 )السابق: 17-18، وينظر: شرح الأصول : 136 . (2 )السابق، وينظر: شرح دروس البلاغة : 118 . (3 )شرح الأصول : 126 . (4 )السابق.
عدد الصفحات ٢٢٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 223 ويب-رحمه الله - الضابط لحمل الكلام على المجاز؛ فيقول: «و يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة . ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه : ولود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ، ليصح التعبير به عنه، وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة، والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها»(1). إذنفلابد من شيئين في كل مجاز : الأول: القرينة ؛ التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي. والثاني: العلاقة؛ وهي ما بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي . وقال-رحمه الله - في موضع آخر عند أهمية القرينة في المجاز : «وعلى كل حال فأهم شي عندنا في المجاز هو هذا : أن نمنع حمل الكلام على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة؛ هذا الدليل يسميه علما البلاغة القرينة »(2). والشيخ-رحمه الله- يسمي تلك القرينة بالدليل الصحيح . ثم يذكر -رحمه الله - أن أهل البلاغة يقسمون تلك القرينة إلى قسمين ، فيقول: «يقسمون القرينة إلى حالية ، وإلى لفظية»(3). ثم يفصِّل -رحمه الله - العلاقة بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي ؛ فيتضح من خلال تفصيله مدى سبر الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - للمجاز وأنواعه؛ فيقول: «فإن كانت المشابهة سمي التجوزُ استعارة ؛ كالتجوز بلفظ أسد عن الرلل الشجاع ، وإن كانت غير المشابهة سمي التجوزُ مجاز ا مرس لا إن كان التجوز في الكلمات، و مجاز ا عقلي ا إن كان التجوز في الإسناد»(4). وما قاله الشيخ-رحمه الله - هو ما يقوله البلاغيُّ ون. ثم يبين الشيخ – رحمه الله - صورة تلك العلاقة ؛ قائلا : «فلو عبرت مثلا باعبز عن الشاة (1 )السابق. (2 )السابق: 127 . (3 )السابق: 127 . (4 )الأصول: 17 .
عدد الصفحات ٢٢٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 224 والبيت، لم يصح؛ لعدم العلاقة. لكن لو عبر ت عن العصير باعمر لصح ، للعلاقة بينهما؛ لأن أصل اعمر العصير. وكذا تعبر باليد عن النعمة ؛ لأن النعم والعطا تكون باليد. ويصح أن تعبر عن النفس بالرقبة ؛ لأن الرقبة إذا قطعت مات الإنسان ، فهناك علاقة بينهما»(1). ومن خلال ما سبق يتضح أن تقسيم الشيخ ابن عثيم-رحمه الله- للمجاز موافق لما عليه البلاغيون من تقسيمه إلى عقلي وآخر مجاز لغوي؛ ومدى تفريقه بين المجاز المرسل الذي يكون في الكلمات، والمجاز العقلي أو ما يسمى بالمجاز الإسنادي الذي يكون في الإسناد،؛ وهكذا كلامه في العلاقة . المجاز المرسل وشواﻫده عند الشيخ: ذكر الشيخ – ابن عثيمين -رحمه الله - أن ضابط المجاز المرسل ، هو: «ما تجُُوِّزَ به عن غيره بعلاقةٍ غيرِ الش بَهِ »(2). وقد أشاد بهذا النوع من المجاز ؛ فقال: «ونفهم من هذا أن المجاز المرسل أوسع أنواع المجاز ؛ لأن علاقاته كثيرة »(3). ثمُ أردف – رحمه الله - ذلك بذكر بعض علاقاته فقال: «منها: حالّ ، ومحلّ ، وسبب، ومسببية، وحذف ، وزيادة ، ونقص، وأَيْل(4)،وماض، وأشيا كثيرة لد ا»(5). وقوله: (وأشيا كثيرة )؛ يبين لنا مدى معرفته لها وإلمامه بها . 1- السببيَّة: لم يذكر الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - هذا اللفظ بعينه (السببي ة)، ولكن الشواهد التي وق عليها تنطبق على علاقة (السبَبِي ة) عدا ما مث ل له في شرحه لدروس البلاغة. قال -رحمه الله - عند قوله تعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ (1 )شرح الأصول : 128 . (2 )شرح دروس البلاغة: 123 . (3 )شرح الأصول : 135 . (4 )أي: باعتبار ما يؤول إليه الأمر. (5 )شرح الأصول : 135 .
عدد الصفحات ٢٢٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 225 ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﴾ [النسا: 11]،: «هذا بيان للجزا ، وأطلق الجزا على الفعل؛ لأنه بسببه»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ [النسا: 171]،ذكر أن من فوائد الآية: «إطلاق السبب على مسببه ، لقوله ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾، فإن عيسى ليس هو الكلمة نفسها، لكنه خلق بالكلمة، فأطلق السبب وأريد المسبب »(2). 2- المسببيّة: كما في قوله تعالى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [غافر: 13]،قال -رحمه الله-: «هنا عبر بالرزق عن المطر ؛ لأن الرزق مُسِّببٌ للمطر ، المطر هو السبب»(3). 3- الجزئية: لم يذكر الشيخ -رحمه الله - هذا اللفظ بعينه (الجزئية )، ولكنه أشار إليها بقوله: «(التعب بالبعض عن الكل، أو الجز عن الكل )؛ كما أن الشواهد تشير إلى هذه العلاقة. ومثّل الشيخ -رحمه الله - له بقولهم: (أرسل الأمير عيونه في المدينة ، يعني: لواسيسه- فهنا عبر بالجز عن الكل ، فهو مجاز مرسل »(4). ومن ذلك - أيض ا- ما لا في قوله تعالى : ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾ [الحج: 77]،قال عنها الشيخ – رحمه الله : «إذا عبر عن العبادة ببعض ألزائها ، دل ذلك على أن هذا الجز والب فيها …يدل على أن الركوع والسجود والبان ، وسمى الله الصلاة تسبيح ا، فدل على أن التسبيح فيها والب»(5). (1 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 1/ 151 . (2 )تفسير سورة النسا : 2/ 516 . (3 )شرح دروس البلاغة : 123 . (4 )شرح الأصول : 132 . (5 )السابق: 128 .
عدد الصفحات ٢٢٥