الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 194 و﴿ﯮ﴾ فعل أمر؛ و﴿ﯯ﴾ المراد به الكعبة؛ وأضافها الله إ نفسه إضافة تشري ؛ والمراد تطهير البيت من الأرلاس الحسية والمعنوية»(1). ثانيا: التنكير: عرض الشيخ -رحمه الله - للتنكير من خلال ما تفيده النكرة في ظل السياق القرآني التي ترد فيه ، وهو حديث لم يذهب به بعيد ا عما قاله الأصوليون، ولم يتجاوز فيه التنكيرُ إفادة العموم، فهو يتحدث عن النكرة في عدة سياقات : 3- سياق الإثبات: وتفيد العموم : من ذلك قوله تعالى: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [الانفطار: 5]،: «﴿ﭢ﴾، هنا نكرة لكنها بمعنى العموم؛ إذ إن المعنى: علمت كل نفس ما قدمت وأخرت ، وذلك بما يُعرض عليها من الكتاب»(2). وتفيدالقلة: في قوله تعالى: ﴿ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﴾ [البقرة : 184]،: «﴿ﭲ﴾ نكرة ؛ والنكرة تفيد القلة، وتفيد الكثرة ، وتفيد العظمة، وتفيد الهون، بحسب السياق؛ وهي هنا لما قرنت بقوله تعالى: ﴿ﭳ﴾ أفادت القلة؛ يعني: هذا الصيام ليس أشهر ا؛ ليس سنوات؛ ليس أسابيع؛ ولكنه أيام معدودات قليلة؛ و﴿ﭳ﴾ من صيغ جمع القلة؛ لأن جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم من صيغ جمع القلة؛ يعني: فهي أيام قليلة»(3). (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 46 . (2 )تفسير لز عم : 88 . (3 )تفسير سورة البقرة : 2/ 321 .
عدد الصفحات ١٩٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 195 وتفيدالإطلاق: في قوله تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الطور: 34]،يقول: «كلمة ﴿ﭤ﴾ نكرة ، والنكرة تدل على الإطلاق»(1). 2- تأتي النكرة في سياق النفي: فهي تدل على العموم أيض ا ومن ذلك: في قوله تعالى: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﴾ [لقمان: 34]،«لا تدري أي نفس، نفس هنا نكرة في سياق النفي فتشمل كل نفس»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴾ [آل عمران : 5]،«شي نكرة في سياق النفي في قوله: ﴿ﭾ ﭿ ﴾ فتعم كل شي ، فكل شي لا يخفى على الله في الأرض ولا في السما »(3). وقوله تعا: ﴿ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﴾ [الأنعام: 59]،«حبة نكرة في سياق النفي و في قوله تعالى: ﴿ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ [الأنعام: 59]،فهي نكرة في سياق النفي المؤكد ، إذ يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة»(4). 1- وتأتي النكرة في سياق الشرط: ولا يبتعد الشيخ -رحمه الله - عن سياق العموم أيض ا، حيث يتوق عند قوله تعالى : ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾ [البقرة : 178]،«﴿ﮚ ﮛ ﴾ أي: القاتل، ﴿ﮜ ﮝ﴾ المقتول، و﴿ﮞ﴾ نكرة في سياق الشرط ، فتعم أي لز »(5). وفي قوله تعا: «قوله تعالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾ [يس: (1 )تفسير سورة الطور : 193 . (2 )للسات رمضانية: 1/ 73 . (3 )شرح رياض الصا : 1/ 67 . (4 )السابق. (5 )الشرح الممتع على زاد المستقنع : 14/ 48 .
عدد الصفحات ١٩٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 196 82] :إذا أراد شيئ ا مهما كان؛ و﴿ﯮ﴾ نكرة في سياق الشرط ، فتكون للعموم؛ ﴿ﯫ﴾ أي شأنه في ذلك أن يقول له: كن فيكون؛ أو ﴿ﯫ﴾ الذي هو واحد (أوامر)؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: (كن)، فيعيده مرة أخرى …»(1). وقوله تعا: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [القمر: 2] :«﴿ﯔ﴾ نكرة في سياق الشرط ، أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها»(2). وقوله تعالى: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﴾ [البقرة : 48]،«أي لا تغني؛ و﴿ﯴ﴾ نكرة في سياق النفي، فيكون عام ا؛ فلا تجزي ، ولا تغني نفس عن نفس أبد ا. حتى الرسول لا يغ شيئ ا عن أبيه ولا أمه»(3). ومما سبق يتضح مدى سبر الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - لهذا الفن وتقسيماته، وهو يقترب اقتراب ا شديد ا من كلام البلاغيّين؛ بصوره وتفصيلاته وتعريفاته ومصطلحاته . (1 )تفسير سورة يس : 316 . (2 )تفسير سورة القمر : 263 . (3 )تفسير سورة البقرة : 1/ 172 .
عدد الصفحات ١٩٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 197 9 )الإطلاق والتقييد: «إذا اقتصر في الجملة على ذكر لُزأيها (المسند إليه والمسند) فالحكم (مطلقٌ ) وذلك: حين لا يتعلق الغرض بتقييد الحكم بوله من الولوه ؛ ليذهب السامع فيه كل مذهب ممكن. وإذا زيدَ عليهما شي ممّا يتعلق بهما - أو بأحدهما، فالحكم (مقيد) وذلك: حيث يُراد زيادة الفائدة وتقويتها عند السامع، لما هو معروف من أن الحكم كلما كثرت قيوده ازداد إيضاحا وتخصيصا، فتكون فائدته أتمّ وأكمل»(1). والتقييد يكون بعدة أشيا كالتوابع ، وضمير الفصل، وأدوات الشرط والنفي ، والنواسخ، والحال، والتمييز، والمفاعيل اعمسة(2). وقد تناول الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - هذا الفن أثنا تفسيره، وفصل الحديث فيه وفق تناول الأصوليين له في كتابه الأصول ، وشرحه ؛ وقد عرف الإطلاق والتقييد بقوله : «تعري المطلق : المطلق لغة: ضد المقيد، مثال ذلك: بعير يمشي في البر مفكوك القيد، نسميه مطلقا. واصطلاح ا: ما دلّ على الحقيقة بلا قيد ، أي لا يدل إلا على حقيقة الشي بلا قيد، مثل إنسان، حيوان، درهم ، دينار، بيت، دار…وما أشبه»(3). وعر ف– رحمه الله - المقيد بقوله: «المقيد لغة: ما لعل فيه قيد من بعير ونحوه. واصطلاح ا: ما دلّ على الحقيقة بقيد كقوله تعالى : ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾ [النسا: 92]،فخرج بقولنا : (قيد) المطلق»(4). ثم تناول-رحمه الله - شواهد الإطلاق والتقييد من خلال تفسيره للآيات الكريمة، فمن شواهد الإطلاق، ما يأتي: (1 )لواهر البلاغة: 144 . (2 )ينظر: الإيضاح: 2/ 116- 132، شرح : د. محمد خفالي. (3 )شرح الأصول : 326 . (4 )السابق: 328 .
عدد الصفحات ١٩٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 198 قوله تعا: ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴾ [المجادلة: 3]،لقد تناول الشيخ -رحمه الله- الآية وفق طريقة الأصوليين ، فقال: «فكلمة﴿ﮉ﴾ هنا من باب المطلق، وليست من باب العام؛ لأنها تصدق بواحد، فلو أعتقتَ رقبة واحدة صرت ممتث لا للأمر؛ لأنه لا يلزمني أن أعتق جميع الرقاب إنما أعتق واحدة من الرقاب ، ولم توص الرقبة الآن بصفة ، ولو وصفت لكان هذا تقييد ا، لكنها لم توص ، فهي مطلقة »(1) .وقال في موضع آخر : «هذا يشمل كل رقبة : صغيرة، أو كبيرة، مؤمنة، أو كافرة ، ذكر ا، أو أنثى، سليمة من العيوب، أو معيبة…إلخ. فهذا اللفظ مطلق يشمل كل هذه الأشيا ، لكن يتناول أمر ا واحد ا لا بعينه غير محدد. وأيض ا من ذلك: لو قلت: (أكرم رللا )، هذه نكرة في سياق الإثبات فتدل على الإطلاق»(2). وفي قوله تعا : ﴿ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ [النسا: 111]،فقال: «وهذا مطلق، لم يُقيد بيومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، فدل ذلك على أن كل ما يسمى ضرب ا في الأرض فإنه تقصر فيه الصلاة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-…ودليله الإطلاق»(3). وفي قوله تعا : ﴿ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [البقرة : 222]،قال – رحمه الله -: «ولم يرد تقييده بيوم وليلة ، ولا بأنه لا بد أن يكون بين الحيضتين ثلاثة عشر يوم ا. إذن: الحيض علل بعلة ، وهو كونه أذى ، فمتى ولد ذلك فهو حيض. وهذه القاعدة التي ذكرناها هنا قا عدة تنفعك في كل أبواب العلم ، حتى في أسما الله وصفاته، فما لا مطلق ا فالوالب عليك إبقاؤه على إطلاقه إلا بدليل»(4) .فيعلم أن الأصل في كتاب الله الإطلاق ما لم يقيد. وقال تعالى في آية الوضو : ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [المائدة: 6]، (1 )شرح الأصول : 326 . (2 )العقد الثم: 262 . (3 )تفسير سورة النسا : 2/ 134، بتصرف، وينظر : شرح الأصول : 329 . (4 )شرح الأصول : 331 .
عدد الصفحات ١٩٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 199 وقال في آية التيمم: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﴾ [المائدة: 6]،أشار – رحمه الله- إلى (الأيدي) في الآيتين ، فقال: «عندنا(أيدي) مطلقة في التيمم مقيدة في الوضو بقوله: ﴿ﭛ ﭜ﴾ فلا نحمل آية التيمم على آية الوضو ؛ لأن الحكم مختل »(1). وقال– رحمه الله -: «و قوله: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [الطور: 34]،كلمة (حديث) نكرة ، والنكرة تدل على الإطلاق، لكن لا في آية أخرى أن الله قال: ﴿ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ [يونس: 38]،﴿ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ [يونس: 38]،﴿ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [هود: 13]،ولا في آية أخرى الإخبار بأنه لن يستطيع أحد أن يعارض القرآن ، فقال تعالى: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [الإسرا: 88]،فتبين بطلان قولهم»(2). ومن شواهد التقييد، ما يأتي: قوله تعالى: ﴿ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ﴾ [يونس: 116] «أي: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك واعطاب للرسول و (إن): شرطية ، ولواب الشرط جملة: (فإنك إذن) و(إذن) أي: حال فعلك من الظالمين، وهو قيد، لأن (إذ) للظرف الحاضر، أي: فإنك حال فعله من الظالمين»(3). وفي قوله تعا: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ [النمل: 62]،يقول -رحمه الله-: «قوله: ﴿ﯚ﴾: …أي: الذي أصابه الضرر…فلا يجيب المضطر إلا الله، لكن (1 )السابق: 334-335 . (2 )تفسير سورة الطور: 16 . (3 )القول المفيد: 1/ 264 .
عدد الصفحات ١٩٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 200 قيده بقوله: ﴿ﯛ ﯜ﴾، أما إذا لم يدعه، فقد يكش الله ضره ، وقد لا يكشفه»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ [البقرة : 193]،قال: «من فوائد الآية: أن الأمر بقتالهم مقيد بغايتين؛ غاية عدمية: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ أي حتى لا تولد فتنة؛ و(الفتنة) هي الشرك ، والصد عن سبيل الله؛ والغاية الثانية إيجابية: ﴿ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﴾ بمعنى: أن يكون الدين غالب ا ظاهر ا لا يعلو إلا الإسلام فقط؛ وما دونه فهو دين معلوي عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﰏ ﰐ ﰑ ﴾ [البقرة : 196]،قال – رحمه الله -: «للتأكيد على أن هذه الأيام العشرة وإن كانت مفرقة فهي في حكم المتتابعة»(3) .وهو تقييد بالنعت لإفادة التأكيد. وقال تعالى: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ [البقرة : 218] «قوله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾؛ ﴿ﯓ﴾، فيها قرا تان : بفتح السين؛ وبكسرها ؛ والمراد به الإسلام؛ وهو الاستسلام لله - تعالى - ظاهر ا، وباطن ا. فإن قال قائل: كي يقول: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [الحجرات : 14]،قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: ﴿ﮱ ﯓ﴾؛ وهو قوله تعالى: ﴿ﯔ﴾؛ فيكون الأمر هنا منصب ا على قوله تعالى: ﴿ﯔ﴾؛ و﴿ﯔ﴾ اسم فاعل يطلق على من يك غيره؛ فتكون التا فيه للمبالغة، مثل: راوية ، ساقية، علامة…وما أشبه ذلك؛ والتا في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون ﴿ﯔ﴾ بمعنى (1 )السابق: 1/ 273-274، بتصرف . (2 )تفسير سورة البقرة : 2/ 383 . (3 )السابق: 2/ 394 .
عدد الصفحات ٢٠٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 201 كاف ا؛ والتا للمبالغة»(1). في قوله تعا: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [النسا: 92]،قال الشيخ عنها -رحمه الله -: «القيد هو ﴿ﭠ﴾، هذا ال وص قيّدها …لو قلت : أكرم طلبة مجتهدين ، فكلمة (طلبة) مطلق، إذن (مجتهدين) ورد على مطلق ، فيكون قيد ا؛ فلو كان هناك عشرة طلبة ، كلهم مجتهدون، فأكرمَ ثلاثة منهم امتثلَ ، لكن لو كانت عامة للزم إكرام العشرة »(2). ويذكر الشيخ – رحمه الله - أنه قد يجتمع التقييد والإطلاق في كلمة واحدة ، كقول الله تعالى: ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [المجادلة: 3]،فكونها رقبة هذا مطلق ، وكونها رقبة مؤمنة – على قول- مقيد، فيقول: «نعم، لو قلت: أعتق مؤمنة، ربما نقول التقدير: أعتق رقبة مؤمنة ، مثل قوله: ﴿ﮓ ﮔ ﮕ﴾ [سبأ: 11]،أي: دروع ا سابغات»(3). ومما سبق يتضح لنا أن الشيخ -رحمه الله - يتناول هذا المبحث وفق ما تناوله البلاغيون؛ فيذكر ما في الآية من إطلاق أو تقييد ويأتي بما يقابلها ، ويشير إلى التقييد في الآية دون تحديد نوعه غالب ا، ويزيد توضيح الشاهد بالأمثلة القريبة من عنده . (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 5-6 . (2 )شرح الأصول : 328 . (3 )السابق: 333 .
عدد الصفحات ٢٠١المبحث الثاني في علم البيان ويشتمل على ما يلي: 1- التشبيه. 2- المجاز. 3- الاستعارة. 4- الكناية والتعريض.
عدد الصفحات ٢٠٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 203 توطئة: علم البيان هو الفن البلاغي الثاني بعد (المعاني) وهو من ألل العلوم نفع ا، وأشرفها غاية ومقصد ا. تعريف البيان: البيان في اللغة : «الفصاحة واللسن ، وكلام بينّ : فصيح. والبيان: الإفصاح مع ذكا . والبينّ من الرلال : الفصيح…»(1). وقد عرّف البلاغيون البيان بأنه: «علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، مع مطابقة كل منها لمقتضى الحال»(2). ويرى السعد أن يقال في علم البيان أنه: «علم يبحث في التشبيه والمجاز والكناية»(3). وبذا يخُرج مبحث (الدلالة) من تعريفه . ويُقدم التشبيه على الاستعارة؛ وذلك لأن الاستعارة مبنية عليه ، فهو منها بمنزلة الأساس من البنا ، أو بمنزلة الأصل من الفرع . ويُقدم المجاز على الكناية لأنه بمنزلة الجز من الكل، ويُقدم الكل على الجز كما هو معروف؛ وذلك لأن المعنى المقصود من المجاز هو اللازم فقط لقيام قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي . أما الكناية فالمعنى المقصود منها هو اللازم مع لواز إرادة الملزوم الذي هو المعنى الحقيقي (4). وقد تناول الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - هذا المبحث في تفسيره للقرآن تارة بالإشارة إلى موضعه في الآيات، وتارة بالوقوف عليه وبيان غرضه وصوره . لذا سأتناول الحديث عن هذا الفن وفق ما تناوله الشيخ -رحمه الله - من شواهد علم البيان، وهي كالتالي : (1 )ينظر: اللسان: (بين). (2 )الإيضاح: 2/ 215، شرح : د. محمد خفالي، التلخيص: 235 . (3 )المطول: 319 . (4 )ينظر: المفتاح: 331-331، الإيضاح: 2/ 216، شرح : د. محمد خفالي، شروح التلخيص : 3/ 286، المطول: 318-319 .
عدد الصفحات ٢٠٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 204 3- التشبيه: حظي مبحث التشبيه عند البلاغيّين بعناية كبيرة ، فهو يُعد من أقدم عناصر البيان ، وأكثرها ور ود ا عند القدما ، ويضفي على المعنى حسن ا وبها ، ويزيده قوة وللا ، والحق أنه «مما اتفق العقلا على شرف قدره ، وعن تعقيب الأماني به، ولا سيما قسم التمثيل منه يكسبها أُبهة، ويكسبها منقبة، ويرفع من أقدارها ، ويشبّ من نارها ، ويضاع قواها في تحريك النفوس لها، ويدعو القلوب، ويستثير لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلف ا…»(1). ويؤكد المبرد أن التشبيه : «لار في كثير من الكلام –كلام العرب – حتى لو قال قائل: إنه أكثر كلامهم لم يبعد »(2). تعريف التشبيه: والتشبيه في اللغة: التمثيل. لا في اللسان: «الشِّبْهُ والش بَه والش بيه: المِثْل، والجمع أشباه. يقال: أشبهتُ فلان ا وشابهته واشتبه عليّ ، وتشابه الشيئان. وأشبه الشي ُ الشي َ : ماثله»(3) . وفي الصحاح: «والتشبيه: التمثيل، وأشبهت فلان ا وشابهته»(4). والتشبيه في الاصطلاح : «الدلالة على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى مشترك بينهما بإحدى أدوات التشبيه لفظ ا وتقدير ا، لغرض يقصده المتكلم»(5). أركان التشبيه: وللتشبيه أربعة أركان هي : «المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووله الشبه ، ويُطلق على المشبه والمشبه به اسم (طرفي التشبيه ) وهما الركنان الأساسيان في التشبيه . وينقسم باعتبارهما إلى أربعة أقسام: (1 )التلخيص في علوم البلاغة: شرح البرقوقي : 238 . (2 )الكامل: 2/ 79-113 . (3 )اللسان: (شبه). (4 )مختار الصحاح: 328 . (5 )الإيضاح: 217، وينظر: نقد الشعر: 124، النكت: 74، الصناعت: 261، مفتاح العلوم: 332، المصباح: 114 .
عدد الصفحات ٢٠٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 205 الأول: أن يكونا حسيين. الثاني: أن يكونا عقليين. الثالث: تشبيه المعقول بالمحسوس. الرابع : تشبيه المحسوس بالمعقول»(1). أما أداة التشبيه؛ فهي: «اللفظة التي تدل على المماثلة والمشاركة »(2)،وهي أنواع :«أولا : أسما ، وهي: مثل وشبْه وشبيه ومثيل وغيرها. الثاني: أفعال، وهي: حسب وخال وظن ويشبه وتشابه وغيرها . الثالث: حروف، وهي بسيطة كالكاف ، أو مركبة وهي (كأن)»(3). أنواع التشبيه: وللتشبيه أنواع كثيرة باعتبارات مختلفة ؛ ومنها: التشبيه المطلق: وهو: «أن تشبه شيئ ا بشي من غير عكس ولا تبديل»(4). التشبيه البليغ: وهو ما حذفت فيه الأداة والوله مع ا. وهو كثير شائع في الكلام الفصيح ، وفي القرآن الكريم قدر منه مستفيض، وهو أعلى أقسام التشبيه البيانية بعد المركب والتمثيليّ ؛ لاشتماله على دعوى الاتحاد بين الطرفين ، وعلى دعوى عموم الاشتراك بينهما . وصيغته «هي أقوى الجميع»(5)،«لإثباتالمشبه به في الظاهر للمشبه، وحذف الوله فقد التمع فيه القوتان »(6). (1 )نهاية الإيجاز: 59، وينظر: البرهان: 3/ 421 . (2) الجمان تشبيهات القرآن : 43 . (3 )نهاية الإيجاز: 65، مفتاح العلوم: 159، الإيضاح: 221 . (4 )حسنالتوسل: 115، نهاية الأرب : 7/ 42 . (5 )بغية الإيضاح: 3/ 81 . (6 )عروس الأفراح : 3/ 471 .
عدد الصفحات ٢٠٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 206 التشبيه التخييلي أو الوهمي: وهو ما ليس مدرك ا بشي من الحواس اعمس الظاهرة؛ والسبب في عدم إدراكه عدم ولوده ، ولذلك امتاز عن العقلي اعالص، فلا ولود لمادته ولا لنفسه حتى يدرك هو أو مادته بالحواس(1). التشبيه التمثيلي: وهو أرقى أنواع التشبيه عند عبد القاهر وحصره بالوله المتأوّل(2). ويراد بالتشبيه التمثيلي عند جمهور البلاغيّين: ما كان وله الشبه فيه وصف ا منتزع ا من متعدد أمرين أو أمور (3)،سوا أكان الوله حسي ا أم عقلي ا. أما السكاكي فيرى أن الوله ما كان فيه مركب ا عقلي ا(4). التشبيه الحسي: وهو: «المدرك هو أو مادته بإحدى الحواس اعمس الظاهرة »(5). التشبيه المقلوب: الأصل في التشبيه أن يشبه الشي بما هو أبين منه وأوضح وأقوى في وله الشبه . وقد يكون غرض المتكلم مبالغة أقوى، فيجعل المشبه مشبه ا به، ليكون أتمّ وأقوى في وله الشبه حتى صار أهلا يقاس عليه ويشبه به، وهو ما يسمى بالتشبيه المقلوب(6) .ويسمى المعكوس، سماه ابن الأثير: الطرد والعكس (7) .وسماه العلوي : التشبيه المنعكس، وقال: «اعلم أنّ هذا النوع من التشبيه يرد على العكس والندور ، وبابه واسع هو الاطر اد. وإنما لقب بالمنعكس لما كان (1 )ينظر: نهاية الإيجاز: 61 . (2 )أسرار البلاغة : 95 . (3 )ينظر: الإيضاح: 253، التلخيص: 274 . (4 )مفتاح العلوم: 346 . (5 )الإيضاح: 219، وينظر: التلخيص: 243، شروح التلخيص : 3/ 314، المطول: 312، الأطول: 2/ 67 . (6 )ينظر: المثل السائر: 1/ 421، بغية الإيضاح: 3/ 43، شروح التلخيص : 3/ 417 . (7 )المثل السائر: 1/ 421 .
عدد الصفحات ٢٠٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 207 لاريا على خلاف العادة وا ل في مجاري التشبيه وقد يقال له : غلبة الفروع على الأصل»(1). تشبيه المحسوس بالمعقول: وهو: «تشبيه ما يدرك بالحس بما لا يدرك به »(2). تشبيه المعقول بالمحسوس: وهو: «إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تق ع عليه الحاسة، وذلك أن يكون المشبه عقلي ا والمشبه به حسي ا»(3). التشبيه المركب : هو: «التشبيه الذي يتحد فيه المشبه والمشبه به ويكون مركب ا من شيئين أو أكثر»(4). وقفات الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله- مع التشبيه: وللشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - وقفات مع التشبيه في تفسيره للآيات الكريمة، وللوقوف على تلك الشواهد ، سأتناول الحديث فيه بحسب ما تعرض له -رحمه الله - في تفسيره من الولوه والأنواع ، وذكره لأداة التشبيه في الآيات ، ومن ذلك: أداة التشبيه: أشار الشيخ إلى أداة التشبيه في الشاهد البلاغي، ولا تعدو كونها إشارات عا مة- في كثير منها-، ومن ذلك: في قوله تعالى : ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ [البقرة : 183]، «قوله تعالى: ﴿ﭩ ﭪ ﴾؛ (ما) مصدرية ؛ والكاف حرف لر؛ وتفيد التشبيه؛ وهو تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس للمكتوب بالمكتوب؛ والتشبيه بالفعل دون المفعول أمر مطرد ، كما في (1 )الطراز : 1/ 319 . (2) البرهان: 3/ 421، وينظر: خزانة الأدب : 183 . (3 )خزانة الأدب : 182 . (4 )أسرار البلاغة : 176 .
عدد الصفحات ٢٠٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 208 قوله :((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر))(1) :التشبيه هنا للرؤية بالرؤية؛ لا للمرئي بالمرئي ؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى مصدر»(2) .فهنا صرح بأن الكاف هي حرف التشبيه . ومثله قوله تعالى: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴾ [البقرة : 19]،«والكاف اسم بمعنى (مِثل)؛ فالمعنى: أو مِثل صيب؛ ويجوز أن نقول: إن الكاف حرف تشبيه، والتقدير: أو مَثلهم كصيب»(3). وقوله تعا : ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾ [البقرة : 13]،«القائل هنا مبهم للعموم. أي ليعم أي قائل كان؛ والكاف للتشبيه»(4) .كما تدل الكاف على التشبيه عندما يتصل بها اسم الإشارة (ذلك)، فيكون هو المشبه(5). وقال– رحمه الله -: «الكاف المفردة : تأتي لارة وغير لارة ، والجارة إما اسم وإما حرف ، فللحرفية خمسة معانٍ : [الأول] :التشبيه»(6). وفي كأن ، قال-رحمه الله -: «﴿ﯶ ﯷ ﯸ ﴾ [البقرة : 111] :«(كأن) لها معنى، ولها عمل؛ عملها: عمل (إنّ ) تنصب الاسم وترفع اعبر؛ وأما معناها: فهو هنا التشبيه»(7). وقال تعا: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [البقرة : 214] .«أي صفة ما وقع لهم؛ و(المثل) يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ [الرعد: 35] أي صفتها (1 )أخرله البخاري : 1/ 231،(5129)، ومسلم: 1/ 439،(633 .) (2 )تفسير سورة البقرة : 2/ 316 . (3 )السابق: 1/ 66 . (4 )السابق: 1/ 48 . (5 )لمزيد من الشواهد ينظر : تفسير سورة البقرة : 1/ 48،66،2/ 119،231،426،3/ 181، سورة آل عمران : 1/ 64، شرح العقيدة السفارين ية: 546 . (6 )مختصر مغني اللبيب: 77 . (7 )تفسير سورة البقرة : 1/ 324، وينظر: شرح صحيح البخاري : 2/ 473، في مجي(كأن) للتشبيه والتمثيل لها.
عدد الصفحات ٢٠٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره/ في علم البيان 209 كذا، وكذا ؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [البقرة : 17]، أي شبههم كشبه الذي استوقد نار ا»(1) .وهاهنا يشير إلى مع(مثل) وما تفيده. ومما جاء من شواهد الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - في التشبيه، ما يأتي: التشبيه المطلق: ففي قوله تعالى: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ [الرحمن : 24] .يبين ما في الآية من تشبيه، فيقول – رحمه الله -: «﴿ﭸ﴾ تشبيه، والأعلام جمع علم وهو الجبل، كما قال الشاعر: وإِ ن صَةةةةةةةةةةةةةخْ ر ا لَ تَةةةةةةةةةةةةةأْ تمَُّ الهُةةةةةةةةةةةةةدَ اةُ بِةةةةةةةةةةةةةهِ كَ أَ ن ةةةةةةةةةةةةةهُ عَ لَةةةةةةةةةةةةةمٌ فيِْ رَ أْ سِةةةةةةةةةةةةة هِ نَةةةةةةةةةةةةةارُ (2) كأنه لبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبق تمام ا عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله »(3). التشبيه البليغ: وقد وق ا لشيخ -رحمه الله - على شواهد التشبيه البليغ ، ووضح معنى التشبيه البليغ بقوله: «التشبيه البليغ: هو الذي حُذفت فيه أداةُ الشبه وولْهُ الشبَه، تقول: (محمدٌ كالبحر في الكرم )، كي نجعله بليغ ا؟ نقول: (محمدٌ بحَْرٌ )، هذا بليغٌ ؛ وسمي بليغا لأنك بالغت في التشبيه حتى لعلتَ المُشب هَ نفسَ المُشب هِ به »(4). ومن تلك الشواهد على هذا النوع من التشبيه ، ما يأتي: قوله تعالى: «﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﴾ [الحديد: 21]،وفي سورة آل عمران : ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [آل عمران : 133] .و منافاة؛ لأن الأول: عرضها كعرض السما تشبيه. والثاني: عرضها السماوات والأرض أيض ا تشبيه، لكن يسميه أهل البلاغة (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 38-39 . (2 )البيت للخنسا: ديوان اعنسا : 231، الأغا: 9/ 383 . (3 )تفسير سورة الرحمن : 311 . (4 )شرح دروس البلاغة : 99 .
عدد الصفحات ٢٠٩