المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البلاغة القرآنية في تفسير الشيخ ابن عثيمين دراسة وتقويما

رانية بنت عبد الله بن عبد العزيز العسكر

صفحة ١٢ من ٢٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 178 موافق تمام ا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمام ا أن يفسد هذا المكر ببيان أن الهدى هدى الله، والتوفيق بيد الله بأن يقول: لن ينفعكم هذا المكر واعداع ، فإن الهدى هدى الله حتى لو علمتم هذه الطريقة الماكرة اعادعة ، فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئ ا؛ لأن الهدى هدى الله»(1). وقد يأتي الاعتراض بين القسم والمقسم عليه لفائدة، يقول – رحمه الله -: «والمهم أن ا تعالى أقسم بمواقع النجوم على أمر م ن أعظم الأمور، وهو قوله: ﴿ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﴾ [الواقعة: 76 - 77]،لكن الله بين عظم هذا القسم قبل أن يبين المقسم عليه، فقال: ﴿ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﴾ [الواقعة: 76]،وأتى بالجملة الاعتراضية في قوله: ﴿ﰃ ﰄ ﴾ إشارة على أنه يجب أن نتفطن لهذا القسم وعظمته؛ حتى نكون ذوي علم به»(2). فهاهنا يوضح-رحمه الله - مواضع الاعتراض في الآيات الكريمة، والسرّ الجمالي في مجيئها بهذه الصورة ، كما تناوله البلاغيون، ويزيد على ما قالوا ببيان الأسرار البلاغية . 5- الاحتراز أو الاحتراس: وهو: «أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه »(3) .ويسمى بالتكميل أيض ا: قال ابن يعقوب: «أما تسميته التكميل فلتكميله المعنى بدفع خلاف المقصود عنه، وأما تسميته الاحتراس فهو من باب حرس الشي (حفظه)، وهذا فيه حفظ المعنى ووقايته من خلاف المقصود؛ لأن ما أتى به يُترز به عن خلاف المقصود»(4). وقد وق الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - على شواهد الاحتراس، ومن ذلك: في قوله تعالى: ﴿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [آل (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 418 . (2 )تفسير سورة الواقعة : 347 . (3 )الإيضاح: 212، التلخيص: 229، المطول: 498 . (4 )مواهب الفتاح: 3/ 231 ضمن(شروح التلخيص ).

عدد الصفحات ١٧٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 179 عمران : 36]،قال: «﴿ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ تكون الجملة من باب الاحتراس، حتى لا يظن بها أنها تعتقد أن الله لم يعلم. فقالت: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾، فلستُ أخبر الله بأمر يخفى عليه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعت…ومن تمام البلاغة الاحتراز عن كل موهم لأمر خطأ، سوا أكان في المقال أم في الفعل»(1). وفي ذكر فوائد الآيات الكريمات لسورة البقرة (2)،يقول -رحمه الله-: «ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه إذا ذُكِرت أوصافٌ في شخص يخُشى منها أن يتوهم المخاطب شيئ ا خلاف الواقع فإنه لا بد من ذكر قيد يرفع هذا التوهم ، وذلك في قوله تعالى: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [البقرة : 71]،قد يقول قائل إن فيها عيب ا؛ لأنها لا تقدر على أن تثير الأرض أو تسقي الحرث فبين الله تعالى أنها : ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾، وهذا يسمى بالاحتراز أو بالاحتراس في علم البلاغة، وقد لا ذلك في القرآن في مواقع منها قوله – تبارك وتعالى - ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﴾ [الأنبيا: 78 – 79]،فلما ذكر الله تعالى أنه فهّم الحكم الصحيح سليمان، وكان ذلك يخُشى منه أن تهبط منزلة داود  بينّ الله تعالى أنه آتى داود وسليمان حكم ا وعلم ا ، وأن الله سخر لداود الجبال تسبح معه والطير…إلخ الآيات، ومن ذلك أيض ا قوله تعالى: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﴾ [الحديد: 11] قد يؤدي إلى انحطاط كبير في رتبة الآخرين الذين أنفقوا من بعد ما قاتلوا فرفع الله ذلك في قوله: ﴿ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﴾ ومن ذلك أيض ا، قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾ [النسا: 95]،فلما ذكر تفضيل المجاهدين على القاعدين، قال: (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 215-228 . (2 )تفسير سورة البقرة :1/71.

عدد الصفحات ١٧٩

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 180 ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ لئلا يتوهم متوهم نزول رتبة الآخرين نزو لا فاحش ا»(1). ومثله أيض ا قوله تعا: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [قريش : 3]،يقول: «﴿ﭚ ﭛ ﭜ﴾، وإضافة الربوبية إليه على سبيل التشري والتعظيم ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ [الحج: 26]،أضاف الله البيت إليه تشريف ا وتعظيم ا، إذ ا خصص البيت بالربوبية مرة ، وأضافه إلى نفسه مرة أخرى تشريف ا وتعظيم ا، وفي آية ثانية قال: ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ [النمل: 91]،وبعدها قال: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﴾ احتراز من أن يتوهم واهم بأنه رب البلدة وحدها فقال: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ﴾»(2). ومما سبق مما تناولته من وقوف الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - على شواهد الإطناب وصوره ؛ يتضح مدى عمق تصوره -رحمه الله - لهذا الفن ، ومعرفته لأنواعه وصوره ، ومصطلحاته، وقد ينوع في ذكر المصطلح وفق ما وق عليه البلاغيون كما في التفصيل بعد الإجمال فيذكر أنه توضيح بعد إبهام ، والاحتراس فيذكر الاسم الآخر له ، وهو الاحتراز، ولم ألد أحد ا من البلاغيّين سماه بهذا الاسم ، كذلك يذكر فوائد مجي الإطناب في الآيات الكريمة. (1 )أحكام من القرآن الكر : 288-289، وينظر: سورة النسا : 2/ 115 . (2 )تفسير لز عم : 326 .

عدد الصفحات ١٨٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 181 7 )الفصل والوصل: الفصل في اللغة هو: البون بين الشيئين، والفصل من الجسد موضع المفصل، والفصل: الحالز بين الشيئين، يقال: فصل بينهما يفصل فصلا فانفصل، وفصلت الشي فانفصل، أي: قطعته فانقطع. والوصل خلاف الفصل، يقال: وصل الشي بالشي يصله وصلا، وصلة. واتصل الشي بالشي لم ينقطع(1). وهو من أبواب البلاغة المهمة، لذا ركّز البلاغيون على ما يقع منه بين الجمل، أما ما يتصل بالمفردات فلم تكن له تلك العناية(2)؛فالوصل عندهم: عط بعض الجمل على بعض بالواو، والفصل تركه (3)،وقد ذكر الدسوقي: «أن العط يكون بين الجملتين كما يكون ب المفردين »(4) .وقد عدّ العلما هذا الفن من الفنون العظيمة حتى قصر بعضهم البلاغة على بعضه؛ فقد ذكر الجاحظ في عرض ه لتعريفات الأمم للبلاغة قائلا : «قيل للفارسي : ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل »(5)،ولعلوه حد ا للبلاغة (6) «وما ذلك إلا لغموضه ودقة مسلكه»(7) .وقد قيد البلاغيون العط بالواو خاصة في مباحث الفصل والوصل(8). وقد فصّل البلاغيون في مواضع الفصل والوصل، ويمكن إيجاز مواضعهما فيما يلي: أو لا : مواضع الفصل، وهي: 1-كمال الاتصال بين الجملت: وذلك بأن يكون بين الجملتين اتحاد تام؛ بأن تكون الثانية بمنزلة التأكيد للأولى ، أو (1 )ينظر: اللسان: (فصل) و(وصل). (2 )ينظر: قضية الفصل والوصل بين المفردات عند البلاغيّين، للدكتور: محمد الصامل: 17 . (3 )ينظر: الإيضاح: 151، شرح التلخيص للبابر : 371 . (4 )حاشية الدسوقي: 3/ 8 . (5 )ينظر: دلائل الإعجاز: 222، وروضة الفصاحة: 331 . (6 )ينظر: البيان والتبيين: 1/ 88 . (7 )روضة الفصاحة: 311 . (8 )ينظر: الإيضاح: 151، مغني اللبيب: 2/ 354 .

عدد الصفحات ١٨١

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 182 بمنزلة البدل أو عط البيان . 2- شبه كمال الاتصال بينهما : بأن تكون الثانية لواب ا عن سؤال يفهم من الأولى؛ فتفصل الثانية عن الأولى كما يُفصل الجواب عن السؤال لما بينهما من الاتصال. ويسمى ذلك الفصل استئناف ا، والجملة المفصولة مستأنفة. 3- كمال الانقطاع بينهما : بأن يكون بين الجملتين تباينٌ تامي ؛ وله صورتان : الأولى: أن تختل الجملتان خبرا وإنشا لفظا ومعنى. الثانية: أن تتفق الجملتان خبرا أو إنشا لفظا ومعنى. 4- شبه كمال الانقطاع : بأن تكون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى ، لكون عطفها عليها موهم ا لعطفها على غيرها، ويسمى الفصل لذلك قطع ا(1). ثاني ا: مواضع الوصل، وهي: 1- أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع الإيهام بخلاف ذلك : بأن تكون إحداهما خبرية والأخرى إنشائية ، ولو فصلت لأوهم الفصل خلاف المقصود. 2- التوسط بين الكمال ، أي بين حالتي كمال الانقطاع وكمال الاتصال : بأن تكون الجملتان متفقتين خبر ا وإنشا لفظ ا ومعنى، أو معنى فقط؛ وكان بينهما تناسب ت ام في المعنى، وليس هناك سبب يقتضي الفصل(2). والشيخ ابن عثيم -رحمه الله - تعرض للفصل والوصل ، وحديثه وإن كان قلي لا فإنه مهم، ولقد وق على شواهد الفصل، ومما ذكره من الشواهد على كمال الاتصال ، ما يأتي: في قوله تعالى : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [البقرة : 49]،يقول الشيخ – رحمه الله -: «يذبحون، الفعل مضَع (1 )ينظر: دلائل الإعجاز: 227، الإيضاح: 159، شروح التلخيص : 3/ 4-6 . (2 )ينظر: بغية الإيضاح: 2/ 85 .

عدد الصفحات ١٨٢

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 183 للمبالغة؛ لكثرة من يذْبحون، وعظم ذبحهم؛ …وعلى كلِّ فالجملة بيان لقوله تعالى: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﴾؛ هذا ولا في سورة إبراهيم : ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ [إبراهيم: 6]،بالواو عطف ا على قوله تعالى: ﴿ﭞ﴾؛ والعط يقتضي المغايرة ؛ فيكون المعنى أنهم جمعوا بين سوم العذاب. وهو التنكيل، والتعذيب. وبين الذبح»(1) .فقد فصل بينهما؛ لأن الجملة الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ﭙ ﭚ﴾ بدلٌ من الجملة الأولى وهي قوله تعالى : ﴿ﭖ ﭗ ﭘ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [يس: 21 – 21]،أشار الشيخ -رحمه الله- إلى أن في الآية فصلا ، فقال: «﴿ﮣ﴾ هذه جملة مفصولة عما قبلها، أي إنها أتت بدون حرف العط ، كأنها لواب عن سؤال مقدر، تقديره فماذا قال حين لا ؟! ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾…اتبعوهم بما يدعوكم إليه من الإيمان والعمل الصالح…﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ كرر الأمر بالاتباع من باب التوكيد ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ﴾ ولو حُذِفت (اتبعوا) الثانية وقيل: اتبعوا المرسلين من لا يسألكم ألر ا، لصح الكلام لكن كررت للتأكيد ؛ لأنها هي المقصود الأول باعطاب أن يتبعوا المرسلين »(2). وفي الآيات موضعان للفصل ؛ فجا ت الأولى لشبه كمال الاتصال ، ولا ت الآية الثانية لكمال الاتصال . و الجملة الثانية توكيدا للأولى ، فقوله تعالى : ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ توكيد لقوله تعالى: ﴿ﮥ ﮦ﴾. أما في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ (1 )تفسير سورة البقرة : 1/ 175 . (2 )تفسير سورة يس : 72-73، بتصرف .

عدد الصفحات ١٨٣

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 184 ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴾ [النسا: 75 – 76]،فقد أشار الشيخ -ر حمه الله- إلى أن الآية الثانية لا ت بيانا للآية الأولى؛ حيث قال: «لما وب خ ا وتعجب من الذين لا يقاتلون في سبيل الله، بين أن المقاتلين ينقسمون إلى قسمين ، فقال: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﴾ وهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر …قوله: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ هذه الجملة أيض ا مكونة من مبتدأ وخبر …»(1) .فقد لا ت الآيات السابقة في موضع كمال الاتصال . ومن شواهده على شبه كمال الاتصال ، الآتي: قال تعالى : ﴿ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ [يوس: 53]،فجا ت الجملة الثانية لواب ا عن سؤال نشأ من الجملة الثانية، قال – رحمه الله -: «كلتا الجملتين خبرٌ، لكن الثانية تعليل للأولى ، فالجملة التعليلية بينها وبين الأولى فصل ؛ فيجب الفصلُ لأنها تعليلٌ لها»(2). ومن شواهده على كمال الانقطاع ، الآتي: عند قوله تعالى: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾ [الصافات: 64]،قال- رحمه الله - : «هذه الجمل عن شجرة الزقوم بينها انقطاع بلاغي ؛ لأن الاتصال هو العط بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، والحكمة من ذلك من ألل أن يعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة، كأن كل صفة مستقلة تغني عن بقية الصفات . فكونها فتنة للظالمين؛ هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يخاف منها عند إنكار هذه الشجرة »(3). ويق-رحمه الله - عند شواهد الوصل كما في قوله تعالى : ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ (1 )تفسير سورة النسا : 1/ 531-532 . (2 )شرح دروس البلاغة : 75 . (3 )تفسير سورة الصافات : 146 .

عدد الصفحات ١٨٤

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 185 ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [آل عمران : 97]،فيخبر- رحمه الله - أن قوله تعالى: ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾، على قولين لأهل العلم: «فمنهم من قال: إن هذه الجملة تابعة لما سبق، أي: تابعة لقوله: ﴿ﮤ ﮥ﴾، فتكون من الآيات البينات، وهي أمنُ مَنْ دخله حتى في ز من الجاهلية، ومن العلما من قال: إنها جملة مستأنفة، وهي خبرية لفظ ا إنشائية معنى، أي: من دخله فليكن آمن ا، ولا يُتعرض له»(1). ويتضح موضع الوصل في التوسط بين الكمال، أي بين حالتي كمال الانقطاع وكمال الاتصال. في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ [آل عمران : 23]،فقد تحقق الوصل بين الجملتين المتفقتين في اعبر، حيث قال: «يتولى فريق منهم لا كلهم ؛ لأن بعضهم قد هدي. هؤلا الذين أوتوا نصيب ا من الكتاب قد هداهم الله، وهم كثير ، لكن تولى فريق منهم ، ومع توليهم فإنهم معرضون- والعياذ بالله - ليس عندهم إقبال، لا في الظاهر ولا في الباطن ، بل هم متولون معرضون. وإنما قال: ﴿ﭣ ﭤ ﴾ الآية – وهي جملة حالية من ﴿ﭡ﴾ وصح مجي الحال منها لأنها وصفت – إنما قال ذلك –لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ ، لكن في قلبه شي من الإقبال. أما هؤلا فإنهم متولون ، وهم قد امتلؤوا إعر اض ا عن كتاب الله»(2). لقد لا تناول الفصل والوصل عند ابن عثيم-رحمه الله - من خلال الآيات القرآنية بصورة لم يلتزم بها طريقة البلاغيّين من حيث التوسع في ذكر المصطلحات، لكنه تناول ينم عن عمق وفهم عصائص الأساليب وأسرار التعبير بها . (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 551 . (2 )السابق: 1/ 144-145 .

عدد الصفحات ١٨٥

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 186 8 )التعريف والتنكير: التعري والتنكير من الأساليب التي يجب أن يراعيها البليغ في الكلام . فلكل من التعري والتنكير موضعه في كلمة دون أخرى ، وما يُسن تعريفه لا يُسن تنكيره ، ولكل منهما إفادته التي يفيدها دون الآخر، فالأسباب التي تدعو لتعري الكلمة غير تلك الأسباب التي تدعو لتنكيرها، وهو ما اعتمده عبد القاهر الجرلاني – رحمه الله - في دلائل الإعجاز. والمعرفة ما دلّ على شي بعينه ، والنكرة ما دل على شي لا بعينه ، وأقسام المعرفة : المضمر، والعلم، واسم الإشارة ، والاسم الموصول ، والمُعرّف بالأل واللام، والمُعرّف بالندا ، والمضاف إلى واحد منه ا إضافة معنوية . وتتفاوت النكرات أيض ا في مراتب التنكير ، وكلما ازدادت النكرة عموم ا زادت إبهام ا في الوضع(1). وكثير ا ما يشيد الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - بالتعري والتنكير باعتبارهما من الأساليب البلاغية التي تقتضيها أحوال المخاطبين ، ويقصدها المتكلم ، حيث ي ق – أحيان ا- على الأغراض التي يقتضيها التعري والدواعي التي يتطلبها التنكير ، فكان حديثه دقيق ا في إصابته للأغراض واستنباطه للأسرار ، وكان حديثه بالطبع وفق ما تناوله من الآيات القرآنية في أثنا تفسيره لها. وسأسوق شواهده -رحمه الله - وفق تقسيم البلاغيين للتعر ي والتنكير. أولا: التعريف: لم تكن إشارة الشيخ -رحمه الله - إلى ما يتعلق بالمسند والمسند إليه وتوضيحهما بل كان حديثه عام ا. 3- التعريف بالإشارة: يشير الشيخ أحيان ا إلى التعري المولود في الآية دون ذكره للنكتة البلاغية، وتارة أخرى يشير إلى تلك النكات البلاغية في الآية. ومما أشار إليه -رحمه الله - للتعري باسم الإشارة : (1 )ينظر: البرهان الكاش : 133، التبيان: 51، الطراز : 1/ 11 .

عدد الصفحات ١٨٦

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 187 التشريف بالمشار إليه وعلو مكانته: قال تعالى: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ [غافر: 41]،«ففي قوله تعا ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﴾ (أولئك) باسم الإشارة الموضوع للبعيد إشارة لعلو منزلتهم وكأنك تنظر إليهم وهم فوق(1)». فاسم الإشارة (أولئك) أفاد العلو والتشري للمشار إليه وهم من يدخلون الجنة . - ومثله قوله تعالى : ﴿ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﴾ [الأعراف : 26]،«وهنا قال: ﴿ﮀ ﮁ﴾ ولم يقل: ولباس التقوى هو خير؛ لأن اسم الإشارة لي به للبعيد إشارة إلى علو مرتبة هذا اللباس كما قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ﴾ [البقرة : 1 - 2]،ولم يقل هذا الكتاب؛ إشارة إلى علو مرتبة القرآن كذلك قوله: ﴿ﮀﮁ﴾ إشارة إلى علو مرتبة لباس التقوى، فينبغي للإنسان أن يعتني بهذا اللباس بأن يتقي الله  وأن يفكر دائما في سيئاته ومعاصيه، وتنظي السيئات والمعاصي أسهل من تنظي الثياب الظاهرة ، الثياب الظاهرة تحتاج إلى عمل وتعب وألرة وتحضير ما ومنظ ، لكن الأمر سهل لدا»(2). التحقير بالمشار إليه: كما في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ [البقرة : 275]،«﴿ﭼ﴾: أتى باسم الإشارة الدال على البعد ؛ وذلك لسفوله – أي هوى بعيد ا؛ ﴿ﭽ ﭾﭿ ﴾ أي أهلها الملازمون لها ؛ وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﴾»(3) . فالمشار إليه الذي تحققت فيه هذه الأوصاف حريّ بأن يدخل النار. (1 )تفسير سورة غافر، آية : 41 . (2 )شرح رياض الصا : 1/ 873 . (3 )تفسير سورة البقرة : 3/ 376 .

عدد الصفحات ١٨٧

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 188 وفي قوله تعا : ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [النسا: 51 – 52]،«قوله: ﴿ﭑ﴾ المشار إليه هؤلا الذين أوتوا نصيب ا وقالوا للكفار: أنتم خير فأنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا . وقوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾ هذه الجملة تفيد الحصر ﴿ﭒ﴾ طرفاها المبتدأ واعبر ، فالمبتدأ (أولا ) وهو اسم إشارة معر فة، واعبر: ﴿ﭒ﴾ وهو اسم موصول معرفة »(1). وكقوله تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ [البقرة : 16]،«(أو) اسم إشارة ؛ والمشار إليهم المنافقون؛ ولا ت الإشارة بصيغة البُعد؛ لبُعد منزلة المنافق سفو لا »(2). الإشارة إلى تبيين الأحكام: 2- التعريف بالموصول: أشار -رحمه الله - إلى بعض من الأغراض التي يؤتى من أللها بالاسم الموصول ، منها: إفادة العموم والشمول: قوله: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [النسا: 24]،«و (ما) اسم موصول يفيد العموم، فأي إنسان يقول: هذه المرأة حرام ، نقول له: ائت بدليل»(3). وكقوله : فقوله: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [التحر: 1]،«(ما) اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزولة ، وللأمة، وللطعام، والشراب، واللباس»(4). وكقوله : وقال تعالى: ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [الحج: 73]،«فة(الذين): اسم موصول يشمل كل من يُدعى من دون الله، ﴿ﭞ ﭟ ﭠ﴾ (1 )تفسير سورة النسا : 1/ 411 . (2 )تفسير سورة البقرة : 1/ 61 . (3 )الشرح الممتع على زاد المستقنع : 12/ 125 . (4 )السابق: 13/ 79 .

عدد الصفحات ١٨٨

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 189 [الحج: 73]»(1). الإبهام: قال تعالى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ [النجم: 16] «﴿ﮝ ﮞ ﴾، أبهم الله ذلك للتفخيم والتعظيم، يعني غشيها شي عظيم بأمر الله  بلفظة: كن فيكون، قال النبي إنه غشيها من الحسن والبها ما لا يستطيع أحد أن يصفها»(2). 1- التعريف بأل: أشار -رحمه الله - إلى أقسام (أل) فهي: إما للعهد أو للجنس، وذلك من خلال تفسيره للآيات الكريمات: قال: «(أل) المعرفة تكون على ثلاثة : للعهد، والاستغراق ، وبيان الجنس ، والذي يفيد العموم من هذه الأنواع الثلاثة : الاستغراقية »(3). لام العهد: ذكر -رحمه الله - أن (أل) للعهد تأتي على ثلاثة أنواع ، وهي: «الذه: وهو ما يفهم بالذهن. والذكري : وهو ما سبق له ذكر. والحضوري : وهو ما عبر عن الوقت الحاضر؛ كقوله تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ [يونس: 91]،فة(أل) هنا للعهد الحضوري ، وقوله تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [المائدة: 3]،للعهد الحضوري ، وكذلك كلما لا ت (أل) بعد اسم الإشارة فهي للعهد الحضوري ، تقول: هذا الرلل ، هذه المرأة ، هذا الكتاب»(4). ويفصل الحديث– رحمه الله - عن (أل)، حيث يقول: «والعهد الذه: هو الذي يكون معلوم ا عند الناس ، كما لو تقول : سنذهب إلى القاضي للتحاكم عنده ، فالمراد بالقاضي : قاضي البلد المعروف، فهو تعيين للإنسان بعينه. والعهد الذكري : أن يسبق لهذا الذي دخلت (1 )القول المفيد على كتاب التوحيد : 2/ 253 . (2 )تفسير سورة النجم : 212 . (3 )شرح الأصول : 269 . (4 )فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 2/ 575-576، وينظر: شرح الأصول : 271-271 .

عدد الصفحات ١٨٩

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 190 عليه(أل) ذِكْر؛ مثل قول الله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [المزمل : 15 – 16]،فالمراد بالرسول : الأول الذي هو موسى »(1). ومن حديث الشيخ-رحمه الله - أنطلق لتوضيح ما قاله من خلال وقوفه على شواهد القرآن الكريم : أما لام العهد فهي كقوله تعالى : «﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ [النجم: 16]،السدرة هي سدرة المنتهى؛ لأنه تعالى قال: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾ [النجم: 13ة14]،﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ و(أل) في مثل هذه العبارة تسمى عند النحويين (أل) للعهد الذكري كقوله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ﴾ [المزمل : 15 - 16]»(2). وكقو له تعالى: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [البقرة : 35]،«أشار الله تعالى إلى الشجرة بعينها، و(أل) فيها للعهد الحضوري ؛ لأن كل ما لا بة(أل) بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري ؛ إذ إن اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شي قريب ؛ وهذه الشجرة غير معلومة النوع ، فتبقى على إبهامها…»(3). وفي قوله تعا: ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [البقرة : 53]،يقول: «لأنه أُطلق عليها (أي التوراة ) اسم ﴿ﮉ﴾؛ و(أل) هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل ، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة ؛ أيض ا سماها الله تعالى الفرقان ، كما سمى القرآن الفرقان ؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [القصص: 49]،يعني (1 )السابق. (2 )تفسير سورة النجم : 212 . (3 )تفسير سورة البقرة : 1/ 129 .

عدد الصفحات ١٩٠

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 191 التوراة ، والإنجيل»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ [البقرة : 249] «أي لا قدرة لنا؛ و(أل) للعهد الحضوري - أي: هذا اليوم -؛ يعنون به اليوم الذي شاهدوا فيه عدوهم»(2). وفي قوله تعا: ﴿ﯡ ﯢ ﴾ [الأنعام: 93]،: «(أل) للعهد الحضوري ، والمراد به: يوم حضور الملائكة لقبض أرواحهم، وهذا يقتضي أنهم يعذبون من حين أن تخرج أرواحهم، وهذا هو عذاب القبر»(3). لام الجنس: ذكر -رحمه الله- في (أل) لبيان الجنس، أنها «لا تعم الأفراد : فإذا قلت: الرلل خير من المرأة ، أو: الرلال خير من النسا ؛ فليس المراد أن كل فرد من الرلال خير من كل فرد من النسا ، وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس ، وإن كان قد يولد من أفراد النسا من هو خير من بعض الرلال ، فلما لم تصدق هذه الكلية على سبيل العموم؛ علمنا أن (أل) هنا ليست للعموم»(4). وفي قو له تعالى: ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ [البقرة : 61] :«(العصا) معروفة؛ و﴿ﮂ﴾: المراد به الجنس؛ فيشمل أيّ حجر يكون؛ وهذا أبلغ من القول بأنه حجر معين»(5). وفي قوله تعا: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [البقرة : 159]،يقول: «منفوائد الآية: أن (1 )السابق: 1/ 184 . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 222 . (3 )مجموع الفتاوى : 8/ 486 . (4 )شرح الأصول : 271 . (5 )تفسير سورة البقرة : 1/ 216 .

عدد الصفحات ١٩١

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 192 الكتب السماوية كلها بيان للناس؛ لأن قوله تعالى: ﴿ﮭ ﮮ ﴾ ﮯ المراد به الجنس لا العهد؛ فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله ؛ لم يترك الحق غامض ا؛ بل بينه لألل أن تقوم الحجة على اعلق؛ لأنه لو كان الأمر غامض ا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر»(1). ويتحدث-رحمه الله - عن أنوع (أل) قائلا: «وقد تكون لاستغراق الجنس، وعلامتها: أن يُل محلها (كُلّ )، مثل قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ [العصر: 1 - 2]،أي: إن كل إنسان، ومثل قوله تعالى: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [النسا: 28]،أي: خُلِقَ كلُّ إنسان. والتي للعَهْد: تكون للعَهْد الذِّكري، والعهد الذِّ هْنيِ ، والعهد الحُضُورِي. العهد الذهني: هو ما كان معهود ا بين الناس في أذهانهِم ، مثل: (قال النبي )،مَن النبيُّ ؟ …محمدٌ  .وتقول: (قَضى القاضي بكذا وكذا ). مَن القاضي؟ قاضي…؛ لأن (أَلْ ) للعهد الذِّهني. وتكون للعهد الذِّكْري: وهي التي تعود إلى شي سابق، مثل قوله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ [المزمل : 15 - 16]،ومن ذلك أيض ا قوله تعالى: ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [الشرح : 5 - 6]، العهد في (العُسْر) الثاني: عهد ذكري ، ولهذا كان العُسر الثاني هو العُسر الأول، وصار المذكور في الآية عُسْر ا واحد ا ويُسْرَيْ نِ . الثالث: العهد الحُضُوري. ويَكثر ذلك في كل محَُل ى بة(أَلْ ) يأتي بعد اسم الإشارة ، كل محل ى بة(أَلْ ) يأتي بعد اسم الإشارة ؛ فهو للعهد الحُضوري. تقول: (ذاكَ الرلل )، ﴿ﭓ ﭔ ﴾ [البقرة : 2]،وإنما قلنا: إنه عهدٌ حُضوري؛ لأن الإشارة تكون إلى شي حاضر. ومن ذلك أيض ا قوله تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [المائدة: 3]،﴿ﭻ﴾ يعني: (1 )السابق: 2/ 162 .

عدد الصفحات ١٩٢

الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 193 هذا اليوم الحاضر ﴿ﭼ ﭽ ﭾ﴾. وتقول: (قَدِمَ فلانٌ اليةَوْمَ )، يعني: اليوم الحاضر»(1). وفي قوله تعا: ﴿ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ [البقرة : 196]،و«(أل) هذه لبيان الجنس، فيكون المراد بالهدي: الهدي المشروع ذبحه، وهو الذي بلغ السن المعتبر شرع ا، وسلم من العيوب المانعة من الإلزا شرع ا، ويكون معنى قوله: ﴿ﯾ ﯿ﴾ أي: بالنسبة لولود الإنسان ثمنه مثلا »(2). وقد تلمس الشيخ-رحمه الله - بعض ا من أسرار التعري بة(أل) ومن ذلك: إفادة العموم والاستغراق: في قوله تعالى: ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ [البقرة : 173]،يقول: «ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: ﴿ﮏ﴾؛ و(أل) هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد ، يعني ميتة البحر، والجراد ؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل»(3). وقال في قوله تعالى: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ [الفاتحة: 2]،: «(أل) في ﴿ﭖ﴾ للاستغراق : أي استغراق جميع المحامد»(4). 4- التعريف بالإضافة: يفيد عدة أغراض ، منها: 3- التشريف: كما في قوله تعالى: ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ [البقرة : 125]،يقول: «﴿ﯭ﴾ تفسيرية؛ لأنّ ﴿ﯩ﴾ فيه معنى القول دون حروفه؛ أي إنّ العهد هو قوله تعالى: ﴿ﯮ ﯯ ﴾؛ (1 )شرح ألفية ابن مالك الشريط 1/ باب العلم، وينظر: شرح الأصول : 269-271 . (2 )فقه العبادات: 1/ 316 . (3 )تفسير سورة البقرة : 2/ 254-255 . (4 )السابق: 1/ 9 .

عدد الصفحات ١٩٣