الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 162 قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﴾ [الشعرا: 41]،ولو كان له محل من الإعراب لكانت: (هم الغالبون)؛ وربما يضاف إليه اللام، كما في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ [آل عمران : 62]،فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد …»(1). وفي قوله تعا : ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾ [البقرة : 12]،يقول: «﴿ﮝ﴾: أداة تفيد التنبيه، والتأكيد؛ و﴿ﮞ﴾: توكيد أيض ا؛ و﴿ﮟ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد أيض ا؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات : (ألا)، و(إن )، و(هم)، وهذا من أبلغ صيغ التوكيد ؛ وأتى بة(أل) الدالة على حقيقة الإفساد، وأنهم هم المفسدون حق ا؛ ووله حصر الإفساد فيهم أن (هم) ضمير فصل يفيد الحصر. أي هم لا غيرهم المفسدون؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿ﯲ ﯳ ﯴ ﴾ [المنافقون: 4]،أي هم لا غيرهم؛ فلا عدا أبلغ من عدا المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض…»(2). وقد أفرد -رحمه الله - الحديث عن ضمير الفصل في مقدمة أصول التفسير(3)،فذكر أنه : «حرف بصيغة ضمير الفصل يقع بين المبتدأ واعبر إذا كانا معرفت ؛ ويكون بضمير المتكلم…وبضمير المخاطب…، وبضمير الغائب، وله ثلاث فوائد: الأول: التوكيد . الثانية: الحصر، وهو اختصاص ما قبله بما بعده ، فإن قولك: المجتهد هو النالح يفيد اختصاص المجتهد بالنجاح. الثالثة: الفصل…»(4). وكما عرض -رحمه الله - إلى طرق القصر ، فكذلك تناول بعض أقسامه إشارة دون بحث ؛ فذكر انقسامه إلى قصر حقيقي و إضافي أثنا تفسيره الآيات دون أن يعرض لهما، من ذلك في (1 )السابق. (2 )السابق: 1/ 47 . (3 )ينظر: 68، والمرلع السابق : 1/ 68 . (4 )السابق، بتصرف .
عدد الصفحات ١٦٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 163 قوله تعا: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [الدخان: 6] :«﴿ﭲ﴾، أي: الله الذي يراك حين تقوم: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﴾، وفي الآية هنا ضمير الفصل ﴿ﭳ﴾، و من فوائده الحصر، فهل الحصر هنا حقيقي، بمعنى: أنه لا يولد شي من المحصور في غير المحصور فيه، أو هو إضافي؟ الجواب: هو إضافيي من ولهٍ ،حقيقيي من وله ، لأن المراد بة ﴿ﭴ﴾ هنا: ذو السمع الكامل المدرك لكل مسموع ، وهذا هو اعاص بالله ،والحصر بهذا الاعتبار حقيقي، أما مطلق السمع، فقد يكون من الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ [الإنسان: 2]،فجعل الله تعالى الإنسان سميع ا بصير ا. وكذلك ﴿ﰂ﴾، فإن الإنسان عليم، كما قال الله تعالى: ﴿ﰀ ﰁ ﰂ ﴾ [الذاريات : 28]،لكن العلم المطلق ة أي: الكامل ة خاص بالله ،فالحصر بهذا الاعتبار حقيقي»(1). ويظهر ذلك– أيض ا - في قوله تعالى: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ [يس: 17]، «هذا حصر حقيقي، أي: ما عليهم في لانب الرسالة إلا البلاغ المبين في لانب الرسالة »(2). وفي قوله تعا: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ [يس: 15]،«قوله: (إن) بمعنى (ما) ففي الجملة حصر طريقة : النفي والإثبات ﴿ﭱ ﭲ ﴾، يعني ما أنتم إلا تكذبون، وهذا الحصر – والعياذ بالله- حصرٌ هُمْ يرون ه إضافي ا، بمعنى (ما أنتم إلا تكذبون فيما تدعون من الرسالة )»(3). ومما سبق يتضح من خلال ما وقفت عليه من كلام الشيخ -رحمه الله - حول هذا الفن أنه يشيد به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ، وعند وقوفه على شواهده يذكر ما هو القصر وما طرقه وأنواعه ، مما يدل على معرفته -رحمه الله تعالى- للقصر وأقسامه، وفق ما عليه أهل البلاغة، لكن الملاحظ أن الشيخ -رحمه الله - لم تستوقفه الفروق الدقيقة بين أدوات القصر على نحو ما يذكره البلاغيون في التفرقة بين (إنما) والنفي والاستثنا . إذ كلا الأسلوبين يدلان (1 )شرح العقيدة الواسطية : 1/ 328 . (2 )تفسير سورة يس : 61 . (3 )السابق: 58 .
عدد الصفحات ١٦٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 164 عنده دلالة واحدة، ويستخدمان استخدام ا واحد ا في القصر، حيث لم أعثر على إشارة يفرق فيها بين الصيغتين.
عدد الصفحات ١٦٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 165 6 )الإيجاز والإطناب: لقد جمع اعطيب القزويني هذه الأقسام في مقولة واحدة، وهي: «أن المقبول من طرق التعبير عن المعنى: هو تأدية أصل المراد بلفظ مساوٍ له (1)،أو ناقص عنه وافٍ ، أو زائد ع ليه لفائدة»(2). وقد تحدث العسكري في كتابه الصناعتين عن بلاغة الإيجاز والإطناب ، قائلا : «القول القصد أن الإيجاز والإطناب يُتاج إليهما في جميع الكلام وكل نوع منه ولكل واحد منهما موضع، فالحالة إلى الإيجاز في موضعه كالحالة إلى الإطناب في مكانه . فمن أزال التدبير في ذلك عن لهته واستعمل الإطناب في موضع الإيجاز واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ»(3). ولم ألد للشيخ شواهد في تفسيره عن المساواة، عدا الإيجاز والإطناب . أولا- الإيجاز: الإيجاز في اللغة: «الاختصار والتقصير والتقليل، يقال: أولز في كلامه : قللّه واختصره. و يقال: أولز فلان إيجاز ا في كل أمر، وكلام وليز : خفي مقتصر…»(4) . وأسلوب الإيجاز من أهم خصائص اللغة العربية ، فهو ذو محاسن جمّة، وفوائد كثيرة ، ومنزلة عالية، قال الجاحظ: «وأحسن الكلام ما كان قليل ه يغنيك عن كثير ه»(5). وقد عرّفه السكاكي ، بقوله: «فالإيجاز هو أدا المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط»(6). وقد لعل العلما الإيجاز نوعين، هما: إيجاز الحذف، وإيجاز القصر وهذا ما سار عليه (1 )يقصد: المساواة. (2 )الإيضاح: 281 . (3 )كتاب الصناعت: 191 . (4 )اللسان: (ولز ). (5 )البيان والتبي: 1/ 83 . (6 )مفتاح العلوم: 133 .
عدد الصفحات ١٦٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 166 البلاغيون(1). ويشيد الشيخ ابن عثيم– رحمه الله - بمكانة الإيجاز وأهميته، وأنه من البلاغة التي يأتي فيه الكلام مطابق ا لمقتضى الحال؛ وذلك من خلال تفسيره لقوله تعالى: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [الزمر : 19]،قال: «من فوائد هذه الآية بلاغة القرآن وشدّة زوالره ؛ حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يسلم القلب الواعي الحي: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ أسلوب شديد لد ا؛ ولا شك أن الأسلوب الشدي د في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابق ا لمقتضى الحال أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز»(2). ويقول-رحمه الله - في قسمي الإيجاز: «والإيجاز عندهم– يقصد البلاغيّين – نوعان: 1- إيجاز قصر. 2- إيجاز حذف»(3) .ثم يوضح الفرق بينه ما من خلال التعري : «إيجاز القصر: أن تكون العبارات القصيرة تتضمن معانيَِ كثيرة ، وإيجاز الحذف : أن تكون العبارة المولودة قد حذف منها ما هو معلوم ، مثل قوله تعالى: ﴿ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾ [القصص: 24 - 25]،«هذه الآية حذف منها شي كثير ، لأن تقديره : أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه اعبر ، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجا ته تمشي على استحيا ؛ فالإيجاز عندنا نوعان: إيجاز قصر، وإيجاز حذف؛ وكلاهما فصيح عربي»(4). وفي قوله تعا: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ [النسا: 127]،«فأي الحرفين نقدر هنا (في) (1 )ينظر: بغية الإيضاح:1/211 ،وثلاث رسائل في إعجاز القرآن : 76، والبحث البلاغي عند ابن قتيبة، للدكتور محمد الصامل: 327 . (2 )تفسير سورة الزمر، آية : 19 . (3 )تفسير سورة الأعراف، آية : 99، وينظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 7/ 415 . (4 )تفسير سورة الزمر، آية : 24-25 .
عدد الصفحات ١٦٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 167 أم(عن)، بمعنى: ترغبون في نكاحهن ، أو عن نكاحهن؟ نقول: الآية محتملة، وهذا من بلاغة القرآن وإيجازه ؛ لأنه قد يكون راغب ا عنها فلا يريدها، لكنه لا يريد أن تكون لغيره ، وقد يكون راغب ا فيها فلا يريد أن تكون لغيره، فتكون الآية شاملة للأمرين جميع ا»(1). وقد يصرح الشيخ بمصطلح إيجاز القصر، وهذا قليل، ففي قوله تعالى: ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ [النسا: 123]،ذكر نوع الإيجاز في الآية قائ لا : «هذا إيجاز قِصر لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ وهما تشملان كل ما يدخل في هذه الجملة من التفاصيل…»(2). ومنه قوله تعالى: ﴿ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [البقرة : 221]،«ففي قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [الأنعام: 152]،أشكل على الصحابة رضي الله عنهم، فصاروا يجعلون طعامهم على حدة، وطعام اليتامى على حدة؛ ثم ما لعلوه لليتامى إما أن يفسد، ولا يصلح للأكل؛ وإما أن يصلح للأكل، ولكن ليس على الوله الأكمل؛ فتحرلوا من ذلك، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم بطعام اليتامى؛ فألابهم الله بجواب في غاية ما يكون من البلاغة والاختصار والوضوح ؛ فقال تعالى: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ [البقرة : 221]»(3). أما إيجاز الحذف عند الشيخ فقد تم استعراض بعض صوره عند تناو للحذف في هذا المبحث، وسأُورد بعض الصور هنا التي عليها إيجاز الحذف، ومن ذلك ما وق عنده الشيخ - رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ [النسا: 157]،قال: «القتل مولود ، فهم قالوا: ﴿ﭲ ﭳ﴾ [النسا: 157]،لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق، وهنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا، لكن طوى ذكره اكتفا بما سيذكر»(4). (1 )تفسير سورة النسا : 2/ 277 . (2 )السابق. (3 )السابق: 3/ 71 . (4 )تفسير سورة النسا : 2/ 437-438 .
عدد الصفحات ١٦٧الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 168 على أنه-رحمه الله - كثير ا ما يذكر أن الحذف لائز لما كان معلوم ا من سياق الجملة، فمن فوائد الآية الكريمة: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [البقرة : 243]،يقول: «لواز حذف ما كان معلوم ا، وأنه لا ينافي البلاغة؛ وهو ما يسمى عند البلاغيّين بإيجاز الحذف؛ لقوله تعالى: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ﴾؛ والتقدير: (فماتوا ثم أحياهم)؛ وهذا كثير في القرآن ، وكلام العرب »(1). وفي قوله تعا: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾ [النبأ: 18]،قال -رحمه الله -: «و الآية إيجاز بالحذف، أي فتحيون فتأتون أفوال ا؛ فول ا مع فوج أو يتلو فول ا»(2). ويدرك الشيخ -رحمه الله - الغرض البلاغي لحذف لواب الشرط ، ويكاد يذكر الغرض نفسه الذي يذكره البلاغيون ، وهو ما يظهر في تحليله للآية الكريمة: ﴿ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [يس: 19]،يقول: «فمن فوائدها: لواز حذف ما علم بالسياق، ولا يعد هذا نقص ا في الكلام وبلاغته؛ لأن لواب الشرط محذوف لدلالته عليه ، وربما يكون الحذف أبلغ»(3)،والمحذوف تقديره ( تطيرتم ). وقد يكون الحذف للمقابل المذكور في السياق للعلم به ، أي من باب الاكتفا بأحد الوصفين عن الآخر، ففي قوله تعالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ [الصافات: 72]،يذكر - رحمه الله-: «أنه ينبغياعطاب أن يذكر ما يناسب المقام ، وأن يُذف ما تكون الفصاحة في حذفه، ولهه أنه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل مع أن الرسل عليهم السلام حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [النسا: 165]»(4). ومثله قوله تعا: ﴿ﮌ ﮍ ﴾ [آل عمران : 13]،«ولم يقل ا (تقاتل سبيل كذا )، وهذا من باب الاكتفا بذكر أحد الوصفين عن الآخر ، الأولى: قال: ﴿ﮇ ﮈ (1 )تفسير سورة البقرة : 3/ 197 . (2 )تفسير لز عم : 6 . (3 )تفسير سورة يس : 71 . (4 )تفسير سورة الصافات : 165 .
عدد الصفحات ١٦٨الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 169 ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ [آل عمران : 13]،ولم يقل : فئة (مؤمنة) تقاتل في سبيل الله. والأخرى قال : ﴿ﮍ﴾، ولم يقل : تقاتل في سبيل الطاغوت. فحذف من الأولى مقابل ما ذكر في الثانية. حذف من الأولى (مؤمنة) التي تقابلها ﴿ﮍ﴾، وحذف من الثانية ضد ما ذكر في الأولى ؛ فحذف (في سبيل الطاغوت)، وذكر في الأولى: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﴾، وهذا من باب الاكتفا بذكر أحد الوصفين عن الآخر ، وهو من البلاغة الإيجازية »(1). وهذا الشاهد من الاحتباك؛ وهو: «أنتمع في الكلام متقابلان فيحذف من واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه »(2)،وقد انفرد الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - بوصفه بالاكتفا دون غيره، وأشير إلى هذا الفن في حاشية الجمل على تفسير الجلالين؛ حيث ذكر أن «في الكلام شبه احتباك تقديره : فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، فحذف من الأول ما يُفهم من الثاني ومن الثاني ما يفهم من الأول»(3). ومنه حذف المفعول كما في قوله تعا : ﴿ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴾ [الزمر : 56]،قال: «الساخر بمعنى المستهزئ ، ساخرين بمن يدعو إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [ص: 63]،ساخرين بدين الله ، ساخرين برسل الله : ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [التوبة: 65]،ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم ؛ أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه ، فهو عام»(4). ومما سبق يتضح فهم الشيخ -رحمه الله - لمبحث الإيجاز ومعرفته لقسميه ؛ وهو يُصرح بتسميتهما. وقد ألاد – رحمه الله - في بيان الأغراض البلاغية للحذف في الآيات الكريمة. (1 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 79 . (2 )البرهان: 3/ 129 . (3 )الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق اعفية المعروف بالجمل للأزهري : 1/ 363 . (4 )تفسير سورة الزمر، آية : 56 .
عدد الصفحات ١٦٩الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 170 ثانيا- الإطناب: الإطناب هو: «زيادة اللفظ على المعنى لفائدة »(1) .«والتقييد بقولهم : (لفائدة) ليخرج التطويل الذي هو زيادة اللفظ من غير فائدة »(2). ومما يدخل في مفهوم الإطناب: التكرار ، والزيادة ، والإتباع ، والتذييل، وذكر اعاص بعد العام وعكسه، وقد درس العلما تلك الأساليب على أنها مظهر من مظاهر إطالة الكلام أو الإطناب فيه، ثم أصبحت تلك الأساليب – فيما بعد – من أنواع الإطناب الكثيرة (3). والشيخ ابن عثيم– رحمه الله - يتناول أنواع الإطناب من خلال وق وفه على الآيات القرآنية ، مبرز ا الغرض من كل نوع وأثره في الكلام، ومن أبرز تلك الأنواع التي تناولها الشيخ في باب الإطناب: 3- كر الخاص بعد العام والعكس: ينص الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - على هذا الغرض أو يشير إليه، ويقرن ذلك غالب ا بإبراز السر البلاغي من ذ كر اعاص بعد العام، أو ذكر العام بعد اعاص على عادته -رحمه الله- في التحليل والتعليل. فيق على قوله تعالى : ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [آل عمران : 21]،ويذكر أن : «الذين يأمرون بالقسط من الناس يشمل الرسل وغير الرسل من أهل العلم واعلفا الراشدين ، فحينئذ عطفه على النبيين من باب عط العام على اعاص، ولكنه خصّ الأنبيا ؛ لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم»(4). ثم يوضح السر في ذكر اعاص بعد العام والغرض منه؛ قائلا : «وذكر اعاص بعد العام من باب ذكره مرتين : مرة بطريقة العموم ، ومرة بطريقة اعصوص . ولكن خصّ من بين سائر الأفراد ، وأعيد الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتنا به والاهتمام به »(5). (1 )المثل السائر: 2/ 393 . (2 )التلخيص: 211 . (3 )ينظر: البحث البلاغي عند ابن قتيبة: 336 . (4 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 141 . (5 )السابق.
عدد الصفحات ١٧٠الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 171 وفي ذكره لفوائد الآية الكريمة : ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [البقرة : 31]،يقول: «ومن فوائد هذه الآية الكريمة : تعظيم شأن الدما ، ولهذا خص تها الملائكة بالذكر ، في قولهم: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾، وإلا فمن المعلوم أن سفك الدما من الفساد في الأرض، لكن لما عط على العام وهو خاص دل ذلك على أهميته ، وأنه من أعظم الفساد في الأرض»(1). ومثله قوله تعا : ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ [البقرة : 157]،قال: «وقوله تعالى: ﴿ﭾ﴾ عطفها على ﴿ﭻ﴾ من باب عط العام على اعاص؛ لأن الثنا عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة »(2). كما أشار-رحمه الله - إلى ذكر اعاص بعد العام في عدة شواهد، كما في قوله تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [النصر: 1]،يقول – رحمه الله -: «﴿ﭵ﴾ معطوف على النصر، وعطفه على النصر مع أن الفتح من النصر تنويه بشأنه، وهو من باب عط اعاص على العام، كقوله تعالى: ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [القدر: 4]،أي في ليلة القدر، فجبريل من الملائكة، وخصه لشرفه »(3). وفي قوله تعا: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ [الحج: 28]،قال في توضيح الآية – رحمه الله -: «قد ظن بعض الناس أن المنافع التي تحصل في الحج مقدمة على ذكر الله في الحج؛ لأن الله قدم ذكرها فقال : ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ وفي هذا نظر، بل إن قوله: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ من جملة المنافع المشهودة في هذا المشعر، وعلى هذا فيكون عطفها على شهود المنافع، من باب عط اعاص على العام، الدال على العناية به، فيكون ذكر الله تعالى أهم من هذه المنافع»(4). (1 )أحكام من القرآن الكر : 155، وينظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 7/ 432 . (2 )تفسير سورة البقرة : 2/ 183، وينظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام : 1/ 25 . (3 )تفسير لز عم : 343 . (4 )مجموع الفتاوى : 24/ 27 .
عدد الصفحات ١٧١الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 172 ومثله قوله تعا : ﴿ﮣ ﮤ ﴾ [البقرة: 98]،معطوف على قوله تعالى: ﴿ﮡ﴾ [البقرة : 98]،من باب عط اعاص على العام؛ وعط اعاص على العام يدل على شرف اعاص؛ فجبريل موكل بالوحي من الله إلى الرسل ؛ و﴿ﮤ﴾ هو ميكائيل الموكل بالقطر، والنبات…»(1). ويتضح لنا مما سبق أن الشيخ-رحمه الله - يوافق البلاغيّين في وقوفه على تلك الشواهد، مبرز ا السر البلاغي له، وموضح ا فائدته. 2- الإيضاح بعد الإبهام: وهو أن يذكر المعنى مرتين ؛ مرة مبهم ا ومرة موضح ا، وهو فن له أثر في النفس عظيم، لأن المعنى يظهر في صورتين مختلفتين ، «فإن المعنى إذا ألقي على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح ، فتتوله إلى ما يرد بعد ذلك فإذا ألقى كذلك تمكن فيها فضل تمكن وكان شعورها به أتم أو لتكمل اللذة بالعلم به فإن الشي إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وله دون وله تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول فيحصل لها بسبب المعلوم لذة وبسبب حرمانها عن الباقي ألم، ثم إذا حصل لها العلم به حصلت لها لذة أخرى واللذة عقيب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألمٌَ ، أو لتفخيم الأمر وتعظيمه»(2). ولقد عدّ الشيخ -رحمه الله - الإيضاح بعد الإبهام، أو كما يسميه في كثير من الأحيان التفصيل بعد الإجمال نوع ا من أنواع البلاغة. يقول: «والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن اشتمل على أعلى أنواع البلاغة »(3). ويعبر عنه بقوله: «إن التفصيل بعد الإجمال من البلاغة، يعني أن تأتي بقول مجمل ثم تفصله؛ لأنه إذا أتى القول مجملا تطلعت النفس إلى بيان هذا المجمل، فيأتي التفصيل والبيان وارد ا على (1 )تفسير سورة البقرة : 1/ 315 . (2 )الإيضاح: 3/ 197، شرح : د. محمد خفالي. (3 )تفسير سورة النسا : 2/ 525، وينظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح ب لوغ المرام : 7/ 93 .
عدد الصفحات ١٧٢الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 173 نفس مشرئبة مستعدة، فيقع منها موقع ا يكون فيه ثبات الحكم»(1) .وفي موضع آخر يوضح– رحمه الله - هذا الفن من خلال قوله تعالى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [البقرة : 235]،قائلا : «ومن فوائد الآية: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾؛ ومن فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه، وتحرص عليه حتى تدركه؛ فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان، ولا ينساه»(2). ولا يزال الشيخ -رحمه الله - يخُرج الفوائد والنكت من مجي التفصيل بعد الإجمال ، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى : ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [الفاتحة: 6 – 7]،قال -رحمه الله -: «من فوائد الآيتين: ذكر التفصيل بعد الإجمال؛ لقوله تعالى: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ وهذا مجمل؛ ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾: وهذا مفصل؛ لأن الإجمال، ثم التفصيل فيه فائدة: فإن النفس إذا لا المجمل تترقب وتتشوف للتفصيل والبيان؛ فإذا لا التفصيل ورد على نفس مستعدة لقبوله متشو قة إليه؛ ثم فيه فائدة ثانية هنا: وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم»(3). ويشير إلى شي آخر في هذا الباب، وهو مجي القرآن تارة مجم لا ، وتارة أخرى مفص لا ؛ ففي قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [البقرة : 231]،: يذكر -رحمه الله - أن من فوائد الآية: «أن لكل طلاق أللا ؛ لقوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾؛ الألل هنا مجمل؛ ولكنه مبين في قوله تعالى: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ [البقرة : 228]، وغير ها من الآيات الدالة على العدة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مجملا أحيان ا، ومفصلا أحيان ا؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾ [هود: 1]،وفائدة الإتيان بالإجمال، ثم التفصيل: أنه إذا ورد النص مجملا فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك (1 )التلخيص المعين على شرح الأربع : 188 . (2 )تفسير سورة البقرة : 3/ 164 . (3 )تفسير سورة البقرة : 1/ 19 .
عدد الصفحات ١٧٣الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 174 المجمل، وبيان ذلك المبهم؛ فيكون في ذلك شدة الاشتياق إلى العلم به»(1). وقال تعا: ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [غافر: 36 – 37]،يقول: «الأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يوصل إلى المقصود، فالسبب وسيلة، والمسبب غاية، ومعنى أسباب هنا بينها، بقوله: ﴿ﮖ ﮗ ﴾، فمحلها عما قبلها عط بيان تبين الإبهام المولود في الأسباب ، فإن قال قائل: لماذا لم يقع الكلام مبين ا من أول اعطاب؟ فيقال: لعلي أبلغ أسباب السماوات؟ «قلنا: إن الإبهام أو لا ثم التفصيل والبيان ثاني ا؛ أوقع في النفس؛ لأن الشي إذا لا مبهم ا ثم بينّ صار للبيان وقع عند تشوق النفس لمعرفة هذا المبهم ، لأن النفس تكون مستعدة لقبوله ومتشوقة إلى معرفة أسباب السموات »(2). ويش -رحمه الله - إلى التساؤلات التي يثيرها السائل عند وقوفه على المجمل من الآيات ؛ فيقول: «ما الفائدة من ذكر المجمل ثم البيان؟ ولماذا لم يكن الأمر بيان ا من أول وروده؟ نقول: لذلك فائدتان: الفائدة الأولى : تهيؤ النفوس لهذا الحكم ، واستعدادها له ، فمثلا ﴿ﮛ ﮜ ﴾ [البقرة : 43]،الآن تقبل النفس هذا الأمر وتتهيأ له. الفائدة الثانية: قوة الحالة إلى البيان، فيرد على النفس وهي في أشد ما تكون شوق ا إليه، وحينئذ يكون له أثر في الرسوخ والبقا »(3). ويوضح-رحمه الله - الإجمال وما يعقبه من تبيين ، وأثره لدى السامع ، وفائدته، قائلا : «ولهذا إذا حدّثت بحديث، وقلت: يأتيني الليلة رلل ، فإن المخاطب يبحث عن هذا الرلل الذي نةُوِّه وأعلن عنه، ويتشوق لمعرفته ، فإذا أعلمته به، فكأنه غيث نزل بعد لدب ، فهذه من (1 )السابق: 3/ 125-126 . (2 )تفسير سورة غافر، آية : 36-37 . (3 )شرح الأصول : 342-343 .
عدد الصفحات ١٧٤الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 175 فائدة المجمل والمب»(1). وهكذا يق-رحمه الله - مع هذا الفن مبين ا وموضح ا أثره وفائدته وهو يتناول الشاهد البلاغي، ويسميه تارة بالتبيين بعد الإجمال ، وتارة بالتفصيل بعد الإجمال ، والإيضاح بعد الإبهام؛ وهي مصطلحات استعملها البلاغيون، وبذلك لم يخرج عما قاله علما البلاغة من حيث تعريفُه وفائدته ومصطلحاته. 1- التكرار: من أنواع الإطناب التكرار لفائدة ، وقد عَرَفَه العرب منذ القدم ، وقال عنه ابن قتيبة : «وللعرب المجازات في الكلام ، ومعناها: طرق القول ومآخذه . ففيها: الاستعارة ، والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير، والحذف، والتكرار …»(2). وذكر ابن فارس : «من سنن العرب : التكرار والإعادة إرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر»(3). وقد أفاض ابن عثيم-رحمه الله - في حديثه عن التكرار وفوائده ، وذلك لتوافر عدد من الشواهد القرآنية لا ت على هذا الأسل وب، ففي قوله تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ [آل عمران : 194]،يوضح الشيخ – رحمه الله - الغرض الذي لا لألله تكرار المنادى ، حيث قال : «انظر إلى التكرار في قوله : ﴿ﯯ﴾ لأنهم يتلذذون بهذا التعبير أن يكون الله ربهم، وإذا كان الله فهم عبيده ، وتلذذ الإنسان بعبوديته لله دليل على كمال إيمانه ؛ لأنه كلما كان الإنسان أذل لله كان أكمل إيمان ا، ولهذا يكررون ﴿ﯯ﴾ تلذذ ا بهذا الاسم الكريم»(4). وفي قوله تعا: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ [البقرة : 149]، يذكر الفائدة أو الغرض من تكرار الأمر ، قائلا : «تكرار الأمر الهام لتثبيته، والثبات عليه، ودفع (1 )السابق. (2 )تأويل مشكل القرآن : 21 . (3 )الصاح: 341 . (4 )تفسير سورة آل عمران : 2/ 564 .
عدد الصفحات ١٧٥الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 176 المعارضة فيه؛ لأنه كلما كرر كان مقتضاه أن الأمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه؛ وكون المسلمين ينقلون من ولهة إلى ولهة في القبلة أمر هام له شأن عظيم؛ ولهذا ارتد من ارتد من الناس حين حوِّلت القبلة»(1). ويذكر أيض ا: «أنه ينبغي التكرار في المقام الها م(2)؛لقوله: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ [آل عمران : 49]،مع أنه قال في الأول: ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﴾ [آل عمران : 49]،وذلك لأن الأمور الهامة(3) ينبغي تكرارها أو لا من ألل أن يتبين للمخاطب أهميتها عند المتكلم وأنه ذو عناية بها، والثاني من ألل أن ترسخ في الذهن ؛ لأنه كلما تكرر الشي ازداد ر سوخ ا»(4). وقد ذكر– رحمه الله - أن التوكيد لار مجرى التكرار ؛ فقال: «التوكيد في اللغة العربية لار مجرى التكرار ، كما لو قلت: لا زيد نفسه ، كأنك قلت: لا زيد زيد »(5). وبهذا يوافق -رحمه الله - ما ذكره البلاغيون في أن التكرار نوع من أنواع الإطناب ، ويوافقهم في الأغراض التي لا بها التكرار . 4- الاعتراض: الاعتراض هو: «أن يؤتى في أثنا الكلام أو بين كلامين متصلين مع ، بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب ، لنكتة سوى دفع الإبهام»(6). وعدّه ابن المعتز من محاسن الكلام، يقول: «ومن محاسن الكلام أيض ا اعتراض كلام كلام لم يتُمّم معناه ثم يعود إليه فيتمّمه في بيت واحد»(7). وذكر ابن لني الاعتراض قائ: «اعلم أن هذا القبيل من هذا العلم كث ، قد لا في (1 )تفسير سورة البقرة : 2/ 151 . (2 )الصواب: المهم. (3 )الصواب: المهمة. (4 )تفسير سورة آل عمران : 1/ 291، وينظر: شرح صحيح البخاري : 1/ 217 . (5 )شرح الأصول : 134 . (6 )الإيضاح: 216، وينظر: عروس الأفراح : 1/ 87. (7 )البديع: 59 .
عدد الصفحات ١٧٦الفصل الثاني: علوم البلاغة في تفسيره / في علم المعاني 177 القرآن وفصيح الشعر ومنثور الكلام»(1). ويق الشيخ ابن عثيم-رحمه الله - على شواهد الاعتراض في القرآن ، منها: قوله تعالى: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ [الأحزاب : 51] .«(ويرض ) هذه الواو حرف عط ، و(يرضين ) معطوف على ماذا؟ على (تقر) وليس على (يُزن )، لأنه لو كان معطوفا على يُزن لكان المعنى : ولا يُزن ولا يرضين ، والمراد خلاف ذلك ، فالمراد : ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ فإن قلت: ما الفائدة من اعتراض الجملة الثانية (ولا يُزن )؟ نقول: لأن صلتها بقوله ﴿ﭥ ﭦ ﭧ﴾ أقوى، فإن قوله: ﴿ﭨ ﭩ ﴾ يزداد به كمال قرار العين ، يعني: أن تقر أعينهن حتى لا يبقى فيهن حزن إطلاق ا ؛ فلهذا اعترضت هذه الجملة بين المعطوف والمعطوف عليه»(2). ومثله قوله تعا: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [النحل: 111]،ففي قوله تعالى: ﴿ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾: هذه جملة اعتراضية، وهي من أحسن ما يكون في هذا الموضع، والمعنى أن تبديلنا للآية ليس سفه ا وعبث ا، بل هو صادر عن علم بما يصلح اعلق، فنبدل آية مكان آية؛ لعلمنا أن ذلك أصلح للخلق وأنفع لهم، وفيها أيض ا فائدة أخرى ، وهي أن هذا التبديل ليس من عمل الرسول .بل هو من الله، أنزله بعلمه، وأبدل آية مكان آية بعلمه، وليس منك أيها الرسول »(3). وقوله: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ [آل عمران : 73]،«وهذه الجملة معترضة، لكنها في محل (1 )اعصائص: 1/ 335 . (2 )تفسير سورة الأحزاب، آية : 51 . (3 )شرح العقيدة الواسطية : 1/ 15، مجموع الفتاوى : 8/ 375 .
عدد الصفحات ١٧٧