المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

نحو مفهوم شامل للاحتساب

عبدالله بن عبدالرحمن الوطبان

صفحة ٩ من ١١

نحو مفهوم شامل للاحتساب 131  - حسن إدارة الصراع مع الأعداء2 وهذا يقتضي السعي في تقليل الخصوم، سواء عن طريق كسبهم إلى صفنا، أو على أقل تقدير تحييدهم، لكن الملاحظ أن كثيراً من الأساليب المتبعة تؤدي إلى تكثير الخصوم، بل صناعتهم. لقد جاءت الشريعة بالتفرقة بين أنواع المخالفين الواقعين في المنكرات، فقد يقع الرجل في الكبيرة، بل قد يقع فيها المرة بعد الأخرى، لكنه لا يكون محارباً لله ورسوله، ففي الحديث عن عمر كان اسمه ﷺ« : ابن الخطاب ، وكان ﷺعبدالله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحِك رسولَ الله قد جلده في الشراب، فأُتِيَ به يومًا فأمر به فجلد، فقال ﷺالنبي : ﷺرجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي .)1( « بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ ﷺ «، قَالَوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ : ﷺبِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ .)2( لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ ).6780( )159 /8 صحيح البخاري )1( .)6781( )159 /8 صحيح البخاري )2(

عدد الصفحات ١٣٢

نحو مفهوم شامل للاحتساب 132 تُرجَم، فيصيب الدمُ وجهَ خالدٍ بن وهذه الغامدية « فيقولﷺ فيسبُّها، فيسمعه النبي الوليد فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، .)1( ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ فالتعامل مع مثل هذه الحالات لا ينبغي أن يكون كالتعامل مع المعاند المحارب، ونحن في كثير من الأحيان نصنع من المخالف خصماً رغم أنه قد لا يكون كذلك: - فيمكن أن يكون جاهلاً بالحكم. - ويمكن أن يكون عالماً ولكن غلبته شهوته، فنعين شياطين الإنس والجن عليه. - ويمكن أن يكون يقع في المخالفة لكونه أداة ينفذ أوامر وتعليمات مديره أو رئيسه دون نظر لما وراء ذلك، إلى غيرها من الاحتمالات. وأما من استبان أمره وظهر تبنيه للفساد ولم ينفع معه النصح والوعظ، فمن السياسة إسقاطه وإبانة حاله. وعلينا هنا أن نستحضر دوماً أن كثيراً من المحتسبين لم يتقلد منصباً حكومياً أو يكون مسؤولاً، ولربما أدرك حينها أهمية هذه ).1695( )1323 /3 صحيح مسلم )1(

عدد الصفحات ١٣٣

نحو مفهوم شامل للاحتساب 133 المسألة وأبعادها فمعالجة المنكَر عبر تصنيف الواقع فيه، أو الهجوم غير المبرر عليه -والذي قد يأخذ شكل حملة جماعية-، قد يحوِّل الشخص من واحد من الأصناف السابقة إلى عدو يتبنى الفساد، وبهذا فإن هذا الإنكار -كما لا يخفى- يصبح بذاته منكراً يحتاج الإنكار عليه. وفي المقابل فإن التعامل بمبدأ تحييد الخصوم يؤتي أثراً طيباً للغاية مع من هم ليسوا أعداء حقيقيين؛ وأذكر هنا: حادثة حصلت مع أحد المسؤولين؛ حيث قام بعض المحتسبين بزيارته للإنكار عليه، وكان متحفزاً، فبدأ يقول: نحن وأنتم.. نحن وأنتم.. إلخ، فقيل له: لا فرق بيننا وبينكم، فنحن نريد الحفاظ على الدين وصالح البلاد والعباد وأنتم كذلك، ولئن كنا نختلف في المظهر فلا يوجد منا واحد إلا وله عيوب سترها الله، فنحن نريد أن نتعاون سوياً لتحقيق مرضاة الله، فكان الرد مفاجئاً له، قال: في الحقيقة هذه أول مرة أسمع مثل هذا الكلام، وبالفعل أنت محق. وأزيل المنكر، والحمد لله. إن مراجعة الأسلوب المتبع مع الواقعين في المنكرات أمر مهم، لا سيما في هذا الزمان؛ حيث انتشرت وسائل التواصل الحديثة، فلئن كان الموقف سابقاً يصنع عدواً أو اثنين ممن يقع

عدد الصفحات ١٣٤

نحو مفهوم شامل للاحتساب 134 الموقف معهم أو أمامهم، فإن هذه الوسائل اليوم يمكن أن تصنع مئات الأعداء بضغطة زر؛ لأن ما يقال ينتشر بسرعة، بينما كان يمكن تحييدهم بنفس هذه الضغطة.  - إظهار المجاهيل: 3 وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية، فلا يخفى أن دور الإعلام في الصراع بين الخير والشر والحق والباطل دور مهم لا يُنكَر، ولا يخفى كذلك أن تأثير المشاهير عبر وسائل الإعلام المختلفة ليس كتأثير غيرهم من المجاهيل؛ لكثرة اهتمام الناس بما يقولون ويكتبون، وكثرة متابعتهم لهم عبر الوسائل المختلفة؛ التقليدية منها والحديثة، ومن هنا تأتي أهمية صناعة صح التعبير-، وإبرازه وإظهاره، سواء كان يدعو لحق أو لباطل. وأحسب أن من الخطاء التي نقع فيها في معركتنا مع الباطل أن نبرز المجاهيل ونظهرهم عبر الرد عليهم أو مناظرتهم وأهله: أو مهاجمتهم وانتقادهم؛ ذلك أن أمثال هؤلاء كثيراً ما يسعون إلى الشهرة عبر القيام بأعمال، أو التصريح بآراء وأفكار شاذة ومتطرفة، أو مصادِمة لعقيدة وثوابت وتقاليد المجتمع؛ أملاً في أن تسلط عليهم الأضواء، وتسعى إليهم وسائل الإعلام المختلفة، فإذا تصدى لهم بعض البارزين بالرد والتعقيب أو المناظرة في الفضائيات وغيرها، فإنهم بذلك يؤدون لهم -دون قصد- خدمة

عدد الصفحات ١٣٥

نحو مفهوم شامل للاحتساب 135 عظيمة، ودعاية مجانية لطالما انتظروها » فالمطلوب في هذه النقطة يمكن أن نلخصه فيما يلي - لا بد من التفرقة بين الشبهة المنتشرة والشبهة الخفية، 1 وبين الشخصية المشهورة التي تروج الباطل والأخرى المغمورة، فالأُولى يتصدى لها أصحاب الخبرة والشهرة، وأما المغمورة فالأَولى الاحتساب عليها دون إعلان وإظهار، وفي حدود انتشارها. - الرد على المجاهيل من قِبَل المشاهير قد ينشر ذكرهم 2 بينما كان يمكن أن يموت كل ذلكويشيع شبهتهم أو انحرافهم، في أرضه لو لم يُلتَفت له. فالإنكار يكون - ليس المراد عدم الإنكار على المجاهيل، 3 على المنكَر ممن أظهره كائناً من كان، لكن القصد أن الإنكار على هؤلاء وعلى أفعالهم وأفكارهم يمكن أن يكون بطريقة أخرى لا تشهرهم وتبرزهم، عبر إرسال الخطابات، أو عبر الحوارات الخاصة وتوجيه النصح، وهذا يمكن أن يقوم به أفراد الناس دون أن يتصدى له المشاهير. وهذه اليوم لا - بعض المقالات الفاسدة تنشر في الصحف، 4 يتابعها إلا القليل، ومن يتابعها فهو في الغالب صاحب توجه معين يوافق توجه الصحيفة، فإذا نقلت هذه المقالات لوسائل التواصل

عدد الصفحات ١٣٦

نحو مفهوم شامل للاحتساب 136 الحديثة انتشرت وكثر من يقرؤها، وقد يعلق ما فيها بذهن البعض، فلا بد من عدم نشرها ابتداء، بل تعامل كما تعامل كتب أهل البدع. - إن تحولت الفكرة أو صاحبها إلى الشهرة فهنا يكون لا 5 ويراعى اختيار الشخص المناسب؛ كي مناص من مواجهتها، يزيد اختيار أحد البارزين من شهرة صاحب الفكرة، والأمور تقدر بقدرها. - في كل الحوال فإن الغرض من الرد على الشبهات هو 6 فلو رؤي أن الرد سيزيد انتشارها فيكون الواجب هنا تركإبطالها، الرد. 

عدد الصفحات ١٣٧

نحو مفهوم شامل للاحتساب 137 هناك كثير من العوامل التي أدت عبر تعاقب الزمن بغياب المفهوم الشامل للاحتساب لدى طائفة من المحتسبين، فضلاً عن غيرهم، ومن أهم هذه العوامل ما يلي:  - توزيع الاختصاصات الاحتسابية:1 قبل إنشاء ولاية الحسبة لم تكن هناك جهة رسمية بعينها مختصة بالاحتساب، بل كان الخليفة والولاة والقضاة وبقية رجال الدولة يحتسبون على المنكرات؛ كل في سلطانه، وكان العلماء والفضلاء وعامة صالحي الناس يحتسبون؛ كل بحسبه. ومع إنشاء هذه الولاية حُدِّدَت صلاحيات المحتسب الرسمي، وقد مرَّ معنا ما أثبته الإمامان الماوردي وأبو يعلى من أعمال المحتسب الرسمي، مما يدل بوضوح على أن وظيفة المحتسب تحقق المفهوم الشامل للاحتساب كما وصفناه. وأما في عصرنا الحاضر فقد توزعت ولاية الحسبة بين كثير من الجهات الحكومية في الدول الإسلامية، كوزارة التجارة والصناعة، عوامل غياب المفهوم الشامل للاحتساب أو التقصير فيه

عدد الصفحات ١٣٨

نحو مفهوم شامل للاحتساب 138 وزارة الصحة، وزارة الداخلية، البلديات، وغيرها من الوزارات والجهات؛ حيث إنها تقوم ضمن اختصاصاتها بأعمال المراقبة والضبط وإلزام المخالفين للأنظمة بإزالة مخالفاتهم وتوقيع العقوبات عليهم، ورغم أن ما تقوم به هذه الجهات من أعمال رقابة وضبط وإزالة للمخالفات يدخل ضمن أعمال الحسبة بمفهومها الأصلي الشامل، إلا أن هذه الحقيقة تغيب عن غالبية الناس، بل تغيب حتى عن كثير من القائمين بالعمل في هذه الجهات، وهذا يساهم في ترسيخ المفهوم الضيق والقاصر عند الناس. هذا فيما يتعلق بالمنكرات في الجوانب الحياتية والمعيشية، وأما ما يتعلق بالمنكرات في الجوانب الدينية فلا تكاد توجد جهة رسمية مختصة بذلك في البلاد الإسلامية -فيما نعلم- إلا جهاز الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية. ورغم أن الجهاز محلي، إلا أن شهرته كبيرة عند كثير من العرب والمسلمين نتيجة للتواصل الكبير بين الشعوب الإسلامية مع المملكة، سواء عن طريق الوافدين للعمل، أو في مواسم الحج والعمرة، وهذا يمكن أن يؤكد على نفس المفهوم الضيق للحسبة لدى أبناء هذه الشعوب.

عدد الصفحات ١٣٩

نحو مفهوم شامل للاحتساب 139  - تأثير المخالف2 ويقصد بهم كل من يلعب دوراً سلبياً تجاه الدين الإسلامي والثوابت المجتمعية في البلاد العربية والإسلامية، وهذا الدور السلبي قد يكون في كثير من الأحيان عدوانياً ومهاجماً ومحاولاً تحطيم الثوابت الدينية والقيمية، هذا فيما يتعلق بالمسائل الدينية بصفة عامة؛ أما فيما يتعلق بالحسبة على وجه الخصوص، فإنهم يحاولون تشويه هذه الشعيرة العظيمة بشتى الوسائل لتنفير الناس منها ومن القائمين عليها، ومن جهة أخرى فإنهم يحاولون حصر الاحتساب في الأعمال التي تقوم بها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون غيرها من الجهات الرسمية، مع أن كل جهاز رسمي يقوم بأعمال الرقابة والضبط، هو في الحقيقة يمارس عملاً احتسابياً ويقوم بدوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحرب التي يشنها المرجفون على هذه الشعيرة تأخذ صوراً شتى؛ أعلاها المطالبة بحل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الأصوات المطالبة بذلك صراحة قليلة نوعاً ما، وينكشف أصحابها بسهولة ويصبحون ورقة محترقة. الأخطر من هؤلاء من يغلفون رغبتهم المبطنة بالقضاء على هذا الجهاز ويغلفون بغضهم لشعيرة الحسبة بدعاوى الإصلاح والتطوير

عدد الصفحات ١٤٠

نحو مفهوم شامل للاحتساب 140 ومواكبة العصر، أو ينتقدون أعمالاً مقررة رسمياً ضمن أعمال الهيئة بحجة مخالفتها للشريعة بزعمهم، وأنها من صور التشدد التي تخالف سماحة الإسلام، أو من الأمور المختلف فيها التي لا ينبغي إنكارها، مع دندنة الجميع حول معاني الحرية الشخصية، وضرورة عدم إلزام الناس بفعل ما لا يقدمون عليه طواعية. من جهة أخرى وبرغم كل ما سبق فإن أصحاب هذين التيارين يستغلون حصر صلاحيات الهيئة في الأمور الدينية بأكثر من طريقة، فيستغلونها تارة ليُحَجِّموا شعيرة الحسبة نفسها في هذه المجالات دون غيرها، وتارة أخرى بمحاربة كل صور ومظاهر الاحتساب التطوعي بزعم وجود جهاز رسمي مخول بالاحتساب، فلا ينبغي الافتئات عليه، فنجدهم يشنون الحرب الشعواء على المحتسبين المتطوعين الذين ينصحون للعامة والخاصة، ويحاولون تشويه صورتهم لدى الناس، ورميهم بالغلو والتطرف وغير ذلك من الألفاظ والأوصاف المنفرة ليصدوا الناس عنهم أولاً، وليرهبوا غيرهم من السير على طريقتهم ثانياً. فالمحصلة أن هؤلاء القوم يتمنون اختفاء شعيرة الحسبة، سواء قام بها الرسميون أو المتطوعون، ويسعون في طريقهم لتحقيق هذا الهدف -لا بلغهم الله إياه- لأهداف أخرى: كحصر الاحتساب في جوانب محددة، وفي أشخاص معينين وجهة محددة،

عدد الصفحات ١٤١

نحو مفهوم شامل للاحتساب 141 وهذا يساهم في تضييق المفهوم الشامل للاحتساب عند من يستمع لهم أو يتأثر ببعض شبههم.  - دور بعض الدعاة والمصلحين التنفيذي:3 من العوامل المهمة كذلك في تضييق المفهوم الشامل نوعية الأدوار الاحتسابية التي يقوم بها كثير من الدعاة للحسبة: والمصلحين والمحتسبين التطوعيين؛ حيث يغلب على هذه الأدوار أنها تتناول منكرات بعينها، وقد سبق معنا أن نتيجة استبانة وزعت قبل سنوات على العديد من المحتسبين أظهرت تركيز ) منهم على قضايا العقيدة والعبادات والأخلاق والسلوك، % 70( وهذا التركيز ليس نابعاً من ترتيب للأوليات، وإنما من قناعة متجذرة أن الاحتساب في هذه المجالات وحدها هو الاحتساب حقاً، وأن ما سواه ليس كذلك، أو ليس مما ينبغي أن يُلتفت إليه. ونعيد التأكيد أن هذه القضايا لها الأولوية وتقدم على غيرها، لكن الخطأ هو في الاقتصار عليها وإهمال ما سواها. إن عموم الناس لا تخطئ أعينهم تركيز جمهور المحتسبين على هذه القضايا والمجالات، لا سيما أن بعض هذه الأنشطة الاحتسابية تأخذ أبعاداً إعلامية، ويكثر حولها الأخذ والرد بين مؤيد ومعارض، وتكون المحصلة أن تترسخ في أذهان عامة الناس فكرة مؤداها أن

عدد الصفحات ١٤٢

نحو مفهوم شامل للاحتساب 142 يصبح الاحتساب مرادفاً للإنكار في هذه القضايا بعينها، ويتبع هذا أن يكون المحتسب هو من يحتسب فيها دون غيرها، وبهذا يسهم المحتسبون من حيث شعروا أو لم يشعروا بتضييق المفهوم الشامل للاحتساب، وحصره في مجالات وأفراد محددين.  - رغبة السلطات في هذا التفريق:4 في كثير من البلاد التي يكون تحكيم الشريعة فيها غائب عن الحياة العامة، وعن الأسس التي قامت عليها أجهزة الدولة المختلفة، ومع وجود كثير من المتنفذين المتأثرين بالاتجاهات الليبرالية والعلمانية -بل ربما من الدعاة إليها-، فإن طمس معالم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون جزءاً من منظومة متكاملة لطمس معالم الشريعة بالكلية، وتنحيتها عن الحياة بصفة عامة، وحصرها في مظاهر التدين الشخصي. إن المشكلة الكبرى مع الدين لدى هؤلاء في عالمنا الإسلامي ليست مشكلة عقلية، بل نفسية؛ لأن شمولية الشريعة الإسلامية وكمالها -بخلاف غيرها من الشرائع الوضعية أو المحرفة- يجعل لله سبحانه وتعالى أحكاماً مجملة وتفصيلية في كل مناحي الحياة، وهو ما يراه هؤلاء قيوداً على حرياتهم وتقييداً لرغباتهم وشهواتهم، وحيث إن الأمر كذلك فإن شعيرة الحسبة سوف تكون -إن طبقت

عدد الصفحات ١٤٣

نحو مفهوم شامل للاحتساب 143 تطبيقاً صحيحاً- أكبر حائل بينهم وبين ما يريدون ويشتهون، ف غرابة إذاً أن تكون عداوتهم لهذه الشعيرة ومحاربتهم لها أكثر من حربهم لأي شعيرة أخرى. من هنا فإن السلطات في تلك البلاد -أو بعض المتنفذين فيها- سيكونون حريصين على حرف هذه الشعيرة عن مسارها الصحيح؛ ومن طرق تحقيق هذا الهدف: محاولة حصرها في مجالات دون غيرها، وفي جهة بعينها دون غيرها؛ أما الجهة المفضلة لهم فهم خطباء المساجد المرخصون من وزارات الأوقاف في البلاد المختلفة، فيبذلون قصارى جهدهم لمنع غيرهم من الكلام في الدين، حتى لو كان ممن اشتهر بالعلم، وشهد له العلماء بذلك، وأما المجالات فنجدهم حريصين أشد الحرص على منع الخطباء من الكلام في المعضلات والمشكلات الحياتية، أو الانحرافات الفكرية والمذاهب الهدامة الوافدة، أو الكلام في الشأن السياسي، أو انتقاد النظام الربوي، أو انتقاد مظاهر الانحراف الأخلاقي في قضايا معينة: كالاختلاط، والتبرج، والدعوة للحجاب، وصون النساء عن مواطن الريب وما أشبه ذلك. وإذا تحقق لهؤلاء ما يريدون فإن حال المساجد تصبح كحال كنائس النصارى، تتناول شؤون العبادة والعلاقة بين العبد وربه،

عدد الصفحات ١٤٤

نحو مفهوم شامل للاحتساب 144 والحض على محاسن الأخلاق، دون تدخل يذكر لبسط سلطان الشريعة على كافة نواحي الحياة، وهو تطبيق عملي للمبدأ العلماني بفصل الدين عن الحياة. 

عدد الصفحات ١٤٥

نحو مفهوم شامل للاحتساب 145 إن إشاعة المفهوم الشامل للاحتساب وتعزيزه، ونشره بين الناس عبر كل الوسائل الممكنة، وتأصيله شرعياً، وممارسته واقعاً عملياً، مطلب ملح، وأمر في غاية الأهمية. ويمكننا تعزيز هذا المفهوم عبر بيان مجموعة من المور ونشرها على أوسع نطاق، فمن هذه المور: - أن الاحتساب وسيلة مهمة من وسائل الحفاظ على 1 الضروريات الخمس التي لا تستقيم الحياة إلا بالحفاظ عليها، (الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال)؛ وأن التقصير وهي: أو الإخلال بالاحتساب في حفظ شيء من هذه الضروريات، سيؤدي لخلل فيها يعود أثره السلبي على الفرد والمجتمع على حد سواء، والتمادي في التقصير قد تكون له عواقب وخيمة ومدمرة على الجميع. لكن مجاله - أن الاحتساب لا ينحصر في جوانب محدودة، 2 يتسع ليشمل كل جوانب الحياة: العقائد، العبادات، الأخلاق، وسائل تعزيز المفهوم الشامل للاحتساب

عدد الصفحات ١٤٦

نحو مفهوم شامل للاحتساب 146 المعاملات بأنواعها، السياسة، الاقتصاد، والمال، الاجتماع، الحقوق، الأفكار، وغير ذلك، وما سبق ذكره من الأمثلة، وغيرها مما لم يذكر دليل عملي على ذلك؛ إضافة إلى الأدلة الشرعية التي مرت معنا. - أن هذا الشمول لا يعني التسوية بين مجالات الاحتساب، 3 فلا شك أن الحفاظ على الدين مقدم على الحفاظ على النفس وما سواها، كما أن الفرض الكفائي المعطَّل مقدم على الفرض الكفائي المشتغَل به ولو بنسبة، وكما أنه لا تسوية بين مجالات الاحتساب المختلفة فكذلك لا تسوية بين أنواع المنكرات حتى في مجال واحد، بل هناك أولويات في الاحتساب تقدر بقدرها. - أن تقديم الولويات لا ينبغي أن يجعلنا نهمل بقية 4 لأن إهمالها سيؤدي إلى سلبيات وخللالمجالات أو المنكرات؛ في سعي المجتمع لتحقيق العبودية لله، وفي تحقيق الإصلاح المطلوب، وعند التعارض والتزاحم يُقَدَّم الأَوْلَى فالأَوْلَى. - الموازنة وتقديم الولويات يحتاج إلى فقه بالشرع وبصيرة 5 وموازنة بين أنواع المنكرات الواقعة أو المأمورات بالواقع، المتروكة، وهو ما يستدعي أن يكون الرجوع في هذه الأمور لأهل العلم العاملين، مع بذل المستطاع في الأمر والنهي، قال تعالى: ، وفضل الله واسع.]16[﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴿

عدد الصفحات ١٤٧