نحو مفهوم شامل للاحتساب 83 - احتساب محمد بن محمد أبو الحسن الحسيني الملقب بالمرتضى ذي الشرفين على ملك ما وراء النهر الخضر بن « : قال ابن كثيرإبراهيم؛ فَطَلَبَهُ مِنْهُ مَلِكُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، -وَاسْمُهُ الْخَضِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- عَارِيَةً لِيَتَنَزَّهَ فِيهِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أُعِيرُهُ إِيَّاهُ لِيَشْرَبَ فِيهِ الْخَمْرَ بَعْدَ مَا كَانَ مَأْوَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَالدِّينِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَحَقَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ لِيَسْتَشِيرَهُ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ عَلَى الْعَادَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ .)1(عِنْدَهُ قَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ فِي قَلْعَتِهِ على - احتساب العابد الزاهد أبي الحسين النوري فقد جاء الخليفة العباسي المعتضد، « :ابن كثير مع ملاَّح (بحَّار) فقال: ما هذا؟ ولمن هذا؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد، فصَعِدَ أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان (أوعية ضخمة) بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنًّا واحدًا تركه، واستغاث الملاح، فجاءت الشرطة، فأخذوا أبا الحسين، فأوقفوه بين يدي المعتضد، فقال له: ما أنت؟ فقال: أنا المحتسب. فقال: ومن ولاَّك الحسبة؟ فقال: الذي ولاَّك الخلافة يا أمير المؤمنين، فأطرق رأسه، ثم رفعه، فقال: ما الذي حملك على ما فعلت؟ فقال: شفقةً عليك؛ لدفع الضرر عنك، فأطرق رأسه، ثم رفعه، ).110 -109 /16 البداية والنهاية، )1(
عدد الصفحات ٨٤نحو مفهوم شامل للاحتساب 84 فقال: ولأي شيء تركت منها دنًّا واحدًا لم تكسره؟ فقال إنما أقدمت عليها فكسرتها إجلالاً لله تعالى، فلم أُبَالِ أحدًا، حتى انتهيتُ إلى هذا الدنِّ دخل نفسي إعجاب من قبيل أني قد أَقْدَمْتُ على مثلك فتركته، فقال له المعتضد: اذهب، فقد أطلقت يدك، فغيِّر ما أحببتَ أن تُغَيِّره من المنكر، فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير، فقال: وَلِمَ؟ فقال: لأني كنتُ أُغَيِّرُ عن الله، وأنا الآن أُغَيِّر عن شرطي، فقال: سَلْ حاجتك. فقال: أحبُّ أن تُخْرِجَني من بين يديك سالماً، فأمر به فأُخْرِج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيًا؛ خشية أن يشقَّ عليه أحدٌ في حاجة عند المعتضد، .)1(فلما توفي المعتضد رجع إلى بغداد - احتساب جماعة من الصالحين على شرب الخمر وتعاطي « : قال ابن كثيرالمخدرات، وَسَبْعِمِائَةٍ... لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَْرْبِعَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَهَدَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ مِنْ مَشْهَدِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَاتَّبَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَغَارِبَةِ، وَجَاءُوا إِلَى أَمَاكِنَ مُتَّهَمَةٍ بِالْخَمْرِ وَبَيْعِ الْحَشِيشِ، فَكَسَرُوا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ أَوَانِي الْخَمْرِ، وَأَرَاقُوا مَا فِيهَا، وَأَتْلَفُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْحَشِيشِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ .)2(انْتَقَلُوا ).704 /14 البداية والنهاية، )1( .)577 /18 البداية والنهاية، )2(
عدد الصفحات ٨٥نحو مفهوم شامل للاحتساب 85 هـ- الاحتساب حفظاً لضرورة المال، فمن ذلك - احتساب خياط على أحد المراء أيام الخليفة المعتضد قال التاجرالعباسي؛ لما ماطل أحد التجار حقه الذي عنده، لِي عَلَى بَعْضِ الأُْمَرَاءِ مَالٌ كَثِيرٌ فَمَاطَلَنِي وَمَنَعَنِي حَقِّي، وَجَعَلَ كُلَّمَا جِئْتُ أُطَالِبُهُ حَجَبَنِي عَنْهُ، وَيَأْمُرُ غِلْمَانَهُ يُؤْذُونَنِي، فَاشْتَكَيْتُ عَلَيْهِ إِلَى الْوَزِيرِ فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِلَى أَوْلِيَاءِ الأَْمْرِ مِنَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ مَنْعًا وَجُحُودًا، فقَالَ لِي رَجُلٌ: أَلاَ تَأْتِي فَلاَنًا الْخَيَّاطَ إِمَامَ مَسْجِدٍ هُنَاكَ، فَقُلْتُ: وَمَا عَسَى أَنْ يَصْنَعَ خَيَّاطٌ مَعَ هَذَا الظَّالِمِ، وَأَعْيَانُ الدَّوْلَةِ لَمْ يَقْطَعُوا فِيهِ، فَقَالَ لِي: هُوَ أَقْطَعُ وَأَخْوَفُ عِنْدَهُ مِنْ جَمِيعِ مَنِ اشْتَكَيْتَ إِلَيْهِ، فَاذْهَبْ إِلَيْهِ لَعَلَّكَ أَنْ تَجِدَ عِنْدَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقَصَدْتُهُ غَيْرَ مُحْتَفِلٍ فِي أَمْرِهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ حَاجَتِي وَمَا لِيَ وَمَا لَقِيتُ مِنْ هَذَا الظَّالِمِ، فَقَامَ مَعِي، فَحِينَ عَايَنَهُ الأَْمِيرُ قَامَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَبَادَرَ إِلَى قَضَاءِ حَقِّي الَّذِي عَلَيْهِ، فَأَعْطَانِيهِ كَامِلاً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِلَى الأَْمِيرِ كَبِيرُ أَمْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: ادْفَعْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَقَّهُ وَإِلاَّ أَذَّنْتُ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الأَْمِيرِ وَدَفَعَ إِلِيَّ حَقِّي، قَالَ التَّاجِرُ: فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ الخياط قصته -التي ستأتي بعد قليل- وأن المعتضد قال له رَأَيْتَ مُنْكَرًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَلَوْ عَلَى هَذَا -وَأَشَارَ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ- فَأَعْلِمْنِي بِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَ اجْتِمَاعُكَ بِي، وَإِلاَّ فَعَلاَمَةُ مَا بَيْنِي
عدد الصفحات ٨٦نحو مفهوم شامل للاحتساب 86 وَبَيْنَكَ أَنْ تُؤَذِّنَ فِي مِثْلِ وَقْتِ أَذَانِكَ هَذَا، قَالَ: فَبِهَذَا السَّبَبِ لاَ آمُرُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلاَءِ الدَّوْلَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ أَوْ أَنْهَاهُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَادَرَ إِلَى امْتِثَالِهِ وَقَبُولِهِ؛ خَوْفًا مِنَ الْمُعْتَضِدِ، وَمَا احْتَجْتُ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي .)1(مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى الآْنِ « :- قال الداوودي عن العز بن عبد السلام في القيام بالأمر بالمعروف، وشدّد في ذلك، حتى شجر بينه وبين الأمراء كلام في هذا المعنى، فقال لهم: أنتم الآن أرقاء لا ينفذ لكم تصرف، وقد عزمت على بيعكم، فشق ذلك عليهم، واستشاطوا غضبًا، وهمّوا بالإيقاع به، وقال بعضهم: كيف ينادي علينا ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنّه، وشهر سيفه وركب في جمع من خدمه حتى أتى بيت الشيخ وسيفه مشهور بيده، وطرق الباب، فخرج عبد اللطيف ابن الشيخ، فلمّا رآه على تلك الحالة رجع إلى أبيه وأخبره بما رأى، فخرج غير مكترث وقد اشتد جزع الولد، فقال له: يا بني أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل الله، فعندما عاينه الأمير هابه وسقط السّيف من يده وبكى، ثم نزل عن فرسه، وأخذ يقبّل يد الشيخ ويسأله الدعاء ويستغفر مما كان منه، ثم قال: يا سيّدي، خبّرنا إيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم قال: فثمننا في أي شيء تصرفه؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: من يقبضه؟ ) بتصرف.707 -704 /14 البداية والنهاية، )1(
عدد الصفحات ٨٧نحو مفهوم شامل للاحتساب 87 قال: أنا، وانصرف، فلم يزل إلى أن نادى عليهم واحدًا بعد واحد .)1(وبالغ في إشهارهم في النداء، وحمل ثمنهم لبيت المال على الخليفة هارون - احتساب سُفْيَانَ الثَّوْرِي ، بأن يتقي الله فيما ولاه الله، وأن يعدل بين الرعية الرشيد ويحذر الظلم، ومنه أكل أموال المسلمين بالباطل، حيث قال له: « الناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويحدون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم، قبل أن يحكموا .)2(بها على الناس ؛ - احتساب العز بن عبد السلام على السلطان قطز « عقب وقعة بغداد، استشاروا الشيخ فقال: اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل، وأنا أريد أن أقترض من التجار، فقال الشيخ عز الدين: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي طبقات المفسرين، الداوودي، الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، راجع )1( .)318-317/1النسخة وضبط أعلامها: لجنة من العلماء بإشراف الناشر، ).294-293 /2 حياة الحيوان الكبرى، )2(
عدد الصفحات ٨٨نحو مفهوم شامل للاحتساب 88 الحرام، وضربته سكة ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم .)1(ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك ف طبقات الشافعية الكبرى، الإمام تاج الدين السبكي، المحقق: د. محمود )1( محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ).215 /8هـ)،1413الطبعة الثانية،
عدد الصفحات ٨٩نحو مفهوم شامل للاحتساب 89 أ- الاحتساب حفظاً لضرورة الدين، فمن ذلك ؛ الخليفة الراشد أبي بكر ﷺ- احتساب خليفة رسول فعن أبي هريرة على أهل الردة ومانعي الزكاة، الصديق واستخلف أبو بكر بعده، ﷺ قال وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف : أمرت أن أقاتل الناس حتى ﷺتقاتل الناس وقد قال رسول الله يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني .)1( لقاتلتهم على منعهﷺعِقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله « :ولهذا الموقف قَالَ عَلِي بن المديني .)2(بِالصِّدِّيْقِ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وَبِأَحْمَدَ يَوْمِ المِحْنَة ).20( )51 /1)، وصحيح مسلم7284( )93 /9 صحيح البخاري )1( سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ )2( هـ1405شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ).196 /11م)،1985 نماذج من احتساب الدولة الإسلامية في عصورها المختلفة
عدد الصفحات ٩٠نحو مفهوم شامل للاحتساب 90 - احتساب الخليفة الراشد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب « :فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ على صبيغ بن عِسل، رَجُلاً يُقَالُ لَهُ: صَبِيغٌ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ صَبِيغٌ، فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ، فَضَرَبَهُ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ عُمَرُ، فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَسْبُكَ، قَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ .)1(فِي رَأْسِي على الزنادقة، - احتساب الخليفة العباسي المهدي « : فقد جاء في تاريخ الطبري يومًا وقد قُدِّم إليه زنديق فاستتابه فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه: يا بني، إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابة - يعني: أصحاب ماني- فارفع فيها الخشب، وجرد فيها السيف، وتقرب ، قال محققه: رجاله ثقات غير أنه منقطع 146 )252 /1 سنن الدارمي، )1( سليمان بن يسار لم يدرك عمر بن الخطاب، لكن القصة مشهورة، قال ابن « :تيمية انظر مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، 728الحراني (المتو مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة ).311 /13م،1995ه1416العربية السعودية، عام النشر
عدد الصفحات ٩١نحو مفهوم شامل للاحتساب 91 .)1(بأمرها إلى الله لا شريك له - احتساب الخليفة العباسي المعتضد على طبيبه أحمد بن قال ابن حمدون للخليفة العباسي المعتضد: الطيب؛ لزندقته، « ويلك، إني كنت سمعت أنه زنديق ولم أصدّق ذلك عليه، فجاء في خلوة يدعونني إلى دين الزندقة، فقلت له: إني ابن عم رسول الله ﷺ، وقائم في مقامه وخليفة الله في أرضه، فإذا تزندقت من أكون؟ .)2(فأخذ يراجعني ويلحّ عليّ، ففعلت به ما فعلت - احتساب الخليفة الحاكم بأمر اللَّه العباسي على المة في وكان مما قال خطبة الجمعة عند مبايعته بالخلافة، اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد... ﮧ ﮨ ﮩ فشمروا عن ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد: ﴿ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد )1( /8هـ)،1387القرطبي، الناشر: دار التراث - بيروت، الطبعة الثانية )، بتصرف.220 الإنباء في تاريخ الخلفاء، للإمام محمد بن علي المعروف بابن العمراني، )2( المحقق: قاسم السامرائي، الناشر: دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة ).145 /1م)،2001هـ1421الأولى،
عدد الصفحات ٩٢نحو مفهوم شامل للاحتساب 92 ، فلم يبق معذرة ]16[﴾ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ .)1(القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين ب- الاحتساب حفظاً لضرورة النفس، فمن ذلك: - احتساب الخليفة العباسي المسترشد على دبيس أحد القادة؛ فقد جاء في البداية والنهاية للحافظ لما قام به من قتل ونهب وفتنة، « :ابن كثير فلم يرض عنه، وعرض عليه أموالاً كثيرة جدًا فلم يقبلها الخليفة، وكتب الخليفة إلى السلطان فبعث إليه السلطان جيشًا فانهزم منهم .)2(وذهب إلى البرية، لا جمع الله به شم - احتساب الخليفة العباسي المعتمد على رجل كان يغري فقد النساء ويقتلهن خنقًا؛ ليأخذ ما عليهن من الحلي والموال، « :جاء في البداية والنهاية للحافظ ابن كثير وَفِيهَا ظُفِرَ بِبَغْدَادَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: بِرْكَةُ زَلْزَلٍ بِرَجُلٍ خَنَّاقٍ قَدْ قتل خلقاً من النساء كان يؤلف المرأة ثم يخنقها ويأخذ ما عليها، فَحُمِلَ إِلَى الْمُعْتَمِدِ فَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَلْفَيْ سوط وأربعمائة، فلم يمت حتى ضربه الْجَلاَّدُونَ عَلَى أُنْثَيَيْهِ بِخَشَبِ الْعُقَابَيْنِ فَمَاتَ، ).447 -445 /17 البداية والنهاية، )1( .)281 -280 /16 البداية والنهاية، )2(
عدد الصفحات ٩٣نحو مفهوم شامل للاحتساب 93 .)1(وَرُدَّ إِلَى بَغْدَادَ، وَصُلِبَ هُنَاكَ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ جُثَّتَهُ - احتساب الخليفة الموفق العباسي على العلوي صاحب فقد جاء في الزنج بأن يتوب إلى اللَّه من سفك الدماء، فأبى فقاتله، « :الكامل في التاريخ لابن الأثير كِتَابًا يَدْعُوهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالإِْنَابَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِمَّا رَكِبَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَإِخْرَابِ الْبُلْدَانِ، وَاسْتِحْلاَلِ الْفُرُوجِ وَالأَْمْوَالِ، وَادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الأَْمَانَ، فَوَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ، فَقَرَأَهُ، وَلَمْ يَكْتُبْ جَوَابَهُ، فعَرَضَ الموفق عَسْكَرَهُ، وَأَصْلَحَ آلاَتِهِ، وَرَتَّبَ قُوَّادَهُ، ثُمَّ سَارَ هُوَ وَابْنُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ .)2(رَجَبٍ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ الَّتِي سَمَّاهَا: الْمُخْتَارَةَ - ومن ذلك تكليف المحتسب الرسمي بمراقبة الطباء فقد جاء في كتاب نهاية للتأكد من صلاحيتهم لعلاج الناس، فَصْلٌ: وَأَمَّا الْكَحَّالُونَ، “الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة: فَيَمْتَحِنُهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِكِتَابِ حُنَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ كَذَلِكَ، أَعْنِي: الْعَشْرَ مَقَالاَتٍ فِي الْعَيْنِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فِيمَا امْتَحَنَهُ بِهِ عَارِفًا بِتَشْرِيحِ ).536 -535 /14 البداية والنهاية، )1( الكامل في التاريخ لابن الأثير، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار )2( /6م)،1997هـ1417الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، )، بتصرف.382
عدد الصفحات ٩٤نحو مفهوم شامل للاحتساب 94 عَدَدِ طَبَقَاتِ الْعَيْنِ السَّبْعَةِ، وَعَدَدِ رُطُوبَاتِهَا الثَّلاَثَةِ، وَعَدَدِ أَمْرَاضِهَا الثَّلاَثِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الأَْمْرَاضِ، وَكَانَ خَبِيرًا بِتَرْكِيبِ الأَْكْحَالِ وَأَمْزِجَةِ الْعَقَاقِيرِ، أَذِنَ لَهُ الْمُحْتَسِبُ بِالتَّصَدِّي لِمُدَاوَاةِ .)1(”أَعْيُنِ النَّاسِ ج- الاحتساب حفظاً لضرورة العرض، فمن ذلك: - احتساب الخليفة الموفق العباسي على صندل الزنجي برميه بالسهام ثم بقتله؛ لانتهاكه أعراض المسلمين وهتك المسلمات، فقد كان من أفعاله الخبيثة أنه وَيُقَلِّبُهُنَّ تَقْلِيبَ الإِْمَاءِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ أَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَنْ يُرْمَى بِالسِّهَامِ .)2(ثُمَّ قَتَلَهُ - احتساب الخليفة المعتضد باللَّه العباسي، على أحد قادته وقد روى القصة الخياط الذي سبق لتعرضه لحرمات المسلمين، ذكره والذي شارك بالاحتساب بما قدَر عليه، يقول رَجُلٌ تُرْكِيٌّ شَابٌّ حَسَنٌ أَمِيرٌ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْحَمَّامِ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ مُرْتَفِعَةٌ ذَاتُ قِيمَةٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَهُوَ سَكْرَانٌ فَتَعَلَّقَ بِهَا يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا لِيُدْخِلَهَا منْزِلَهُ، وَهِيَ تَأْبَى ).100 /1 نهاية الرتبة الظريفة، )1( .)384 /6 الكامل في التاريخ، )2(
عدد الصفحات ٩٥نحو مفهوم شامل للاحتساب 95 عَلَيْهِ وَتَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ!... قَالَ الْخَيَّاطُ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ وَأَرَدْتُ خَلاَصَ الْمَرْأَةِ مِنْ يَدَيْهِ فَضَرَبَنِي بِدَبُّوسٍ فِي يَدِهِ فَشَجَّ رَأْسِي، وَغَلَبَ الْمَرْأَةَ عَلَى نَفْسِهَا وَأَدْخَلَهَا مَنْزِلَهُ قَهْرًا... فَقَامَ النَّاسُ مَعِي فَهَجَمْنَا عَلَيْهِ دَارَهُ، فَثَارَ إِلَيْنَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَانِهِ بِأَيْدِيهِمُ الْعِصِيُّ وَالدَّبَابِيسُ يَضْرِبُونَ النَّاسَ، وَقَصَدَنِي هُوَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَضَرَبَنِي ضَرْبًا شَدِيدًا مُبَرِّحًا حَتَّى أَدْمَانِي، وَأَخْرَجَنَا مِنْ مَنْزِلِهِ وَنَحْنُ فِي غَايَةِ الإِْهَانَةِ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَأَنَا لاَ أَهْتَدِي إِلَى الطَّرِيقِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ وَكَثْرَةِ الدِّمَاءِ... فَأُلْهِمْتُ أَنْ أُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ؛ لِكَيْ يَظُنَّ أَنَّ الصُّبْحَ قَدْ طَلَعَ فَيُخْرِجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ فَتَذْهَبَ إِلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا فَصَعِدْتُ الْمَنَارَةَ وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى بَابِ دَارِهِ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ عَلَى عَادَتِي قَبْلَ الأَْذَانِ، هَلْ أَرَى الْمَرْأَةَ قَدْ خَرَجَتْ، ثُمَّ أَذَّنْتُ فَلَمْ تَخْرُجْ، ثُمَّ صَمَّمْتُ إِنْ لَمْ تَخْرُجْ أَقَمْتُ الصَّلاَةَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الصَّبَاحَ، فَبَيْنَا أَنَا أَنْظُرُ هَلْ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ أَمْ لاَ؟ إِذِ امْتَلأََتِ الطَّرِيقُ فُرْسَانًا وَرَجَّالَةً وَهُمْ يَقُولُونَ: أَيْنَ الَّذِي أَذَّنَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقُلْتُ: هَأَنَذَا -وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُعِينُونِي عَلَيْهِ- فَقَالَ: انْزِلْ، فَنَزَلَتُ، فَقَالُوا: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَخَذُونِي وَذَهَبُوا بِي لاَ أَمْلِكُ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا، وَمَا زَالُوا بِي حَتَّى أَدْخَلُونِي عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَضِدِ بِاللهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ جَالِسًا فِي مَقَامِ الْخِلاَفَةِ ارْتَعَدْتُ مِنَ الْخَوْفِ، وَفَزِعْتُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ادْنُ، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ لِي: لِيَسْكُنْ رَوْعُكَ، وَلِيَهْدَأْ
عدد الصفحات ٩٦نحو مفهوم شامل للاحتساب 96 قَلْبُكَ، وَمَا زَالَ يُلاَطِفُنِي حَتَّى اطْمَأْنَنْتُ وَذَهَبَ خَوْفِي فَذَكَرْتُ لَهُ الْقِصَّةَ، قَالَ: فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ ذَلِكَ الأَْمِيرِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ سَاعَتِهِ، فَأُحْضِرَا سَرِيعًا، فَبَعَثَ بِالْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ جِهَتِهِ ثِقَاتٍ، وَمَعَهُنَّ ثِقَةٌ مِنْ جِهَتِهِ أَيْضًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ زَوْجَهَا بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهَا وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا مُكْرَهَةٌ وَمَعْذُورَةٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ الشَّابِّ الأَْمِيرِ، فَقَالَ لَهُ: كَمْ لَكَ مِنَ الرِّزْقِ؟ وَكَمْ عِنْدَكَ مِنَ الْمَالِ؟ وَكَمْ عِنْدَكَ مِنَ الْجَوَارِي وَالزَّوْجَاتِ؟ فَذَكَرَ لَهُ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! أَمَا كَفَاكَ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ حَتَّى انْتَهَكْتَ حُرْمَةَ اللهِ، وَتَعَدَّيْتَ حُدُودَهُ، وَتَجَرَّأْتَ عَلَى السُّلْطَانِ، وَمَا كَفَاكَ ذَلِكَ حَتَّى عَمِدْتَ إِلَى رَجُلٍ أَمَرَكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاكَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَضَرَبْتَهُ وَأَهَنْتَهُ وَأَدْمَيْتَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ وَفِي عُنُقِهِ غُلٌّ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ فِي جُوَالِقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ بِالدَّبَابِيسِ ضَرْبًا شَدِيدًا حَتَّى خَفَتَ صَوْتُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي دِجْلَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ .)1(الْعَهْدِ بِهِ د- الاحتساب حفظاً لضرورة العقل، فمن ذلك: على - احتساب الخليفة الراشد أبي بكر الصديق فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ شارب الخمر، ) بتصرف.707 -704 /14 البداية والنهاية، )1(
عدد الصفحات ٩٧نحو مفهوم شامل للاحتساب 97 ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ ﷺ« : .)1(أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ ، على قدامة بن مظعون - احتساب عمر فقد روى حين شُهِدَ عليه عنده بأنه شرب الخمر، فأقام عليه الحد، عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه لما أقيمت عليه الشهادة قال له عمر لَوْ شَرِبْتَ كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَجْلُدُونِي، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ؟ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ قَالَ قُدَامَةُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ الآْيَةُ، فَقَالَ عُمَرُ: ]93[﴾ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ؛ إِنَّكَ إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكَ... فَأَمَرَ .)2(بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ على الوليد بن عقبة - احتساب عثمان فقد روى مسلم عن حضين بن بإقامة الحد عليه؛ لشربه الخمر، وأتي المنذر أبي ساسان، قال بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، ). 1706( )1331 /3)، وصحيح مسلم،6773( )157 /8 صحيح البخاري، )1( .)17076( )240 /9 المصنف للإمام عبد الرزاق الصنعاني، )2(
عدد الصفحات ٩٨نحو مفهوم شامل للاحتساب 98 فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد أربعين، وعمر أربعين، وجلد أبو بكرﷺ النبي .)1(ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي على ابن أخيه - احتساب السلطان نور الدين زنكي سيف الدين غازي وغيره ومنعهم من معاقرة المنكرات والفواحش؛ ، قال كشرب الخمر، واللعب، واللهو، والغناء، إلى أن تو « :الحافظ ابن كثير وَالأُْمَرَاءِ الَّذِينَ لَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمنَاكِرِ وَالْفَوَاحِشِ، فَلَمَّا مَاتَ مَرَجَ أَمْرُهُمْ وَعَاثُوا فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَتَحَقَّقَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلاَ فَاسْ .)2(”وَلاَ تَسْ بإبطال ضمان الخمر وآلات - احتساب الملك العادل « : فقد جاء في البداية والنهاية للحافظ ابن كثيرالغناء، ).1707( )1331 /3 صحيح مسلم، )1( .)494 /16 البداية والنهاية، )2(
عدد الصفحات ٩٩