المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٨ من ٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ أتحفنا بذكر حيوان آخر ، وهو (رهب)، فقد أثنى أيوب على الله : «أنت سحقت رهب مثل القتيل » (89 :10)، فـ «ايرد غضبه ينحني تحته أعوان رهب » (أيوب9 : 13)، كذلك «بقوته يزعج البحر، وبفهمه يسحق رهب » (أيوب26 : 12.) و«رهب»هذا بحسب دائرة المعارف الكتابية «اسم وحش بحري خرافي أو كائن شيطاني، ويستخدم الاسم في الكتاب المقدس مجازي ا لبيان قدرة الله »، و حاشية الآباء اليسوعيين نقرأ: «هو تجسيد أسطوري للمياه القديمة، للتعبير عن سيطرة الرب الخلاقة»(1). وكانثيودور المبسوستيائي (ت 428م) أول من تنبه إلى أن «سفر أيوب إن هو إلا قصيدة مأخوذة من مصادر وثنية، وأن نشيد الأناشيد إن هو إلا إحدى أغاني الفرس ذات معنى شهواني صريح»(2). وأمام وفرة الشواهد وتعدد الدلائل اعترف الآباء اليسوعيون بأثر التراث القديم على مؤلفي التوراة في نسختهم الشهيرة «الرهبانية اليسوعية » ، فقالوا : « لم يتردد مؤلفو الكتاب المقدس وهم يرون بداية العالم والبشرية أن يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تقاليد الشرق الأدنى القديم ، ولاسيما من تقاليد ما بين النهرين ومصر والمنطقة الفينيقية الكنعانية ، فالا كتشافات الأثرية منذ نحو قرن تدل على وجود كثير من الأمور المشتركة بين الصفحات الأولى من سفر التكوين وبين بعض النصوص الغنائية والحِكَمية والليترجية الخاصة بس ومر وبابل وطيبة وأوغاريت (1) دائرة المعارف الكتابية4/140)، وحاشية نسخة الرهبانية اليسوعية، ص1063.) (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت 12/100)، ووافقه بعد ذلك ابن عزرا الغرناطي، ومال إليه باروخ اسبينوزا . انظر رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص (304).

عدد الصفحات ١١٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ .. لم يكونوا مجرد مقلدين عميان ، بل أحسنوا إعادة معالجة المصادر المتوفرة بين أيديهم »(1). ويتكرر هذا الاعتراف المشوب بالكبر عند الأب جورج سابا: « تناول واضعو الكتاب المقدس أحيان ا بعض عناصر ع رفت فى حضارات جيرانهم ودياناتهم ، وطهروها من كل شائبة، واستخدموها على طريقتهم لأغراضهم الكتابية، ومن جملة ذلك: الخيال الذى يحيط ب أسطورة الخلق البابلية وتقليد ما بين النهرين المتعلق بالطوفان ورموز العاصفة المنبثق من الميتولوجيا الكنعانية والأقوال الفارسية في عالم الملائكة وشرائع الشرع الحمورابي وغيره وحكم ومزامير ظهرت فى مصر وغيرها .. مهما كان هناك من التقارب بين فنون الكتاب المقدس الأ دبية وفنون الحضارات الأدبية القديمة، فالكتاب المقدس يؤلف وحدة على حدة، وإنه لم يتلوث بما تلوثت به الحضارات الأخرى من وثنية وأفكار مستهجنة»(2). وأما فيلسيان شالي فلا يجد غضاضة من القول : «ألف بعض الإسرائيليين تعظيم ا لإلههم ـ منذ القرن العاشر حتى السابع ـ مجموعة الأساطير التي ستوضع بعد ذلك في كتابهم المقدس ، مثل خلق العالم والإنسان ، والجنة المفقودة ، والطوفان ، وكثير من عناصر هذه الأساطير مستعار من البلاد التي كانت إسرائيل على صلة بها ، أي من مصر وبابل خاصة »(3). (1) انظر مقدمة الرهبانية اليسوعية، ص66.) (2) على عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص149.) (3) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص176.)

عدد الصفحات ١١٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأما المطران كيرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك فيقول: «إذا كانت روايـة حوادث إبراهيم على جانـب كبيـر مـن الموضـوعية التاريخيـة، فالفصـول الأحـد عشـر الأولى من سـفر التكـوين هـي مجموعـة أسـاطير اسـتقاها الشـعب اليهـودي مـن آداب الشــعوب المجــاورة ولا ســيما الأدب البــابلي .. لقــد تــأثرت كتابــة واضــعي الأســفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بـالآداب المجـاورة فحسـب، بـل أيضـاً بمـا اختـبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك الأسفار »(1). ويقول الأب سهيل قاشا«لقد اكتشـف دارسـو ثقافـات الشــرق القـديم منـذ قـرن ونيف أن الثقافات السومرية والأكدية والأشورية والكلدية قد أسهمت إسهام ا هام ا في تكوين آداب العهد القديم وتشكلِ بعض مفاهيمه ومقولاته وصياغة بعض تصوراته .. العهد القديم وريث فلسفة السلوك والتربية البابلية الأشورية»(2). كمـــا ينقـــل عـــن العلمـــاء وا لبـــاحثين انقســـامهم في هـــذه المســـألة إلـــى فـــريقين: «المتعصبين منهم يعثرون على أصول تاريخية وآثارية لما ورد في التوراة في حضـارات وثقافـات الشـعوب السـابقة، فـإنهم وخوف ـا مـن الإحـراج والوقـوع في مشـاكل حساســة يعمــدون للقــول بــأن تلــك المكتشـــفات جــاءت مطابقــة للتــوراة، ولــيس العكـــس، ويتجــاهلون أن الأحــدث يكــون منســوخ ا أو مقتبس ــا مــن الأقــدم، وأنــه في حالــة عــدم الإشارة للمرجع أو الاقتباس يصبح الأمر سرقة. (1) اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ،المطران كيرلس سليم بسترس (1/76-77.) (2) حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس، سهيل قاشا، ص67-69.)

عدد الصفحات ١١٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ لكن الجريئين منهم؛ حتى لو كانوا يهود ا فإنهم يعترفـون بـأن التـوراة علـى شـكلها ومضمونها الحـالي ليسـت أصـيلة، وليسـت منسـقة مـع مـا جـاء بـه موسـى، وأن مادتهـا ليست سبق ا لكتب التوراة»(1). ويعقــب الأب ســهيل بــالقول«مؤلفــو التــوراة يعرفــون آداب بــلاد مــا بــين النهــرين ومتأثرون بها .. ليس من الغريب أن يأخذوا منها ما يناسب آدابهم وتـاريخهم بعـد مـا نقلـوه وجعلوه يوافق معتقداتهم ورؤيتهم الخاصة .. ومع ذلك فاليهود ما زالوا يصــرون علـى أن كتابهم أصيل وفرد، علم ا أنه مقتبس من كتب أخرى سبقته بمئات السنين »(2). ولسنا نعيب هنا على كاتب أن يستفيد ممن سبقه من المؤلفين، فما من كاتب إلا ويصنعه، لكنا لا نستطيع فهم ولا تفهم نقل الوحي الإلهي من كتب الوثنيين ، واستفادته من تراثهم وحِكمهم .. الحق أنا لا نعتب على مؤلفي اليهود استعارتهم من كتب الوثنيين حين يجدون فيها ما يفيدهم، لكنا نرفض أن ينسب هذا المكتوب إلى الله ووحيه، ونستنكر أن يوضع في الكتاب المقدس، وأن يقال أن مؤلفي الأسفار استلهموه من الروح القدس، بينما الحقيقة أنهم كانوا يستلونه من كتب السابقين ، من غير توثيق ولا إحالة إليها. (1) بابل والتوراة، الأب سهيل ياشا، ص51)، وقد تكرر من الأب سهيل تسمية ما فعله مؤلفو التوراة بـ«سرقة» و«سطو» في مواضع مختلفة من كتابه. انظر ص (179،181.) (2) بابل والتوراة، سهيل قاشا، ص28-29.)

عدد الصفحات ١١٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟

عدد الصفحات ١١٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ انتهينا إلى أن التوراة نتاج عمل العشرات من المؤلفين الذين اجتهدوا في تسجيل تاريخ بني إسرائيل ، ولم يَ د ر بخلدهم أن تعتبر كتاباتهم مقدسة ، إذ لو خطر على بالهم لصاغوها بطريقة أخرى .. إذا كان الأمر كذلك ، فمتى اكتسب ت هذه النصوص قداستها ؟ وهل تم ذلك لجميع أسفارها مع ا أو أنه تم بالتدريج ؟ وفي الإجابة نقول : من الطبيعي عندما نتحدث عن كتاب إلهي أنّ ا لا نحتاج إلى الحديث عن قانونيته ، إذ هو يستمدها من مصدره الإلهي ، ويكتسبها منذ اللحظات الأولى التي ينزله الله فيها إلى البشر ، وهذا الأمر لم يحدث مع الأسفار التوراتية التي احتاجت إلى قرارات بشرية تقدسها ، فالأسفار الخمسة أ قرت في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد ، وتحديد ا في عام 398 ق.م ، حين اعترفت الامبرطورية الفارسية بناموس اليهود حسبما جاء في دائرة المعارف الأمريكية . لكن اسبينوزا يرى تاريخ ا متأخر ا : « يظهر بوضوح أنه لم تكن هناك مجموعة مقننة من الكتب المقدسة قبل عصر المكابيين ( أي القرن الثاني قبل الميلاد ) ، أما الكتب المقننة الآن فقد اختارها فريسيو الهيكل الثاني من بين كثيرين غيرها، وذلك بقرار منهم فحسب»(1)، أي لم يشاركهم به غيرهم من الطوائف اليهودية. وقد كان مما أقره فريسيو العهد الثاني برأي اسبينوزا الأسفار الخمسة مضاف ا إليها ما يسمى بأسفار الأنبياء وهي ( يشوع ـ القضاة ـ صموئيل ـ الملوك ) . (1) رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص314.)

عدد الصفحات ١١٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ولم تعتبر هذه المجموعة معادلة لسلطة الأسفار الخمسة ، ورغم ذلك ألحقت بها ، وقد كان ينظر إليها على أنها شروح وامتداد للأسفار الخمسة، وعلى كل حال، فإن هذه الاختيارات بشرية، وهؤلاء الفريسيون ليسوا أنبياء، وهم كغيرهم عرضة للخطأ والهوى(1). وفي عام90م عقد الفريسيون مجمعا في جامينيا بالقرب مدينة يافا الفلسطينية ، وقرروا اعتبار بعض ا لكتب أسفار ا قانونية وهي : المزامير ، الأمثال ، نشيد الأنشاد ، راعوث ، دانيال ، أيوب ، عزرا ، نحميا ، الأخبار .. ) ، واعتبروا هذه القائمة نهائية ، ورفضوا ما عداها من الأسفار ، وقد بلغ عدده ا حينذاك ست ا وثلاثين سفر ا(2)،يقول المطران كيرلس بسترس: «لم تحدد مجموعة أسفار العهد القديم المقدسة العبرية إ في نهاية القرن الأول»(3). ومرة أخرى يتشكك اسبينوزا في صلاحية هؤلاء المجتمعين لإقرار الكتب المقدسة وأمانتهم ونزاهتهم، وهو يستحضر «تبجح الأحبار الذين أرادوا إخراج السفر (الأمثال) ومعه سفر ا لجامعة من مجموع الكتب المقننة، والاحتفاظ سر ا بأسفار ليست لدينا .. والحق أنه من المؤسف أن الأشياء المقدسة والأفضل من بينها كانت متوقفة على اختيار أناس كهؤلاء»(4). ولم تكن هذه القائمة محل اتفاق بين اليهود ، فمثلا كان الفريسيون يعتبرون (1) انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص333.) (2) اعتبروا سفري صموئيل سفر ا واحد ا، وكذلك الحال في سفري الملوك وسفري أخبار الأيام (3) تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المطران كيرلس بسترس وآخرون، ص (39)، وانظر المدخل إلى الكتاب المقدس ، حبيب سعيد ، ص (181). (4) رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص299.)

عدد الصفحات ١٢٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ سفر دانيال قانوني ا ، فيما لم يعتبره الصدوقيون كذلك(1) ، بينما كان لجماعة قمران أسفار كثيرة لم ترد في القائمة القانونية ، منها اليوبيل وسفر أخنوخ اللذين مازالت الكنيسة الحبشية تراهما مقدسين(2)، والأسفار التي لم تدخل في القائمة كانت خمس ا وثلاثين سفر ا كما عددها روبرت تشارلز (ت 1931م في مقدمة كتابه : ( أبوكريفا العهد القديم) . وفي مجمع ( نيقية ) 325م أقر المجتمعون النصارى سفر يهوديت فقط ، وأبقوا ثمانية أسفار مشكوك ا فيها . وفي مجمع ( لوديسيا ) 364م أقر المجتمعون سفرا آخر هو سفر أستير ، وفي 397م عقد مجمع ( قرطاجة ) بحضور القديس أوغسطين ، فأضاف المجمع للقائمة ستة أسفار هي ( الحكمة ، وطوبيا، وباروخ ، و يشوع بن سيراخ والمكابيين الأول والثاني ) ، واعتبر المجتمعون سفر باروخ جزء ا من إرميا ، ثم فصلوهما في مجمع ( ترلو ) 692م ، وأصبحت هذه الأسفار متفق ا عليها عند جمهور النصارى إلى حين ظهور البروتستانت في القرن السادس عشر. وقد أقر قانونية هذه الأسفار جميع ا مجمع ( ترنت ) الكاثوليكي سنة 1554- 1563م ، والأرثوذكس في مجمع( بيت المقدس ) سنة 1672م(3). ويجدر بالذكر أن بعض الكنائس المسيحية تزيد أسفار ا أخرى إلى الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، كالكنيسة الأثيوبية التي تقول عنها دائرة المعارف (1) انظر المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص39.) (2) انظردائرة المعارف الكتابية (1/82.) (3) انظر: المدخل إلى العهد القديم، صموئيل يوسف، ص 39-40)، وتاريخ وعقائد الكتاب المقدس، يوسف الكلا م، ص ( 110).

عدد الصفحات ١٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ الكتابية : «فعلاوة على الأسفار القانونية المعترف بها ، فإنهم يقبلون: راعي هرماس، وقوانين المجامع ، ورسائل أكليمندس ، والمكابيين ، وطوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ، وباروخ ، وأسفار أسدراس الأربعة ، وصعود إشعياء ، وسفر آدم، ويوسف بن جوريون، وأخنوخ، واليوبيل»(1). وكذلك فإن الرسالة المنسوبة للنبي إرمياء كانت معتبرة عند الآباء الأوائل للكنيسة ، وقد حوتها أهم المخطوطات اليونانية الفاتيكانية والسكندرية ] الترجمات كالسبعينية اليونانية ، والبشيطة السريانية ، والقبطية، والأثيوبية ، بل نقلت دائرة المعارف الكتابية أن «الآباء اليونانيين الأوائل يميلون ـ بوجه عام ـ إلى اعتبار الرسالة جزء ا من الأسفار القانونية ، لذلك تذكر في قوائم الأسفار القانونية لأوريجانوس [عند تفسيره للمزمور الأول ] وأبيفانيوس وكيرلس ا ورشليمي وأثناسيوس ، وعليه فقد اعترف بها رسمي ا في مجمع لاودكية (360م »(2). يقول كيرلس الأورشليمي وهو يعدد أسفار الكتب المقدس «وكتاب إرمياء الذي يحوي أيض ا باروخ والمراثي والرسالة، وكتاب حزقيال وكتاب دانيال، هذه هي كتب العهد القديم»(3). وقد أضافها طابعو نسخة «الترجمة العربية المشتركة » إلى الأسفار المقدسة، ضاربين عرض الحائط باتفاق الكنائس بعد القرن الميلادي الرابع على اعتبارها من (1) دائرة المعارف الكتابية1/82.) (2) المصدر السابق (1/189-190) ، وانظر : تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصري ، ص (274.) (3) العظة الرابعة، كيرلس الأورشليمي (41/35.)

عدد الصفحات ١٢٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ أسفار الأبوكريفا المدرجة زيف ا في الكتاب المقدس(1). وإزاء هذا الاختلاف في قدسية الأسفار رفعاً وحذفاً نستطيع أن نتوافق مع الأسقف الأرثوذكسي تيموثي وير حين قال: «الكتاب المقدس يستمد سلطته النهاية من الكنيسة، لأن الكنيسة هي التي قررت في الأصل ماهي الأسفار التي تؤلف الكتاب المقدس، وهي وحدها تستطيع تفسيرها، بما لها من سلطة حقة»(2). ونقول: إن هذه الكتب قد كتبها اليهود بأيديهم ، ثم نسبوها إلى الله ، وأعطتها المجامع البشرية صفة القداسة والوحي ، بغير برهان من الله ولا علم مبين. (1) انظر: الترجمة العربية المشتركة2/148-151). (2) الكنيسة الأرثوذكسية، إيمان وعقيدة ، تيموثي وير ، ص (17.)

عدد الصفحات ١٢٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟

عدد الصفحات ١٢٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ يقول بولس : « كل الكتاب هو موحى به من ا ، ونافع للتعليم والتوبيخ ، للتقويم والتأديب الذي في البر » (2 تيموثاوس3 :16 ) ، وهو كلام جيد ، ويعطي مقياس ا لا بأس فيه للحكم على الكتاب المقدس ، إذ لا ي قبل أن ينسب إلى الله كلام هذر لا نفع فيه ولا فائدة ، فضلا عن الكلام الساقط الذي ي شيع الرذيلة والانحراف السلوكي أو الإيماني . ولنبدأ بتطبيق المقياس على نظرة التوراة إلى الله ثم إلى أنبيائه ثم إلى الأخلاق ، لنرى إن كانت الأسفار صالحة للتأديب والتهذيب والتعليم . من الطبيعي عندما نتحدث عن كتاب ينسب إلى ا لله أن نجد ه مفعم ا بالحديث عن الله وصفاته وأنبيائه ودينه وصور عبادته ، وعن الجنة والنار داري جزائه .. لكن التوراة هي بحق كتاب تاريخ لبني إسرائ يل ، ويفتقد القارئ في أسفارها الحديثَ عن الله إلا فيما يتعلق بالناحية التاريخية ، فماذا تقول التوراة عن الله وأنبيائه واليوم الآخر ؟

عدد الصفحات ١٢٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ الاسم الأهم لله عز وجل في التراث الإسرائيلي هو «يهوه»،« فيعرفون أن اسمي: يهوه » ( إرميا 16 :21 )، وهو يقابل عند المسلمين الاسم «ا»، لكن هذا الاسم الأعظم « يهوه» لا يرد التوراة إلا نادر ا ، ف أسفار العهد القديم كانت دوم ا تتحدث عن «يهوه»، فتسميه : السيد ، الرب ، الإله ، القدير، رب الجنود . و تغفل اسمه الأعظم! والعجب أن التوراة تزعم أن هذا الاسم لم يعرفه أنبياء الله من قبل موسى « وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء ، وأما باسمي يهوه فلم أُعرف عندهم » (الخروج6 :3) ،وهذا غير صحيح ، فقد عرف إبراهيم هذا الاسم من أسماء الله ، فسمى المكان الذي أراد أن يقدم فيه ابنه « يهوه يرأه » ( التكوين 22 :14) ، ومعناها : ( الرب يرى ). وأشارك موقع الأنبا تكلا ، الموقع شبه الرسمي للكنيسة القبطية تقريره بأن الاسم «يهوه» معلوم معروف عند الأمم الوثنية قبل اليهودية «يهوه) هو أكثر الأسماء المميزة لله كإله إسرائيل .. ولا نعلم حقيقة اشتقاق الكلمة، .. كان هذا الاسم شائع ا في الديانات غير الإسرائيلية كما يقول البعض (فريدر وديلتز وهومل وونكلر وجوت) على أساس أنه قد وجد في النقوش البابلية، ويبدو أن بعض الأسماء العمونية والعربية والمصرية تحتوي على هذا الاسم مركب ا فيها (انظر " لاهوت العهد القديم " ص 52 لدافيدسن، لكن رغم أن الاسم كان شائع ا في الديانات السامية البدائية كما

عدد الصفحات ١٢٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ كان (إلوهيم)؛ إلا أنه أصبح الاسم الإسرائيلي المميز للدلالة على (الله)»(1) ، فقِدم الاسم وانتشاره بين الأمم المختلفة قبل اليهودية حقيقة تاريخية لا يمكن القفز عليها، ولا تفيد – برأيي – وثنية الاسم، بل يمكن ربطه بالنبوات التي كانت تنتشر في تلك الشعوب التي رفضت عبادة إله الأنبياء «يهوه» وعبدت آلهتها الوثنية، ولربما اعتبرتها مظهر ا من مظاهر «يهوه». وإذا كان الاسم «يهوه» قديم ا وغير عبري ؛ فإننا لا نوافق على محاولات البعض عبث ا الربط بينه وبين ف عل «الكينونة» ، فزعموا أن (يهوه יהוה) مشتق من الفعل (הוה)، ولربما نوافق على أنهم استعاضوا بتلك الأسماء عن اسم الله الحقيقي ، لكراهية اليهود تنديس اسم الله بالتلفظ به(2). تتحدث الأسفار التوراتية في أماكن متفرقة عن الله العظيم بما يليق بجلال ه وعظمته ، ومن ذلك قولها : « اسمع يا إسرائيل : الرب إلهنا رب واحد ، فتحب الرب إلهك من كل قلبك » ( التثنية6 :4-5 ) ، وتذكر أيض ا الرب لا يرى « حقا أنت إله محتجب ، يا إله إسرائيل » (إشعيا 45 :15) ، وقد قال الله لموسى : « لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش » ( الخروج 33 :19-20 ) . وا ليس كمثله شيء ، وفي ذلك يقول موسى : « ليس مثل ا » ( التثنية 34 :36 )، ويقول سليمان : «أيها الرب إله إسرائيل ، لا إله مثلك في السماء والأرض» (2 أخبار 6 :14) . وهو حي جل وعلا إلى الأبد « وأقول حي أنا إلى الأبد» ( التثنية32 :40 ) إلى (1) موقع الأنبا تكلا، وانظر: فجر الضمير، جيمس بريستد، ص376.) (2) انظر: شرح إنجيل متى، متى المسكين، ص30.)

عدد الصفحات ١٢٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ غير ذلك من الصفات الكاملة الحسنة التي تذكرها التوراة لله العظيم ، ومما لا ريب أن في هذه الفقرات أثارة الأنبياء ، وبقايا وحي السماء في أسفار العهد القديم . لكن التوراة في مواضع لا تعد ـ لكثرتها ـ تتحدث عن الله ، فتجعله كائن ا بشري ا ، وتصفه بصفا ت البشر ، وتسمه بنقصهم ، بل وأخطائهم وضلالهم ، تعالى الله عن ذلك علو ا كبير ا ، فهل هو إله أم إنسان ؟ يتحدث سفر التكوين عن خلق الله الإنسان على صورته وشبهه « وقال ا : نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا » ( التكوين1 :26 ) ، وفي أكبر كنائس الكاثوليك في روما ـ كنيسة القديس بطرس ـ رسم الرسام مايكل أنجلو صورة لله تشبه البشر ، وتذكرنا بما تتحدث به النصوص من صور رسمها كتبة العهد القديم. ومن ذلك ما جاء في رؤيا دانيال أن له رأس ا ، شعره أبيض « وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج ، شعر رأسه كالصوف النقي ، وعرشه لهيب نار » ( دانيال 7 :9 ). وله عينان وأجفان« عيناه تنظران ، أجفانه تمتحن بني آدم » (المزمور 11 :4 ). وله شفتان« شفتاه ممتلئتان سخطًا ، ولسانه كنار آكلة ، ونفخته كنهر غامر يبلغ إلى الرقبة » ( إشعيا 30 :27-28 ) . وله رجلان ترى « نزل وضباب تح ت رجليه » (المزمور 18 :9 ) ، و « لما صعد موسى وهارون وناراب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل رأوا إله إسرائيل ، وتحت رجليه حلية من العقيق الأزرق الشفاف ، كالسماء في النقاء ، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف إسرائيل » ( الخروج24 :9-11) .

عدد الصفحات ١٢٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأيض ا له فم وأنف يخرج منه ما دخان ونار « صعد دخان من أنفه ، ونار من فمه» ( المزمور18 :9 ) . وألوهيته وعظمته لا تمنع من ركوبه الملائكة في تنقلاته ، كما لا تمنع أن يكون له أذنان «وإلى إلهي صرخت ، فسمع من هيكله صـوتي ، وصـراخي دخـل أذنيـه ، فارتجـت الأرض وارتعدت ، أسس السماوات ارتعدت وارتجت ، لأنه غضب ، صعد دخان من أنفه ، ونار من فمه أكلت ، جمر اشتعلت منه ، طأطأ السماوات ونزل ، وضباب تحت رجليـه ، ركـب علـى كروب ، وطار ، ورئي على أجنحة الريح .. » (2 صموئيل 22 :7-11). والكروب كما في قاموس الكتاب المقدس هـمنـوع مـن الملائكـة ، وقـد ذكـر سـفر حزقيال أن لكل واحد منهم وجهان: أحدهما على شكل وجه إنسان، والآخـر علـى شـكل وجه شبل (انظر حزقيال 41 :18) . وقد تكرر ركوبه على الكروبيم « ومجد إله إسرائيل صعد عن الكروب الذي كان عليه إلى عتبة البيت » ( حزقيال9 :6 ) . ولما أصبح ركوبه على الكروبيم فعلا معتاد ا له ـ جلّ وعز ـ ، ناجاه الملك حزقيا مثني ا عليه بهذا الفعل : «صلى حزقيا أمام الرب ، وقال : أيها الرب إله إسرائيل ، الجالس فوق الكروبيم ، أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض ، أنت صنعت السماء والأرض » ( 2 ملوك 19 :15 ) . وهكذا فإن إسرائيل لودز في كتابه ( نشأة التقدم في القرن الثامن ) ( dec origins au milieu du 8 siecle ) يرى أن : «التصور الطبيعي ليهوه .. تصور أحيائي ، وعلى صورة الإنسان ، ويبدو أن يهوه يملك نوع ا من الجسم الروحاني ، وعلى كل حال ؛ فإن له أعضاء شبيهة بأعضاء الإنسان ، كالعيون والآذان

عدد الصفحات ١٢٩