المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٧ من ٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ والثاني : نقل ك تّاب التوراة قصة الطوفان من ال بابليين الذين طوروا القصة السومرية، حيث تتشابه قصة الطوفان التوراتية مع العمودين الثالث والرابع من اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش ، حيث جاء في الملحمة : «وما أن لاحت تباشير الصباح ، حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء .. اقتلع أريجال الدعائم ، ثم أتى ننورتا ، وفتح السدود .. بلغت ثورة حدد تخوم السماء ، أحالت كل نور إلى ظلمة ، والأرض الفسيحة ] كام ) ، تزايدت سرعاتها حتى حجبت الجبال ، أتت على الناس ، ( حصدتهم ) كما الحرب ، عمي الأخ عن أخيه، وبات أهل السماء لا يرون الأرض ، حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان .. ستة أيام وست ليال ، الرياح تهب ، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض . ومع حلول اليوم السابع . العاصفة والطوفان ، التي داهمت كجيش ، خفت شدتها ، هدأ البحر وسكنت العاصفة وتراجع الطوفان .. واستقرت السفينة على جبل نصير .. أتيت بحمامة وأطلقتها .. طارت الحمامة بعيد ا ثم عادت إلي .. أتيت بغراب وأطلقته .. طار الغراب بعيد ا ، فلما رأى الماء قد انحسر ، حام وحط وأكل . ولم يعد ». وهذه المقتطفات من الملحمة تشبه كثير ا ما جاء في قصة الطوفان في سفر التكوين، حيث جاء فيه : «وتعاظمت المياه وتكاثرت جدًا على الأرض ، فكان الفلك يسير على وجه المياه، وتعاظمت المياه كثيرًا جدًا على الأرض ، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء، وانسدّت ينابيع الغمر وطاقات السماء ، فامتنع المطر من السماء . ورجعت المياه عن الأرض رجوعًا متواليًا ، وبعد مائة وخمسين يومًا نقصت المياه . واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السا بع عشر من الشهر على جبال أراراط، وأرسل الغراب ، فخرج مترددًا حتى نشفت المياه عن الأرض .. ثم أرسل

عدد الصفحات ٩٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن و جه الأرض ، فلم تجد الحمامة مقرًا لرجلها . فرجعت إليه إلى الفلك ، لأن مياهًا كانت على وجه كل الأرض ، فمدّ يده وأخذها ، وأدخلها عنده إلى الفلك ، فأتت إليه الحمامة عند المساء ، وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها ، فعلم نوح أن المياه قد قلّت عن الأرض، فلبث أيضًا سبع ة أيام أخر ، وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضًا » ( التكوين7 :18-8 :12)(1). ومنصور التشابه أيض ا ما ذكره سفر التكوين عن مضاجعة لوط لابنتيه بعد أن أشربتاه المسكر . ( انظر التكوين 19 :30- 37 ) والتي انتحلها العهد القديم وكتابه المجهولون من أسطورة مصرية تتحدث عن إلهة الموت «نفتيس » التي كانت تتمنى أن تنجب طفلا من أخيها الأكبر أوزوريس ، فأسكرته وضاجعته ، فولدت منه الإله أنوييس(2). وأما سفر أستير والذي يذكر قص ة إستير وابن عمها مردخاي ، وانتقامها من هامان وزير ملك فارس أحشويرس ، فالقصة مشابهة لما جاء في ال تراث البابلي في ملحمة البابليين والعيلا ميين ، ولكل بطل من أبطال القصة التوراتية مقابل في الأسطورة البابلية ، فإستير اليهودية هي عشتر البابلية ، وهامان هو إله العيلا ميين ، ومردخاي هو مردوك البابلي . ومما يؤكد هذا الاقتباس أن التاريخ الفارسي لا يذكر شيئ ا عن أبطال القصة التوراتية وخاصة إستير والملكة فشني(3). (1) كنوز الأعماق قراءة ملحمة جلجامش ، فراس سواح ، ص (210-215)،وانظر: ملحمة جلجامش، ترجمة: طه باقر ، ص (98-99.) (2) انظر: مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية،شوقي عبد الحكيم ، ص (68.) (3) انظر : دراسة عن التوراة والإنجيل ، كامل سعفان ، ص14 ،158-159.)

عدد الصفحات ٩٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأما المزامير فتتشابه مع الأناشيد والتراتيل المصرية وغيرها ، فالعالم أدولف إيرمان في بحثه القيم ( مصدر مصري لأمثال سليمان ) والذي قدمه عام 1924م ، وتابعه فيه العالم جيمس هنري برستيد في كتابه (فجر الضمير) ، فإنهما يريان بأن المزمور 104 منقول بشكل شبه حرفي من نشيد أخناتون الكبير الذي وجهه إلى آتون «رع» الشمس ، وخاصة الفقرات ( 20-30)، فقد أوصلت بريستدَ – ومن قبله البحاثة هوجو جرسمان - المقارنة بين النصين إلى «مدى الشبه المدهش بين الصورتين، لا من حيث مضمون نشيد أخناتون فحسب، بل إننا كذلك نجده في تتابع الأفكار وترتيبها الظاهري»، وهو ما أدى بهما إلى الاستنتاجأن نشيد أخناتون هو «ب تردد المنهل الذي استقى منه المزمور 104»(1). وهذا ما أكدته دائرة المعارف الكتابية حيث تقول : «البحث الأركيولوجي بابل وفي مصر قد كشف عن أناشيد متقدمة .. كما أن الكشف عن آداب الكنعانيين في أوغاريت .. قد أمدنا بقصائد هامة مشابهة للمزامير منذ عصر موسى »(2) . كما يرى المحققون تشابه ا مثير ا بين أوصاف « يهوه »في التوراة وأوصاف «البعل» فيالنشيد الأول «بعل ويم » المكتوب باللغة الآكادية في الألفية الثانية قبل الميلاد، فيجزمون أن ال قصيدة الأوغاريتية (اللاذقية) « للبعل » والتي اكتشفت ثلاثينيات القرن الماضي، وتحوي قصائد جرى الاقتباس منها في التوراة بعد تنقيحها باستبدال اسم « البعل » باسم« يهوه »، فأضيفت إلى الله ووحيه، ومن ذلك وصف «يهوه» بأنه يركب الغمام ، فهو «المسقف علاليه بالمياه، الجاعل السحاب مركبته » (1) فجر الضمير، جيمس هنري بريستد، ص (393-394. ) (2) دائرة المعارف الكتابية (4/233-234) ، وانظر: قاموس الكتاب المقدس ، ص902.)

عدد الصفحات ١٠٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ (المزمور 104 :3 )،(وانظر: المزمور 68 : 34 والتثنية23 :66 ) ، وهو معنى مستعار من أوغاريت ، فقد تكرر في قصائد أوغاريت كثير ا، منها أ ن بعل امتدح نفسه لما عفا عن الأمير «يم»، وقال«الملك للعلي بعل، الملك لراكب الغمام»(1). وكذلك فإن«يهوه» التوراتي يسكن الجبال: «لماذاأيتها الجبال المسنمة ترصدن الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه ، بل الرب يسكن فيه إلى الأبد » (المزمور68 :16)، كما سكن «بعل» من قبلجبل «صوفان»، ففي القصيدة الثانية نقرأ : « أريد بيت ا ، مثله لم تر السماء .. في قلب جبلي المقدس، في جبل ميراثي »(2). وكذلك وصفت الأسطورة الأوغاريتية صوت «البعل» بأنه«ومن بين شفتيه يرسل رعده، من صوته المقدس ارتجفت الأرض ، من الرعد، من شفتيه مادت الصخور»(3)، وفي سفر أيوب «يزمجر صوت يرعد بصوت جلاله ، ولا ي ؤخرها إذ سمع صوته » (أيوب37 : 4). وكما تتحدث اللوحات الأوغاريتية عن نوافذ الخصب التي فتحها البعل للمطر، فقد أمر : «لتفتح كوى في السحب»(4) ، فإن التوراة تتحدث في مواضع شتى عن «طاقات السماء » (التكوين7 :11)، أي نوافذها التي فجرت طوفان نوح، ويسميها سفر إشعيا «ميازيب من العلاء انفتحت» (إشعياء24 :8)، ومن هذه النوافذ أو الميازيب أو الكوى ينزل المطر: « قال رب الجنود : إن كنت لا أفتح لكم كوى (1) أناشيد البعل (قراءة جديدة للأساطير الأوغاريتية)، حسني حداد وسليم مجاعص، ص26). (2) المصدر السابق، ص35-36). (3) المصدر السابق، ص55)، وانظر: ملاحم وأساطير من أوغاريت، أنيس فريحة، ص (148). (4) المصدر السابق، ص54)، وانظر: ملاحم وأساطير من أوغاريت، أنيس فريحة، ص148).

عدد الصفحات ١٠١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ السموات وأفيض عليكم بركة حتى لا توسع » (ملاخي3 : 10.) وأما المزمور 19 فمقدمته هي الابتهالات عين ها التي كانت تقدم لإله الشمس(1) . وأما المزمور 13 فيكاد يتطابق مع رثاءالإلهة عشتار واهبة الخير والخصب، فقد قيل لها: «إلى متى يا سيدتي ستظلين غاضبة، حتى يتحول وجهك بعيد ا؟ إلى متى يا سيدتي سيظل أعدائي يتفرسون في؟ بالحق وبغير حق يخططون الشر ضدي»(2)، ما أشبه هذا بما ورد في المزمور: « إلى متى يا رب تنساني كل النسيان؟ إلى متى تحجب وجهك عني؟ إ لى متى أجعل همومً ا في نفسي وحزنً ا في قلبي كل يوم ؟ إ لى متى يرتفع عدوّي عليّ »، لا ريب أن المتأخر منهما قد نقل عن المتقدم، فإن مثل هذا لا يقال عنه توارد خواطر. وأما سفر نشيد الأنشاد فيرى وليام ديورانت أنه من وضع شعراء عبرانيين تأثروا بالروح الهيلينية التي وصلت مع غزو الإسكندر ، وقد يكون السفر مأخوذ ا من آداب مصرية بدليل أن العاشقين كان يخاطب أحدهما الآخر : أخي . أختي ، وهو أسلوب مصري قديم(3) ، وهذا المصدر للأناشيد قد لا يكون الوحيد، فإن الأب سهيل قاشا يرى أن بعضه مقتبس من الأغاني السومرية التي تحدثت عن الإلهين الحبيبين دوموزي وإنّانا (تموز وعشتار)، ويورد مقابلات بين النصوص السومرية وسفر (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت13/388)، وانظر : المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم ، محمد البار، ص (131 ،223.) (2) تاريخ الكتاب المقدس من التكوين حتى اليوم، ستيفن ميلر وروبرت هوبر، ص (24.) (3) قصة الحضارة، وليام ديورانت2/388)، وانظر : دراسة عن التوراة والإنجيل ، كامل سعفان ، ص (154 – 155.)

عدد الصفحات ١٠٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ الأناشيد، وينبه إلى «عمق التشابه والمقتبسات في التعابير والفاظ والصور في نشيد الأناشيد وفي النصوص السومرية »، ويراه بسبب وحدة المشاعر الإنسانية إضافة إلى «أن السبي لليهود ومكوثهم لزمان طويل في تلك البلاد لا ب د من أن يجعلاه يتأثر بطبيعتها ولغتها وأدبها التقليدي والشعبي مع ا، فالعبرانيون بدأوا وأعادوا صياغة كتبهم بعد عودتهم من بلاد الرافدين إلى بلاد كنعان، فغداة هذه العود ة لا ب د من أن ينطبع الأدب العبري بما عاشه وتأثر به العبرانيون»(1). وأما سفر الأمثال المنسوب إلى سليمان (القرن العاشر ق . م) ف يؤكد العالمان أيرمان وبرستيد أن بعض ما جاء فيه يتشابه بشكل فاضح من كتاب ( الحِ كم ) لأمنموبي (أمنوفيس) المصري القديم (القرن الحادي عشر ق . م) ، وكان قد قسم كتابه إلى ثلاثين فصلا ، واشتهر باسم ( ثلاثون فصلا من الحكمة )، ونقل كاتب السفر التوراتي هذه الحكم مع تغيير بسيط في ألفاظها، وصد رها بقوله حسب نسخة الرهبانية اليسوعية: «ألم أكتب لك ثلاثين فصلاً من المشورات والعلم» (الأمثال22 :20.) ويجدر التنبيه إلى أن نسخ ا عربية وأجنبية كانت قد أخطأت زمن ا طويلا في قراءة هذه الفقرة، منها نسخة الفانديك، وفيها: «ألم أكتب لك أمورًا شريفة من جهة مؤامرة ومعرفة »، وقد كانت هذه الصيغة المبهمة للفقرة موضع شك عند العبرانيين، وحسم هذا الشك لصالح القراءة الأولى في معظم النسخ العربية والأجنبية للكتاب المقدس ، وذلك بعد اكتشاف نص أمنموبي المطابق لما في سفر الأمثال، وفي مقدمته: «تبصر لنفسك في هذه الفصول الثلاثين حتى تكون مسرة لك وتعليم ا »(2). ومثل هذا التصحيح وقع في فقرة (الأمثال23 :10) التي كانت ت قرأ«لا تنقل (1) بابل والتوراة، الأب سهيل قاشا، ص58)، وانظر ما قبلها (2) انظر: فجر الضمير، جيمس هنري بريستد، ص (406-407.)

عدد الصفحات ١٠٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ التخم القديم، ولا تدخل حقول الأيتام »، فقد أيقن العلماء أن كلمة (القديم) خطأ، تصح ف عن كلمة (أرملة) لتشابههما في الكتابة العبرانية، وقد استندوا في هذا التصحيح إلى مصدر سفر الأمثال ؛ أي إلى كتاب أمنموبي، وفيه: «لاتزحزحن علامات حدود الحقول.. ولا تتعدين على حدود أرملة» (أمينموبي7 :12-15)(1). وينقل جـيمس بريسـتد عشـرات المواضـع التـي تشـابهت فيهـا فصـول أمنمـوبي وسفر الأمثال، منها: * قول أمنموبي : « الكاتب الماهر في وظيفته سيجد نفسه أه للعمل في رجـال البلاط » (أمنمـوبي27 : 16-17) ، بينمـايقـول سـفر الأمثـال بعـده : « أرأيـت رجـلاً مجتهدً ا في عمله ، إنه يقف أمام الملوك » (امثال 22 :29 ) . *وكــذلك قــول أمنمــوبي : « لا تصـــاحب ن رجــلا حــاد الطبــع ، ولا تلحـــن في محادثته» (أمنموبي11 :13-14)، وفي سفر الأمثال : «لا تستصـحب غضـوبًا ، ومـع رجل ساخط لا تجيء » (الأمثال22 :24 ). * وكــذلك قــول أمنمــوبي: «أمِــل أذنيــك لتســمع أقــوالي، واعكــف قلبــك علــى فهمهــا، لأنــه شــيء مفيــد إذا وضــعتها في قلبــك » (أمنمــوبي 1 :1)، وفي ســفر الأمثــال المكتوب بعده بقـرون نقـرأ: «أمِـل أذنـك، واسـمع كـلام الحكمـاء، ووجّـه قلبـك إلـى معرفتي، لأنه حسن إن حفظتها في جوفك» (الأمثال22 :17-18). * وحــين يقــول أمنمــوبي «لا تتعــبن نفســك في طلــب المزيــد حينمــا تكــون قــد حصلت بالفعل على حاجتك»، فإن كاتـب سـفر الأمثـال يختصـرها ببراعـة«لا تتعـب لكي تصير غنيًا» (الأمثال23 :4.) (1) انظر المصدر السابق، ص399.)

عدد الصفحات ١٠٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وحين يستعير المصري من بيئته «أجنحة الأوز» فيقول« صنع لنفسه أجنحة كـالأوز، وطار في السماء» (أمنموبي9 :14)، فإن كاتب سـفر الأمثـال العـبراني يغيـر الـنص بمـا يلائـم بيئته، فيقول: «يصنع لنفسهأجنحة كالنسر، يطير نحو السماء» (الأمثال23 :5)(1). وينتهي بريستد إلى تقريرمهم: «جميع العلماء بكتاب العهد القـديم الـذين ي عتَـد بآرائهم وأبحاثهم يجزمـون الآن بـأن محتويـات ذلـك الجـزء الـذي يؤلـف نحـو فصـل ونصف فصل (كتاب الأمثـال) قـد أ خـذ معظمـه بـالنص عـن حِكـم الحكـيم المصـ ـري القــديم أمنمــوبي، أي أن النســخة العبرانيــة هــي تقريب ــا ترجمــة حرفيــة عــن الأصــل الهيروغليفي العتيق»(2). ولم ير القس صـموئيل مشـرقي حرج ـا مـن الاعـتراف ب وجـود التشـابه بـين سـفر الأمثال والحِكم المصرية ، وحاول تعليلـه بـالربط بـين الـتراث الـوثني والـوحي: «هـذا ليس بغريب لارتباطه بعلم الإنسـان العـام وإمكانيـة أن تكـون هنـاك شـهادة باقيـة لله في سائر الفلسفات والـديانات القديمـة كـأثر لانعكـاس نـور الحـق الإلهـي الأصـلي علـى عقول وضمائر البشر» ،ولأجل ذلك «الوحي لم يرَ مانع ا أحيان ا لضـ ـرورة المناسـبة أن يشير إلى أقوال أدبية أو شعرية مما هو مشهور بين القوم لفائدتهم»(3). وأما سفر الجامعة فلا يمكن أن يصدر من نبي للروح التشاؤمية والنظرة السوداوية التي تسيطر على كاتبه الذي اقتبس من الأساطير البابلية ، ومنها أن (صاحبة الحانة) (1) ولرؤية المزيد من صور التشابه انظر: فجر الضمير، جيمس هنري بريستد، ص 390- 407.) (2) المصدر السابق، ص 397)، وانظر حكايات محرمة في التوراة، جوناثان كيرتش، ص (256). (3) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص (104،107.)

عدد الصفحات ١٠٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ نصحت جلجامش الحزين على موت أنكيدو بقولها : «أي جلجامش ، املأ بطنك ، وكن مرح ا بالليل والنهار ، بالليل والنهار كن مبتهج ا ، راضي ا ، طهر ثيابك ، واغسل رأسك بالماء ، وألق بالك إلى الصغير الذي يمسك بيدك . واستمتع بالزوجة التي تضمها إلى صدرك » . ويشبه هذا ما جاء في سفر الجامعة وفيه« اذهب . كُل خبزك بفرح ، واشرب خمرك بقلب طيب ، لأن الله منذ زمان قد رضي عن عملك ، لتكن ثيابك في كل حين بيضاء ، ولا يعوز رأسك الدهن ، إلتذّ عيشً ا مع المرأة التي أحببتها » ( الجامعة9 : 7 )(1). هذا التشابه يقبل الحيدة عن الإقرار بأن اللاحق قد نقله عن السابق، ويحق لنا أن نردد مع وليام ديورانت: « نرى في الآداب البابلية أمثلة سابقة لا يمكن الخطأ فيها مما ورد في سِفر الجامعة من الكتاب المقدس ، من ذلك ما ورد في ملحمة جلجامش من نصح الإله سبيتو لهذا البطل بأن يكف عن شوقه إلى الحياة بعد الموت...»(2). هذا التعليم كما يرى حبيب سعيد«يقرب من فلسفة الرواقيين.. إن كثير ا من الألفاظ مأخوذ من أصل يوناني .. الجامعة كان متأثر ا إلى حد ما بروح الثقافة اليونانية »(3). وينقلنا الأب سهيل قاشا في دراسته الجريئة «حكمة أحيقار وأثره ا في الكتاب المقدس» إلى صور أخرى من اقتباسات التوراة منالحكيم أحيقار (669 ق ممستشار الملك الآشوري سنحاريب وابنه أسرحدون التي كتبها لابن اخته وابنه بالتبني نادان ، (1) انظرملحمة جلجامش ، ترجمة: طه باقر ، ص (79) وكنوز الأعماق، فراس السواح، ص (188)، وقصة الحضارة، وليام ديورانت2/259). (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت2/259.) (3) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد ، ص (163.)

عدد الصفحات ١٠٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ فمكتشفات عام 1908م في جزيرة الفيلة بالقرب من أسوان حملت إلينا 11 لوحة من كتابه «حِكم أحيقا ر»، وهي الحِ كم التي أشار إليها مؤلف سفر طوبيا بقوله: «فخرج أخيكار (أحيقار) إلى النور .. وبالتصدق أفلت أخيكار » (طوبيا 14 :10). وهذا التأثير والتأثر ليس خاصا بسفر طوبيا، بل يمتد إلى«نصوص الأسفار الحِكَ مية في الكتاب المقدس كسفر الحكمة وسفر الجامعة وسفر يشوع بن سيراخ وطوبيا .. وسواها من الأسفار، أثر حكمة أحيقار فيها واضح ا وجلي ا ، نص ا ومعنى، حيث تتوارد في جميعها في التفكير والتأليف، في التركيب والتعبير، حتى في اللفظ والترتيب»(1). ويورد الأب سهيل قاشا- ومن قبله أنيس فريحة - نماذج من هذه التشابهات، منها قول سفر طوبيا: «ضع خبزك وخمرك على مدفن البار، ولا تأكل ولا تشرب مع الخطاة» (طوبيا4 :8)، فهذا المعنى في احترام الموتى لم ينزل به وحي على طوبيا، ولم يكن من إلهام الروح القدس، بل نقله من كتاب أحيقار، وفيه: «يا بني اسكب خمرتك على قبور الصديقين، ولا تشربها مع الأثمة» (أحيقار10)(2). وفي سفر الأمثال نقرأ«المساير الحكماء يصير حكيما، ورفيق الجهال يضر» (الأمثال13 :20)، وفي حكمة أحيقار«يا بني عاشر الحكيم تصبح حكيم ا مثله، و تعاشر الوقح المهذار لئلا تحسب نظيره»(3). (1) حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس، سهيل قاشا، ص ( 66،68)، وانظر: بابل والتوراة، سهيل قاشا، ص (77.) (2) حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس، سهيل قاشا، ص 53)، وانظر: أحيقار حكيم من الشرق الأدنى، أنيس فريحة، ص (172-174). (3) بابل والتوراة، سهيل قاشا، ص77.)

عدد الصفحات ١٠٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ويكفينا عن استعراض المزيد من صور التشابه أن نق رأ ملخص القس قاشا: «لدينا من الدلائل ما يشير إلى أن مدوني العهد القديم كانوا مطلعين على الحِكم العراقية القديمة، ولا سيما حكمة أحيقار ، حكيم البلاط الآشوري.. منها اقتبسوا النصوص الحِ كَ مية التعليمية ، والتي جاءت متشابهة في أكثر من سفر .. أدخلوا الكثير من ال نصوص العراقية القديمة في نصوص الأسفار التوراتية بعد تحويرها وتغييرها الموجه، ثم توظيفها للتوحيد»(1). وتتشابه كثير ا الشرائع التوراتية مع قوانين حمورابي التي تتكون من 282 مادة ، وقد اكتشفها عالم الآثار دو مورغان عام 1902م على أنقاض مدينة السوس الإيرانية على أسطوانة من حجر الديوريت ، وهي مكتشفات ترجع للقرن الثامن عشر حيث مات حمورابي قبل عام 1700 قبل الميلاد (2)، أي سبقت ظهور اليهود وكتبهم بعدة قرون، وصور التشابه كثيرة ، حتى يخيل للناظر إلى كثرتها أن التوراة بشرائعها نسخة من قوانين حمورابي الوثني ، ومن صور التشابه ما جاء في الأسفار بخصوص الثور النطاح : « إذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل لحمه ، وأما صاحب الثور فيكون بريئًا . ولكن إن كان ثورًا نطاحًا من قبل ، وقد أُشهد على صاحبه ولم يضبطه ، فقتل رجلاً أو امرأة ، فالثور يرجم ، وصاحبه يقتل أيضًا . . إن نطح الثور عبدًا أو أمة . يعطى سيدُه ثلاثين شاقل فضة ، والثور يرجم » (الخروج21 :28-32 ). ويقابل ذلك ما جاء في قوانين حمورابي « مادة250-252 » وفيه : ( إذا نطح ثور أثناء سيره في الشارع رجلا فقتله ، فلا وجه لتقديم مطالبات من أي نوع . أما إذا (1) حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس، سهيل قاشا، ص (5)، وانظر: بابل والتوراة، سهيل قاشا، ص (115.) (2) انظر: قصة الحضارة، وليام ديورانت2/190.)

عدد الصفحات ١٠٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ كان الثور ناطح ا من قبل ، وتبينت لصاحبه هذه الحقيقة ، ومع ذلك لم يكسر قرونه أو يربطه، فإذا نطح هذا الثور رجلا حر ا فقتله ، فعلى صاحب الثور أن يدفع ثلاثين شاقلا من الفضة . أما إذا نطح عبد ا فيعطى سيده عشرين شاقلا من الفضة ) . ومثله التشابه بين ( الخروج 22 :7 ) والمادة 124 من حمورابي . وكذا التشابه بين ( الخروج 22 :10-12 ) والمواد244-246-266 من قوانين حمورابي ، وكذا ( الخروج 21 : 18- 19 ) والذي يشبه المادة 206 من شريعة حمورابي ، في حين يتشابه ( الخروج 21 :22 ) مع مادة209 من شريعة حمورابي(1). وتعقب دائرة المعارف ا لكتابية التي أوردت هذه التشابهات : « وهكذا نجد العديد من المشابهات في المواضيع والأحكام ، بين شريعة موسى وقوانين حمورابي .. لا نستطيع الجزم بأن التوافقات التي عرضناها قد جاءت نتيجة مصادفة عشوائية .. وعندما اتصل الإسرائيليون بالحضارة البابلية بعد دخولهم إلى أرض كنعان ، كان من الطبيعي أن يستخدموا ما أفرزته تلك الحضارة ، مما وجدوه فيها نافع ا لهم »(2) . وحين تتحدث الأساطير عن بعض الحيوانات ا لتي تنتمي إلى فصيل الخيال والخرافة ، لا الحقيقة، فإن أسفار التوراة تنقل هذه الأساطير ، وتقدمها للقراء على أنها جزء من وحي الله ، فالحيوان الخرافي لاويثان أو لوياثان مذكور في التراث الفينيقي والكنعاني برؤوسه السبعة ، وقد تسللت قصته إلى أسفار أيوب والمزامير وإشعيا، وهو بحسب الكتاب المقدس حيوان بحري أكله بنو إسرائيل في سنوات التيه، لذلك يترنم المزمور مخاطب ا الله شاكر ا لنعمه : «أنت رضضت رؤوس لوياثان ، جعلته طعامً ا (1) انظر: بابل والتوراة، الأب سهيل قاشا، ص61-63.) (2) دائرة المعارف الكتابية3/178-179) ، وانظر: قاموس الكتاب المقدس ، ص (1018.)

عدد الصفحات ١٠٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ للشعب لأهل البرية» (المزمور74 : 14.) وهذا التبتل والدعاء«تتردد فيه أصداء الأسطورة الأوغاريتية عن انتصار البعل على إله البحر وشركائه»(1)، فقد تحدثت الألواح الأوغارتية عن الصراع بين الوحش التنين (شليت) وإله الخصب والعاصفة «بعل»، وامتدحته: «وسحقتَ الحية الملتوية شليت ذات الرؤوس السبعة »، وفي قصيدة أخرى «ألم أكم فم التنين، ألم أسحق الحية الملتوية، شليت ذات الرؤوس السبعة»(2). ويقدم سفر أيوب وصف ا مفصلا للوياثان في صفحة كاملة، ومنه«أسنانه مرعبة .. عطاسه يبعث نورًا، عينا ه كهُدب الصبح، من فيه تخرج مصابيح، شرار نار تتطاير منه، من منخريه يخرج دخان كأنه من قِدر منفوخ أو من مِرجل، نفَسه يُشعِل جمرا، ولهيب يخرج من فيه» (أيوب41 :14-21.) ويحاول مؤلفو قاموس الكتاب المقدس البحث عن هذا المخلوق في قوائم التصنيف العالمية، فلا يجدون إلا التمساح، فيقولون: «يعتقد ب أنه يقصد بلوياثان التمساح، وهو أكبر الحيوانات التي تدب، وظهره ورأسه وذنبه مغطاة بحراشف قرنية، لا تخترقها السهام»(3). (1) الإله الغامض، توماس رومير، ص40.) (2) أناشيد البعل (قراءة جديدة للأساطير الأوغاريتية)، حسني حداد وسليم مجاعص، ص (35،60)، وانظر: ملاحم وأساطير من أوغاريت، أنيس فريحة، ص156)، فبحسبه اسم الوحش (لوياثان) «تريد أن تسحق لوياثان، الحية المتلوية .»، وسيتحدث العهد الجديد عن هذا الوحش ذي الرؤوس السبعة (انظر الرؤيا 17 :9). (3) قاموس الكتاب المقدس، ص826.)

عدد الصفحات ١١٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأما دائرة المعارف الكتابية فتعترف أن «استخدام هذه الكلمة في الكتاب المقدس، يشير إلى "وحش بحري"، ففي المزمور الإشارة صريحة إلى حيوان بحر يلعب في (البحر الكبير الواسع الأطراف، هنا دبابات بلا عدد، صغار حيوان مع كبار، هناك تجري السفن، لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه) (مز 104 :25و26)، مما جعل البعض يظنون أن المقصود هو "الحوت" أو "الدلفين"»، ثم تنتهي إلى« إلى ترجيح الرأي القائل بأن المقصود "بلوياثان" إنما هو التمساح »(1) . وأما الترجمة العربية المشتركة فتعلق على نص (أيوب 3 :8) بقولها «لاوياثان: حيوان أسطور ي، قيل: إن السحرة قادرون على إثارته ليتسبب بكسف الشمس، يتصوره الكاتب في أيوب 40 :25 - 41 :26 بشكل تمساح، وينسب إليه مقدرة على التهام الكواكب»(2). ويربط الشراح بين الوحش«لاوياثان» ونظيره«بهيموث» المذكور قبله بسطور «هو بهيموث الذي صنعته معك يأكل العشب مثل البقر، ها هي قوته في متنيه، وشدته في عضل بطنه ، يخفض ذنبه كأرزة ، عروق فخذيه مضفورة ، عظامه أنابيب نحاس، جرمها حديد ممطول، هو أول أعمال الله، الذي صنعه أعطاه سيفه»أيوب40 :15- 19)، فهذا الحيوان «بهيموث» هو أول مخلوقات ا «هو أول أعمال ا »،وزعم سفر أخنوخ ، وهو من الأسفار الأبوكريفا التي لا تعترف الكنيسة بها، أنه حيوان ذكر، وأن لوياثان هو أنثاه(3). (1) دائرة المعارف الكتابية7/62.) (2) حاشية الترجمة العربية المشتركة1/619.) (3) انظر سفر أخنوخ ص79) نسخة إلكترونية

عدد الصفحات ١١١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ويخبرنا الآباء ال يسوعيون أن «بهيموث» كان «فيلا أو جاموس ا أسطوري ا ورد ذكره في نصوص أوغاريت، أما هنا فإنه يمثل فرس البحر، رمز القوة الوحشية التي يتحكم فيها الله»(1). وأما دائرةالمعارف الكتابية فتعترف بوجود أسطورة «بهيموث» ، وتؤكد الصلة بينه وبين بيهموث التوراتي، فإن: « البعض يقولون : المذكور في أيوب، ليس حيوان ا حقيقي ا ، ولكنه حيوان خرافي، تقول عنه الأساطير المصرية إنه لا يموت، وأن تأكيد هيمنة الله عليه، هو تأكيد للخلود، ولكن واضح من كلام الرب لأيوب أنه يتحد ث عن حيوان حقيقي كان لأيوب معرفة به»(2). وأما مفسرو الكتاب فرأوا أن خير وسيلة للتخلص من هذاالبهيموث واللوياثان ذي الأسنان المرعبة والفم الذي يخرج نار ا تحويلهما من حيوانين حقيقيين إلى استعارة مجازية لكائن أسطوري، يقول المفسر أنطونيوس فكري: «يكلمنا الوحي عن لوياثان، وهو اقتبس صورة لوحش مصري أو تشبيه للتمساح مبالغ فيه ليرمز للشيطان»(3). ويقول«ا ضابط الكل،كل شي في يده، فهو قادر أن يسيطر على هذه القوى غير المنظورة، ولكننا نشعر بحروبها ضدنا، واتخذ الله الرموز طريق ا يشرح به هذه الفكرة، فنجد حيوانين هائلين ، وهما بهيموث، وهو تعبير عن الشهوات الكامنة فينا (1) انظر هامش الرهبانية اليسوعية، ص (1102.) (2) دائرة المعارف الكتابية (2/227). (3) تفسير سفر أيوب، أنطونيوس فكري ، ص176.)

عدد الصفحات ١١٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ومحبة العالم، ولوياثان ، وهو إبليس بكل قواته الموجهة ضد البشر»(1). وفي سفر أيوب يتنبأ أيوب عن عمره الذي سيطول ، فلن يدركه الموت إلا بعد عمر مديد ، يشبه ع مر «السمندل» :«فقلت: إني في وكري أسلم الروح، ومثل السمندل أكثر أيامً ا» (أيوب29 :18)، و «السمندل» أو«الفينيق» كما تسميه بعض النسخ الكتابية كالترجمة العربية المشتركة. ويشرح القديس أكل يمندس حقيقة هذا الطير فيقول: «لنرَ أيها الأحباء العجيبة الغريبة التي حصلت في بلاد العرب، هناك طير يسمى «فينيكس» ، فريد من نوعه، يعيش خمسمائة عام، عندما تدنو نهايته يصنع من البخور والم ر ومن العطور الأخرى تابوت ا ، ويدخله عند تمام الزمان، ويموت، من جسده المنحل تولد دودة، تتغذى من جسد الطير المنحل، وتتغطى بالريش، عندما يشتد ويقوى يحمل التابوت إلى حيث ترتاح عظام جسده؛ مجتاز ا البلاد العربية، قاصد ا مصر إلى مدينة هليوبوليس، وعلى مرأى من الجميع يطير، ويضع التابوت فوق هيكل الشمس، ثم يعود إلى حيث كان. أما الكهنة فيتفحصون مخطوطاتهم، ويتأكدون أن وصوله تم بعد انقضاء خمسمائة سنة تمام ا»(2). وهذا الحيوان الخرافي انتحلت التوراة قصته من أساطير بعلبك القديمة(3). والسمندل أو الفينيق ليس الحيوان الخرافي الأخير الذي يذكره سفر أيوب ، فقد (1) المصدر السابق ، ص171.) (2) رسالة أكليمندس للكورنثيين25، الآباء الرسوليين، ص34)، وانظر: عظات كيرلس الأورشليمي (18/8)، فقد نقله عن أكليمندس مستدلا به على قيامة الموتى. (3) انظر: مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية،شوقي عبد الحكيم ، ص (52.)

عدد الصفحات ١١٣