هل العهد القديم كلمة الله ؟ وصدق الله حين قال : ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّ ا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ [البقرة : 79 ].
عدد الصفحات ٨٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ يبدأ تاريخ بني إسرائيل بأبيهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وقد سمي يعقوب فيما بعد ( إسرائيل ) ، ورزق اثني عشر من الولد ، وكل واحد منهم ولَد أمة تسمى سبط ا ينسب إليه ، فأسباط إسرائيل هم ذرية يعقوب من أبنائه الاثني عشر ، وقد دخل يعقوب وأبناؤه مصر إبان سيطرة الهكسوس عليها ، فعاشوا فيها ، ولما أخرج الهكسوس من مصر ، أذل المصريون بني إسرائيل، وساموهم أصناف العذاب . ثم بعث الله فيهم موسى عليه السلام فاستنقذهم من أسر فرعون وذله ، وقادهم باتجاه الأرض المقدسة ، فجب نوا عن دخولها ، وبقوا في التيه في سيناء أربعين سنة توفي فيها موسى وهارون . ثم قاد يشوع ( وصي موسى ) بني إسرائيل فأدخلهم الأرض المقدسة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، وبعد وفاته تفرق بنو إسرائيل إلى مجموعات متناثرة يحكمها عدد من القضاة ، واستمر ذلك زهاء قرن ونصف . ثم اختار لهم النبي صموئيل شاول ( طالوت ) ملك ا ، فحكمهم عشر سنين ، ثم ملك بعده داود ، ثم ابنه سليمان الذي توفي عام 922 ق . م ، وولي بعده ابنه رحبعام ، وثار عليه يربعام بن ناباط ، وتبعه عشرة من الأسباط ، وكونوا دولة شمالية سميت : مملكة إسرائيل ، وعاصمتها شكيم ( نابلس ) وبقيت حتى عام 722 ق . م حيث قضى عليها الآشوريون ، وحكموا تلك البلاد . وأما المملكة الجنوبية ( يهوذا ) ، فعاصمتها أورشليم ، فبقي الملك فيها في ذرية سليمان حتى جاء بختنصر عام 586 ق . م ، فقتل ملكها صدقيا ، وأحرق
عدد الصفحات ٨٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ أورشليم وهيكلها ، وسبى سكانها إلى بابل ، فبقوا هناك حتى أعادهم الملك الفارسي قورش سنة 538 ق . م ، ثم بقوا في فلسطين في ظل اليونان ثم الرومان الذين دخلوا أورشليم عام 64 ق . م ، واستمرت سيطرم على فلسطين حتى ظهور الإسلام . تلقى موسى من الله وهو على جبل الطور لوحين من الحجارة كتبهما الله لبني إسرائيل تذكار ا « وقال الرب لموسى : اصعد إلى الجبل ، وكن هناك ، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم »( الخروج 24 :12 ) ، وقد كتب في اللوحين الوصايا العشر ( انظر الخروج 20 :1-17 ) و ( التثنية 5 :5-23 ) . وأمر موسى بوضع اللوحين في تابوت العهد ، «وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك »( الخروج25 :21 ) . وأوصى موسى بني إسرائيل بأن تقرأ التوراة على جميع بني إسرائيل كل سبع سنوات «وفي نهاية السبع سنين في ميعاد سنة ابراء في المكان الذي تختاره تقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم » ( التثنية31 :9-11 ) . وقال للاّ ويين : « خذوا كتاب التوراة هذا ، وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ، ليكون هناك شاهدً ا عليكم ، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة ، هوذا وأنا بعد حتى معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب ، فكيف بالحري بعد موتي .. لأني عارف بعد موتي تفسدون وتزيغون » ( التثنية31 :24-30 ) . بعد وفاة موسى؛أعاد يشوع كتابة التوراة ، فكتبها على أحجار المذبح بحـروف واضحة « كتب هناك على الحجارة نسخة توارة موسى .. وبعد ذلـك قـرأ جميـع كـلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب في سفر التوراة ، ولم تكن كلمة من كل ما أمر
عدد الصفحات ٨٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ به موسى لم يقرأ يشوع قدام كل جماعة إسرائيل والنساء والأطفال والغريب السـائر في وسطهم » (يشوع8 :30-35) . ومما سبق علمن ا أن التوراة كتبها موسى ، وأمر بوضعها في تابوت عهد الرب بين لوحي الحجر ، وأمر أن ت قرأ على بني إسرائيل كل سبع سنين . وبدأ ضياع التوراة كما تحدث سفر ( 1 صموئيل 4 :11 ) عند فقدهم للتابوت في معركة مع الفلسطينيين ، ثم عاد إليهم بعد سبعة شهور ، ولما فتحوا التابوت « لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى » (1 ملوك 8 :9 ) . كما تعرض بيت المقدس لغزو عام 945 ق.م من قبل شيشق ملك مصر ، وكان هذا الغزو كفيلا بفقد كل ما في الهيكل من نسخ التوراة « وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم ، وأخذ خزائن بيت الرب ، وخزائن بيت الملك ، وأخذ كل شيء » (1 ملوك 14 :25-26 )،ففقدت التوراة سنين طويلة ، ولم توجد لها باقية ، إذ عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية ، ولم يعد للتوراة ذكر . ثم في عام 622 ق.م ، وبعد ثمان عشرة سنة من حكم الملك يوشيا الذي أراد أن يعيد بني إسرائيل إلى عبادة الله ، ادعى الكاهن حلقيا أنه وجد سفر الشريعة ، وقال: « قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب .. فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه » (2 ملوك 23 :2 ) . ولمتبين النصوص ما الذي وجده حلقيا بعد هذه السنين ؟ هل وجد لوحي الحجر أم ما كت به موسى ، أم أن المقصود بسفر الشريعة هو سفر التثنية أو سفر
عدد الصفحات ٨٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ اللاويين المختصين بالشرائع ؟(1). وفي عام 605 ق.م تسلط الملك بختنصر على بيت المقدس ، فنهب وسلب وأحرق وسبا عشرة آلاف من أهلها . ( انظر: 2 ملوك 24 :11-15 ) . ثم في عام 586 ق.م عاد بختنصر إلى أورشليم « وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم ، وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار » (2 ملوك 25 :9 ) . وهنا فقدت توراة حلقيا كما يشهد بذلك علماء أهل الكتاب ، يقول أكليمندس السكندري : «إن الكتب السماويةضاعت ، فألهم عزرا أن يكتبها مرة أخرى »،ويؤكده محررو قاموس الكتاب المقدس بقولهم : «مما لا شك فيه أن معظم الأسفار المقدسة أ تلف أو ف قد في عصر الارتداد عن الله والاضطهاد في مدة حكم الملك منسى »(2). ويقول القس الدكتور صموئيل يوسف : «اعتقد آباء الكنيسة ا ولى ومنهم إيريناوس وترتليان وكليمندس السكندري وجيروم بأن م وسى هو كاتب الأسفار الخمسة ، وذهبوا إلى الاعتقاد أيض ا أن هذه الأسفار أحرقها نبوخذ نصر وقت محاصرته اورشليم ، فأعاد عزرا كتابتها من جديد بإلهام من الروح القدس»(3)، وقد قال القديس جيروم: «سواء كنت تعتقد أن موسى كاتب التوراة، أو أن عزرا أعاد (1) يرجح محررو قاموس الكتاب المقدس ثم القس الدكتور صموئيل يوسف أن ما عثر عليه حلقيا هو الجزء الأكبر من سفر التثنية أو نواة هذا السفر. انظر: قاموس الكتاب المقدس ، ص (1120) ، والمدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص75.) (2) قاموس الكتاب المقدس ، ص1120.) (3) المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص73.)
عدد الصفحات ٨٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ كتابتها، في كلا الحالتين، أنا لا أعترض»(1). ويحكي سفر نحميا عن حالة الفرح العارم التي أصابت بنـي إسـرائيل لمـا كتـب لهم عزرا التـوراة المفقـودة « ونحميـا أي الترشـاثا وعـزرا الكـاهن الكاتـب واللاويـون المفهمون الشعب قالوا لجميع الشعب : هـذا اليـوم مقـدس للـرب إلهكـم ، لا تنوحـوا ولا تبكــوا ، لأن جميــع الشــعب بكــوا حــين ســمعوا كــلام الشــريعة .. وكــان اللاويــون يسكتون كل الشعب قائلين : اسكتوا لأن اليوم مقدس ، فلا تحزنـوا .. وفي اليـوم الثـاني اجتمع رؤوس آباء جميع الشعب والكهنة واللاويون إلى عزرا الكاتب لـيفهمهم كـلام الشـريعة » (نحميا8 :9-14) . يقولالقديس إيريناوس : «عندما أبيدت الأسفار المقدسة وعاد اليهود إلى وطنهم بعد سبعين سنة ؛ ألهم عزرا الكاهن لاستعادة كل كلام الأنبياء السابقين ويعيد إلى الشعب شريعة موسى »(2). وقد كتب عزرا هذه الكتب وهو في سبي بابل ، فقد سماه ملك فارس بعزرا الكاتب ، حيث قال : «من ارتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل »( عزرا7 :12 ) . ويسهب سفر عزرا في الحديث عن مهارات عزرا وإمكاناته التي يسرت له كتابة الأسفار المقدسة : « عزرا هذا صعد من بابل ، وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل .. لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب ، والعمل بها ، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء .. عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء »( عزرا7 :5-10 ) . والمتأمل في النص السابق يلحظ ما يدفع قول القائلين بنبوة عزرا أو إلهاميته ، حيث (1) مقدمة كتاب خطابات جيروم ، ص (81.) (2) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصري ، ص (216.)
عدد الصفحات ٨٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ سماه الكاهن ، ولم يسمه النبي ، ولو كان نبي ا لما حس ن تسميته بالكاهن ، كما أشار السفر إلى مهارة عزرا الشخصية ، وهي أيض ا خلاف ما ع هد في الأنبياء الذين يعدهم الله لحمل كتبه ، فالنبوة عطاء ومنحة إلهية ، وليست كسب ا شخصي ا لعزرا أو غيره .
عدد الصفحات ٨٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ رأينا زعم بعض الآباء أن عزرا قد أعاد كتابة التوراة بإلهام من الله ، وهو أحد مزاعم كثيرة يتعلق بها الغريق ، وهو يصارع في الأنفاس الأخيرة . إذ لا يمكن الجزم بأن التوراة الموجودة ( الأسفار الخمسة ) من كتابة عزرا لأمور من أهمها وجود تناقضات فيها وأخطاء لا يقع فيها كاتب واحد . وحين نقول ذلك فإنا لا نمانع أن يكون عزرا قد قام بالتوليف بين الروايات التي وصلت إليه ، فالمتتبع لترابط نهايات الأسفار وبداياتها يجزم أن مؤرخ ا واحد ا ربط بين هذه الأسفار، وشك ل منها وحدة موضوعية تحكي تاريخ بني إسرائيل، ولعل أقدر شخص على هذا الجهد هو عزرا الكاهن الذي يراه اسبينوزا الشخص الأقرب لتأليف هذا الكتاب(1). ولكن الدليل الأهم الذي يمنع أن يكون عزرا هو الكاتب الأصلي ، ذلكم الفحص ا لدقيق والعلمي الذي قام به المحققون النصارى عبر دراسات طويلة ، والذي يؤكد أن هذه الأسفار لها كتبة يربون على المائة ، وينتمون إلى أربع مدارس ظهرت في القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد في مملكتي إسرائيل ويهوذا . وتسمى هذه الدراسات نظرية المصادر الأربعة . وقد تبلورت هذه النظرية بعـد سلسـلة مـن الدراسـات ، بـدأت بدراسـة الطبيـب الفرنسي جان استروك عام 1753م ، وقد نشـرها من غيـر أن يجـرؤ علـى ذكـر اسـمه ، وسار على خطاه الباحث الألمـاني يوهـان إيخهـورن أسـتاذ اللغـات الشـرقية في جامعـة جينا، وذلك في سنة 1780-1783م ، وتابعهم خليفته في جامعـة جينـا الـدكتور كـارل (1) انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص 269-270)، وانظر: مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (21.)
عدد الصفحات ٨٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ داود الجن 1834م ، ثم الأستاذ في جامعة هال الدكتور هرمن هوبفلد في عام 1853 ، ثم العالم لودز عام 1941م(1). وقد أضحت هذه النظرية مسلمة عند العلماء المحققين ، يقول أدولف لـودز في مقدمـة كتابـه (Israël Des origines au milieu du VIIIe siècle ) : «وقـد انتهـى هـذا الجهد العظيم إلى بعض النتائج المقبولة في خطوطها الكبرى بما يشبه الإجماع »(2). كما اعترف بنظرية المصادر الأربعة مدخل الكاثوليك للكتاب المقدس (3)، والآباء اليسوعيون في الرهبانية اليسوعية(4). وتتلخص نظرية المصادر الأربعة أنه ثمة أربع مدارس مختلفة ساهمت في كتابة التوراة ، ثم ضمت نصوص هذه المدارس إلى بعضها ، وكوِّ ن منها جميع ا نص موحد لا يخلو من كثير من التناقضات والأخطاء . وهذه المصادر الأربعة ، هي : وكتب نصه فيما بين القرن العاشر والثامن قبل الميلاد ، ورجح البعض أنه في التاسع قبل الميلاد ، وقد كانت كتابته في مملكة يهوذا الجنوبية . (1) انظردائرة المعارف الكتابية (6/320-321)، وانظرالتوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكاي ، ص (33 – 34) ، دراسة عن التوراة والإنجيل ، كامل سعفان ، ص78). (2) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص159.) (3) انظر : مقدمة التوراة في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (1/4.) (4) انظر : مقدمة ال عهد القديم في نسخة الرهبانية اليسوعية ، ص ( 60-61)، وعلى عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص (108-110).
عدد الصفحات ٩٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ ولغة هذا النص قديمة فجة ، تتحدث عن الله بصورة بشرية سيئة ، ويتحدث هذا النص عن بدء الخلق، ويمتد إلى موت يعقوب ، ويظهر فيه الشعور القومي ، وسيطرة إسرائيل على كنعان ، وشغله الشاغل التأكيد على وعد يهوه لإسرائيل بأرض كنعان . ويطغى هذا ال مصدر في سفر التكوين ، ويشترك مع الثاني والرابع في سفري الخروج والعدد ، وأهم ما يميز هذا المصدر تسميته الإله ( يهوَه ) . وهو متأخر عن المصدر الأول في زمن كتابته ، إذ يرجع للقرن الثامن أو السابع قبل الميلاد ، وكتب هذا ال مصدر عن الإله ، وجنّبه النشاطات البشرية ، ويظهره بصفات مهيبة نسبي ا . ويركز النص على الأحداث الخاصة بإبراهيم ويعقوب ويوسف ، وهذا المصدر موجود في الأسفار الثلاثة ( التكوين والخروج والعدد ) ، ويعود إلى هذا المصدر والمصدر الأول معظم سفري التكوين والخروج . وأهم ما يميز هذا المصدر تسميته الإله ( إلوهيم ) . وقد عمل هذا المصدر في سفر التثنية فقط ، وبه سمي ، ويعود تاريخه للقرن الثامن أو السابع قبل الميلاد ، ولغة هذا المصدر خطابية داعية لاتباع الشريعة ، وتطبيق العهد ، ويكثر فيه « اسمع يا إسرائيل » ، ويمتلئ بالتشريعات ، وغايته تركيز عبادة يهوه في مكان خاص هو أورشليم . وقد خضع سفر التثنية لإصلاحات متأخرة جد ا يمكن الوقوف عليها بمقارنة السفر مع بقية الأسفار الأربعة .
عدد الصفحات ٩١هل العهد القديم كلمة الله ؟ ويعود تاريخ كتابته لما بعد النفي البابلي ، أي للقرن السادس قبل الميلاد ، وهو من عمل بعض الأحبار ، وموضوعه ذكر الشرائع والتعاليم الطقسية ، وكيفية تطبيق تعاليم الدين . ويتميز مكتوب هذا المصدر أنه يذكر الخبر ونقيضه بحسب كاتبه من الكهان ( انظر العدد 4 :3 ، والعدد 8 :24 ) ، ويستخدم هذا المصدر اسم : إلوهيم وهو يتحدث عن الله . ولهذا المصدر دور كبير في سفري اللاويين والعدد ، كما شارك قليلا في سفري التكوين والخروج . وقد بي ن الأب رولان دوفو مدير المدرسة التوراتية في القدس أرقام الفقرات التي تتبع النص الإلوهيمي ، وتلك التي تتبع النص اليهوي ، وهكذا .. ويقول الأب دوفو : «لقد تكونت أسفار موسى الخمسة من أقوال موروثة لأمم مختلفة ، جمعها محررون وضعوا تارة ما جمعوا جنب ا إلى جنب ، وطور ا غيروا من شكل هذه الروايات بهدف إيجاد وحدة مركبة ، تاركين للعين أمور ا غير معقولة ، وأخرى متنافرة .. »(1). وأمــا المطــران كيــرلس ســليم بســترس رئــيس أســاقفة بعلبــك وتوابعهــا للــروم الكاثوليك، فينقل لنا إجماع العلمـاء علـى صـحة نظريـة المصـادر، فيقـول: «إن علمـاء الكتـــاب المقـــدس يجمعـــون اليـــوم علـــى أن هـــذه الروايـــة تضـــمّ في الواقـــع روايتـــين (1) انظرالتوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكاي ، ص (33 - 34 ).
عدد الصفحات ٩٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ مختلفتين: رواية أولى تعود إلى القرن السادس قبل المسيح (التكـوين 1 :1 – 4 :2)، وقد كتبت في محيط كهنوتي في أثناء جلاء بابـل ؛ وروايـة ثانيـة أقـدم مـن الأولـى ترجـع إلــى القــرن العاشــر قبــل المســيح، وضــعها كتبــة وحكمــاء مــن بــلاط ســليمان الملــك (التكوين 4 :2 – 25). وبعد العودة من جلاء بابل جمعت الروايتان، ود وِّنتـا الواحـدة تلو الأخرى في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين »(1). (1) اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ، المطران كيرلس سليم بسترس1/76.)
عدد الصفحات ٩٣هل العهد القديم كلمة الله ؟
عدد الصفحات ٩٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ حين نتحدث عن كتاب إلهي، فإننا لا نعترف لهذا الكتاب إلا بمصدر واحد علوي، يلهم أو ينقل وحيه إلى نبي من أنبيائه، فحينذاك يحق لنا أن نعتبر هذا الكتاب إلهي ا. في حالة العهد القدي م، لدينا ك تاب مجهولون كتبا أسفار ا لم يد عوا إلهاميتها أو تنزيلها، بل هي كتابات بشرية ، يصح عليها ما يصح على غيرها من كتب سائر الناس. ومؤلفو العهد القديم كسائر المؤلفين كانت لهم مصادر نهلوا منها معلوماتهم، فصرحوا بنقلهم من كتب يهودية قديمة وأحالوا إليها، مثل (سفر ياشر، سفر حروب الرب، تاريخ النبي ناثان...)، وهو أمر مستغرب غير مفهوم مع ادعاء الوحيانية، كيف ينقل الوحي من كتب بشرية أو يحيل عليها؟ ما حاجة الوحي إلى الاستعانة بتلك الكتب التي كتبها مجهولون أو معلومون ممن خلقهم منزل الوحي؟ البعض رأى أن هذه النقولات كانت من كتب موحى بها، ثم طواها الضياع والنسيان، والبعض اعترف بأنها أسفار بشرية كانت مصدر ا للأنبياء الذين كتبوا وحي الله المدون في أسفار العهد القديم، يقول القس صموئيل مشرقي: «وها نحن نقدم كشف ا جزئي ا بالمصادر التي أخذوا عنها، وهي: سفر ياشر، سفر حروب الرب، تواريخ شمه وعدوَ المتعلقة بالأنساب، تاريخ النبي ناثان، كتب عدوَ الرائي..»(1). وكذلك نقل مؤلفو الأسفار المقدسة من ثقافات الأمم الوثنية المجاورة لبني إسرائيل ، بل كادت بعض سطورهم أن تكون نقلا حرفي ا لما في تلك الكتابات، فالكثير (1) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص98.)
عدد الصفحات ٩٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ من القصص التوراتية انتحلها ك تاب العهد القديم من أساطير الأمم السابقة لبني إسرائيل ، وظهر صداها واضح ا في أسفار العهد القديم . أولها: قصة الخلق، خلق الكون والإنسان، فهذا الموضوع كان حاضر ا في أدبيات الوثنيين قبل اليهودية وبعدها، وأول ما لفت نظر العلماء أن سفر التكوين يذكر قصتين للخلق، لذلك أسمى الآباء اليسوعيون المقطع الأول (التكوين 1 :12 :4 ) «الرواية الأولى لخلق العالم »، بينما أسموا المقطع الثاني (التكوين 2 :5-20 ) «الرواية الثانية لخلق العالم »، وقد نسب الأولى منهما إلى «المصدر الكهنو »، والثانية إلى «المصدر اليهوي »(1)، وفسر حبيب سعيد وجود القصتين بالنضج المتصاعد للإنسانية التي ينقل عنها مؤلفو الكتاب قصتهم للخلق، فـ «إحداهما تمثل الفكر الإنساني في طور البداءة، وتمثل الأخرى الفكر الإ نساني بعد أن نال قسط ا من النضوج في معرفة الله، الأولى: للأطفال، والثانية: للبالغين.. يقول العلماء: إن القصتين ترجعان إلى زمنين مختلفين، وقد تكون الأولى متأخرة عن الثانية مئات السنين»(2). ومن أهم مصادر القصص التوراتي أساطير العراق، ومن أهمها وأقدمها ملحمـة جلجامش السومريّة ، وهي مقطوعة شعريّة مكتوبة بالخط المسماري على اثني عشــر لوح ا طيني ـا اكتشـفت عـام 1853م، فلحـظ العلمـاء التشـابه الكبيـر بينـه وبـين الأسـفار التوراتية، ومن ذلك قصة آدم وحواء وإغـواء الحيـة لهمـا بالأكـل مـن شـجرة الحيـاة ، فالرب الإله أخرج آدم من الجنة حذر ا من وصول آدم إلى هذه الشـجرة التـي سيكسـبه الأكل منها الخلودَ في الحيـاة « وقـال الـرب الـه: هـوذا الإنسـان قـد صـار كواحـد منـا (1) انظر مقدمة الآباء اليسوعيين لنسخة الرهبانية اليسوعية، ص (68-71.) (2) المدخل إلى الكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص ( 71)، وانظر: أسئلة في العهد القديم، أوسم وصفي، ص (14)، وانظر: فجر الضمير، جيمس بريستد، ص394.)
عدد الصفحات ٩٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ عارفً ا الخير والشر، والْن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضً ا ويأكل ويحيا إلى الأبــد» (التكــوين 3 :22)، وهــي قصــة منحولــة مــنملحمــة جلجــامش التــي تــذكر أسطورته أنه حزن على مـوت صـديقه أنكيـدو، وقـرر البحـث عـن سـر الخلـود، فطـال بحثه حتى وصل إلى نبتة الخلود، لكنه حرم منها، فقد سرقتها أفعى ، فأكلتها، فوهبـت لها الحياة، يقول الأب الكاثوليكي سهيل بن بطرس قاشا: «نص سفر التكوين كتب القــرن الخــامس قبــل المــيلاد، افــترض أن الإنســان مائــت لا محالــة بســبب الخطيئــة .. شجرة الحياة التي منع الإنسـان الأكـل منهـا صـارت غايـة لا يمكـن الوصـول إليهـا إلا بالسعي المستقيم والتجرد الكامل عن الحياة ليكسب الحياة، كما فعـل جلجـامش مـع أوتونابشتيم [، فيكون النص التورا– والحال هذه – متأثر إلى حد بعيــد بــالنص الملحمــي لجلجــامش، حيــث يلتقيــان بالغايــة والوســيلة التــي تؤديــان بالإنسان إلى الخلود في الحياة الثانية .. اعتبرت التوراة أن الإنسان لن يصل إلى الحياة الخالدة، لن يستطيع أن يقطف من ثمر شجرة الحياة إلا إذا خضع لله الـذي وحـده هـو الحياة، وواهبها لمن يشـاء مـن خلقـه، مـن هنـا بـدأت مسـيرة الحيـاة الحقيقيـة، مسـيرة الخلاص والإيمان التي أطلقها يسوع المسيح وتبناها»(1). وهكذا بحسب الأب قاشا فإن قصة الحية التوراتية التي حرمت آدم من الخلود والأكل من شجرة الحياة مستنسخة من نبتة الخلود التـي خطفتهـا أفعـى مـن بـين يـدي جلجـامش ، ليــذوق المــوت، ويبحــث عــن ســر الخــلاص منــه، فجــاء المســيح ليكمــل فصول الأسطورة، فهو الحق والحياة «هذا هو الخبز النازل من السماء، لكي يأكل منـه الإنسان ولا يموت » (يوحنا6: 50.) (1) بابل والتوراة، سهيل قاشا، ص28-29.)
عدد الصفحات ٩٧