المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٥ من ٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ السبي البابلي »(1). وينسب السفران بحسب التقليـد اليهـودي إلـى النبـي صـموئيل «يشـير عنـوان سـفري صموئيل إلى تقليد رباني قديم كان يعد النبي صموئيل كاتب السـفرين» (2)،لكـن صـحة هـذا التقليد ستتلاشى إذا علمنا أن السـفر الأول منهمـا يـذكر وفـاة النبـي صـموئيل ودفنـه «فمـات صموئيل ، فاجتمع إسرائيل ، وندبوه ، ودفنوه » (1 صموئيل 25 :1 ) فمن الذي أكمل السفر الأول ؟ ومن كتب السفر الثاني ؟ خبر الوفاة حذا بأكثر الدارسين إلى إشراك مؤلفين آخـرين أكملـوا مـا ورد في السـفرين من لدن وفاة صموئيل، واقترحوا جاد الرائي وناثان النبي(3)، وليس من دليل لهذه الإضافة إ الإشارة التي وردت في سفر أخبار الأيام: « وأمور داود الملك اولى والأخيرة هـي مكتوبـة في أخبار صموئيل الرائي وأخبار ناثان النبي وأخبـار جـاد الرائـي » (1 أخبـار29 :29)، وهـو نص لا تعلق له بنسبة سفري صموئيل خصوص ا، بل هو إحالة في موضوع تاريخ الملـك داود إلى ثلاثة كتب، ولو أراد النص الحديث عن كتاب واحـد لثلاثـة مـؤلفين لقـال: (وأمـور داود الملك الأولى والأخيرة هي مكتوبة في أخبار صموئيل الرائي وناثان النبي وجاد الرائي ). وقد اقترح بعض النقاد اسم النبي إرمياء كاتب ا للسفر، لكن مقدمة النسخة الكاثوليكية ت صفه بأنه « رأي صبيا ، على أنه من المح تمل أن يكون المؤلف أحد (1) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (1/450.) (2) مقدمة السفر في نسخةالرهبانية اليسوعية، ص (518.) (3) انظرمقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (115)، و مقدمة السفر في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص (518)، والتفسير التطبيقي، ص550.)

عدد الصفحات ٦٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ تلاميذ إرميا »(1) . وأما مؤلفو التفسير التطبيقي ، فيقولون في مقدمة السفر : «الكاتب : غير معروف ، وقد رأى البعض أن زابود بن ناثان هو الكاتب »(1 ملوك 4 :5)(2) . وأما الدكتور القس صموئيل يوسف فيضع أمام قرائه مجموعة من الاقتراحات: «جاء في التلمود اليهودي أن صموئيل هو الكاتب لهذين السفرين، والمرجح أن النبي صموئيل كتب كل ما جاء في تاريخ إسرائيل أيام حكمه .. يرى أحدهم أن أبياثار كتب معظم أجزاء السفرين .. يرى البعض الآخر أن واحد ا من بني الأنبياء نشأ في إحدى المدارس التي أسسها صموئيل، وقد أخذ على عاتقه كتابة تاريخ إسرائيل الذي بدأه سيده، ويرجح بعض الباحثين أن الكاتب عاش في زمن متأخر لملوك يهوذا»(3). وهكذا فالقارئ يتيه أمام قائمة الأسماء المقترحة لهذين السفرين، ولا يملك من الحقيقة إلا طرف ا يقيني ا واحد ا، وهو أن مؤلف هذين السفرين مجهول، وأن كل الاحتمالات التي تتعلق بها الكنيسة دعاوي وتخرصات وظنون لا دليل عليها. ويتحدث السفران عن حياة بني إسرائيل بعد السبي ، ويفترض أن كاتبيهما هما عزرا ونحميا ، أو أحدهما وفق التقليد الذي يرى أنهما كانا في الأصل سفر ا واحد ا ، بل ن يرجح الباحث ون أن كاتبهما وكاتب سفر أخبار الأيام واحد ، وأن الكتابة كانت حوالي سنة 300 ق.م. (1) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (1/460.) (2) التفسير التطبيقي ، نخبة من العلماء اللاهوتيين ، ص 632)، ومصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص (13). (3) المدخل إلى العهد القديم، صموئيل يوسف، ص (164.)

عدد الصفحات ٦٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وممن يرجح تأخر كتابة السفر عن عزرا ونحميا المحققون توري وهوشر وموننكل، تقول دائرة المعارف الكتابية: «بينما يرى الكثيرون عن العلماء أن كاتب أسفار الأخبار وعزرا ونحميا هو عزرا نفسه، فإن البعض يرجعون بهذه الأسفار إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد (حوالي 330 ق. م»(1). وكذلك حبيب سعيد ، القائل«إن هذا السفر - أو السفرين – في وضعه الحالي لم تكتبه يد عزرا ولا يد نحميا، وإن تكن بعض أجزائه من صنعهما، فهما قد دونا الحوادث التي وقعت لهما وبواسطتهما، واستخدمها بعد ذلك الكاتب الذي نسق السفر وصاغه في الوضع الحالي الذي بأيدينا»(2). فنحمياكان معاصر ا للسبي البابلي ، لكن كاتب السفر يتحدث فيه عن يشوع اللاوي الراجع في سبي بابل ، فيقول : « وهؤلاء هم الكهنة واللاويون الذين صعدوا مع زربابل بن شألتيئيل ويشوع »( نحميا12 :1 ) ، ثم يذكر أن من بين الراجعين من السبي مع زربابل يشوع اللاوي ، فيقول : «واللاويون : يشوع وبنوي وقدميئيل .. » ( نحميا12 :8 ) ، لكن كاتب سفر نحميا يحدثنا عن الجيل الخامس ليشوع اللاوي ، فيقول : «يشوع ولد يوياقيم ، ويوياقيم ولد ألياشيب ، وألياشيب ولد يوياداع ، ويوياداع ولد يوناثان ، ويوناثان ولد يدوع » (نحميا 12 :10-11 ) ، وهذا لا يمكن نسبته إلى نحميا ، الذي عاد من السبي ، فيما السفر يتحدث عن الجيل الخامس لأبناء العائدين من السبي. وعليه فكاتب السفر عاش على أقل تقدير في الجيل الخامس من الرجوع البابلي . فمن هو هذا الكاتب ؟ (1) دائرة المعارف الكتابية5/252.) (2) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد ، ص (170.)

عدد الصفحات ٦٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ يجيب الآباء اليسوعيون : « جرت العادة بأن تنسب مجموعة الأخبار وعزرا ونحميا إلى كاتب واحد لا ي عرف اسمه ، يقال له : محرر الأخبار .. نجهل من هو» (1). ويقول القس وليم مارش : « كاتب السفر حسب تقليد اليهود هو عزرا ، وهذا قول أكثر رجال الكنيسة المسيحية أيض ا ، غير أن بعض العلماء حديث ا يقولون : إن كاتب ا اسمه مجهول كتب سفر عزرا وكتب أيض ا سفر نحميا »(2) . وفي هذا السفر يتصور الخيال اليهودي ملكةَ فارس يهودية وذات نفوذ تستخدمه لصالح الشعب اليهودي ، لذلك فإن «طائفة من الشراح يذهبون إلى أن القصة ليست تاريخية واقعية، فليس في سجلات الملك الفارسي أحشويرش – وهي باقية إلى اليوم- ذكر للملكة وشتي أو أستير أو مردخاي أو هامان»(3). ولم يذكر اسم الله في هذا السفر أبد ا ، وتبرر ذلك مقدمة السفر في التوراة الكاثوليكية فتقول عن النص العبراني منه : «لربما كان ذلك خشية أن ترافق اسم ا هتافات وتظاهرات غير لائقة من قبل سامعين في نشوة من الأفراح ، وهذا أمر مضر بالاحترام الواجب لاسم الله » (4)، ولا أدري لماذا لم ي حترَز عن ذكر اسم الله في سفر نشيد الأنشاد ، وهو أيض ا مجموعة من الأغاني الغرامية ؟ وعن مؤلفه فإن الرأي التقليدي عند اليهود ينسبه إلى مردخاي ، وذلك بحسب (1) انظر مقدمة سفر أخبار الأيام في الرهبانية اليسوعية، ص728.) (2) السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم (شرح سفر عزرا)، وليم مارش، ص (3). (3) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (160). (4) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (1/877.)

عدد الصفحات ٦٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ المؤرخ يوسيفوس، لكن القس صموئيل يوسف يرفض هذا الرأي ، ويستند إلى قول السفر: «مردخاي اليهودي كان ثاني الملك احشويروش وعظيمًا بين اليهود ومقبولاً عند كثرة إخوته وطالبً ا الخير لشعبه ومتكلمً ا بالسلام لكل نسله» (إستير10 :3)، فالمؤلف ليس هو، لذا فإن القس صمئيل يميل إلى أنه «لا يعرف بالتحديد من هو كاتب السفر .. ويعتقد أن الكاتب يهودي عاش في فارس»(1). ويقول الدكتور سمعان كلهون في كتابه ( مرشد الطالبين ) : «مجهول»(2)، ويقول الدكتور جورج بوست في قاموسه : « ينسب البعض تأليف هذا السفر إلى عزرا ، وآخرون إلى كاهن يدعى يهوياقي م ، والبعض ينسبونه إلى أعضاء المجم ع العظيم ، على أن الأكثرين ينسبونه إلى مردخاي »(3). أما مقدمة السفر الكاثوليكية فترى تأخر تأليفه «فقد يرجع إلى الجيل الثاني قبل المسيح »(4) ، وهو ما يوافق عليه الأستاذ حبيب سعيد«ليس هناكأي دليل ينبئ عمن هو كاتب هذا السفر، وعن تاريخ كتابته .. لا ندري متى كتبت القصة، ويذهب بعضهم إلى أنها كتبت حوالي سنة 130 ق م ، لأنها تعكس وجهة نظر المكابيين»(5). وقد شكك البعض في قانونية السفر ، وحذفه مليتو أسقف سارديس عام 170م (1) المدخل إلى العهد القديم، صموئيل يوسف، ص204.) (2) مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، سمعان كهلون ونخب ة من اللاهوتيين، ص (118). (3) قاموس الكتاب المقدس ، جورج بوست1/85.) (4) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (1/877.) (5) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (159).

عدد الصفحات ٧٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ( صاحب أول قائمة مسيحية لأسفار العهد القديم ) من قائمته للأسفار المقدسة التي ذكرها في كتابه ( الخلاصة ) ، ومثله صنع القديس أثناسيوس في قائمته ، وعلى نهجهما مشى مارتن لوثر الذي رفض لوثر اعتبار السفر ضمن الأسفار الموحى بها كما ذكر ذلك قاموس الكتاب المقدس ، بل قال عنه : « ليت هذا السفر لم يوجد»(1). وفي النسخة اليونانية فقرات يعتمدها الكاثوليك، وهي زيادات غير موجودة في النص العبراني ، مثل حلم مردوخاي وصلواته وسوى ذلك ، وقصد المترجمون إلى اليونانية بهذه الزيادات إضفاء صفة دينية على السفر العبري الذي ليس فيه ما يشير إلى أنه نص ديني ، كما صرحت المقدمة الكاثوليكية للسفر . يقول محررو قاموس الكتاب المقدس : « لا يوجد تناسق أو انسجام بين السفر في العبرية وبين هذه الزيادات ، بل إن هناك تناقض ا بينها ، فتذكر هذه الإضافات أن ملك الفرس في ذلك الحين هو ارتزركسيس بدلا من روكسيس ، وتذكر أن هامان كان مقدوني ا بدلا من كونه فارسي ا »(2). من المفترض أن يكون هذا السفر من كتابة النبي أيوب ، لكن جاء في وسط السفر ما يدل على أن كاتب ا آخر غير أيوب قد تدخل في ه ، ففي نهاية الأ صحاح 31 (1) انظر : قاموس الكتاب المقدس، ص (64) ، وتاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصري ، ص ( 189) ، كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي ، واين جردوم ، ص (170)، ومصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص96). (2) قاموس الكتاب المقدس، ص 66)، وانظر : إظهار الحق، رحمة الله الهندي (1/147) ،والكتاب المقدس في الميزان ، عبد السلام محمد ، ص (101.)

عدد الصفحات ٧١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ يقول : « تمت أقوال أيوب » ( أيوب31 :40 )من غير أن ينتهي السفر حينذاك ، بل استمر بعده أحد عشر أصحاح ا تحدثت عن أيوب . وفي نهاية السفر « وعاش أيوب بعد هذا مائة وأربعين سنة، ورأى بنيه ، وبني بنيه إلى أربعة أجيال ، ثم مات أيوب شيخً ا وشبعان الأيام » ( أيوب42 :16-17 ) ، فهل هذا أيض ا من كتابة أيوب ؟ ويعبر القس صموئيل مشرقي عن الرأي التقليدي للكنيسة في تحديد مؤلف هذا السفر وزمن تأليفه : « لاندري متى كتب هذا السفر .. وينسبه البعض لموسى، والبعض لسليمان، على أن الإجماع يتجه إلى أن كاتبه هو أيوب نفسه»(1). لكن هذا الإجماع المدعى لا يلقى احتراماً في الأوساط العلمية التي اطلعت على خبر موت أيوب في السفر : «ثم مات أيوب شيخً ا وشبعان الأ يام» (أيوب42 : 17)، لذلكتحاول المقدمة الكاثوليكية للسفر تحديد زمن التأليف ، فترى أن «كاتب هذا السفر يأتي بعد إرميا ، وقد استلهمه ( أي من إرمياء ) وبعد حزقيال ، وهو سابق دون شك للعهد الإغريقي ، وأغلب الظن أنه من أبناء الجيل الخامس »(2). وأما الدكتور جورج بوست فيذكرقاموسه أنه «لا يعلم واضعه عن يقين، إنما المعروف أنه سفر قديم، نسبه بعضهم إلى موسى حينما كان في مديان، وزعم آخرون أنه كتب في عصر سليمان»(3). (1) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص 105)، وانظر: مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (211.) (2) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (2/5.) (3) قاموس الكتاب المقدس، جورج بوست1/189.)

عدد الصفحات ٧٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأما محررو قاموس الكتاب المقدس فيحاولون من جهتهم تعريفنا بالكاتب المجهول وزمن تأليفه لهذا السفر فيقولون : «ويعتقد أنالكاتب من أهل فلسطين ، ولا يمكن تعيين تاريخ كتابة السفر على وجه التحقيق ، وقد ظن بعض النقاد أنه ك تب في عصر إرميا ، وظن آخرون أنه كتب بعد السبي .. إلا أن غيرهم يظنون أنه كتب في القرن الرابع قبل الميلاد .. يحتمل أنه يرجع إلى الألف الثانية قبل الميلاد »، فما الذي يختاره القارئ من هذه التواريخ التي تحيرنا لتباعدها ، لكنها على كل حال تتفق على أن هذا الكاتب مجهول(1). ويحسن أن ننبه هنا إلى أن النسخة الكاثوليكية اليونانية لسفر أيوب تنقص ما يقرب من خ م س السفر المذكور في النسخة العبرانية . يحوي سفر المزامير مائة وخمسين مزمور ا تنسب إلى مؤلفين مختلفين ، إذ ينسب إلى النبي داود ثلاثة وسبعون مزمور ا ، وإلى موسى مزمور واحد ، وإلى أساف اثنا عشر مزمور ا ، وينسب إلى بني قورح تسعة مزامير ، ومزموران إلى سليمان ، وآخر إلى ايثان ، وتسمى المزامير الباقية ( 51 مزمور ا ) بالمزامير اليتيمة لأنه لا يعرف قائلها(2)!! فكيف وصفت بالوحي ؟ وهل كان بنو قورح أيض ا أنبياء ؟ وهل كان أساف كبير المغنيين في بلاط داود نبي ا ؟ وما أدلة نبوة هؤلاء ؟ إن أحد ا لا يملك إجابة عن هذه الأسئلة . والمتأمل في المزامير يدرك بوضوح كبير أن الم زامير تعود إلى ما بعد داود (1) قاموس الكتاب المقدس ، نخبة من اللاهوتيين، ص (148.) (2) انظرمقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (222.)

عدد الصفحات ٧٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وسليمان ، وتحديد ا إلى القرن السادس قبل الميلاد ، إلى أيام السبي البابلي ، وذلك يظهر من أمثلة متعددة . منها ما جاء في المزمور التاسع والسبعين والمنسوب لآساف كبير المغنيين في بلاط الملك داود ، حيث يقول : « اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك ، ونجسوا هيكل قدسك ، وجعلوا أورشليم أكوامً ا ، دفعوا جثث عبيدك طعامً ا لطيور السماء » ( 79 :1-2 ) . ومثلهفي قوله : « الرب يبني أورشليم ، يجمع منفى إسرائيل يشفي المنكسري القلوب ، ويجبر كسرهم » ( 147 :4 ) . ومثله« على أنهار بابل جلسنا .. بكينا أيضا عندما تذكرنا صهيون .. لأنه هناك سألنا الذين سبونا ( بعد السبي البابلي ) كلام ترنيمة ، ومعذبونا سألونا فرحً ا قائلين : رنموا لنا من ترنيمات صهيون »( 137 :1 ) ... وغيرها . وهذه الأمثلة تثبت أن كتابة المزامير تأخرت عن داود ما لا يقل عن أربعة قرون، وعليه فلا تصح نسبتها إليه أو إلى معاصريه . ويتشكك ميلر وهوبر في صحة نسبة المزامير الداودية: «قد لا يكون داود قد كتب فعلا الـ 73 مزمورا المنسوبة إليه، فالأداة العبرية التي تنسب هذه المزامير له هي حرف الجر (اللام)، وهي قد تعني: (بواسطته)، أو تعني: (عنه) أو (لأجله) .. يقول كثير من العلماء أن هذه الإشارات لداود قد أضافها على الأرجح محررون بعد وقت طويل من كتابة المزامير»(1). لكن الكنيسة تصر على أنها من وحي ا ، فلديها دليل غريب ، فإن هذه المزامير « تستعمل اليوم في عبادة الكنيسة المسيحية ، وتناسب ذوق جميع الطوائف (1) تاريخ الكتاب المقدس منذ التكوين وحتى اليوم، ستيفن ميلر وروبرت هوبر، ص(25.)

عدد الصفحات ٧٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ على حد سواء ، ولعل هذا دليل على كونها موحى بها من الله »(1). وتنسب الأسفار الثلاثة حسب التقليد الكنسي واليهوديإلى النبي سليمان (2). لكن التأمل في سفر الأمثال يظهر فقرات لا تصح نسبتهاإلى سليمان ، فقراءتها تظهر أن لها أكثر من كاتب بدليل تكرار الكثير من الأمثال باللفظ أو بالمعنى كما في (18 :8 و26 :22 و19 :24) . وقد نص السفر على أن بعض هذه الأمثال لسليمان ، فقد بدأ بقوله : « أمثال سليمان بن دواد ملك إسرائيل » ( 1 :1) ثم عاد في اصحاح العاشر ، فأكد عليه . وكذا في الأ صحاح الخامس والعشرين يؤكد أن سليمان هو قائل هذا السفر ، ويضيف بأن الذي نقلها عنه هم رجال الملك حزقيا ، فيقول : « هذه أيضً ا أمثال سليمان التي نقلها رجال حزقيا ملك يهوذا » (25 :1 ) . و نعرف من هم رجال حزقيا ، ولا كيف وصلت إليهم كلمات النبي سليمان ، وهل هم أيض ا أنبياء ، علم ا بأن حزقيا هو الملك الثاني عشر بعد سليمان ؟ وفي الأ صحاح الثلاثين تنسب مجموعة الأمثال إلى غير سليمان ، ففيه « كلام أجور ابن منقية مسا »( أمثال 30 :1 ) و يذكر السفر نبوته ولا إلهاميته ، وفي الأصحاح الذي يليه « كلام لموئيل ملك مسّا ، علمته إياه أمه » (31 :1 ) ، ولا يذكر لنا السفر كيف اعتبر هذا الذي علمته أمه من الوحي . (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص431.) (2) انظرمقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (238،244.)

عدد الصفحات ٧٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ويقول المدخل السفر في التوراة الكاثوليكية : «السفر ليس بكامله من تأليف هذا الملك ، وهو يسند إلى مجموعتين مهمتين .. المجموعة المركبة قد اكتملت دون شك بشكلها النهائي ب عد السبي .. يستحيل تحديد أصل هذه المجموعات حتى المسندة منها إلى سليمان .. إن عدد ا كبير ا من هذه الأمثال لا صفة دينية لها البتة » (1). وأماجون باكلين وزملاؤه مؤلفو «المدخل إلى الكتاب المقدس» ، فيرون أن السفر من إنتاج عدد غير معلوم من المؤلفين المجهولين ، وقد علم من السفر أسماء ثلاثة منهم فقط ، يقول المدخل : « اشترك في كتابة سفر الأمثال العديد من الكت اب منهم ثلاثة مذكورون فيه بالاسم، وهم : سليمان وآجور ولموئيل ، وهناك قسم واحد من السفر على الأقل مجهول الكاتب »(2). وأما سفر الجامعة فيبدأ بقوله : « كلام الجامعة بن داود الملك في أورشليم » ( 1 : 1)،وفي موضع آخر: « أنا الجامعة ، كنت ملكً ا على إسرائيل في أورشليم » ( 1 :12 ) . وليس في ملوك بني إسرائيل من اسمه الجامعة ، وقد ذكروا في (1أخبار 3 :1- 22)، لذلك ينسبه الكهنوتيون إلى سليمان ، ولا يصح هذا لأنه يقول : « رأيت تحت الشمس موضع الحق هناك الظلم ، وموضع العدل هناك الجور .. » (3 :16 ) . ومثل هذه الصورة التشاؤمية لا يمكن أن تصدر عن النبي سليمان الملك الذي يملك رفع الحق وتثبيته ، ومثله « ثم رجعت ورأيت كل المظالم التي تجري تحت الشمس ، فهُ وَ ذا دموع المظلومين ، ولا معز لهم من يد ظالميهم » (4 :1 ) ، ومثله (1) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (2/166.) (2) انظر : مدخل إلى الكتاب المقدس ، جون بالكين وآخرون ، ص 207)، وفجر الضمير، جيمس بريستد، ص (396).

عدد الصفحات ٧٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ كثير ، فالسفر يحمل صورة تشاؤمية لا يمكن أن تصدر عن نبي ملك، لذا يصفه مدخل السفر في التوراة الكاثوليكية بأنه «أشد أسفار الكتاب المقدس غموض ا، وأجدرها في تضليل القارئ السطحي.. وأول ما يطالعنا به السفر في سطوره الأولى هو موجة تشاؤم عميق .. وكأني به يحط الإنسان إلى مستوى البهيمية .. كتب حوالي السنة 180م»(1)، وهذا التاريخ يبعد عن وفاة سليمان بأكثر من700 عام. وأما سفر نشيد الأنشاد فهو أشد الأسفار إثارة ، وقد تعرض لتردد كثير حتى ق بل وأضيف ل لكتاب المقدس ، يقول عنه الآباء الي سوعيون : « إن هذا الكتاب الصغير يمثل مسألة من أشد الأمور المتنازع عليها في نصوص الكتاب المقدس ، فما معنى تلك القصيدة أو تلك المجموعة من القصائد الغزلية في العهد القديم، فللكتاب طابع غرامي، وهو لا يتوقف إلا على الجمال الطبيعي .. لا نجد فيه أي مفتاح لتفسيره . من الذي ألفه ؟ وفي أي تاريخ؟ ولماذا أ لف ؟ .. من الواضح أن مؤلفها ليس سليمان »(2)، ويضيف فيلسيان شالي : «أما الأعمال الأخرى فقد نشأت عن مختلف المؤمنين من غير الذين تعزى إليهم تقليدي ا ، وعلى سبيل المثال فإن نشيد الأنشاد بالتأكيد ليس من عمل سليمان »(3) . وهذا السفر «كان ممنوع ا عند العبرانيين المبتدئين، ولا يسمح به إلا لمن يسعون نحو الكمال، فهو كما يقول أوريجانوس : إنه سفر البالغين »(4)،ويقول (1) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (2/208.) (2) انظر مقدمة سفر نشيد الأنشاد في الرهبانية اليسوعية، ص (1378.) (3) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص160.) (4) مقدمة تفسير سفر نشيد الأنشاد، أوريجانوس.

عدد الصفحات ٧٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ مدخله: « لا يقرأ نشيدالأنشاد إلا القليل من المؤمنين ، لأنه لا يلائمهم كثير ا » (1)، ويقول وشتن : «إنه غناء فسقي ف لي خرج من الكتب المقدسة »، وقال العالم الكاثوليكي توماس وارد في كتابه (Errata of the Protestant Bible ) عنه : «غناء نجس»(2). ويقولديورانت: «ومهما يكن أصلها فإن وجودها في التوراة سر خفي، ولكنه سر ساحر جميل، ولسنا ندري كيف غفل- أو تغافل- رجال الدين عما في هذه الأغاني من عواطف شهوانية ،فأجازوا وضعها بين أقوال إشعيا والخطباء»(3). وينسب السفرإلى النبي إشعيا في القرن الثامن قبل الميلاد ، فقد عاصر الملك عزيا ثم يوثام ثم أحاز ثم حزقيا ، ولكن السفر يتحدث عن الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد مما يؤكد أن ثمة كاتب ا أو كاتبِ ين قد كتبوا ذلك بعد إشعيا، ومن أمثلة ذلك حديثه عن بابل الدولة العظيمة وتنبؤه بإنهيارها . وأيض ا حديثه عن كورش الفارسي الذي ردّ اليهود من السبي ( انظر 4 :28-45 :1). كما يتحدث عن رجوع المسبيين والشروع في بناء الهيكل في الأ صحاحات 56–66 ، لذا يقول العالم الألماني أستاهلن : «لا يمكن أن يكون الباب الأربعون وما (1) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (2/226.) (2) انظر : إظهار الحق ، رحمة الله الهندي (1/150) ، قراءات في الكتاب المقدس ، عبد الرحيم محمد (2/266) ، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم ، محمد البار ، ص235 – 236.) (3) قصة الحضارة، وليام ديورانت2/388.)

عدد الصفحات ٧٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ بعده حتى الباب السادس والستين من تصنيف إشعيا»(1). لذا تنقل لنا مقدمة السفر الكاثوليكي أن«عددا متزايد ا من الشراح الكاثوليك يعتبرون اليوم أن عمل إشعيا قد تابعه أنبياء آخرون ، لهم ما له من الأهمية ، لكنهم لم يخلِّ فوا لنا أسماءهم »(2). لذا«مما لا شك فيه أن اصحاحات 33-35 ليست من صنع إشعياء نفسه، بل هو من تاريخ متأخر، من السبي أو ربما بعد السبي .. يؤيد جمهرة العلماء أن هذه الإعلانات من عمل نبي آخر عاش في بابل في وقت داريوس .. على أن اسم هذا النبي قد ط مر في بطن التاريخ»(3). أما سفر إرمياء فإن تقاليد الكنيسة تنسبه إلى النبي إرمياء ، ولا تصح هذه النسبة، إذ هو من عمل عدة مؤلفين ، بدليل تناقضه في ذكر الحادثة الواحدة ، ومن ذلك تناقضه في طريقة القبض على إرمياء وسجنه ( انظر : إرمياء 37 :11-15 و 38 :6–13 ) . كما يحمل السفر اعتراف ا بزيادة لغير إرمياء ففيه « فأخذ إرمياء درجً ا آخر ، ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب ، فكتب فيه عن فم إرميا ، كل كلام السفر الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار ، وزيد عليه أيضً ا كلام كثير مثله » (36 :33 )(4). ونقرأ فيه: « إلى هنا كلام إرمياء » (51 :64 ) ، ويستمر السفر ، فمن الذي أكمله؟ (1) انظر : إظهار الحق ، رحمة الله الهندي1/150.) (2) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (2/340-341.) (3) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (106-107.) (4) وانظر: مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط2/429.)

عدد الصفحات ٧٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ونختم مع اعتراف مهم يصدر به الآباء اليسوعيون نسختهم «الرهبانية اليسوعية»، وفيه : « أسفار الكتاب المقدس هي عمل مؤلفين ومحررين .. ظل عدد كبير م نهم مجهولا .. معظم عملهم مستوحى من تقاليد الجماعة ، وقبل أن تتخذ كتبهم صيغتها النهائية انتشرت زمن ا طويلا بين الشعب ، وهي تحمل آثار ردود فعل القراء في شكل تنقيحات وتعليقات ، وحتى في شكل إعادة صياغة بعض النصوص إلى حد هام أو قليل الأهمية ، لا بل أحدث الأسفار ما هي إلا تفسير وتحديث لكتب قديمة »(1). وقد صدق موريس فورن حين قال : « لو سألنا في أي وقت جمع كل كتاب من كتب التوراة ، وفي أي حال ، وظروف ؟ وبأقلام من كتب ؟ لا نجد أحد ا يجيبنا عن تلك الأسئلة وما شابهها إلا بأجوبة متباينة متخالفة جد ا .. والملخص أن المذاهب العلمية الجديدة ترفض أغلب أقوال علماء النقل التي هي أساس اعتقاد النصارى واليه ود ، وتقوض بنيان ادعاء السابقين ، وتبرئ الأنبياء من تلك الكتابات » . ويواصل فيقول : « ما الحيلة ونحن من مائة سنة حيارى بين أسانيد يمحو بعضها بعض ا ، فالحديث يناقض سابقه ، والسابق ينافي الأسبق ، وقد تتناقض أجزاء الدليل الواحد .. وأيِ سنا من الوصول إلى معرفة صاحب الكتاب الحقيقي »(2). وأما القس صموئيل مشرقيوهو ممن يصر على صحة نسبة الأسفار الخمسة (1) المدخل إلى الكتاب المقدس، الرهبانية اليسوعية، ص30.) (2) انظر : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغد ادي ، ص ( 468 – 469.)

عدد الصفحات ٨٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ إلى موسى، فلا يمانع من التشكك في صحة نسبة بقية الأسفار: «فإن المؤرخين [] أي حالة، فنحن لا نعلم من هم، بعضهم ولاشك كان من الأنبياء، والبعض كان ينتمي للكهنوت»(1). وأما الأب جورج سابا فلا يرى في مجهولية المؤلفين والمضيفين بعدهم ما يمنع من الحكم بإلهامية هذه المؤلفات: «يتمتع بموهبة الإلهام هذه جميع أولئك الذين ولو جهلت أسماؤهم، أسهموا، بطريقة ما في عرض النص المقدس والذين أسهموا في تأليف سفر ما ، أو تعاقبوا على تأليفه حتى ولو اشتمل السفر على وثائق ترتقي إلى أزمنة مختلفة، ثم جددت وج معت ، لذا فالسفر الناجم عن ذلك ي عد سفر ا ملهم ا بكامله»(2). إذا هذه الأسفار مجهولة المؤلف ، لا تصح نسبتها إلى الأنبياء ، بل هي من عمل الشعب اليهودي طوال عصور التاريخ اليهودي ، وقد استلهموا هذه الكتابات من تقاليدهم ، لا من الله ووحيه ، وكل ذلك شاهد على أن هذه الأسفار ليست كلمة الله ، فما أدرانا ما هو حال هؤلاء المؤلفين المجهولين ؟ هل كانوا مؤمنين أمناء أم متهمين تركوا بصمات تلاعبهم ـ في الكتاب ـ واضحة لكل ذي عينين . هل يقبل العقلاء صكوك بيع أو شراء أو ائتمان أصدرها مجهولون في قضايا دنيوية بسيطة تتعلق بحفنة من الدولارات ؟ وإذا كانوا لا يقبلونها ، فكيف يقبلون روايات المجاهيل في قضية يتعلق فيها مصير المليارات من بني الإنسان ؟! . (1) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي،ص (88.) (2) انظرعلى عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص (138).

عدد الصفحات ٨١