المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٤ من ٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ لأنها سلمت للكهنة من بني لاوي ، ولكن الذي نراه أنه جاء بعدها ثلاث أصحاحات، مما دل على أن ما كتبه موسى ليس النص الذي يحكي القصة . وعند الرجوع إلى هذه الأسفار الخمسة والتمعن فيها يتبين أنها كتبت بعد موسى بوقت طويل ، وفيما يلي بعض هذه الأدلة : * في حين أن الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى تبلغ زهاء 400 صفحة ، فإن توراة موسى كانت قصيرة ، فقد أمر موسى بجمع بني إسرائيل نساء وأطفالا ورجالا ، بل وحتى الغريب المار بأرضهم ، أمر بجمعهم كل سبع سنين في عيد المظال لت قرأ عليهم التوراة كاملة ( انظر التثنية 31 :9-12 ) ، ولو كانت توراته بالطول الذي بين أيدينا اليوم لشق سماع هؤلاء جميع ا وعس ر طول مكثهم لسماعها . * ومن الدلائل على قصر توراة موسى أنه أمر بكتابتها على جدران المذبح «فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة ، وتشيدها بالشيد ، وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس .. وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشً ا جيدً ا » ( التثنية27 :2-8 ) ، وقد عمل بالوصية وصي موسى يشوع فكتبها على حجارة المذبح ، ولو كانت طويلة كما هي اليوم لاحتاجت مع النقش الجيد إلى حجارة المدينة، ولا يكفيها حينذاك حجارة المذبح . * ثم بعد إتمام البناء قرأ يشوع التوراة على الجموع ، وهي له تسمع « كتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى .. بعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة .. لم تكن كلمة في كل ما أمر به موسى لم يقرأها يشوع قدام كل جماعة إسرائيل : النساء والأطفال والغريب السائر في وسطهم » ( يشوع8 :32-35 ) .

عدد الصفحات ٥٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ومما يؤكد أن التوراة التي كتبها موسى ليست الأسفار الخمسة : مخالفة يشوع وصي موسى لما جاء فيها ، ولو كان يعرفها أو يعتقد صدقها لما خالفها ، فإما أن يقال بأن سفر يشوع مزور ، أو لا تصح نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى . وبيان هذه المسألة أن موسى قال : « كلمني الرب قائلاً : أنت مـار بـتخم مـؤاب بعار ، فمتى اقتربـت إلـى اتجـاه بنـي عمـون لا تعـادوهم ، ولا تهجمـوا علـيهم ، لأني لا أعطيـــك مـــن أرض بنـــي عمـــون ميراثًـــا ، لأني لبنـــي لـــوط قـــد أعطيـــتهم ميراثًـــا » (التثنية2 :16-20 ) فكان أمر الموسى في حق أرض عمون أن لا يأخذ منها شيئ ا . ولكن يشوع في سفره ينسب إلى موسى أنه قسم أرض بني عمون ، يقول : « وأعطى موسى لسبط جاد بني جاد حسب عشائرهم ، فكان تخمهم بعزير ، وكل مدن جلعاد ، ونصف أرض بني عمون إلى عير ، وعير التي هي أمام ربّة .. هذا نصيب بني جاد » ( يشوع13 :24-28 ) ، فقد زعم سفر يشوع أن الله أعطى موسى نصف أرض بني عمون ، وهو مخالف لما أمر الله به موسى في سفر (التثنية 2 :16-20 ) . فلو كانت هذه الأسفار توراة موسى لما نسب يشوعإلى موسى هذه المخالفة الصريحة لأمر الله بتقسيم أرض عمون . وذكرت الأسفار الخمسة أحداث ا حصلت بعد وفاة موسى في سيناء ، مما دل على أنها كتبت بعده ، ومنها : * « وأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة ، حتى جاؤوا إلى أرض عامرة ، أكلوا

عدد الصفحات ٥١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ المن حتى جاءوا إلى أرض كنعان » ( خروج16 :35 ) ، فكاتب السفر أدرك انقطاع المنّ عن بني إسرائيل ، وعرف أن مدة أكلهم للمنّ كانت أربعين سنة . وهو أمر لم يدركه موسى ، فقد انقطع المنّ زمن يشـوع وبعـد وفـاة موسـى بــزمن لــيس بقليــل ، ففــي ســفر يشــوع « فحــل بنــو إســرائيل في الجلجــال .. في عربــات أريحا، وأكلوا من غلة الأرض .. وانقطع المـنُّ في الغـد عنـد أكلهـم مـن غلـة الأرض » (يشوع5 :10-12 ) . فكيف يتحدث موسى عن أمر حدث بعد وفاته ، وذلك حـين دخلـوا الأرض المقدسة مـع النبـي يشـوع ، ومـن المهـم التنبيـه إلـى أن الخـبر عـن الماضـي ، ولـيس إخبار ا بالغيب والمستقبل ، لذا لا يمكننا أن نعتبره نبوءة مستقبلية من موسى . * ثم إن سفر العدد المنسوب لموسى يصف المنّ لقارئيه ، فمن المؤكد أنه يحدثهم عما لم يروه ، فكان من العجيب أن ينسب هذا الوصف إلى موسى ، إذ ليس من داع يدعوه لوصف المنّ وطعمه وطريقة طهيه لمن يصنعه يومي ا ويأكله من معاصريه ، يقول السفر : «وأما المنّ فكان كبزر الكزبرة ، ومنظره كمنظر المقل ، كان الشعب يطوفون ليلتقطوه ، ثم يطحنونه بالرحى ، أو يدقونه في الهاون ، ويطبخونه في القدور ، ويعملونه ملاّت ، وكان طعمه كطعم قطائف بزيت »( العدد11 :7-8 ) و ( انظر الخروج 16 :31 ) ، إنه شاهد آخر يقطع ببراءة موسى من كتابة هذه الأسفار . * ويذكر سفر العدد ما ي شعِ ر بأن الكاتب قد كتبه بعد جلاء بني إسرائيل من برية سيناء ودخولهم فلسطين فيقول : « ولما كان بنو إسرائيل في البرية ، وجدوا رجلاً يحتطب في السبت » ( العدد15 :32 ) ، فالكاتب ليس في البر ية حتم ا . أي ليس موسى ، فإنه قد مات في البرية قبل دخول الأرض المقدسة . * ومن أدلة براءة موسى من هذه الأسفار قول التوراة : « وسكنوا مكانهم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التي أعطاهم الرب » ( التثنية2 :12 ) والنص يفيد أن الكاتب قد

عدد الصفحات ٥٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ أدرك دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة ، وهو ما حصل بعد وفاة موسى . * ومثله في قول التوراة ، والمفترض أن الكاتب هو موسى « اجتاز أبرام الأرض إلى مكان شكيم إلى بلّوطة مورة . وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض (فلسطين)» ( التكوين12 :5-6 ) ، فالكاتب أدرك خروج الكنعانيين من الأرض بعد دخول بني إسرائيل ، فهو ليس موسى الذي مات قبل دخول بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة. * ونحوه قول كاتب الأسفار : «وكان الكنعانيون والفرزّيون حينئذ ساكنين الأرض » ( التكوين13 :7 ) ، وهذا النص جعلته نسخة الرهبانية اليسوعية بين قوسين للإيهام بأنه ملحق بالسياق ، والصحيح أصالته ، والسفر متأخر التأليف ، فقد ورد مثله في (التكوين 16 :6.) *ونحوه في قوله : « وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم قبلما ملكَ ملِكٌ لبني إسرائيل »( التكوين36 :31 ) ، فالكاتب قد أدرك عهد الملكية الذي كان بعد موسى بأربعة قرون . وقد أقر المفسر الإنجليزي آدم كلارك (ت 1832م في تفسيره الذي استغرق منه أربعين سنة بوقوع التحريف في هذا النص، وقال : « غالب ظني أن موسى ما كتب هذه الآية ، والآيات التي بعدها إلى التاسعة والثلاثين .. وأظن ظن ا قوي ا قريب ا من اليقين أن هذه الآيات كانت مكتوبة على حاشية نسخة صحيحة ، فظن الناقل أنها جزء من المتن فأدخلها فيه »(1)، وهذا التبرير لو صح فإنه يفضي إلى الشك بجملة الكتاب المقدس ، إذ كما جاز للناسخ أن يدخل في المتن هنا ما ليس فيه ، فإنه يجوز وقوع (1) تفسير آدم كلارك (التكوين- التثنية/ 278)، وانظر : إظهار الحق ، رحمة الله الهندي (2/468.)

عدد الصفحات ٥٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ذلك في سائر الكتاب . * أما المضحك المبكي فهو ورود خبر وفاة موسى وحزن بني إسرائيل عليه في أسفار يفترض أن كاتبها موسى ، فقد جاء في سفر التثنية « فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ، ودفنه في الجواء في أرض مؤاب مقابل بيت فغور ، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم ، وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات ، ولم تك ل عينه ولا ذهبت نضارته ، فبكى بنو إسرائيل في عربات مؤاب ثلاثين يومً ا، فكمُلت أيام بكاء مناحة موسى » ( التثنية34 :5-8 ) ، والملاحظ دوم ا أنه حديث عن الماضي البعيد ، وليس إخبار ا عن المستقبل . وتذكر الأسفار الخمسة أسماء مدن وقر ى لم يعرفها بنو إسرائيل إلا بعد موسى، ولم تسمَ بهذه الأسماء إلا بعد قرون من وفاة موسى ، فكيف ذكرتها الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى؟ * منها قول سفر التكوين: « وتبعهم إلى دان » ( التكوين14 :14 ) وقـد سـميت بهـذا الاسم في عهد القضاة ، أي بعد موسى بما يربو على مائة سنة ، يقول سفر القضاة : « وجـاؤوا إلى لايش .. ودعوا اسم المدينة : دان ، باسم دان أبيهم » ( القضاة18 :27-29 ) . *ونحــــوه مــــا جــــاء في التكــــوين وفيــــه : «ســــرقت مــــن أرض العبــــرانيين » (التكــوين 40 :15 ) ، ولــم تســم فلســطين بهــذا الاســم في عهــد موســى ، إذ لــم يــدخل العبرانيون إليها بعد . * ومثله « وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممرا قرية أربع ، التي هي حبرون » ( التكوين35 :27 ) ، ولم تسم حبرون ( الخليل ) بهذا الاسم إلا في عهد يشوع ، كما

عدد الصفحات ٥٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ورد في سفره «فباركه يشوع ، وأعطى حبرون لكالب .. واسم حبرون قبلاً : قرية أربع، الرجل الأعظم في العناقيين »( يشوع14 :13-15 ) ، فالكاتب لسفر التكوين أدرك دخول يشوع لفلسطين ، وتغيير اسم المدينة من أربع إلى حبرون . وكان لابد من أن يعترف أهل الإنصاف من أهل الكتاب بعدم صحة نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى: * كان من أوائل من فعل ذلك منهم ، موسى بن عزرا الحبر اليهودي الغرناطي (تـ 1167م )، والذي يعتبره الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ اسبينوزا (ت 1677م واضع أسس النقد العقلي للكتاب المقدس، فقد ألغز ابن عزرا في كتابه «دليل الحيران » إنكاره صلة موسى بهذه الأسفار ، وذلك لمخافته من القتل والاضطهاد فقال في شرحه لسفر التثنية : « فيما وراء نهر الأردن .. لو كنت تعرف سر الإثني عشر .. كتب موسى شريعته أيضً ا .. وكان الكنعاني على الأرض .. سيوحي به على جبل الله .. ها هوذا سريره ، سرير من حديد ، حينئذ تعرف الحقيقة » ولم يجرؤ ابن عزرا على كشف الحقيقة فألغزها . وقد فسر اسبينوزا قول ابن عزرا بأنه «لم يجرؤ على الإفصاح عن رأيه صراحة، واكتفى بالإشارة إليه بألفاظ مبهمة»، فقدأراد القول : إن موسى لم يكتب التوراة، لأن موسى لم يعبر النهر ، ثم سفر موسى قد نقش على اثني عشر حجر ا بخط واضح ، فحجمه ليس بحجم التوراة ، ثم لا يصح أن تقول التوراة بأن موسى كتب التوراة ، ثم كيف يذكر أن الكنعانيين كانوا حينئذ على الأرض ؟ ، فهذا لا يكون إلا بعد طردهم منها، وأما جبل الله فسمي بهذا الاسم بعد قرون من موسى ، وسرير عوج الحديدي

عدد الصفحات ٥٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ جاء ذكره في التثنية ( 3 :11-12 )مما يدل على أنه كتب بعده بزمن طويل(1). وخل ص اسبينوزا إلى نتيجة مهمة ، وهي أن «سبب تسمية الأسفار الخمسة باسم موسى؛ هو أنها تدور أساس ا حول حياته، فأخذت اسم الشخصية الرئيسية »(2)، وأنه «توجد نصوص كثيرة في الأسفار الخمسة لا يمكن أن يكون موسى كاتبها، فإن أحد ا لا يستطيع أن يؤك د عن حق أن موسى هو مؤلف الأسفار الخمسة، بل على العكس، يكذب العقل هذه النسبة»(3). وقد استفز اسبينوزا بدعواه حول أسفار موسى عالم الأحياء القس ريتشارد سيمون (ت 1712م ، وهو كما يصفه وليام ديورانت «أعلم ناقد الكتاب المقدس في القرن السابع عشر»، فانبرى للرد علي ه في كتابه «تاريخ نقدي للعهد القديم»، لكنه اضطر للاستسلام لخصمه اسبينوزا، حين «سلم بأن أسفار العهد القديم ليست تماماً من عمل المؤلفين الذين نسبت لهم، وأنه لا يمكن أن يكون موسى قد كتب الأسفار الخمسة كلها (التي ورد فيها وصف لموت موسى)، وأن أسفار الكتاب عراها التغيير الكثير عن صورتها الأصلية بأقلام الكتبة والناشرين الذين نقلوها إلى الخلف»، ثم استدرك ريتشارد سيمون على نفسه بزعم عجيب حاول فيه لملمة وترقيع ما سبق أن توصل إليه في دراسته المعمقة: «إن هؤلاء المراجعين كانوا هم أيضاً يعملون بالوحي الإلهي»، وأضاف إلى اعترافاته المهمة اعتراف ا بأن: «جميع نسخ العهد القديم الموجودة شوهتها التكرارات والتناقضات والإلتباسات وغيرها من الصعوبات (1) رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص258.) (2) المصدر السابق، ص273.) (3) المصدر السابق، ص265.)

عدد الصفحات ٥٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ بحيث لا تتيح إلا أساساً واهياً للاهوت عقائدي»(1). وهذا ما استمسك به العلماء المحافظون من بعد سيمون ، فقد كانوا يصرحون «أن الإشارات ال سابقة لا تزيد عن كونها إضافة توضيحية عند النسخ ثانية عبر المراحل الزمنية المتعاقبة بواسطة الناسخ نفسه، وبالوحي المقدس»(2) ،فهم يعترفون بأنها من إضافات النساخ ، لكن يزعمون أن هؤلاء النساخ لم يصنعوا ذلك من تلقاء أنفسهم ، بل فعلوه بإرشاد الوحي المقدس ! فهم أيض ا ممن يوحى إليه . !! فالمهم عندهم أن «يظل موسى كاتب ا لسفر التكوين »(3). *وأما مدخل التوراة الكاثوليكية فنقرأ فيه: «ما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة منذ قصة الخلق إلى قصة موته ، كما لا يكفي أن يقال: إن موسى أشرف على وضع النص الملهم الذي دونه كتبة عديدون في غضون أربعين سنة، بل يجب القول مع لجنة الكتاب المقدس البابوية (1948م) أنه: يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية»(4)، ومثله في مدخل الآباء اليسوعيين لنسخة الرهبانية اليسوعية. * وهذه الجمهرة العلمية الرافضة لنسبة الأسفار الخمسة إلى موسى أصبحت من الكثرة بحيث يقول الأب سهيل قاشا: «إن وضعية مادة التوراة الحالية وبراءة (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت33/180)، وانظرالمدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص (38). (2) المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص ( 84)، وانظر الكتاب المقدس، القس صموئيل مشرقي، ص (37). (3) المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص84.) (4) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط، ص (4.)

عدد الصفحات ٥٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ موسى منها بما فيه الأسفار الخمسة قد شهد به بالتعليل علماء وك تّاب وباحثو الغرب أنفسهم، بعد أن لم يعد خافي ا علي هم عدم أصالة الكتاب، واحتوائه على ثقافات الآخرين .. الجريئين منهم حتى ولو كانوا يهود ا فإنهم يعترفون بأن التوراة على شكلها ومضمونها الحالي ليست أصيلة، وليست منسقة مع ما جاء به موسى»(1). *ويقولالمستشرق الألماني ثيودور نولدكه (ت 1930م في كتابه ( اللغات السامية) : « جمعت التوراة بعد موسى بتسعمائة سنة ، واستغرق تأليفها وجمعها زمن ا متطاولا تعرضت حياله للزيادة والنقص ، وإنه من العسير أن نجد كلمة متكاملة في التوراة مما جاء به موسى »(2). *ويقول الأستاذ حبيب سعيد«وما يزال فريق من المسيحيين مؤيد ا أن موسى هو كاتب الأسفار الخمسة، على أنه في خلال المائة سنة الأخيرة توسع العلماء في البحث والاستقصاء، وأثبتوا خطأ هذه النظرية.. إلا أنهم يعتقدون أن بعض أجزائها يرجع تاريخه إلى أزمنة مختلفة وعصور متأخرة .. هذه الأسفار كتبت في أزمنة مختلفة .. أولئك الكتاب الذين نجهل أسماءهم قد تلقوا وحي ا من الله تحت إرشاد الروح القدس وسلطانه، دروا أو لم يدروا»، والعبارة الأخيرة«دروا أو لم يدروا» تفتح الباب واسع ا أمام الرأي القائل بأن مؤلفي الأسفار لم يعلموا بقداسة كتبهم، ولم يشعروا بالروح القدس وهو يلهمهم ويرشدهم، لكن من جاء بعدهم اكتشفوا فيهم ما جهله هؤلاء عن أنفسهم!!. ويخلص حبيب سعيد إلى القول: «كتبت في تواريخ متأخرة وبأيدي ك تاب كثيرين لم (1) بابل والتوراة، الأب سهيل قاشا، ص (178.) (2) انظر : الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف ، يحيى ربيع ، ص 100) ، الكتاب المقدس في الميزان ، عبد السلام محمد ، ص (97 – 98.)

عدد الصفحات ٥٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ يمكن الاهتداء إلى أسمائهم، ويرجح علماء الكتاب المقدس» (1). فهل يقال بعد ذلك : هذه الأسفار الخمسة من كلام موسى أو أنها وحي الله إلى نبيه موسى ؟ (1) المدخل إلى الكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص70-71،90.)

عدد الصفحات ٥٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟

عدد الصفحات ٦٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ لا يملك اليهود ولا النصارى أي دليل ـ ولو كان ضعيف ا ـ يثبت صحة زعمهم نسبة الأسفار المقدسة إلى أصحابها ، إذ هذه الكتب خالية من الأسانيد التي توثقها . بل إن الأدلة تثبت عكس ذلك ، وهو يتضح فيما نعرض من النصوص والشهادات التي تبطل نسبة أسفار العهد القديم إلى الأنبياء عليهم السلام ، ولسوف نكتفي بعرض بعض الشهادات عن بعض الأسفار ، ونترك للقارئ الكريم أن يقيس الغائب على الشاهد ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق . تنسب الدراسات التقليدية اليهودية والكنسية هذا السفر إلى النبي يشوع بن نون وصي موسى (1)، لكن القراءة المتأنية لهذا السفر تكشف عن تأخر تاريخ كتابته عن يشوع بسنين طويلة ، إذ نقرأ فيه خبر موت يشوع « مات يشوع بن نون عبد الرب ابن مائة وعشر سنين ، فدفنوه في تخم ملكه » ( يشوع24 :29-30 ) . ويذكر سفريشوع أحداث ا حصلت بعد موته كتعظيم بني إسرائيل له بعد وفاته ، بقاء شيوخهم على العهد في عصر القضاة بعده « وعبد إسرائيل الرب كل أيام يشوع وكل أيام الشيوخ الذين طالت أيامهم بعد يشوع والذين عرفوا كل عمل الرب الذي عمله لإسرائيل» ( يشوع24 :31 ) ، والسفر برمته يتحدث عن يشوع بضمير الغائب . ( انظر 8 :35 ، 6 :27 ) . (1) انظر: مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي،ص (99.)

عدد الصفحات ٦١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ومن الأدلة التي نسردها سريع ا لنؤكد أن يشوع ليس بكاتب السفر المنسوب إليه أن سفر يشوع ذكر مرار ا قرية دبير التي حاربها يشوع ، ومن ذلك قوله : «ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها » ( يشوع10 :38 ) ، وكذا قوله : «وصعد التخم إلى دبير من وادي عخور » ( يشوع15 :7 ) ، وغيرها من المواضع . وهذا الاسم لم يطلق على هذه القرية إلا بعد وفاة يشوع ، فقد كان اسمها في عهد يشوع قرية سفر ، وتغير في عهد القضاة «واسم دبير قبلاً قرية سفر » ( القضاة1 :11 ) . كما نجد مواضع كثيرة أن كاتب السفر يخبرنا ببقاء بعض المسميات التي سميت في عهد يشوع وأنها لم تتغير بتقادم الأيام وتصرم السنين ، ومن المؤكد أن يشوع ليس القائل ، إذ هذه المسميات ظ هرت في عصره ، وليس من المعتاد تغير أسماء المدن في وقت قريب ، يقول سفر يشوع : «فدعي اسم ذلك المكان الجلجال إلى هذا اليوم » ( يشوع5 :9 ) ، أي ما زال اسمه كذلك إلى زمن كتابة السفر . ومثله قوله : « وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم ، فرجع الرب عن حمو غضبه ، ولذلك دعي اسم ذلك المكان وادي عخور إلى هذا اليوم »(يشوع7 :26) . وقد اعترف بمج هولية كاتب هذا السفر ال فيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا ، ورأى أنه من تأليف مؤلف مجهول عاش بعد يشوع بقرون عدة، واستدل لذلك بقول السفر: «ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده» (يشوع10 :14)(1). وبمثله أقرت مقدمة الكتاب المقدس للكاثوليك ، حيث تقول : «لكن المؤلف (1) انظررسالة اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص (266.)

عدد الصفحات ٦٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ المقدس الذي نجهل اسمه وعصره .. »(1). وأما محررو قاموس الكتاب المقدس فينقلون لنا عدد ا من الأسماء المقترحة لتأليف هذا السفر ، فيقولون : «كاتب هذا السفر مجهول ، ولكنه قد نسب إلى أشخاص متعددين، غير أن كثيرين يتمسكون بالاعتقاد المقبول عند اليهود والكتاب المسيحيين الأولين ، وهو أن يشوع نفسه كاتب السفر .. وظن كالفن أن كاتبه هو اليعازر بن هارون ، وزعم آخرون أنه فيدحاس أو صموئيل ، أو إرميا »(2) ، وكل هذه الاقتراحات تخرصات وظنون لا دليل عليها ، والصحيح أن السفر مجهول الكاتب، فكيف ينسب إلى الله ووحيه كتاب لا يعرف اسم كاتبه؟! وهنا ننبه إلى أن الأسماء المثبتة في افتتاح الأسفار «سفر يشوع »،«سفر صموئيل» أسماء خادعة، تجعل الكثيرين يعتقدون أن الاسم المثبت هو اسم مؤلف السفر، وهذا غير صحيح، وكما يقول حبيب سعيد: «يشوع هو اسم البطل في السفر، وليس كاتبه.. وليس لهذا السفر كاتب معين بالذات»(3). ويتحدث السفر عن الفترة التي تلت حكم يشوع والتي سبقت الملكية ، وهي فترة مبكرة من تاريخ بني إسرائيل ، ونسبه التقليد اليهودي إلى ا لنبي صموئيل آخر قضاة بني إسرائيل، ويدعي الدكتور وهيب جورجي الإجماع على ذلك(4). وأما التفسير التطب يقي فيتخلى جامعوه عن هذا الإجماع ويحولونه إلى مجرد (1) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ، ص360.) (2) قاموس الكتاب المقدس ، ص1070.) (3) المدخل إلى الكتاب المقدس ، حبيب سعيد،ص (92.) (4) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص105.)

عدد الصفحات ٦٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ احتمال، عرضة للخطأ كما الصواب: «الكاتب صموئيل على الأرجح»(1). ولكن السفر يحوي ما يدل على أنه كتب في عهد الملوك فقد جاء فيه « في تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل » (القضاة 21 :25 ) ، مما يفهم منه أن الكاتب قد أدرك الملكية ، وليس قاضي ا يعيش في عصر القضاة . وتذكر مقدمة السفر في نسخة الشرق الأوسط الكاثوليكية: «إن مؤلف ا ملهم ا عاش حسب التقدير قبيل نهاية العهد الملكي أو في بدء السبي قد أعطى هذه الرواية طابعها الديني ... »(2)، ويضيف مؤلفو المدخل إلى الكتاب المقدس : « لسنا نعلم من هو كاتب السفر ، ومن المحتمل أن تكون مادته قد جمعت وص نِّفت من واقع سجلات العصر ، في زمن لاحق لزمن القضاة ، وهو يذكر ثلاث مرات هذه العبارة ، «وفي تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل » (17 :6 ، 18 : 1 ، 21 :25) ، مما يدفعنا إلى الظن بأن مادة السفر قد تم جمعها وضمها إلى بعضها بعد قيام الملكية في إسرائيل »(3). والواجب على اليهود والكنيسة التي تتابعهم أن يخبرونا عن دليلهم على عصمة وإلهامية كل أولئك المجهولين الذين أسهموا في كتابة السفر وتنقيحه ، وإذا لم يكن كذلك فكيف أضحت زياداتهم وتعديلاتهم جزء ا من وحي الله ؟ وهذا السفر يحكي قصة راعوث المؤابية التي تزوجت إسرائيلي ا ، ثم مات عنها زوجها ثم تزوجها بوعز فولدت له عوبيد جد داود. (1) التفسيرالتطبيقي، ص (472.) (2) مقدمة السفر في نسخة دار الكتاب المقدس في الشرقالأوسط (1/405.) (3) انظر : مدخل إلى الكتاب المقدس ، جون بالكين وآخرون ، ص76.)

عدد الصفحات ٦٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وعن مؤلفه يذكر القس الدكتور صموئيل يوسف «حسب التقليد اليهودي الكاتب هو صموئيل .. ورغم إمكانية قبول هذا الرأي، إلا أنه يبدو ضعيف ا .. ويرجح بعض العلماء أن عصر سليمان هو زمن كتابة السفر .. وي عتقد أن الكاتب عاش في زمن ما قبل السبي، وربما بمائة عام بعد راعوث»(1). وهكذا فلا يعرف بالتحديد من هو مؤلف هذه القصة ، لذلك يقول مؤلفو دائرة المعارف الكتابية: «لا يذكر السفر اسم الكاتب، ولا يوجد دليل واضح على تاريخ كتابة السفر .. وقد تفاوتت الآراء من جهة كاتب السفر، فمنهم من ينسبه لصموئيل النبي، ومنهم من ينسبه لحزقيا الملك، وآخرون إلى عزرا، وليس ثمة دليل قاطع على من استخدمه الرب فى كتابة هذا السفر»(2). وفي مقدمة السفر في التفسير التطبيقي نقرأ: «الكاتب : غير معروف ، ويعتقد البعض أنه صموئيل ، وإن كان السفر في طياته ما يدل على أنه كتب بعد وفاته »(3). ويقولالدكتور جورج بوست في قاموسه : « لا يمكن الجزم بزمان هذه القصة ، ولا بمعرفة مؤلفها .. نسب بعضهم كتابتها إلى صموئيل وآخرون إلى حزقيا وآخرون إلى عزرا ... »(4). وأما مقدمة السفر في التوراة الكاثوليكية فترى أن كاتبه المجهول قد عاش في زمن متأخر «اللغة ذاتها في النص العبري تشير إلى حداثة عهده الذي يعود إلى ما بعد (1) المدخل إلى العهد القديم، صموئيل يوسف، ص (158-159.) (2) دائرة المعارف الكتابية4 /10.) (3) التفسير التطبيقي ، نخبة من العلماء اللاهوتيين ، ص (538.) (4) قاموس الكتاب المقدس ، جورج بوست1/464.)

عدد الصفحات ٦٥