هل العهد القديم كلمة الله ؟ مقدسة »(1). وكان الأب جيروم قد سبق إلى التنبيه على أخطاء النساخ وتدخلاتهم في النص حين قال: «ولا يجرحنك أسلوب عامي، فلعل ذلك عائد إلى هفوة مترجم أو أسلوب ناقل، أحب أن يجعلها في متناول عامة الناس، فيفهمَها ولو بشكل متفاوت عالمٌ وجاهل»(2). وكثرة الفوارق بين المخطوطات ليس كل شيء، فهذه المخطوطات في جملتها ضعيفة القيمة من الناحية العلمية ، ويتضح هذا إذا علمنا أن موسى عليه السلام عاش في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ، فيما أقدم المخطوطات التوراتية يعود لما بعد ميلاد المسيح ـ إذا استثنينا مخطوطات قمران المكتشفة حديث ا والتي تحوي على أجزاء متناثرة من معظم أسفار العهد القديم، وتعود للقرن الثاني قبل الميلاد ـ أي أن بين هذه المخطوطات وبين موسى ما يقارب الثلاثة عشر قرن ا فقط، بينما يمتد الفارق بين مخطوطات النص الماسوري العبري المعتمد اليوم وبين موسى عليه السلام لما يربو على ألفي سنة! يقول حبيب سعيد: «إن فترة تربو على الألف عام تفصل بين تاريخ أقدم مخطوطة عبرية وبين تاريخ كتابة آخر سفر من أسفار العهد القديم، وهناك أيض ا فترة أخرى لا تقل عن ألف سنة بين كتابة أول فقرة في أول سفر من أسفار الكتاب المقدس وبين تأليف آخر سفر من أسفار الكتاب، فكأن فترة ألفين من السنين تفصل بين أول (1) انظر : الغفران بين الإسلام والمسيحية ، إب راهيم خليل أحمد ، ص ( 38 – 39) ، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (101 - 102.) (2) رسائل القديس هيرونيمس (جيروم1/96.)
عدد الصفحات ٣٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ كتابة لأسفار الكتاب المقدس وبين أول مخطوطة عبرية »(1). وأما أول المخطوطات التوراتية اليونانية فتعود إلى القرون الأولى بعد ميلاد المسيح، أي يفصلها عن زمن موسى عليه السلام فقط 1700 سنة، ولبيان هذا نذكر أقدم المخطوطات الكتابية ، ونوضح أقدم تاريخ مفترض لكتابتها . * مخطوطات قمران والمكتشفة حديث ا ، وترجع للقرن الثاني والثالث قبل الميلاد . واكتشفت عام 1947م بجوار البحر الميت، وما يزال الغموض يلف حقيقة هذه النصوص. * مخطوطة بردي جون ريلندز ، وفيها ما يساوي الخمس صفحات من سفر التثنية ، وقد كتبت في القرن الثاني قبل الميلاد . * مخطوطة شيستر بيتي التي عثر عليها عام 1929م ، وتتضمن أجزاء من تسعة أسفار من أسفار العهد القديم ، وقد كتبت بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين . * مخطوطات برلين التي يعتقد أنها كتبت في القرن الميلادي الثالث ، وتضم مخطوطة فيها أجزاء من سفر التكوين ، وأخرى حملت إلينا أسفار الأنبياء الاثني عشر، وثالثة تضم بعض المزامير وسفر الأمثال . * المخطوطة الفاتيكانية ( محفوظـة في الفاتيكـان ) ، وتعتبرهـا مقدمـة الرهبانيـة اليسوعية أجلّ المخطوطات اليونانية لأنها تحوي العهد القديم كاملا ، وقد عثر عليهـا عام 1481م ، وتعود إلى القرن الرابع الميلادي . * المخطوطة السينائية ، وتعود للقرن الرابع أو الخامس الميلادي ، وتضم (1) المدخل إلى الكتاب المقدس، حبيب سعيد،ص (44.)
عدد الصفحات ٣٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ أجزاء من سفر التكوين وأسفار ا من أس فار الأنبياء والحكمة ، إضافة إلى أسفار الأبوكريفا . * المخطوطة ال سكندرية، وقد حفظت هذه النسخة في المتحف البريطاني في لندن، وتعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي ، وتحوي أسفار العهد القديم إضافة إلى بعض أسفار الأبوكريفا كمزامير سليمان(1). أمثلة لأخطاءالنساخ وتلاعبهم بالنص وكمثال لما ذكره المحققون والنقاد من إضافات النساخ وأخطائهم نسوق بعض الأمثلة : * ونبدأ بما جاء في سفر صموئيل من إدراج للناسخ وسهو في مكان إدراجه ، حيث يقول السفر متحدث ا عن قصة ذهاب شاول وغلامه إلى النبي صموئيل : « فعاد الغلام وأجاب شاولَ ، وقال : هوذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة ، فأعطيه لرجل الله ، فيخبرنا عن طريقنا ، سابقً ا في إسرائيل هكذا كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل الله : هلم نذهب إلى الرائي ، لأن النبي اليوم كان يدعى سابقً ا : الرائي ، فقال شاول لغلامه : كلامك حسن ، هلم نذهب ، فذهبا إلى المدينة التي فيها رجل الله ، وفيما هما صاعدان في مطلع المدينة صادفا فتيات خارجات لاستقاء الماء ، فقالا لهنّ : أهنا الرائي ؟ فأجبنهما وقلن : نعم ، هوذا هو أمامكما »( 1 صموئيل 9 :8-12 ) . فقوله: « سابقًا في إسرائيل هكذا كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل ا : هلم (1) انظر : المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص (56-58) ، وقاموس الكتاب المقدس ، ص (846-848.)
عدد الصفحات ٣٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ نذهب إلى الرائي ، لأن النبي اليوم كان يدعى سابقًا : الرائي » توضيح من الناسخ لمعنى: «الرائي» ، هذا التوضيح ليس من كاتب السفر «صموئيل» ( كما يقولون ) ، بل هو لناسخ متأخر أدرك الغموض الذي سيواجهه قارئ السفر بعد أن اندثر استخدام كلمة ( الرائي ) منذ زمن بعيد ، فقد ندر استخدام هذه الكلمة بعد صموئيل ، ولم تعد للاستعمال إلا في أيام الملك عزيا (انظر: عاموس 7 :12 )، فأراد بيان معناها لقرائه، ولم يدر في خلده أن الأجيال اللاحقة ستعتبرها من وحي الله!!(1). فكيف أضحت هذه الزيادة من الناسخ جزءا من الوحي وفقرة م ن فقرات من الكتاب المقدس؟ ومن الذي منح القداسة لما كتبه هذا الناسخ؟ ومن المهم أيض ا أن نلاحظ أن هذا المقطع المدرج من الناسخ لم يرد في موضعه الصحيح ، بل ظهر في الفقرة التاسعة بلا مقدمات ولا معنى ، وسببه أن الناسخ قفزت عينه سطرين ، فوضع إضافته قبل مجيء محلها ، فالمفروض أن يكون تفسير كلمة «الرائي» بعد ورودها في الفقرة العاشرة ، فالنص لابد وأن يعاد ترتيب عباراته ، ليستقيم المعنى ، فيكون كالتالي : « فذهبا إلى المدينة التي فيها رجل ا ، وفيما هما صاعدان في مطلع المدينة صادفً ا فتيات خارجات لاستقاء الماء ، فقالا لهنّ : أهنا الرائي ؟ ( سابق ا في إسرائيل هكذا كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل الله : هلم نذهب إلى الرائي، لأن النبي اليوم كان يدعى سابق ا : الرائي ) ، فأجبنهما وقلن : نعم ، هوذا هو أمامكما »، وبهذا فقط يستقيم النص المدرج من الناسخ مع بقية عبارات السفر . * ومن أخطاء النساخ أن فقرة علاج النبي إشعيا للملك حزقيا من قروحه بأقراص التين (إشعياء 38 :21-22) وردت في غير محلها من القصة، إذ السياق (1) انظررسالة في اللاهوت والسياسة، باروخ اسبينوزا، ص (267.)
عدد الصفحات ٣٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ يقتضي أن توضع بعد (إشعيا 38 :7)، وهو خطأ لم يقع به النساخ وهم يروون نفس القصة في سفر (2 ملوك20)، فقد وضعوها في محلها2 ملوك 20 :7-8 .) *وفي ثنايا سفر صموئيل الأول وردت كلمة«الجلجال» مرتين ، فأخطأت عين الناسخ الأ ولى منهما ، فأثبت الثانية فقط ، وسها عن الأولى وما بعدها في السياق ، يقول: « وقام صموئيل ، وصعد من الجلجال إلى جبعة بنيامين »( 1 صموئيل 13 : 15 ) ، وقد تنبه المترج م اليوناني إلى وجود السقط فأثبته ، وهو في نسخة الرهبانية اليسوعية هكذا : « وقام صموئيل ، وصعد من الجلجال ، ليمضي في سبيله ، وصعد بقية الشعب وراء شاول لملاقاة الشعب المحارب ، وذهب من الجلجال إلى جبع بنيامين »، وكتب الآباء اليسوعيون في الهامش «نتبع النص ال يوناني، لأن النص العبري أسقط الكلمات بين «الجلجال» الأول و«الجلجال» الثا»(1). *ومثله سواء بسواء ؛ صنع الناسخ في سفر الملوك ، حين تكررت في السياق كلمة « فأرسل » مرتين ، فأثبت الثانية منهما فقط ، وحذف ما بينها وبين الأولى ، وذلك في قوله : «هرب إلى خيمة ال رب وها هو بجانب المذبح ، فأرسل سليمان بناياهو بن يهوياداع »(1 ملوك 2 :29 ) ، وقد تنبه مترجمو السفر إلى اليونانية للسقط فأكملوه، فنقرأ في نسخة الرهبانية اليسوعية : «هرب إلى خيمة الرب ، وأنه بجانب المذبح ، فأرسل سليمان إلى يوآب قائلاً : ما بالك هربت إلى المذبح ؟ فقال يوآب : لأني خفت من وجهك ، فهربت إلى الرب . فأرسل سليمان الملك بنايا بن يوباداع »، وكتبوا في الهامش: «عن النص اليوناني، فإن النص العبري قد أسقط الجملة من (1) انظر: هامش نسخة الرهبانية اليسوعية، ص544.)
عدد الصفحات ٣٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ «أرسل» الأولى إلى«أرسل» الثانية»(1). ومن أمثلة هذا النوع من الأخطاء النسخية ما صمد أمام كل التنقيحات، فتجدها في كل الطبعات، وكل الترجمات، وكل النسخ!! * ففي الأصحاح 8 من سفر أخبار الأيام اول حديث مسهب عن جبعون ثم نير ونسله (انظر 1 أخبار8 :29-38)، وقد أعاده كاتب السفر بتمامه مع بعض الزيادات البسيطة في الأصحاح 9 (انظر1 أخبار9 :35-44) ، ولا يعقل ولا يفهم افتراض أن المؤلف أعاد ما ذكره قبل صفحتين ، لذلك يعتقد المحققون أنه خطأ ناسخ سببه تكرار عبارة «هؤلاء سكنوا في أورشليم»، فقد التبست عليه ، ولم يتنبه إلى أنها وردت مرتين في (8 :28) و9 :34.) ولم ينتبه النساخ اللاحقون والمترجمون لهذا الخطأ، فأثبتوه في نسخهم وترجماتهم ، لنقف على مقدار نباهتهم ومدى اهتمامهم بما ينسخون!! وإذا قارنا بين النصين نقف على الحرية والدقة التي تمتع بها الناسخون في نقلهم عن النسخة التي بين أيديهم بعد تجاوز بعض الفروقات البسيطة التي مردها تشابه الحروف العبرانية، والتي لم يستطع الناسخ التمييز بينها (רפה رافه، רפיה رفايا) ( זכר زاكر، זכריה زكريا) ( שמאה شماه، שמאם شمام)، فبين الصفحتين اللتين يفترض أن الناسخ ينسخهما من مصدر واحد فروق مهمة، ففي أخبار 8 نسي الناسخ ثلاث كلمات (يعوئيل، نير، مغلوث) استدركها وهو يكتب في الأصحاح 9. وكذلك غي ر الناسخ هجاء بعض الكلمات، ففي حين كتب في الأصحاح 8 (יהועדה يهوعده)، فقد أعاد كتابتها في 9 (יערה يعره)، وبينما كتب في الأصحاح 8 (1) انظر: هامش نسخة الرهبانية اليسوعية، ص632.)
عدد الصفحات ٣٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ (תארע تاريع)، وأعاد كتابتها في 9 (תחרע تحريع). وإذا شئنا تبرئة الناسخ من تهمة الإهمال والتبديل ؛ فإنا – ولا ريب - سنلقي باللائمة على المؤلف الملهَم الذي نسي أنه كتب هذه المعلومات قبل صفحة واحدة، أو على الروح القدس الذي زعموا أن النص ك تب بإشرافه وإلهامه!! * كما يمكننا المقارنة بين سفر المزامير 18 وسفر صموئيل الثا 22، فكلاهما ينقلان – بتطابق كبير- نشيد ا قاله داود يوم نجاته من شاول، من غير أن يكون لهذا التكرار أي داع أو فائدة ، إلا أن يكشف لنا عما تمتع به النساخ في جرأة في تبديل الألفاظ وتغييرها. ولسوف أهمل ذكر التوافقات الكبيرة التي بين السفرين فهي تحصيل حاصل لكتابين ينقلان ترنيمة واحدة، فيفترض أن يتطابقا في نصها تمام ا، وسأكتفي هنا بنقل ثمانية فروق بين النصين المقدسين اللذين يجمعهما كتاب واحد، هو العهد القديم: 1. يقول سفر صموئيل: «أمواج الموت اكتنفتني» (2 صموئيل 22 : 5)،بينما يقول سفر المزامير: «اكتنفتني حبال الموت» (المزمور18 :4). 2 . وحينيقول صموئيل: «أسس السماوات ارتعدت وارتجت» (2 صموئيل 22 : 8)؛ يقول سفر المزامير«أسس الجبال ارتعدت وارتجت» (المزمور18 :7). 3. وحين تحدث سفرصموئيل عن الله ذكر أنه: «رئي على أجنحة الريح» (2 صموئيل 22 : 11)، بينما عدل سفر المزامير عن الرؤية ، وقال«وهف على أجنحة الرياح» (المزمور18: 10). 4. وقالصموئيل: «جعل الظلمة حوله مظلات، مياها حاشكة» (2 صموئيل 22 : 12)، فجعلها كاتب سفر المزامير «جعل الظلمة ستره. حوله مظلته ضباب المياه» (المزمور18 :11).
عدد الصفحات ٤٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ 5. وإذيقول صموئيل: «من الشعاع قدامه اشتعلت جمر نار» (2 صموئيل 22 : 13)، فإن سفر المزامير يقول: «من الشعاع قدامه عبرت سحبه ، برد وجمر نا ر» (المزمور18 :12). 6. وحينيقول سفر صموئيل: «والعلي أعطى صوته» (2 صموئيل 22 : 14)، قال المزمور : «والعلي أعطى صوته، بردًا وجمر نار» (المزمور18 :13). 7. ولما قال سفر صموئيل: «برقًا فأزعجهم» (2 صموئيل 22 : 15)؛ زاد سفر المزامير كلمة (كثيرة)، فقال: «وبروقًا كثيرة فأزعجهم» (المزمور18 :14). 8 .وقال سفر ص موئيل: «وتجعل لي ترس خلاصك، ولطفك يعظمني » (2 صموئيل 22 : 36)، فزاد سفر المزامير عبارة : (ويمينك تعضدني)، ليصبح النص «وتجعل لي ترس خلاصك، ويمينك تعضدني، ولطفك يعظمني» (المزمور18 :35). والمقابلة بين السفرين في هذا النشيد تظهر سطوة النساخ على النص التوراتي وما تعرض له من تحريف وتبديل، أضاع بعض عباراته، أو أضاف إليه ما ليس منه، أو تبدلت بعض كلماته على أيديهم تصحيح ا منهم للمعنى أو بسبب تشابه الكلمات. * وأحيان ا يخطئ الناسخ في قراءة كلمة ، فيتغير معنى النص وسياقه بسبب خطئه، ففي سفر صموئيل يقول : «وكان داود يتوق إلى الخروج إلى أبشالوم ، لأنه تعزّى عن أمنون حيث إنه مات »( 2 صموئيل 13 :39 ) ، وليس في الأصل كلمة «داود דוד»، بل كلمة «روح רוח» ، التي تشبهها في صورة الكتابة العبرية ، وقد نبهت الرهبانية اليسوعية على هذا الخطأ ، وصححته ، وغي رت السياق بموجبه ، فأضحى النص فيها : «وكف روح الملك عن الغضب على أبشالوم ، لأنه تعزى عن موت أمنون». *ومن أخطاء النُّساخ نسبتهم يهوناثان إلى منسى : «كان يهوناثان ابن
عدد الصفحات ٤١هل العهد القديم كلمة الله ؟ جرشوم بن منسّى ه و وبنوه كهنة لسبط الدانيين »( القضاة18 :30 ) ، والصحيح أن يهوناثان حفيد موسى المذكور في ( 1 أخبار 23 :15 ) ، وأن كلمة « מנשה منسى» خطأ ناسخ وقع به لتشابهه في الكتابة العبرية مع اسم « משה موسى» ، وقد تنبه الآباء اليسوعيون لهذا الخطأ ، فأصلحوه في نسختهم الرهبانية اليسوعية ، فقالوا : « وكان يوناثان بن جرشوم بن موسى .. ». * ومن أغلاط النساخ قول كاتب سفر القضاة« كوشان رشعتايم ملك أرام النهرين »( القضاة3 :8 ) ، فالملك كوشان لم يكن ملك ا على أرام النهرين الواقعة في العراق وسوريا ، بل كان ملك ا على مملكة أدوم الواقعة في الأردن جنوب البحر الميت (1). وقد تنبه محققو الرهبانية اليسوعية للخطأ ، فصححوه «كوشان رشعتايم ملك أدوم »، وكتبوا في الحاشية : ( في النص العبري « ملك أرام النهرين » ، والراجح أنه قد وقع التباس بين «أرام» و«أدوم »)(2)، وذلك لتشابههما في الكتا بة العبرية (أدوم אדום)، (أرام ארם). * وهذا اللبس بين «أرام ארם » و«أدوم אדום»تكرر في مواضع أخرى ( انظر : 2 ملوك 3 :26 ، 2 ملوك 16 :6 ، 2 أخبار 20 :2 ) ، وقد تنبه الآباء اليسوعيون في (1) للتفريق بين«أرام» و«أدوم »نرجع لقاموسالكتاب المقدس ، فإقليم «أدوم» يقع حالي ا في الأردن ، لأنه « يمتد مسافة مائة ميل بين البحر الميت وخليج العقبة ، على جانبي غور العربة .. وكانت سالع عاصمة أدوم قديم ا ، ثم تغير اسمها فيما بعد إلى البتراء.. » ، وأما أرض «أرام» فتقع فيما يسمى اليوم سوريا ، وكانت « تمتد من جبال لبنان في الغرب إلى ما وراء الفرات في الشرق ، ومن جبال طوروس في الشمال إلى دمشق وما وراءها في الجنوب » انظر: قاموس الكتاب المقدس ، ص (39،42.) (2) انظر هامش نسخة الرهبانية اليسوعية، ص472.)
عدد الصفحات ٤٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ نسخة الرهبانية اليسوعية إلى الخلل في هذه المواضع ، فأصلحوه ، وكذا صنع محققو الترجمة العربية المشتركة ، بينما بقي المؤمنون باستحالة وجود خطأ في الكتاب يقرؤون نسخ ا أخرى من الكتاب كالفانديك (الأشهر عند المسيحيين العرب، والملك جيمس عند الناطقين بالإنجليزية) من غير أن يلحظوا القراءات الخاطئة التي وقع فيها نساخ مخطوطات الكتاب المقدس ، الذين كثير ا ما أخطؤوا بقراءة بعض الحروف ، لتختلف المعاني ، ويضيع على المؤمنين بها الصحيح . وليس من كبير عجب أن تخلط النسخ الكتابية المختلفة بين «أرام» و«أدوم» ، لكن العجب أن ي قع ذلك في نسخة واحدة ، ففي حديث حديث سفر صموئيل عن حروب داود يقول : « وهذه أيضً ا قدسها الملك داود للرب مع الفضة والذهب ال ذي قدسه من جميع الشعوب الذين أخضعهم من أرام ومن موآب ومن بني عمون » ( 2 صموئيل 8 :11-12 ) ، فتحدث السفر عن خضوع «أرام» ، بينما يقول سفر أخبار الأيام: «وهذه أيضا قدسها الملك داود للرب مع الفضة والذهب الذي أخذه من كل الأمم من أدوم ومن موآب ومن بني عمون » ( 1 أخبار 18 :11 ) ، فذكر خضوع «أدوم» ، فأيهما الصحيح «أرام» أم«أدوم»؟ ومن المسؤول عن هذا الخلط ؟ * ويتحدث المزمور 106 عن بني إسرائيل ، فيصفهم بأنهم : «تمردوا عند البحر، بحر سوف » ( المزمور106 :7 ) ، وهي قراءة خاط ئة صححها الآباء اليسوعيون في نسخة الرهبانية اليسوعية ، فجعلوا النص : «تمردوا على العلي ، عند بحر سوف » ، ونبهوا في الحاشية على أنها في الأصل العبري : «على البحر » ، وأنهم أجروا تغيير ا طفيف ا على الكلمة ليصلوا إلى القراءة الصحيحة(1)، وهي قراءة لا علاقة (1) انظر حاشية الرهبانية اليسوعية، ص1260.)
عدد الصفحات ٤٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ لها من ناحية المعنى بالقراءة السابقة . * وهكذا أوجدت قراءات النساخ الخاطئة أو المصححة للنص المئات من الاختلافات في قراءة النص النصوص التوراتية ، ففي مدح سبط نفتالي تقول نسخة الفانديك التقليدية : «نفتالي أيلة مُسيَّبة ، يعطي أقوالاً حسنة » ، فالجملة الأخيرة يراها محققو الترجمة العربية المشتركة ونسخة الرهبانية اليسوعية غير أكيدة المعنى ، ويستبدلونها وغير هم من النسخ العربية والأجنبية بـ : «تلد شودان ظريفة ». *وكذا اختلفت القراءات وهي تنقل عن داود ما أضمره في نفسه من الشر لنابال ، فقد قال عنه سفر صموئيل: «كافأني شرًا بدل خير ، هكذا يصنع الله لأعداء داود، وهكذا يزيد » (1 صموئيل 25 :21-22 ) ، بينما النص في نسخة الرهبانية اليسوعية : « كافأني شرً ا بدل خير ، كذا يصنع الله بداود ، وكذا يزيد » ، والقراءتان تتخالفان ، فإحداهما تتحدث عن «داود»، والأخرى عن «أعدائه» . *ومثله في قول ناثان لداود عن خطيئته المزعومة مع امرأة أوريا الحثي : « من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الرب يشمتون ، فالابن المولود لك يموت » (2 صموئيل 12 :14 ) ، والنص مختلف في نسخة الرهبانية اليسوعية ، ففيها : « إنك بهذا الأمر أهنت الرب إهانة شديدة ، فالابن الذي يولد لك يموت »، فالقراءة الأولى تتحدث عن سبب عقوبة داود ، وهو شماتة أعداء الرب بخطيئته ، ولا يرِ د لهؤلاء الأعداء ذكر وفق القراءة الثانية التي تتحدث عن إهانة للرب ـ وحاشا لله ـ بسبب هذه الخطيئة. * وأحيان ا يضيف الناسخ ملاحظة ليذكِّر بها نفسه ، فتصبح هذه الملاحظة جزء ا من وحي الله ، كما في قوله : «فمي يحدِّث بعدلِ ك ، اليوم كله بخلاصك ، لأني لا أعرف لها أعدادً ا » ( المزمور71 :15 ) ، فقوله : «لا أعرف له أعدادً ا » من كلام الناسخ ، وترجمته الصحيحة كما نقلت الرهبانية اليسوعية «لم أفهم الأحرف »، وقد
عدد الصفحات ٤٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ حذفته من النص ، وقالت في هامشها : «لاشكأن هذه العبارة تعليق لناسخ لم يفهم الكلمة »(1). ولعل من أهم صور تحريف النساخ وأكثرها غموض ا ما نبه عليه الناقد والفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا ، فالكتابة العبرية القديمة خلت من علامات التشكيل وحروف العلة ، الذي قام به لاحق ا العلماء ال ماسوريون، فوضعوا اعتماد ا على تخمينهم ما رأوه من حركات، يمكن لخطأ بسيط فيها أن يحيل المعنى بعيد ا بعيد ا، وقد كان أساس عملهم «حدساً وتخميناً إلى حد ما، ولا يكاد يوفر نموذج ا أصلي ا موثوق ا لا يقبل الجدل»(2). وفي الربع الأول من القرن السابع عشر الميلادي جدد أستاذ العبرية واللاهوت لويس كابل التأكيد على ما اكتنف عملية النقط والشكل من مشكلات نصية، وتصدى للرد عليه جوهانس بوكستورف ، أعظم علماء عصره، فلم يجد ما يقوله إلا الزعم بأن النقط وعلامات النطق التي وضعها الماسوريون كانت بوحي من عند الله كذلك!!(3). واليوم نجد انعكاس ا لإعادة التشكيل في القراءات المتخالفة لبعض النصوص في الطبعات الجديدة للكتاب المقدس. * ومنه ما جاء في مقدمة سفر نشيد الأنشاد: «أنا سوداء وجميلة ، يا بنات أورشليم كخيام قيدار كشقق سليمان »( نشيد1 :5 ) ، فإيراد كلمة«سليمان» خطأ من الناسخ ، فالكلمة الأصلية كما في نسخة الرهبانية اليسوعية هي: «كخيام قيدار ، كسرادق سلمى ». (1) انظر هامش نسخة الرهبانية اليسوعية، ص1209.) (2) قصةالحضارة، وليام ديورانت (34/113). (3) المصدر السابق (30/231.)
عدد الصفحات ٤٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ وبي ن الآباء اليسوعيون في الهامش سبب هذا التغيير، وأنهم تعمدوه، ولم يسهوا فيه، فقالوا : «في النص العبري: «سليمان »، سلمى وقيدار قبيلتان من البدو العرب، والفارق في قراءة (שַׂלמָה سلمى ) و (שְׁלֹמֹה سليمان ) هو التحريك»(1)، إذ كلاهما يكتب في العبرية القديمة من غير تشكيل هكذا (שלמה)، لقد تنبهوا للخطأ فأصلحوه في نسختهم، فيما بقي الملايين من الناس يقرؤون العبارة خطأ في النسخ الأخرى كنسخة الفانديك العربية والملك جيمس الإنجليزية ، ويظنون أن الله قال : «كشقق سليمان »،بينما كانت الفقرة حديث ا عن قبيلة «سلمى» العربية،وليس عن النبي «سليمان». *ويعرض ا لفيلسوف اليهودي باروخ ا سبينوزا لمثال آخر، اختلف القراء في تشكيل الكلمة، فنتجت قراءتان مختلفتان، فقد كتب سفر التكوين م تحدث ا عن يعقوب: « فسجدإسرائيل على رأس السرير מִטָּה » (التكوين47 : 31)، ولما اقتبس كاتب رسالة العبرانيين في العهد الجديد من هذه الفقرة كتب: « وسجد على ر أس عصاه » (العبرانيون11 :21)، وسبب حيدة مؤلف العبرانيين عن السرير إلى العصا هو تطابق الكلمتين في ال كتابة العبرانية من غير تشكيل، فكلاهما يكتب ( מטה)، والفرق بينهما هو علامات التشكيل (السرير מִטָּה ، العصا מַטֶּה )، فالتبست الكلمة على الكاتب المقدس للعبرانيين فقرأها (العصا מַטֶּה )، بينما مال الماسوريون اليهود في القرن الثامن الميلادي إلى التشكيل الآخر (السرير מִטָּה ). ويتساءل اسبينوزا عن القراءة الصحيحة، وي رجح قراءة رسالة العبرانييين من غير أن يعير كبير اهتمام لما ذهب إليه ال ماسوريون العبرانيون، فالتشكيل وحروف العلة في النص المقدس هي من وضع « علماء لغويين في عصر متأخر، لا تساوي (1) حاشية النص في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص1381.)
عدد الصفحات ٤٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ سلطتهم شيئ ا، أما القدماء فق د كتبوها من غير نقط (أي دون حروف علة ودون حركات) .. فالنقاط التي لدينا الآن، وكذلك الحركات، إنما هي تفسيرات حديثة، لا يحق لنا التصديق بها .. أردت أن أبين ضعف الثقة التي يمكن أن نوليها للنقاط والحركات الحديثة ، فمن يرد تفسير الكتاب دون أحكام مسبقة ؛ عليه إذن أن يشك في النص الذي أكمل على هذا النحو، وأن يعيد فحصه من جديد»(1). وإذا كانت هذه الأخطاء النسخية واقع ا لا مناص من إنكاره أو التعامي عنه ، فإنا نتساءل بإخلاص: متى سيصحح المؤمنون بقدسية الأسفار هذ ه الأخطاء النسخية ومتى سيرفعون تلك الاختلافات والزيادات؟ وإلى أن يتم توحيدها نتساءل : أي هذه القراءات المختلفة يعتبر ـ بحق ـ وحي الله وكلمته ؟! (1) رسالة في اللاهوت والسياسة، باروخ اسبينوزا ، ص245.)
عدد الصفحات ٤٧هل العهد القديم كلمة الله ؟
عدد الصفحات ٤٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ يزعم اليهود والنصارى أن موسى كتبالأسفار الخمسة ، فهي وحي الله إليه ، يقول الدكتور وهيب جورجي كامل كامل أستاذ العهد القديم بالكلية الإكلريكية في القاهرة، وهو يسوق زهاء ستين شاهد ا من الكتاب المقدس: «تؤكد كافة شواهد الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد نسبة هذه الأسفار إلى موسى النبي »(1) ، ونستذكر قول القس سويجارت في مناظرته للعلامة ديدات : « ونحن نعتقد أن موسى كتب ما يسمى بالأسفار الخمسة ، تلك الكتب الخمسة الأولى باستثناء الترانيم القليلة، وسفر التثنية ، وربما يكون قد كتب هذا أيض ا ، لأننا نعلم أن للرب من القدرة ، بحيث يوحي إلى موسى بالضبط الكيفية التي يموت بها ، ويوحي إليه بدقة الهيئة التي تكون عليها جنازته ، وهذا ليس بمعضل على الرب »(2). وليس من دليل يؤيد هذا الزعم سوى ما ذكرته النصوص التوراتية والإنجيلية «الأسفار الخمسة الأولى في العهد القديم .. تسمى أسفار موسى الخمسة .. معأنه لا يوجد في النص مطلق ا ما يشير إلى الكاتب ، ولا إلى تاريخ الكتابة»(3). ولقدتحدثت أسفار العهد القديم عن توراة موسى ، في سفر التثنية « وكتب موسى هذه التوراة ، وسلمها للكهنة بين لاوي حاملي تابوت عهد الرب » ( التثنية31 : 9 - 10 )، ولو كانت هذه الأسفار هي توراة موسى لوجب أن تكون نهاية التوراة هنا، (1) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (41-42.) (2) وانظر المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص37)، وأسئلة في العهد القديم، أوسم وصفي، ص (12). (3) أسئلة في العهد القديم، أوسم وصفي، ص(12.)
عدد الصفحات ٤٩