هل العهد القديم كلمة الله ؟ أجزائها مقدسة وقانونية، لأن تلك الأسفار التي ك تِبَت بإلهامِ الروح القدس، (يو 20 : 31؛2 تيم3 : 16؛2 بط1 : 19 - 21؛3 : 15 - 16)، هو الله أل فَها، وس لِّمَت كما هي عليه إلى الكنيسة نفسها. إن ما إختار الله لصياغةِ هذه الكتب المقد سة أناساً في كمالِ إمكاناتهم وقواهم، وإستخدمهم كيما، بدفعٍ منه فيهم وبواسطتهم، يدوّنوا كمؤلِّفين حقيقيين، كل ما ي ريده وما ي ريده فقط. وحيث يجب أن ي عتَبَرَ مِنَ الروح القدس كلُّ ما يقوله ويؤكِّده المؤلّفون الملهَمون أو ك ت اب الأسفار المقدسة، إ قتضى إذ ذاك الإعتراف بأن الكتبَ المقدسةَ ت علِّم الحقيقة التي أراد الله أن ت درَجَ في تلك الأسفارِ المقدسة لخلاصنا بقوةٍ وأمانةٍ وبدون خطأ»(1). ولفهم طبيعة الوحي الإلهامي نقرأ ما قاله الأب جورج سابا«الهام لا يكبت شخصية الكاتب ، فالكاتب الملهَ م شخص من أهل زمانه له معلوماته الإ نسانية وإحساسه وأسلوبه، ولديه أحيان ا مصادره، ويكتب في فن أدبي خصوصي ، وقد يتاثر بحضارة الشعوب المجاورة وبمن سبقوه»(2). ويقول القس سمعان كلهون «ومعنى الوحي بها من الله هو تحريك روحه القدوس إليها بما يفوق الطبيعة، وعلى هذا يقال: إن الأنبياء الأولين كانوا يتكلمون بوحي إلهي، فالوحي إلى الكاتبين الأطهار يتضمن: أولا : أن الله حرك عزائمهم إلى تلك الكتابة. ثاني ا: أنه قد ساعدهم بإلهام خاص في معرفة ما لم يكونوا يعرفون قبلا . ثالث ا: أنه قد أرشدهم إلى استحضار الألفاظ الموفقة الدالة على مقاصدهم. رابع ا: أنه (1) انظروثيقة (الدستور العقائديّ حول الوحي الإلهيّ «كلمة ا»، في موقع الفاتيكان على الشبكة، والترجمة من موقع «المركز الدائم للتنشئة المسيحية» (2) على عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص(140.)
عدد الصفحات ١٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ قد هداهم في جميع الأمور إلى أن يكتبوا بحسب مشيئته تعالى »(1). وعن أصحاب هذه الأسفار وكتبتها الأصليين تقول كنيسة دميانة : « لقد كتب العهد القديم في فترة 2500 سنة قبل الميلاد بواسطة أربعين كاتبا ، يختلفون في صفاتهم ، فمنهم الفلاسفة مثل موسى النبي ، ومنهم الراعي البسيط جامع الجميز مثل عاموس ، والقائد الحربي يشوع ، وساقي الملك نحميا ، ومنهم إشعيا رجل القصور ، ودانيال رئيس الوزراء ، وسليمان الملك صاحب الحكمة .. كما اختلف الك تاب عن بعضهم في ظروف تسجيل الوحي الإلهي ، فموسى سجل أسفاره في البرية ، وأما إرمياء فسجلها في ظلمة الجب ، وأما داود النبي فكتب مزاميره عند سفوح التلال ، وهو يرعى خرافه .. ورغم هذا نجد أن الكتاب المقدس يمتاز بوحدة ترابطية عجيبة لا تناقض فيها ولا خلل »(2). ويشـــرح محــررو قــاموس الكتــاب المقــدس طبيعــة الــوحي وكيفيــة تســجيله وموثوقيته عند مؤمني أهل الكتـاب : « والكتـاب أصـل الإيمـان المسـيحي ومصـدره ، وهو خال من الأخطاء والزلل ، وفيه كل ما يختص بالإيمان والحياة الروحية .. أوحى الله بكلمتـه إلـى أنبيــاء ورسـل نطقــوا بهـا حســب اصـطلاحات اللغــات البشـرية ، فكــان الكاتب الملهَم أما أن يكتب بنفسه ما يوحى به إلي ه ، وأما أن يمليه على كاتب يكتبـه لـه ، إلا أنه لم يصل إلينـا بعـد شـيء مـن النسـخ الأصـلية التـي كتبهـا هـؤلاء الملهمـون أو ك تّابهم .. »(3). (1) مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، القس سمعان كلهون، ص8.) (2) استحالة تحريف الكتاب المقدس، القمص مرقس عزيز، ص (41-42)، وانظر : قاموس الكتاب المقدس، ص (762)،وعلى عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص (140.) (3) قاموس الكتاب المقدس ، ص763.)
عدد الصفحات ١٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ فمعتقد النصارى في هذه الكتب ـ كما رأيتَ ـ أنها تحمل كلمة الله ، وأنه كتبها أنبياء الله بإلهام من الروح القدس ، وهذه الدعاوى هي ما سنحاول دراسته والتوثق من صحته في هذه الحلقة من سلسلة الهدى والنور .
عدد الصفحات ٢٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ وصل إلى أيدينا اليوم ثلاثة نصوص مختلفة لأ سفار العهد القديم (السبعيني، الماسوري، السامري) ، ولا ن تحدث هنا عن ثلاث ترجمات ، بل نع ني أنه توجد نصوص ثلاثة متوازية يستقل بعضها عن بعض . 1- النص السبعينيالترجمة اليونانية) ، وينسب إلى ثلاثة وسبعين من أحبار اليهود اجتمعوا بأمر من الامبرطور بطليموس في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد لترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية، وهي قصة يصفها ول يام ديورانت بالخرافة، ويسميها غيره «الأسطورة»(1). على كل حال ، فقد وجدقبل الميلاد نص يوناني للتوراة، واكتسب أهمية بالغة له بعد أن ترجمه إلى اللاتينية القديس جيروم في نسخته الشهيرة ( الفولجاتا ) التي ترجمها ـ مع بعض التعديلات من الأصول العبرانية ـ في أواخر القرن الرابع ( 386م ) ، وهي الأكثر انتشار ا في العصور المسيحية . ويستمد النص السبعيني أهميته بسبب تراجمه إلى اللغات المختلفة، وأقدمية مخطوطاته على مخطوطات النص الماسوري، وأنه الكتاب الذي اعتمده الإنجيليون، واستخلصوا منه نبوءاتهم فـ «الرب نفسه وكتبة العهد ا لجديد اقتبسوا مرار ا من الترجمة السبعينية .. وقد اقتبسوها كأقوال موحى بها، واعتبرت كالنص العبري، سواء بسواء»(2). (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت 8/78)، وقد سبق مخطوطة حلب مخطوط ينتمي للقرن التاسع ، وهو مخطوطة القاهرة، لكنه لا يحوي إلا أجزاء قليلة من العهد القديم. (2) مصادر الكتاب المقدس، القس صموئيل مشرقي، ص 68)، وانظر: مخطوطات الكتاب المقدس بلغاته الأصلية، القس إيميل ماهر إسحاق، ص (13.)
عدد الصفحات ٢١هل العهد القديم كلمة الله ؟ وينقل الأب جورج سابا أن هناك من يرى بأن السبعينية ملهمة من الله، وأنه «شهدآباء الكنيسة الأولون أن جميع كنائس المسيح سارت على خطى الرسل متقبلة العهد القديم اليوناني، بل مضوا في القول: أن الروح القدس أراد نقل العهد القديم إلى اليونانية، وقاده خدمة للكنيسة جمعاء»(1). 2- النص الماسوري ، وهو الأصل العبراني الذي أصدره العلماء الماسوريون في فلسطين، وبخاصة عائلتا ابن أشير وابن نفتالي في فلسطين في القر نين الميلاديين التاسع والعاشر، وأقدم مخطوطاته الموجودة اليوم مخطوطة «المتحف البريطا » التي يعتقد أن كاتبها هو ابن أشير في النصف الأول من القرن الميلادي التاسع، ثم مخطوطتي القاهرة وبكرسبرج، ويحويان فقط أسفار الأنبياء، وكتبا في مطلع القرن العاشر الميلادي، ث م «مخطوطة حلب » التي يعتقد أنها أيض ا نسخت في القرن الميلادي العاشر، و «مخطوطة إيرفورد 3 »، وترجع إلى القرن الميلادي الحادي عشر(2)، ثم توالت مخطوطاته فيما بعد حتى وصلت إلى ما يربو على 2000 مخطوط. وهكذا فيعاني النص الماسوري من تأخر مخطوطاته إلى قرون بعيدة جد ا عن المؤلفين الأصليين ، والسبب في ذلك «أن اليهود دمروا كل النسخ التي تختلف عن (1) على عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص177.) (2) انظرقاموس الكتاب المقدس ، نخبة من اللاهوتيين، ص ( 846)، ومقدمة نسخة «الرهبانية اليسوعية » للعهد القديم، ص 52)، وقاموس الكتاب المقدس، جورج بوست (2/243)، ومخطوطات الكتاب المقدس بلغاته الأصلية، القس إيميل ماهر إسحاق، ص (30-31.)
عدد الصفحات ٢٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ النصوص الماسوراتية الأساسية، وحذوا في هذا حذو الخليفة عثمان»(1)، ولن نناقش هنا ما صنعه عثمان رضي الله عنه، فهذا خارج عن بحثنا، وإنما نشير إلى حقيقة مهمة، وهي اختفاء النصوص العبرية التي تعود إلى ما قبل القرن الميلادي التاسع. 3- النص ال سامري الذي حملته التوراة المعتبرة عند طائفة السامريين من اليهود . وهذه النصوص الثلاثة متشابهة في عمودها الفقري ، لكنها مختلفة ومتناقضة في بعض التفاصيل الدقيقة. كما يجدر أن ننبه إلى أمرين مهمين: أولهما : أن النص السبعيني اليوناني يزيد أسفار الأبوكريفا السبعة عن النص الماسوري العبري ، وثانيهما: أنهما يزيدان مع ا عن النص السامري الذي لا يعترف إلا بالأسفار الخمسة . تحدث النقاد عن صور الاختلاف بين هذه النصوص ، وطبق ا للحبر اليهودي كاهل فإن النص السامري يختلف عن النص اليوناني ( في الأسفار الخمسة ) بما يزيد على أربعة آلاف اختلاف ، ويختلف عن النص العبري القياسي (الماسوري) بما يربو على ستة آلاف اختلاف(2) . وينتهي سفرأستير في توراة اليهود والبروتستانت العبرانية في الأصحاح (10 :3)، لكنه يستمر تسع صفحات في التوراة السبعينية ( الكاثوليكية) ، وينتهي في الأصحاح (1) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (33). (2) انظر برهان جديد يتطلب قرار ا، جوش ماكدويل، ص ( 126)، والمدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص (52) ، وقاموس الكتاب المقدس ، ص451).
عدد الصفحات ٢٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ (16 :24)، وأما نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية فقد اكتفت بإضافة صفحتين : أولاهما : أضاف تها على الأصحاح العاشر، والثانية : أضاف تها في الفقرة الأولى من الأصحاح الخامس(1) . وينتهي سفر دانيال في التوراة العبرانية عند نهاية الأصحاح الثاني عشر ، فيما يمتد السفر في التوراة السبعينية (الكاثوليكية) ليشمل أصحاحين آخرين لم يسجلهما النص العبري ، الذي أهمل أيض ا صلاة عزريا ، والتي تربو على ثلاث صفحات ، ومحلها الأصحاح الثالث من السفر ، فيما بين الفقرتين 23 و24 من الأصحاح العبراني . ونذكر بعض هذه الاختلافات للتمثيل ، لا الحصر : * ونبدأ ب الزيادة في قول إبراهيم في النص اليوناني الذي أثبتته نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية: « الرب إله السماء وإله الأرض الذي أخذني من بيت أبي » (التكوين24 :7 )، فقوله: «وإله الأرض »لم يرد النص العبري القياسي «الماسوري»، لذا حذفتهنسخة الفانديك وغيرها من النسخ العالمية. * وكذلك نقرأ في النص الماسوري العبري: «باركني أنا أيضًا يا أبي ، ورفع عيسو صوته » ( التكوين27 :38 )، لكن النص ال سبعيني ال يوناني يضيف عبارة لا نجدها في العبري «فاضطرب إسحاق »، وهي عبارة أظهرتها نسخ حديثة بترجمة مغايرة « وبقي إسحاق صامتًا » ، ليصبح النص فيها: « باركني أنا أيضًا يا أبي ، وبقي إسحاق صامتًا ، ورفع عيسو صوته » ، وهكذا انقسمت النسخ العربية والأجنبية ، إلى حاذف ومثبت، تبع ا للنص العبري أو النص اليوناني . (1) انظر الرهبانية اليسوعية، ص937،945.)
عدد الصفحات ٢٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ * وأيض ا لما تحدثت الأسفار التوراتية عن اغتصاب أمنون لأخته ثامار حسب مشورة من تسميه التوراة الحكيم جد ا يوناداب، وبلغ الخبر داود ، تقول التوراة العبرانية الماسورية ، وهي تصف شعوره : « لما سمع الملك داود بجميع هذه الأمور اغتاظ جدً ا »(2 صموئيل 13 :21 .) أما التوراة السبعينية ، فتقول : «فاغتاظ جدًا ، ولكنه لم يُحزن نفس أمنون ابنه ، لأنه كان يحبه ، إذ كان بكره »، وهذه العبارة أسقطتها النسخ ال ماسورية ال عبرانية ، ولعل العلماء ا لماسوريين رأوا أن من غير المناسب أن يقابل أب خبر اغتصاب اب نه لأخته بهذه اللامبالاة ، وبمثل هذا التعليل البارد . * وتدخل مترجمو النص ال سبعيني ال يوناني في أحيان كثيرة بغرض إصلاح النص وتصحيح أخطائه، ومنه صنيعهم في قصة خيانة أبشالوم لأبيه داود ، فقد كتب العبرانيون: «وفي نهاية أربعين سنة [ أي من عودته من جشور ]قال أب شالوم للملك : دعني ف أذهب و أوفي نذري الذي نذرته للرب »( 2 صموئيل 15 :7) ، ولأن قوله : «أربعين سنة »عبارة غير صحيحة ، فإن بعض الدارسين - كما تنقل دائرة المعارف الكتابية - يرى أن الأصح أن نقرأ ( 2 صموئيل 15 :7) على أنها أربع سنوات كما جاءت في النسخ السريانية والسبعينية ، وليست «أربعين سنة »(1)، وهكذا نقرأ في النسخ التي تبعت في هذه الفقرة النص السبعيني اليوناني ـ كالرهبانية اليسوعية ـ : «وبعد انقضاء أربع سنوات قال أبشالوم للملك : دعني أنطلق إلى حبرون لأوفي نذري الذي نذرته للرب »، وهكذا يطرح السؤال نفسه : من الذي أعطى مترجمي التوراة السبعينية وغيرهم الحق في تصحيح أخطاء كلمة الله ؟ ولماذا لم يعصم الروح القدس مؤلفي (1) انظردائرة المعارف الكتابية (1/27.)
عدد الصفحات ٢٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ التوراة العبرانية من هذا الخطأ التاريخي؟ * وينقل النص السبعيني أن يونس عليه السلام أنذر أهل نينوى بعذاب يأتيهم خلال ثلاثة أيام (انظر: يونان 3 :4)، مخالف ا النص الماسوري العبري الذي يزيد تلك الأيام إلى أربعين يوماً(1). ويتحدث سفرأخبار الأيام عن «أشحور» ، فيذكر النص الماسوري العبري أنه ولِد بعد وفاة أبيه حصرون في مدينة «كالب أفراته »، وأن أمه هي «أبياه»، فيقول: «وبعد وفاة حصرون في كالب أفراتة ولدت له أبيّ اه امرأة حصرون أشحور »(1 أخبار 2 :24). لكن النص السبعيني يختلف تمام ا في قراءته ، فقد جعل اسم أم أشحور «أفراته»، وليس «أبياه» ، وعليه لم يعد ( أفراته ) اسم ا لمكان ، كما جعل «أشحور» ابنا لكالب بن حصرون ، فتحول اسم ( كالب ) إلى اسم رجل بعد أن كان اسم ا لمكان ، تقول دائرة المعارف الكتابية : « وترد هذه الفقرة في الترجمة السبعينية على النحو التالي : ( وبعد موت حصرون ذهب كالب إلى أفراتة امرأة حصرون أبيه ، فولدت له أشحور ) »(2)، وهو كذلك في نسخة الرهبانية اليسوعية وأما الترجمة العربية المشتركة ، وهي نسخة تتبع النص النقدي فلمحرريها رأي آخر ، وهو أن كالب تزوج ابنة أفراته ، وليس أفراته زوجة أبيه : «وبعد وفاة حصرون تزوج كالب ابنة أفراتة امرأة أبيه ، فولدت له أشحور »، فأي هذه القراءات المتنافرة هو القراءة الصحيحة لما كتبه كاتب سفر أخبار الأيام المجهول! (1) حوار مع تريفون، للقديس يوستينوس. النصوص المسيحية في العصور الأولى، ص276). (2) دائرة المعارف الكتابية(1 /305) و6/292-293).
عدد الصفحات ٢٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ * وأيض ا تحد ث الماسوريون عن موقف المصريين من رسالة موسى لما رأوا معجزاته ، فقد «أرسل ظلمة ، فأظلمت ، ولم يعصوا كلامه» (المزمور 105: 28)، وادعاء طاعة المصريين لموسى وإيمانهم به خطأ ولا ريب، وقد تنبه له مترجمو السبعينية، فأصلحوه ، أو بالأحرى لم يقعوا به، وكتبوا: «وعصوا كلامه»، وهو ما جهل القس وهيب جورجي يعترف بـ «ما بين النصين من تناقض .. لهذا يرجح البعض أن نفي العصيان في النص العبري ينسب إلى جامع السفر، أو ناتج عن تداول نقله من نسخة إلى أخرى »(1)، ولم تختف الحيرة بين النصين من التراجم العالمية ومنها العربية التي انقسمت بين مثبت لما جاء في السبعينية «عصوا كلامه » كالكتاب الشريف وكتاب الحياة والنسخة القياسية المراجعة الإنجليزية (R S V)، وبين موافق للنص الماسوري العبري «ولم يعصوا كلامه» كالفانديك والرهبانية اليسوعية والملك جيمس الإنجليزية. * وأيض ا جاء في ال توراة ال ماسورية ا لعبرانية « وقال قابيل لهابيل أخيه ، ولما صارا في الحقل قام قابيل » ( التكوين4 :8 )،ولم يذكر فيه مقال قابيل ، بينما جاء النص تام ا في التوراة السامرية والسبعينية ، وفيه «قال : نخرج إلى الحقل »، وتسللت هذه الزيادة إلى نسخ عربية كالترجمة العربية المشتركة والأخبار السارة، وكذلك إلى نظيراتهما من النسخ الأجنبية . * ومما زاد به النص الماسوري والسبعيني عن النص السامري الآيات العشر الأ وَ ل في الأصحاح الثلاثين من سفر الخروج ، وقد بدأ الأ صحاح الثلاثون في ال توراة السامرية بالفقرة 11 . (1) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص(231).
عدد الصفحات ٢٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ * ومما زادت به التوراة السامرية ، وهو غير موجود في النصـين الماسـوري العـبري والسبعيني اليوناني: « كانت كل أيام سام ستمائة سنة ومات » ( التكوين11 :11 ) . *ومـــن زيـــادات التـــوراة الســـامرية عـــ ن العبرانيـــة الماســـوري ة التـــي يعتمـــدها البرتســتانت والســبعينية التــي يعتمــدها الكاثوليــك مــا وقــع بــين الفقــرتين 10-11 مــن (العدد 10) ، وفيه : «قال الرب مخاطبًا موسى : إنكـم جلسـتم في هـذا الجبـل كثيـرً ا ، فارجعوا ، وهلمـوا إلـى جبـل الأمـورانيين ومـا يليـه إلـى العربـاء ، وإلـى أمـاكن الطـور والأسفل قبالة التيمن ، وإلى شط البحر أرض الكنعانيين ولبنان ، وإلى النهر الأكبر نهر الفرات ، هُ وذا أعطيتكم فـادخلوا ، ورِ ثـوا الأرض التـي حلـف الـرب لْبـائكم إبـراهيم وإسحاق ويعقوب أنه سيعطيكم إياهـا ، ولخلفكـم مـن بعـدكم » ( العـدد10 :10 ) ، فهذا النص لا أثر له في التوراتين: الماسورية العبرانية، والسبعينية اليونانية . * ومثله ما وقع في النص السامري في ( الخروج 11 ) بين الفقرتين3-4 ، وهو محذوف من هذا الموضع في النص الماسوري العبري والنص السبعيني اليوناني ، وفيه : «وقال موسى لفرعون : الرب يقول : إسرائيل ابني ، بل بكري ، فقلت لك : أطلق ابني ليعبدني ، وأنت أبيت أن تطلقه ، ها أنا سأقتل ابنك بكرك » ( الخروج 11 : 7 ) ، ومثله في ( الخروج 9 :1-3 ) . *ومن صور الاختلاف بين نسخ التوراة الخلاف المشهور بين السامريين والعبرانيين في الجبل المقدس الذي أمر الله ببناء الهيكل فيه ، فالعبرانيون يقولون : جبل «عيبال»، لقوله : «تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم بها اليوم في جبل عيبال » ( التثنية 27 :4)، وفي التوراة السامرية والترجمة اللاتينية أن الجبل المقدس هو «جرزيم» : « تقيمون الحجارة هذه التي أنا موصيكم اليوم في جبل جرزيم »، وهو ما اختاره الآباء اليسوعيون في نسختهم الرهبانية اليسوعية، ونبهوا في الحاشية أنهم يتبعون النص السامري
عدد الصفحات ٢٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ «لعل النص السامري هو النص القديم الذي ب دِّل بسبب الجدال الذي قام للرد على السامريين الذين كان مكان عبادتهم على جبل جرزيم ، وهو التقليد القديم»(1). *وعند دراسة أعمار الآباء في ا صحاح الخامس من سفر التكوين حسب التوراة الماسورية العبرانية يفهم منه أن طوفان نوح حصل بعد 1656 سنة من خلق آدم، فيما تجعله التوراة السبعينية اليونانية سنة 2262 ، والسامرية 1207(2)، فكيف يجمع بين النصوص الثلاثة؟ وأيها يحمل كلمة الله الحقة؟ * ومثله الخلاف في مقدار الزمن بين الطوفان وولادة إبراهيم ، فإنه في ال توراة الماسورية العبرانية 292 سنة ، وهو في السبعينية 1072 سنة ، وفي السامرية932 سنة. * ثم حسب النص العبراني فإن ميلاد المسيح كان سنة 4004 من خلق آدم ، وهو في ال سبعيني سنة 5872 ، وفي ال نص ال سامري 4700، وقد جرى في هذه المواضع المتعلقة بأعمار الآباء الأوائل التوفيق بين النص اليوناني والعبراني ، باعتماد النص الذي ترجمه جيروم ( الفولجاتا ) في الطبعات الحديثة من التوراة التي يعتمدها الأرثوذكس والكاثوليك . * ومثله ما جاء في المزامير بحسب النص الماسوري العبري : «قدموا للرب مجدً ا وعزً ا »( المزمور29 :1 ) ، والنص كما نقلت الرهبانية اليسوعية في هامشها أنه في الترجمتين اليونانية واللاتينية : «قدموا للرب صغار الكباش »(3)، فأي تناسب بين (1) انظرحاشية نسخة الرهبانية اليسوعية، ص (398.) (2) انظرمرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، سمعان كلهون ونخبة من اللاهوتيين، ص (569-576.) (3) انظر : حاشية الرهبانية اليسوعية، ص1152.)
عدد الصفحات ٢٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ المجد والعز وبين صغار الكباش أو حتى كبارها ! * وفي المزمور ( 118) يقول المترنم عن أعدائه : «أحاطوا بي مثل النحل ، انطفأوا كنار الشوك »( المزمور118 :12 ) ، وهو في النسخة ال سبعينية ال يونانية : «اشتعلوا »، كما بينت الرهبانية اليسوعية في حاشيتها(1)، وشتان شتان بين الاشتعال والانطفاء ، فما رأي المؤمنين بهذه النصوص؟ * ويخلط المترجمون أحيان ا بين (الله) وملائكته وشعبه، ففي النص الماسوري العبري: «فرق بني آدم نصب تخومً ا لشعوب حسب عدد بني إسرائيل» (التثنية32 : 8)، وترجمها السبعينيون «بحسب عدد ملائكة ا » كما نقل ذلك القديس يوستينوس (ت 165مفي «حوار مع تريفون »(2)، ثم اختلفت من بعدهم النسخ الكتابية الحديثة بين قائل: «بني إسرائيل » كنسخة الفانديك والعربية المشتركة والأخبار السارة، وبين قائل: «ملائكة ا »، كنسخة الإنجيل الشريف، وقائل «بني الله» كالرهبانية اليسوعية وغيرها(3). وبعد هذا نقرأ - وفي كل النسخ - في آخر صفحة من صفحاتها وعيد ا شديد ا (1) انظر المصدر السابق، ص (1276.) (2) انظر: النصوص المسيحية في العصور الأولى، ص (307.) (3) ولرؤية المزيد من الصور والاختلافات بين النص السبعيني اليوناني والنص الماسوري العبري ندعو القارئ للمقارنة بين نسخة الشرق الأوسط (البروتستانتية) ونسخة الرهبانية اليسوعية (الكاثوليكية) التي تميل في عشرات المواضع إلى تصحيح النص العبراني من النص السبعيني ، ومنها (التثنية 32 :14 ،43 ، يشوع15 :59 ،1 صموئيل1 :24 ،14 : 41 ، المزمور80 :15 ،105 :28 ،141 :7 ، راعوث1 :14.)
عدد الصفحات ٣٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ لأولئك الذين يزيدون وينقصون في كلمة الله «لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب ، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب ، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة »( الرؤيا22 :18-19)، فهل سيزيد الله الضربات المكتوبة على الكاثوليك والأرثوذكس الذين زادوا في كتابهم أسفار الأبوكريفا السبعة وغيرها مما زادوه في الكتاب ، أم أن الله سيحذف أسماء البروتستانت من سفر الحياة لما حذفوه من كلمة الله التي يصر المؤمنون بها من الفريقين على أنها لا تزول ولا تتبدل « وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد »(إشعيا40 :8)! ولنا أن نقول : أي هذه النصوص المختلفة كلمة الله ؟ وما الدليل الذي يقدم توراة العبرانيين الماسورية (البروتستانت واليهود) على توراة السامريين أو على التوراة اليونانية السبعينية أو اللاتينية المترجمة عنها (الكاثوليك) ، فيجعل هذه مقدسة وتلك محرفة ؟ ﴿ قُلْ هَا تُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة :111 ] . ونتساءل : هل يمكن أن نستعيد النص الأصلي للتوراة من خلال الجمع بين هذه النصوص المختلفة ، والتساؤل نفسه تطرحه مقدمة الرهبانية اليسوعية في مقدمتها للكتاب المقدس: « أي صيغة من النص تختار؟ أو بعبارة أخرى: كيف الوصول إلى نص عبري يكون أقرب نص ممكن إلى الأصل؟» . وتجيب المقدمة بالقول «الحل العلمي الحقيقي يفرض علينا أن نعامل الكتاب المقدس كما نعامل جميع مؤلفات الحضارة القديمة ، أي أن نضع شجرة النسب لكل ما نملكه من الشهود ، بعد أن نكون قد درسنا بدقة فائقة مجمل القراءات المختلفة : النص الماسوري ، ومختلف نصوص قمران ، والتوراة السامرية ، والترجمات اليونانية السبعينية ، وغير السبعينية ، وترجمات الترجوم الآرامية ،
عدد الصفحات ٣١هل العهد القديم كلمة الله ؟ والترجمات السريانية ، والترجمات اللاتينية القديمة .. الخ ، وبهذه المقارنات كلها نستطيع أن نستعيد النموذج الأصلي الكامن في أساس جميع الشهود ، والذي يرقى عادة إلى حوالي القرن الرابع قبل المسيح »(1). إن غاية ما يمكن أن نصل إليه فيما لو جمعنا كل هذه النصوص ، أن نوفق في الوصول إلى نص يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد ، أي إلى نص كتب بعد موسى بألف سنة ، أما استعادة النص الذي كتبه موسى فهذا ما لا يدور في خلد أحد الحديث عنه، فدونه خرط القتاد . (1) مقدمة العهد القديم في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص53.)
عدد الصفحات ٣٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ يفخر النصارى اليوم بوجود الآلاف من المخطوطات للكتاب المقدس تملأ جنبات المكتبات العالمية وتزين خزائنها، وهو أمر صحيح لا مراء فيه ولا ريبة ، مع ضرورة تنبيه القارئ إلى أن الكثير من هذه المخطوطات لا يعدو أن يكون بضع صفحات فقط. لكن الأهم هو أن هذه الآلاف من المخطوطات لا يعرف كاتبها ، ولا يدرى عن مدى موثوقيته وأمانته وتمكنه من عمله ، وسيفجأنا أن نعلم أن هذه المخطوطات لا يوجد فيها مخطوطان متطابقان ، ونكتفي هنا بنقل شهادة دائرة المعارف الأمريكية، إذ تقول : «لم يصلنا أي نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم ، أما النصوص التي بين أيدينا ، فقد نقلتها إلينا أجيال عديدة من الكتبة والنساخ ، ولدينا شواهد وفيرة تبين أن الكتبة قد غيروا ـ بقصد أو دون قصد منهم ـ في الوثائق والأسفار، التي كان عملهم الرئيسي هو كتابتها ونقلها . وقد حدث التغيير دون قصد حين أخطؤوا في قراءة بعض الكلمات .. كذلك حين كانوا ينسخون الكلمة أو السطر مرتين ، وأحيان ا ينسون كتابة كلمات بل فقرات بأكملها . وأما تغييرهم في النص الأصلي عن قصد فقد مارسوه في تحوير فقرات كاملة ، حين كانوا يتصورون أنها كتبت خطأ في الصورة التي بين أيديهم ، كما كانوا يحذفون بعض الكلمات أو الفقرات ، أو يضيفون على النص الأصلي فقرات توضيحية .. ولا يوجد سبب يدعو للافتراض بأن أسفار العهد القديم لم تتعرض للأنواع العادية من الفساد في عملية النسخ ، على الأقل في الفترة التي سبقت اعتبارها أسفار ا
عدد الصفحات ٣٣