المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١٩ من ٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ثم تذكر التوراة أنهم « أثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرً ا جدً ا ، وامتلأت الأرض منهم » ( الخروج1 :7 ) . وبعدمائتي سنة على دخولهم مصر ؛ خرجوا منها ، بعد سنين طويلة وقاسية ؛ عانوا فيها صنوف ا من الاضطهاد واستباحة النساء وقتل الذكور ، ولدى نزولهم في سيناء تذكر التوراة أن موسى أمر بتعداد بني إسرائيل « فكان جميع المعدودين من بني إسرائيل حسب بيوت آبائهم من ابن عشرين سنة فصاعدً ا ، كل خارج للحرب في إسرائيل ، كان جميع المعدودين ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمس مائة وخمسين ( 603.550 ) . وأما اللاويين حسب سبط آبائهم فلم يعدوا بينهم » (العدد1 :45- 47 ) ، وإذا كان الرجال القادرون على الحرب في أحد عشر سبط ا قد بلغوا الستمائة ألف ، فيفهم من هذا أن بني إسرائيل قد جاوزوا المليون . ومما يشكك في الرقم التوراتي الكبير أن موسى ، وهو أحد الخارجين من مصر يعتبر الجيل الثاني للداخلين إلى مصر ، فهو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي. ( انظر الخروج 6 :16-20 ) ، وجده قاهث من الداخلين إلى مصر كما ذكرت التوراة . ( انظر التكوين 46 :11 ) . ويستحيل تنامي العدد بهذه الزيادة خلال جيلين أو ثلاثة ، فمثلا لم يكن الجيل الأول من أبناء لاوي سوى ثلاثة أشخاص عندما دخلوا مصر ، فكيف أضحوا بعد ثلاثة أجيال فقط اثنين وعشرين ألف ذكر . ( انظر العدد 3 :39 ) . هذه الزيادة لا يمكنللعقل أن يستوعبها بحال ، فلو ولد لكل من أبناء لاوي الثلاثة عشرة ذكور ، وولد لكل منهم عشرة ذكور ، ثم ولد لكل من هؤلاء عشرة ذكور ، وما مات من هؤلاء جميع ا أحد ، لأضحى عدد سبط لاوي الذكور في الجيل الثالث أقل من الألف وخمسمائة ، وهو رقم لا يتناسب بحال مع الرقم التوراتي (22.000).

عدد الصفحات ٢٩٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ثم إن كان السبعون شخص ا قد فاقوا ـ خلال قرنين فقط ـ المليون ، فإنه وبعد ثلاثة آلاف سنة ينبغي أن يكون عددهم آلاف ا من الملايين تنوء الأرض بحملهم ، بل يزيد هذا العدد المفترض على تعداد سكان الأرض حالي ا مرات كثيرة . لكن الأمر على خلاف ذلك ، إذ لا يتجاوز اليهود الستة عشر مليون ا في الأرض كلها ، علاوة على أن كثيرين منهم ليسوا من ذراري بني إسرائيل . ومما يدل على أن هذه الأعداد غير صحيحة أن بني إسرائيل كان يتولى توليد نسائهم قابلتان فقط هما : شفرة وفوعة . ( انظر الخروج 1 :15 ) . ومثل هذه ارقام المهولة لا يقوم بها قابلتان فقط . * ثم إن التوراة تذكر تعداد ا آخر ، وهو التعداد الذي جرى في أرض مؤاب بعد ثمان وثلاثين سنة من تعداد موسى الأول ، ولم تطرأ فيه أي زيادة عن التعداد الأول ، بل نقص عددهم ألفي شخص ، فقد كان عددهم في هذا التعداد (601.730) . (انظر العدد26 : 51)، ولو كان بنو إسرائيل يزدادون بهذه النسبة الرهيبة ، لكان ينبغي أن يتضاعف عددهم في هذا التعداد عشرات المرات . ويعترف بهذه المعضلة الرقمية حبيب سعيد، فيقول: «يؤخذ من هذا الرقم أن جملة عدد السكان بلغ حوالي مليونين، وقد قيل: إن هذه الأرقام خيالية، وفيها كثير من الاصطناع، والحق أنها تشكل معضلة للباحثين، فمثلا لا يمكن التوفيق بين هذا العدد الضخم وبين عدد اللاويين الذين لم يزد عددهم عن 22.000 (العدد3 :21- 39) ، وعدد ا بكار الذين لم يزد عددهم عن 22.273 (العدد3 :43)، وأغلب الظن أن هذا الرقم ن قل من سجلات قديمة، ولم يقصد كاتب السفر اختراع ا أو

عدد الصفحات ٢٩١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ اصطناع ا »(1). وإذا تساءلنا عن الرقم الحقيقي للخارجين من مصر ، فإن دائرة المعارف البريطانية تجزم بأن عددهم لم يتجاوز الخمسة عشر ألف ا . وصدق الله إذ يقول عنهم : ﴿إِنَّ هَؤُلاَء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ [الشعراء : 54 ] . *ولا يفوتنا التنبيه على خطأ توراتي آخر يختص بمدة إقامة بني إسرائيل مصر، حيث تذكر التوراة أن الله قال لإبراهيم : « اعلم يقينًا أن نسلك سيكون غريبً ا في أرض ليست لهم ، ويستعبدون لهم ، فيذلونهم أربع مائة سنة » ( التكوين15 :13 ) ، وهو صريح أن مدة ذلتهم في أرض مصر أربع مائة سنة ، وهذا الرقم يؤكده سفر الخروج بقوله : « وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة » ( الخروج12 :40 ) . وهذا الذي ذكرته الأسفار التوراتي خطأ ولاريب ، إذ لم يمكثوا في مصر إلا مائتين وخمس عشر ة سنة أو مائتين وسبع عشرة سنة بحسب رأي المؤرخ ابن البطريق، وقد أقر علماء النصرانية ومحققوها بذلك(2)، واجتهدوا في تصحيح الخطأ ، فزعم القس منيس عبد النور والقس منسى يوحنا والدكتور وهيب جورجي أن المدة (1) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (87.) (2) انظر: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، ابن البطريق1/30)، وانظركتاب مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين ، سمعان كهلون ، ص (346)، حيث ذكر أن دخول يعقوب وبنيه إلى مصر كان في سنة 1706 ق.م، وأن عبورهم بحر الق لز م وغرق فرعون كان في سنة 1491 ق.م وأما الدكتور وهيب جورجي فيجعل المدة 275 سنة، تبدأ سنة 1766 ق.م وتنتهي 1491ق.م. مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (76.)

عدد الصفحات ٢٩٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ المذكورة في التوراة تبدأ من ابتداء دعوة إبراهيم في العراق ، و قد سبقهم إليه آدم كلارك في تفسيره، وكذا جامعو تفسير هنري واسكات(1). وما ذهبوا إليههو تصحيح للنص في ضوء المعطيات التاريخية ، لكنه على أي حال تلاعب بالنص الذي يصرح بأن الأربعمائة سنة هي مقدار إقامتهم وذِلتهم واستِعبادهم في مصر ، كما هو بيّن في قوله : « فيذلونهم أربع مائة سنة » ، وقوله : « وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة » ( الخروج 12 :40 ) ، فليس في النصين أي تضمين لفترة ما قبل دخولهم إلى مصر . * إن العجب ليس فيما سبق من الأغلاط ، بل في تلك الأخطاء التي لا يقع فيها كاتب مهما ضعفت مؤهلاته على الكتابة ، ومنها أن سفر يشوع شرع يعدد المدن الفلسطينية التي سيأخذها كل سبط من أسباط بني إسرائيل ، فيقول عن نصيب سبط يهوذا : « وكانت المدن القصوى التي لسبط بني يهوذا إلى تخم أدوم جنوبًا : قبصئيل وعيدر وياجور ، وقينة وديمونة وعدعدة ، وقادش وحاصور ويثنان ، وزيف وطالم وبعلوت ، وحاصور وحدتّة وقريوت ، وحصرون هي حاصور ، وأمام وشماع ومولادة، وحصر جدة وحشمون وبيت فالط ، وحصر شوعال وبئر سبع وبزيوتية ، وبعلة وعيّيم وعاصم ، وألتولد وكسيل وحرمة ، وصقلغ ومدمنة وسنسنة ، ولباوت وشلحيم وعين ، ورمّ ون .كل المدن تسع وعشرون مع ضياعها » ( يشوع15 :21-32 ) ، فقد ذكر سبع ا وثلاثين مدينة ، وزعم أن عددها تسع وعشرون ، فالفرق ثمان مدن . (1) تفسير آدم كلارك (التكوين - التثنية/479 )، وانظر: شبهات وهمية حول الكتاب المقدس ، القس منيس عبد النور، ص (65)، وحل مشاكل الكتاب المقدس، القس منسى يوحنا، ص (33-34)، ومقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص76.)

عدد الصفحات ٢٩٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وقد حاولت نسخة الرهبانية اليسوعية تقليص الفارق ، فدمجت بعض الأسماء ( حاصور ويثنان = حاصور بتنان ) ، و ( حاصور وحدتة = حاصور حدتة ) ، و( قريوت وحصرون = قريوت حصرون ) ، و ( عين ورمّون = عين رمون ) ، وحذفت واحد ا ( بزيتوتية ) ، ووضعت بدلا منه « وتوابعها » ، واعتذر محققوها عن تلاعبهم بالنص وما أحدثوه فيه فقالوا : « لم ي حفظ النص حفظ ا جيد ا ، فكثير من أسماء المدن تصو ب بالرجوع إ لى النص اليوناني أو إلى نصوص كتابية أخرى »(1). لكن رغم هذاالتنقيح فلدينا ثلاثة أسماء زائدة ، سها عن عدِّها كاتب السفر ! * وفي الفقرة التي تليها من سفر يشوع ذكر الكاتب أسماء خمس عشرة مدينة ، ثم أخطأ ، فقال : « أربع عشرة مدينة مع ضياعها » ( يشوع15 :36 ) ، وقد اقترح الشراح ـ كما نقل محققو الرهبانية اليسوعية ـ حذف الاسم الأخير ، ليقرأ النص : « والجديرة وتوابعها » بد من قوله : « والجديرة وجديروتايم » ( يشوع15 :36 )(2) . *ومثله يقال عن الخطأ الذي وقع في سفر (أخبار الأيام الأول25 :4)، حيث قال: «بنو يدوثون: جدليا وصري ويشعيا وحشبيا ومتثيا ؛ ستة تحت يد أبيهم»، ولكن هؤلاء المذكورين خمسة، وليسوا ستة، لذلك تنبهت النسخ العربية والأجنبية المختلفة إلى وجود سقط، فأضافوه في بعضها كنسخة الأخبار السارة والترجمة العربية المشتركة اسم سادس ا، وهو «شمعي» ، فقالوا «بني ي دثون: جدليا وصري ويشعيا وشمعي وحشبيا وومثنيا»، وبذلك يصبح عدد الأبناء المذكورين ستة. * ولنن ننسى الغلط المدهش الذي وقع به كاتب سفر صموئيل الأول ، وحتى (1) انظر حاشية الرهبانية اليسوعية، ص (447)، وقاموس الكتاب المقدس ، ص (283 ،627.) (2) انظر: حاشية الرهبانية اليسوعية، ص447)، وقاموس الكتاب المقدس ، ص (254.)

عدد الصفحات ٢٩٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ يستمتع قارئنا بالحكاية نسردها من أولها ، حيث يخبرنا كاتب سفر صموئيل أن الملك شاول أصابه روح رديء من الرب فقال لع بيده : « انظروا لي رجلاً يحسن الضرب ، وأتوا به إليّ . فأجاب واحد من الغلمان ، وقال : هوذا قد رأيت ابنً ا ليسّى البيتلحمي يحسن الضرب ، وهو جبار بأس ، ورجل حرب ، وفصيح ، ورجل جميل ، والرب معه . فأرسل شاول رسلاً إلى يسّى يقول : أرسل إليّ داود ابنك الذي مع الغنم .. فجاء داود إلى شاول ، ووقف أمامه ، فأحبه جدً ا ، وكان له حامل سلاح ، فأرسل شاول إلى يسّى يقول : ليقف داود أمامي لأنه وجد نعمة في عينيّ ، وكان عندما جاء الروح من قبل الله على شاول أن داود أخذ العود ، وضرب بيده ، فكان يرتاح شاول ويطيب ويذهب عنه الر وح الرديء » ( 1 صموئيل 16 :17-23 ) ، ولا ريب أن القارئ يدرك مدى الثقة والاهتمام الذي حظي به داود من قبل الملك شاول . وفي الأ صحاح الذي يليه يحدثنا كاتب السفر أنه لما نشب القتال بين اليهود والفلسطينيين تقدم داود لمبارزة جليات ، وقبيل المبارزة اجتمع داود مع ا لملك شاول ، وجرى بينهما حوار طويل ( انظر 1 صموئيل 17 :32-37 ) ، ثم ألبس شاول داودَ ثيابه ، وقلّده سيفه ، فخرج داود لقتاله . ( انظر 1 صموئيل 17 :38-40 ) . وهنا يفجر كاتب السـفر مفاجـأة غيـر متوقعـة ، فيقـول : « ولمـا رأى شـاولُ داودَ خارجً ا للقاء الفلسطيني قال لأبنير رئيس الجيش : ابن من هـذا الغـلام يـا أبنيـر ؟ فقـال أبنير : وحياتك أيها الملك لست أعلم . قال الملك : اسأل ابن مـن هـذا الغـلام ؟ ولمـا رجع داود من قتل الفلسطيني أخذه أبنير ، وأحضره أمام شاول ورأس الفلسطيني بيده. فقــال لــه شــاول : ابــن مــن أنــت يــا غــلام ؟ فقــال داود : ابــن عبــدك يسّــى البيتلحمــي » (1 صموئيل 17 :55-58 ) ، إن كاتب هذا المشهد الأخير غريب عن السفر لا يدري بــأن داود معــروف عنــد الملــك وبلاطــه ، وأنــه كــان قبــل هنيهــة في اجتمــاع مــع الملــك استعداد ا لهذه المبارزة ، ولا يتصور غياب قائد الجيش عن هذا الحدث الكبير .

عدد الصفحات ٢٩٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأمام هذه ال معضلة يحار شراح الكتاب المقدس ، ولندع القارئ الكريم يستمتع قليلا بقراءة التفسيرات البهلوانية الباردة التي يقدمها لنا مفسرو التفسير التطبيقي : « رغم أن داود عزف على العود مرات عديدة أمام شاول ؛ فإن سؤال شاول لأبنير يدل على أن شاول لم يكن يعرف داود جيد ا ، وهناك بضعة تفسيرات لهذه العبارة المحيرة : 1- حيث إنه كان مقررا أن يتزوج داود ابنة شاول في حال نجاحه (17 :25 ) أراد شاول أن يعرف المزيد عن عائلة داود . 2- لعل حالة شاول العقلية المضطربة منعته من تمييز داود . 3-كان داود ما زال يعمل في قصر شاول ، وربما لم يكن شاول قد اهتم بالتعرف به أو معرفة الكثير عنه »(1). وأماالمفسر أنطونيوس فكري فيبرر سؤال شاول الغريب بقوله م : « كانوا يأتون بداود إلى شاول وهو مصروع لا يدري شيئ ا مما حوله ، فمن المنطقي أن لا يتعرف على داود » . وأما الآباء اليسوعيون فكانوا أكثر جرأة ، لقد أقروا بالتناقض ، وعقبوا بالقول : « ولذلك أهملت الترجمة اليونانية القديمة ( 17 :55-18 :5 ) ، كما أهملت ( 17 :12-13 ) »(2) . ويتمادى مؤلفو الأسفار المقدسة في تبني المعطيات الخاطئة، ليصلوا بالقارئ إلى متاهات لا يقبلها علماء التربية على اختلاف دياناتهم وثقاف اتهم، منها ما قيل في (1) التفسير التطبيقي ، نخبة من العلماء اللاهوتيين ، ص603.) (2) تفسير سفر صموئيل ، أنطونيوس فكري ، ص ( 67) وانظر : شبهات وهمية حول الكتاب المقدس ، للقس منيس عبد النور، ص (146.)

عدد الصفحات ٢٩٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ تربية الأبناء في سفر يشوع بن سيراخ أو بالأحرى حكمة يشوع بن سيراخ الذي كان ينقل عن أحيقار الآشوري: «إن دلَّلت ابنك روَّعك، وإن لاعبته احزنك، لا تضاحكه، لئلا تغتم به .. لا تترك له حرية في شبابه، ارضض أضلاعه ما دام صغيراً، لئلا يتصلب فيعصيك» (ابن سيراخ30 :9-12)، وفي موضع آخر«من أحب ابنه أكثر من ضربه، لكي يسر به في آخر الأمر » (ابن سيراخ 30 :1)، كذلك يقول عن تربية الأولاد الفاسدين: «أما السياط والتأديب فهما في كل وقت حكمة» (ابن سيراخ22 :6)، و سفر الأمثال: «لا تمنع التأديب عن الولد، لأنك إن ضربته بعصا لا يموت، تضربه أنت بعصا، فتنقذ نفسه من الهاوية» (الأمثال23 : 13-14 )«الجهالة مرتبطة بقلب الولد، عصا التأديب تبعدها عنه » (الأمثال22 :15).

عدد الصفحات ٢٩٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ومن أغلاط التوراة أيض ا أغلاط خالفت فيها الحقائق العلمية الحديثة ، مما دل على أنها ليست من كلام الله الذي يتنزه عن الخطأ والجهل بحقائق العلم التي أدركها الإنسان فيما بعد ، فالله العليم لن يخبر في كتابه إلا بكل صحيح ، إذ لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وقد صدق الفيلسوف الفرنسي القس بيير أبلار (ت 1142م بقوله: «حقائق الكتاب المقدس يجب أن تتفق مع مكتشفات العقل، وإلا لكان الله الذي وهبنا هذه وتلك يخدعنا بإحداهما»(1). *ومن ذلك حديث التوراة عن قصة الخلق في سفر التكوين ، حيث يتحدث السفر عن خلق الكون في ستة أيام أرضية مكونة من صباح ومساء ، فخلق وفق ا للترتيب التوراتي في اليوم الأول الأرض والنور والظلام والماء ، وفي الثاني خلق السماء حين وضع جَ لَ د ا بين مياه ومياه ، وفي اليوم الثالث تجمعت المياه التي تحت الجَ لَ د الذي سمي سماء ، فتكونت اليابسة ونبت العشب والبقل . وفي اليوم الرابع خلقت الشمس والقمر والنجوم فيما فوق الجَ لَ د ( السماء ) ، وفي اليوم الخامس خلقت الحيوانات البحرية والطيور . وفي اليوم السادس خلق آدم والحيوانات البرية ، وفرغ من الخلق في هذا اليوم . ( انظر التكوين 1 :1-31 ) . ويلحظ العلماء المحققون على هذا الترتيب والإخراج لقصة بدء الكون ملاحظات يرفضها العلم الحديث الذي أعطاه الله للإنسانية ، ولو كانت الأسفار من عند الله لما حوت هذه الأخطاء المتتابعة . (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت17/73.)

عدد الصفحات ٢٩٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ منها : أن السفر يتحدث عن ستة أيام أرضية تتكون من ليل ونهار « وكان صباح » ، « وكان مساء » ، وكان سابعها يوم السبت الذي استراح فيه الخالق ـ تعالى عن ذلك ـ ، ومن المعلوم علمي ا أن خلق الكون تم على فترات كونية هائلة تقدر بـ 3.7 مليار سنة، بينما يذهب العلماء إلى أن الأرض تأخر تكونها عن بداية الخلق، إذ يقدر عمرها بـ 5 مليار سنة، واحتاجت لملايين السنين حتى بردت قشرتها وغدت صالحة للحياة ، فيما يتحدث السفر عن ظهور الماء على الأرض في أول أيامها ، ثم ظهور النبات في ثالثها ، والحيوانات في رابعها وخامسها . وهنا يفترق القرآن عن التوراة، فالقرآن تحدث عن ستة أيام، لكنه لم يتحدث عن أيام أرضية، بل قال مبين ا المفارقة بين أيامه وأيام البشر : ﴿و َإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّ كَ كَأَلْفِ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ الحج47 ] . كما أن الترتيب التوراتي لظهور المخلوقات يتناقض مع مكتشفات التاريخ الجيولوجي، فوجود الماء على وجه الأرض في اليوم الأول يتناقض مع النظرية العلمية القائلة بأن الأرض بل والعالم كان غازي ا في بداية خلقه. ثم لو فرضنا أن الأيام التوراتية كانت حقب ا زمنية مديدة، فإن هذا يصطدم مع الترتيب التوراتي لظهور الخلائق الذي يجعل وجود ا لنبات قبل وجود الشمس ، ولا يتصور حياة النبات بدون شمس تمده بالطاقة عبر عملية البناء الضوئي . ومثله يرفض علمي ا القول بأن الأرض خلقت قبل الشمس والنجوم ( في اليوم الرابع )، والعجب من ظهور الليل والنهار لثلاثة أيام ، ولما توجد الشمس بعد ! وقد وردت أكثر هذه الاعتراضات على هذا القصة للخلق في ثنايا نقد الأب

عدد الصفحات ٢٩٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ دوفو لرواية سفر التكوين(1). ولم تطل حيرة العلامة أوريجانوس أمام هذه الغرائب والمناكير، ف ابتدع ما سمي بالتفسير الرمزي للنصوص المقدسة، وأقر بصعوبة بل واستحالة قبول المعاني الظاهرة، وتساءل: «أي رجل عاقل يصدق أن اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث، وأن المساء والصباح، قد كانت كلها من غير شمس أو قمر أو نجوم؟ وأي إنسان تصل به البلاهة إلى حد الاعتقاد أن الله قد زرع جنة عدن كما يزرع الفلاح الأرض، وغرس فيها شجرة الحياة ... حتى إذا ما ذاق إنسان ثمرتها نال الحياة؟»(2). *ومنالملاحظات العلمية على الأسفار التوراتية أنها تتحدث باستفاضة عن أعمار الآباء الأوائل من لدن آدم إلى إبراهيم ، فتجعل ولادة إبراهيم في القرن العشرين من بداية الوجود الإنساني على الأرض وتحديد ا في سنة 1948 من لدنخلق الكون وظهور الإنسان على الأرض . ولا توجد معلومات دقيقة تاريخي ا عن الفترة الممتدة بين إبراهيم وعيسى ، ولكن المؤرخين يقدرونها بثمانية عشر قرن ا ، اعتماد ا على المصادر التوراتية ، وعلى هذا فإن ظهور المسيح كان بعد خلق آدم بثمانية وثلاثين قرن ا . وقد افتتح الأب يوليوس الأفريقي (ت 240) في كتابه «الحوليات» سلسلة دراسات لحساب عمر الكون؛ اعتمادا على تتبع التواريخ التوراتية، وتوصل إلى أن (1) انظر : التوراة الإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكاي ، ص44 -51) ،ودراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان ، ص ( 179) ، قراءات في الكتاب المقد س ، عبد الرحيم محمد (2/182 – 183.) (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت11/311.)

عدد الصفحات ٣٠٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ مولد المسيح كان سنة 5500 من بداية خلق الكون(1). وهذا التحديد لم يوافقه عليه رئيس أساقفة أرما الإيرلندية الأسقف جيمس يوزهر ( ت 1656م ) الذي يع تبر واحد ا من أكبر علماء عصره ، فقد تتبع سلاسل النسب التوراتية ، ليصل إلى نتيجة مفادها أن العالم خ لق ليلة يوم الإثنين 23 أكتوبر 4004 ق.م(2). وهي نتيجةتبعد كثير ا عن التاريخ العبري الذي يوافق فيه عام ( 2000م ) سنة 5761 من لدن خلق العالم ، وتتفق مع كافة أقوال المفسرين الذين درسوا هذه المسألة قبل الانفجار المعرفي الحديث، فالقس الدكتور سمعان كلهون يجزم أن «التاريخ القديم أي من خلق العالم إلى المسيح هو أربعة آلاف وأربع سنين»، ويجزم به بناء على تتبعه لأعمار الآباء الأوائل والمعطيات التوراتية الأخرى، وقد لحظ كلهون اختلاف النسخ التوراتية في أعمار الآباء الأوائل، وانتصر لتواريخ أعمار الآباء الواردة في الأصول العبرية التي تجعل الطوفان سنة 1656 من خلق العالم، بينما (1) انظر آباء الكنيسة، أسد رستم، ص ( 163)، وقد سبقه في الإشارة إلى صغر عمر الإنسان أوريجانوس حين ندد بتشكك خصمه كلسس بـ «رواية موسى عن الخليقة التي تنادي بأن عمر العالم لم يصل بعد إلى عشرة آلاف سنة، بل أقل من ذلك كثير ا » من غير أن يحدد تاريخ ا معين ا. انظر: ضد كلسس، أوريجانوس (ك 1، ف13.) (2) انظرقصة الحضارة، وليام ديورانت ( 33/179)، و كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي ، واين جردوم ، ص (228)، وهذا التاريخ يوافق عليه الدكتور وهيب جورجي بعد تتبعه لأعمار الآباء في التوراة، لكنه ينبه إلى «أنها تواريخ تقريبية ، نستطيع أن ندعي دقتها أو عصمتها من الأخطاء» مقدمات العهد القديم، ص19).

عدد الصفحات ٣٠١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ تجعله التوراة السامرية عام 1207، والسبعينية عام2262(1). وأما الدكتور وهيب جورجي فيحاول الحل بتغيير مدة السنة من سنة شمسية إلى سنة مصرية، فيقول: «ونرجح أن السنين والتواريخ المحددة في أسفار موسى الخمسة كتبها موسى بناء على دراساته في مصر، وبالتالي يمكن حسابها بموجب السنة المصرية القديمة»(2)، وهذا في الحقيقة هروب ممجوج، فالسنة عند المصريين كانت كغيرهم من الأمم 365 يوم، وإن كانت تتوزع عندهم على 13 شهر ا، فالتواريخ التوراتية خاطئة على كل حال. وعليه نقول بأن المعطيات التوراتية تجعل عمر البشرية على وجه الأرض لا يزيد عن ستة آلاف سنة بحال من الأحوال، بينما «الدراسات الجيولوجية دلت على أن الأرض أقدم جد ا مما يدل عليه الكتاب المقدس، وأن الكائنات الحية ظهرت على الأرض على مدى حقبة طويلة من الزمن ، فلم تخلق في يوم واحد كما يذكر سفر التكوين.. وبناء على ذلك رأى بعضهم أن قصة التكوين أسطورة، وليست تاريخية .. الكثيرون في القرن الثامن عشر قد تحولوا عن إيمانهم»(3). هذا التحديد التوراتي لعمر الأرض يتعارض أيض ا مع مع المعطيات ال تاريخية التي ثبت وجود حضارات قامت قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة ، إذ يرى علماء الآثار أن من المسل م به قيام حرب طاحنة بين شمال مصر وجنوبها عام 4042 ق.م ، (1) انظرمرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، سمعان كلهون ونخبة من اللاهوتيين، ص (569-576.) (2) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص19.) (3) انظرتاريخ الكتاب المقدس منذ التكوين وحتى اليوم، ميلر وهوبر، ص (188.)

عدد الصفحات ٣٠٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وانتصر فيها أهل الدلتا بيد أن انتصارهم لم يكن حاسم ا كما تبدأ الحضارة المصرية المؤرخة بالأسرة الأولى والتي حكمت مصر بين 3400 - 3200 ق.م ، وثمة الكثير مما لم يؤرخ قبلها . هذا التاريخ القريب لعمر الكون والأرض جعل الكثيرين من رواد عصر التنوير يتساءلون: «كيف أمكن خلق العالم سنة 4004 ق. م، في حين أن الصين كان لها حضارة راقية سنة 4000 ق. م؟»وتنبهوا إلى أمر آخر، وهو أنه «لم تحتفظ الصين بسجل أو تقليد متوارث لطوفان نوح الذي تقول التوارة: إنه أغرق الأرض كلها؟»(1). ومما يجعل هذا التأريخ خرافة ولابد أنه عثر على مصنوعات بشرية تعود لأكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد . وعثرت بعثة جامعة القاهرة على آثار بشرية في منطقة الفيوم ترجع لعشرات الآلاف من السنين ، بل والمكتشفات الحديثة تنبئنا أن أقدم جمجمة بشرية مكتشفة تعود إلى 300.000 سنة، وهي التي أعلن في يونيو 2017م نتائج تحليلها بعد العثور عليها في جبل إيغود في المغرب. وصدق الله العظيم إذ يؤكد أن البشرية ضاربة جذورها في التاريخ قرون ـا طويلـة، فيقول: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُْولَى قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّـي فِـي كِتَـاب لاَّ يَضِـلُّ رَبِّـي وَلاَ يَنسَى ﴾ [طه : 51-52 ] ، ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَ ثِيْـراً ﴾ [الفرقان : 38 ]﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَـوْمِ نُـوح وَعَـاد وَثَمُـودَ وَالَّـذِينَ مِـن بَعْدِ هِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ ﴾ [إبراهيم : 9 ] . *وثمة أمور كثيرة ذكرتها التوراة تتعارض مع الأمور الثابتة علمي ا والمشاهدة حس ا، كذكرها أن الأرنب من الحيوانات المجترة ، فيقول : « الجمل والأرنب والوبر (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت37/126.)

عدد الصفحات ٣٠٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ لأنها تجترّ ، لكنها لا تشق ظلفً ا ، فهي نجسة لكم » ( التثنية14 :7 ) . *ومثله أيض ا القول بأن الحية عوقبت بأكل التراب ( انظـر التكـوين 3 :14 ) أو أنهــا تلحســه، كمــا في ســفر ميخــا « يلحســون التــراب كالحيــة ، كزواحــف الأرض » (ميخا7 :17) ، والمشاهد في جميع أنواع الحيات المصنفة علمي ا أنها تأكـل الحشــرات والزواحف وغيرها ، ولم يسجل أبد ا أنها تأكل التراب أو تلحسه . * ويتحدث سفر اللاويين عن أحكام تتعلق بطيور أسطورية لها أربع أرجل ، بعضها يدب ، وبعضها يمشي ، ولا وجود لها إلا في أساطير الخيال ، فيقول : « وكل دبيب الطير الماشي على أربع فهو مكروه لكم . إلا هذا تأكلونه من جميع دبيب الطير الماشي على أربع . ما له كراعان فوق رجليه يثب بهما على الأرض . هذا منه تأكلون .. لكن سائر دبيب الطير الذي له أربع أرجل فهو مكروه لكم » ( اللاويين 11 :20-23 ) . ولم تتحدث الحفريات ولا غيرها عن شيء مثل هذا كان على وجه الأرض في يوم من الأيام . * ومن الأخطاء العلمية أيض ا ما جاء في سفر التكوين (30 :37-43) ، حيث زعم بأن غنم يعقوب أنتجت ، فكان لون نتاجها مخالف ا للون آبائها ، بسبب رؤيتها لبعض العصي المقشرة ، فتوحمت عليها ، فكان النتاج مثلها ، ولو صح مثل هذا لكان ينبغي أن يكون نتاج الربيع أخضر ا ، وهذا الهراء يخالف كل ما يعرفه علماء الجينات والشفرات الوراثية . * وفي سفر التكوين حديث عن أغرب قصة ولادة ، ألا وهي قصة ولادة الزانية ثامار من حماها ووالد أزواجها يهوذا ، « وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان ، وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدً ا ، فأخذت القابلة ، وربطت على يده قرمزً ا قائلة : هذا خرج أولاً ، ولكن حين ردّ يده إذ أخوه قد خرج ، فقالت : لماذا اقتحمت ؟ عليك

عدد الصفحات ٣٠٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ اقتحام . فدعي اسمه فارص ، وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز ، فدعي اسمه زارح » ( التكوين38 :27-30 ) ، فقد أخرج البكر يده من بطن أمه ، وهو أمر غير معهود في عملية الولادة ، وأراد المولود من خلال إخراج يده التأكيد على حقه في البكورية ، وفهمت القابلة مراده ، فربطت على يده برباط قرمزي . ثم حصل الأغرب منه الذي لا يمكن تفسيره طبي ا ، فقد أفسح البكر مكانه في الرحم لأخيه التوأم ، ليخرج إلى الدنيا ، ثم تبعه أخوه البكر ، صاحب اليد المربوطة بالقرمز ، ومثل هذه القصة لا تقبل علمي ا ، وإلحاقها بقصص العجائز أولى من أن تلحق بكلام الله ووحيه . * وتتوعد التوراة بالعقم من واقع بالزنا زوجة أخيه أو زوجة عمه فتقول: «وإذا اضطجع رجل مع امرأة عمه فقد كشف عورة عمه؛ يحملان ذنبهما؛ يموتان عقيمين، وإذا أخذ رجل امرأة أخيه فذلك نجاسة ، قد كشف عورة أخيه؛ يكونان عقيمين » (اللاويين20 :20-21)، ولكن مثل هذا لم يسجل في أي من المختبرات العلمية أو الدراسات الطبية، فأقل ما يقال عنه أنه تهديد كاذب، ولذلك عمدت النسخ الحديثة إلى تغيير النص، ففي الترجمة العربية المشتركة والأخبار السارة نقرأه هكذا: «وإن ضاجع أحد زوجة عمه كشف عورة عمه ، هما يتحملان عاقبة خطيئتهما ، فليموتا منبوذين ، وإن أخذ أحد زوجة أخيه فهذا جرم ، هو كشف عورة أخيه ، فليكونا كلاهما منبوذين». *ويقدم سفر أيوب تصورا غريب ا لكيفية تخليق الجنين ، فهو يصب في قالب ، كما يصب الحليب ، ثم يتجمد في وسط هذا القالب ، كما يتخثر الحليب فيتحول إلى جبن ا ، وهو كما تقول نسخة الرهبانية اليسوعية في تعليقها عليه متطابق مع التصورات

عدد الصفحات ٣٠٥