هل العهد القديم كلمة الله ؟ زعمت أن الله يحتاج للاستراحة التي لا غناء للمتعب عنها بعـد طـول العمـل والعنـاء ، فبعد أن خلق الله السماوات والأرض تزعم الأسفار ـ كذب ا ـ أنه استراح ، فتقول : « فر الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاسـتراح » ( التكـوين2 :1 ) ، ونحـوه في سـفر الخروج « في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض ، وفي اليوم السابع استراح وتـنفّس » (الخــروج 31 :17)، وهــذا التــنفس الإلهــي يشــرحه القــس منــيس عبــد النــور بقولــه «معناها الحرفي يمكن أن يترجم«الله قـد تـنفس بارتيـاح» كمـا يتـنفس الإنسـان عنـدما يفــرغ مــن عمــل شــاق، وواضــح أن هــذا مجــرد اســتعارة بديعــة كمــا هــي عادتنــا نحــن الشرقيين في التعبير عن الله بعبارات نستعملها في الكلام عن الناس»(1). *وتحدثنا التوراة عن الله العظيم العليم ، فتذكر أنه ليس كمثل البشر وضعفهم، فهو لا يندم ولا يكذب ، فتقول : « ليس الله إنسانًا فيكذب ، ولا ابن إنسان فيندم ، هل يقول ولا يفعل ، أو يتكلم ولا يفي ؟ »( العدد23 :19 ) ، فالندم صفة الإنسان الجهول بعواقب الأمور «نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم ، لأنه ليس إنسانً ا ليندم » ( 1 صموئيل 15 :29 ) . ولكن التوراة تناقض ذلك فتنسب إلى الله الندم على أمور صنعها ، ومن ذلك ندمه على اختيار شاول لملك بني إسرائيل ، حيث يقول : « ندمت على أني جعلت شاول ملكً ا ، لأنه رجع من ورائي ، ولم يقم كلامي » ( 1 صموئيل 15 :10 ) ، فهل الله يندم أم لا ؟ . * وتــذكر التــوراة أن الله لا يــرى « حقًــا أنــت إلــه محتجــب ، يــا إلــه إســرائيل » (إشعيا 45 :15) ، والإنسان لا يقدر على رؤيته ، فقـد قـال الله لموسـى : « لا تقـدر أن (1) شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، منيس عبد النور، ص94.)
عدد الصفحات ٢٤٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش » ( الخروج33 :19-20) . لكن الأسفار التوراتية تذكر كثيرين رأوا ا ، منهم شيوخ بني إسرائيل « لما صعد موسى وهارون وناراب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل رأوا إله إسرائيل » ( الخروج24 :9 ) ، ومنهم يعقوب فقد رآه حين صارعه « فدعا يعقوب اسم المكان: ( فينئيل ) قائلاً : لأني نظرت الله وجهً ا لوجه ، ونجيت نفسي » ( التكوين32 :30 ) . وقد يزعم البعض أن الذين رأوا الله رأوه حال تجسده ، ولم يروه على هيئته وفي صورة مجده ، ويرون أن المنفي رؤيته هو الله في مجده ، وهذا التفريق لا دليل عليه ، وتدحضه النصوص التي تحدثت عن أناس رأوا الله في صورة مجده . فالنبي موسى طلب رؤية الله في مجده ، ويذكر سفر الخروج أنه رآه بالفعل ، لكنه لم ير وجهه «فقال : أرني مجدك .. قال : لا تقدر أن ترى وجهي ، لأن الإنسان لا يراني ويعيش . وقال الرب : هوذا عندي مكان ، فتقف على الصخرة . ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة ، وأسترك بيدي حتى اجتاز . ثم ارفع يدي فتنظر ورائي ، وأما وجهي فلا يرى » ( الخروج33 :18-23) فتفيد القصة أن وجه الله ، أي الحقيقي لا يرى ، ومن رآه يموت ، لكن جسده الحقيقي ر ئي من قبل موسى ، فقد مر من أمام الصخرة فرآه . * ومن تناقضات التوراة ترددها في وصف الله بالقدرة التامة تارة ، وبالعجز تارة أخرى ، فقد وصفه سفر طوبيا بما هو حق حين قال : «لا إله قادر على كل شيء سواه » (طوبيا 13 :4 ) ، ومثله في ( أيوب 42 :2 ) . وهذا المعتقد الصحيح تنقضه التوراة في مواطن كثيرة ، نسبت إلى ا لله العجز كما مرّ معنا في تغلب يعقوب عليه في المصارعة ( انظر : التكوين 32 :24-32 ) ،
عدد الصفحات ٢٤٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ كما عجز عن طرد الكنعانيين الذين كانوا يمتلكون مركبات حديدية ، إذ تقول الأسفار: «وكان الرب مع يهوذا ، فملك الجبل ، ولم يطرد سكان الوادي ، لأن لهم مركبات من حديد » ( القضاة1 :19 ) . *وتتحدث التوراة عن رحمة الله وحلمه ، فتقول : « الرب حنان رحوم بطيء عن الغضب ، وعظيم النعمة » ( المزمور 145 :8 ) ، ثم تنقضه حين تذكر ما حصل مع أهل بيت شمس الذين رأوا التابوت فقتلهم جميع ا ، وكانوا أكثر من خمسين ألف رجل « وضرب الرب من أهل بيت شمس ، لأنهم رأوا تابوت الرب ، وضرب من الشعب سبعين رجلاً وخمسين ألف رجل » (1 صموئيل 6 :19 ) فهل يستحقهذا الفعل هذه العقوبة ؟ والله حنان رحوم بطيء الغضب ! * ولهذا التابوت والعقوبات المتصلة به قصة أغرب وأعجب، فقد عزم داود على نقله في احتفال مهيب حضره ثلاثون ألف ا، ووضعه على الثيران «وداود وكل بيت إسرائيل يلعبون أمام الرب بكل أنواع الْلات من خشب السرو بالعي دان وبالرباب وبالدفوف وبالجنوك وبالصنوج » (2 صموئيل6 :5)، وكانت الأمور تسير على ما يرام، وفجأة حصل ما لم يكن متوقع ا، فقد انفلتت الثيران التي تحمله، وكاد التابوت أن يهوي إلى الأرض، لولا أن البطل عز ة أمسكه «ولما انتهواإلى بيدر ناخون مدّ عزّة يده إلى تابوت الله، وأمسكه لأن الثيران انشمصت» (2 صموئيل6 :6)، ولا ريب أنه صنيع يستحق الشكر من الله والناس، لكن يفجأنا الكتاب – وما أكثر مفاجآته- بان الله قتل عزة ، وجعله نكالا وعبرة لبني إسرائيل « فحمي غضب الرب على عزّة ، وضربه الله هناك لأجل غفله، فمات هناك لدى تابوت الله» (2 صموئيل6 :7)، فما الذي فعله هذا المسكين ليغضب الرب عليه.. ثيران انجفلت وكادت توقع التابوت، وهو عالج الموقف وأنقذه!!
عدد الصفحات ٢٤٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ وليكتمل المشهد الدرامي لأنقل لكم ما يقوله الشراح في تبرير العقوبة غير المبررة، وأبدأ بالأب منيس عبد النور الذي اعترف بن بل صنيع عزة، لكن «وقع حكم الموت على عزة إنذار ا لشعب الله، حتى يحملوا تابوت الله بالطريقة الخاصة التي أمر الله بها في سفر العدد 4 :15 -20 .. ليس لديه عذر الجهل بالشريعة الخاصة بالتابوت»، وهنا المنطق يفترض أن تعاقب كل الجماعة وفي مقدمتهم الملك الذي أمر بنقل التابوت على كيفية يرفضها الله، وليس عزة فقط. ولوجاهة هذا فإن الأب تادرس يعقوب ملطي - ويتابعه الدكتور منيس عبد النور – فيلخصه مقترح ا من كيسهما مبرر ا آخر : «ولابد أن عزة كان قد اعتاد الدنو من التابوت منذ صغره، فكان يعامله بغير توقير »وهذا المبرر من تأليف المفسرَين فلا يوجد في الكتاب ما يدل عليه، ولو كان صحيح ا لكان ينبغي ان تقع عليه العقوبة حين أساء، وليس حين أحسن بالإمساك بالتابوت قبل وقوع. لذا يقترح القس الدكتور منيس مبرر ا ثالث ا: «وربما افتخر بجسارته لما مد يده ليسند التابوت أمام الجماعة»، لقد استحق الموت لأنه انتشى يقوته وفرح بها، وكان ينبغي عليه أن يتواضع، ولم يشفع له عظيم فعله في إنقاذه من الموت الذي استحقه لفرحه وافتخاره بإنقاذ تابوت الرب من السقوط(1). وأما محررو دائرة المعارف الكتابية، فيرون أن عزة استحق العقوبة «منأجل أنه مد يده إلى التابوت ، فمات هنا ك أمام الله»(2)، وكذلك قال المفسر دون فليمنج (1) شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، منيس عبد النور، ص ( 150-151)، وانظر تفسير سفر صموئيل الثاني، تادرس يعقوب ملطي، ص (30.) (2) دائرة المعارف الكتابية5/254.)
عدد الصفحات ٢٤٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ «مات شخص مد يده ولمس التابوت »(1). وأما المفسر أنطونيوس فكري فيقول«هناك أخطاء متعددة وضد الناموس حمل التابو ت، فلقد منع الله اللاويين من لمس التابوت حتى لا يموتوا .. فالكل أخطأ ، داود والكهنة وعزة. والله الذي يعرف القلو ب وجد أن أكثرهم خطأ هو عزة»(2). *وأيضا تصف التوراة بصر الله ومعرفته بما يصنعه عباده ، فتقول : « عينا الرب محيطتان بكل الأرض »(2 أخبار 16 :9 ) ، وتؤكده في سفر الأمثال « عينا الرب كل مكان يترقبان الصالحين والطالحين » (امثال 15 :3 ) ، وتقول : «الرب إله عليم» ( 1 صموئيل 2 :3 ) . ولكن في سفر التكوين تنقضه ، فتجعله جاهلا ببعض صنائع عباده ، إذ لما اختبأ آدم في الجنـــة بحـــث عنـــه الإلـــه « فـــدعا الـــربُ الإلـــهُ آدمَ وقـــال لـــه : أيـــن أنـــت ؟ » (التكوين3 :9) ، ثم لم يعرف أن آدم أكل من الشجرة وصار عارف ا للخيـر مـن الشــر ، وأنــه قــد أدرك ســوءة العــري ، فقــال لــه : « مــن أعلمــك أنــك عريــان ؟ هــل أكلــت مــن الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ »( التكوين3 :11 ) . وكذا لما بدأ أهل بابل ببناء مدينتهم وبرجهم ، أراد الرب ـ تعالى عن ذلك ـ أن يعرف ماذا يصنعون « فنزل الرب لينظر المدينة والبرج الذي كان يبتنيه بنو آدم .. وقال الرب هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم ، وهذا ابتداؤهم بالعمل ، والْن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه »( التكوين11 :5-6 ) ، فكأنه خشي من (1) التفسير المعاصر للكتاب المقدس، دون فليمنج، ص164.) (2) تفسير سفر صموئيل الثاني، أنطونيوس فكري،ص (19).
عدد الصفحات ٢٤٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ اجتماع بني آدم وما يمكن أن ينتج عنه ، فقال : «هلم ننزل ونبلبلهناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض ، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض ، فكفّوا عن بنيان المدينة »( التكوين11 :7 ) . *ومن التناقض أيض ا تناقض الأسفار في مسألة وراثة الذنب ، ففي سفر الخروج ذكر أن الرب «مفتقد إثم الْباء في الأبناء ، وفي أبناء الأبناء ، في الجيل الثالث والرابع » ( الخروج 34 :7 ) فالأبناء يعاقبون بجريرة آبائهم . وفي سفر حزقيال كذب ذلك فقال : « الابن لا يحمل من إثم أبيه ، والأب لا يحمل من إثم الابن ، بر البار عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون »( حزقيال18 :20 ) . *وفي سفر حزقيال ينعي الرب على بني إسرائيل أنهم تركوا شريعتهم وعملوا بشرائع الأمم المجاورة ، فيقول : « أنا الرب الذي لم تسلكوا في فرائضه ، ولم تعملوا بأحكامه ، بل عملتم حسب أحكام الأمم الذين حولكم » ( حزقيال11 :12 ) ، ولكنه ينقضه السفر نفسه ، حين يذكر أنهم لم يعملوا بشرائع الله ولا بشرائع الأمم الذين حولهم ، فيقول : « لم تسلكوا في فرائضي ، ولم تعملوا حسب أحكامي ، ولا عملتم حسب أحكام الأمم التي حواليكم » ( حزقيال5 :7 ) ، فهل عملوا وفق أحكام الأمم المجاورة أم لم يعملوا ؟ * ومن التناقضات الغريبة ما ورد في آخر سفر صموئيل الأول وأ ول سفر صموئيل الثاني ، حيث يتحدث السفران عن نهايتين مختلفتين للملك شاول ، فيقول السفر الأول بموته منتحر ا بسيفه ، فقد جاء فيه : «فقال شاول لحامل سلاحه : استل سيفك واطعنّي به ، لئلا يأتي هؤلاء الغلف ويطعنوني ويقبحوني ، فلم يشأ حامل سلاحه، لأنه خاف جدً ا ، فأخذ شاول السيف ، وسقط عليه ، ولما رأى حامل سلاحه أنه قد مات شاول ، سقط هو أيضً ا على سيفه ومات معه »( 1 صموئيل31 :4-5 ) .
عدد الصفحات ٢٤٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ ولكن لو ألقى القارئ ببصره إلى الصفحة التالية فإنه واجد أن شاول مات بيد رجل من العماليق وأن داود قتله انتقام ا لشاول مسيح الرب ، حيث يقول السفر الثاني : «فقال الغلام الذي أخبره : اتفق أني كنت في جبل جلبوع ، وإذا شاول يتوكأ على رمحه، وإذا بالمركبات والفرسان يشدّون وراءه ، فالتفت إلى ورائه ، فرآني ، ودعاني فقلت : ها أنذا ، فقال لي : من أنت ؟ فقلت له : عماليقي أنا . فقال لي : قف عليّ واقتلني ، لأنه قد اعتراني الدوار ، لأن كل نفسي بعد فيّ . فوقفت عليه ، وقتلته ، لأني علمت أنه لا يعيش بعد سقوطه ، وأخذت الإكليل الذي على رأسه والسوار الذي على ذراعه ، وأتيت بهما إلى سيدي ههنا »( 2 صموئيل 1 :6-10 ) ، فهل قتل شاول نفسه؟ أم قتله الرجل العماليقي ؟ وما سبب ورود الطريقتين مع ا في الكتاب ؟ يجيب محققو الرهبانية اليسوعية : «تقليد آخر في موت شاول .. وهي مزيج من عناصر مختلفة »(1). *وأيا كانت طريقة موت شاول فإن الله قتله نتيجة لأخطائه ، والتي منها أنه لجأ إلى العرّافة ولم يسأل الله «فمات شاول بخيانته التي بها خان الرب ، من أجل كلام الرب الذي لم يحفظه ، وأيضً ا لأجل طلبه إلى الجان للسؤال ، ولم يسأل من الرب ، فأماته » ( 1 أخبار 10 :13)، فقد سأل الجان«ولم يسأل من الرب» . لكن سفر صموئيل يبرئ ساحة شاول من أحد هذه الآثام ، فقد سأل شاول اللهَ قبل أن يلجأ للعراف ة يقول السفر : « فسأل شاول من الرب ، فلم يجبه الرب ، لا بالأحلام ولا بالأوريم ولا بالأنبياء ، فقال شاول لعبيده : فتشوا لي على امرأة صاحبة جان » ( 1 صموئيل 28 :6-7 ) ، فأي السفرين يصدق القارئ الكريم ؟ هل سأل (1) انظر هامش نسخة الرهبانية اليسوعية، ص577.)
عدد الصفحات ٢٤٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ شاول الله أم لم يسأله قبل أن يسأل العرافة ؟ * وليس خبر موت شاول بأعجب من خبر موت جليات الجتي الفلسطيني ، فقد أماته الكتاب المقدس مرتين : أولاهما في أيام شاول على يد داود كما في سفر صموئيل الأول « وفيما هو يكلمهم إذا برجل مبارز ، اسمه جليات الفلسطيني ، من جتّ صاعد من صفوف الفلسطينيين » ثم يمضي السفر فيبين كيف قتله داود «فركض داود ، ووقف على الفلسطيني ، وأخذ سيفه ، واخترطه من غمده ، وقتله ، وقطع به رأسه ، فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات ، هربوا » ( 1 صموئيل 17 :23-51 ) . أما سفر صموئيل الثاني فيذكر أن الذي قتل جليات هو ألحانان بن يعري ، وذلك زمن حكم داود « ثم كانت أيضا حرب في جوب مع الفلسطينيين ، فألحانان بن يعري أرجيم البيت لحمي قتل جليات الجتّي » ( 2 صموئيل 21 :19 ) ، فأيهما قَ تل جليات ، داود أم ألحانان ؟ يحاول كاتـب سـفر أخبـار الأيـام حـل هـذه المعضـلة ، فيقـول : « وكانـت أيضًـ ا حرب مع الفلسطينيين ، فقتل ألحانان بن ياعور لحمي أخا جليـات الجتّـي »(1 أخبـار 20 :5 ) ، فالمقتول على يد داود هو جليات ، والمقتول علـى يـد ألحانـان هـو أخـوه ، وما جاء في صـموئيل الثـاني خطـأ غيـر مقصـود ، وسـببه كمـا نقـل القـس صـموئيل عـن بعض العلماء أنه « حدث هذا الخلط عند إعادة كتابة سفر صموئيل للتشابه في العبريـة بين كلمة (אֵֵ ת) ، وهي أداة المفعول به ، والكلمة (אֲחִֵּ י) التي تعني أخا ، وبهذا يكـون الحانان قتل أخا جليات الفلسطيني الذي قتله داود »(1) ، وهو رأي استحسنته الترجمة (1) المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف165.)
عدد الصفحات ٢٤٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ العربيــة المشــتركة، فكتبــت: «فقتــل ألحانــان بــن يــاعور لحمــي أخــا جليــات الجتــي »، فصححوا الخطأ ، وانتهت عندهم المشكلة. لكن علماء الكتاب المقدس لن يرضيهم مثل هذا الحل على بساطته ، فلجؤوا إلى حلول متناقضة زادت المسالة تعقيد ا ، تنقلها إلينا موسوعة دائرة المعارف الكتابية، فتقول : « وهناك جملة افتراضات لحل هذه المسألة : افتراض وجود جبارين باسم جليات ، أحدهما قتله داود ، والثاني قتله ألحانان . أو افتراض أن«جليات » كان لقبا لطائفة من الجبابرة . الزعم بأن كلمة«أخ » سقطت من سفر صموئيل . الزعم بأن كاتب سفر الأخبار أضاف كلمة«أخ » لحل المشكلة . يزعم ايوالد وكنيدي أن القصة كانت أص عن ألحانان ، ثم نسبت إلى داود ، أما من قتله داود فجبار مجهول الاسم [ وإليه يميل محققو الرهبانية اليسوعية ، وأن اسم جوليات قد أضيف على سفر صموئيل ] . ذكر جيروم والترجوم العبري ـ بناء على تقليد قديم ـ أن داود وألحانان اسمان لشخص واحد »(1). وهكذا تختلف الحلول وتتضارب ، إلا أنها ـ على كل حال ـ تتفق في ال شهادة على أن هذا التناقض ليس من كلام الله . وقبل أن نغادر خبر مقتل جليات ، فإنه يلزمنا أن ننبه إلى خطأ تاريخي وقع به كاتب سفر صموئيل حين قال : «أخذ داود رأس الفلسطيني ، وأتى به إلى أورشليم ، (1) دائرة المعارف الكتابية1/366.)
عدد الصفحات ٢٥٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ ووضع أدواته في خيمته »( 1 صموئيل 17 :54 ) ، إذ أن أورشليم لم تكن من مدن اليهود زمن قتل جليات ، وقد كان الملك شاول حينذاك مقيم ا في جبعة شاول ( انظر 1 صموئيل 14 :2 ) ، ثم افتتح داود أورشليم في السنة الثامنة من ملكه ، وجعلها عاصمة لملكه ( انظر 2 صموئيل 5 :5-7 ) ، وهكذا فإن من الخطأ البيِّن ذكر السفر ذهاب داود إلى أورشليم عاصمة اليبوسيين حينذاك ، وقد أقر بهذا الغلط الآباء اليسوعيون فقالوا : «هذه الآية إضافة ، إذ لم تفتح أورشليم إلا في وقت لاحق »(1). *وتناقض الكتاب في مسألة قتل شاول وجليات لن يكون أشد غرابة مما جاء به سفر الأمثال ، إذ يوصي في فقرة واحدة بوصيتين متناقضتين ، في أولاهما يدعو لعدم مقابلة الجاهل حسب حماقته ، ثم يعود ليدعو إلى مقابلة الجاهل حسب حماقته ، ليترك للقارئ دهش ا لا يدري بأي الوصيتين يعمل ، يقول السفر : « لا تجاوب الجاهل حسب حماقته ، لئلا تعدله أنت ، جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيمً ا في عيني نفسه » ( الأمثال26 :4-5 ) ، فكيف يقابل أولئك الذين يهتدون بهدي الكتاب حماقة الجاهل ؟ * ومن التناقضات التي وقع فيها ك ت اب التوراة أنه جاء في سفر الملوك أن الله وعد داود فقال : «ويكون لداود ونسله وبيته وكرسيه سلام إلى الأبد » (1 ملوك 2 :33). لكنا نقرأ في سـفر صـموئيل مـا يـنقض ذلـك تمام ـا ، فقـد قـال لـه الله : « والْن يفــارق الســيف بيتــك إلــى الأبــد ، لأنــك احتقرتنــي ، وأخــذت امــرأة أوريــا الحثــي » (2 صــموئيل 12 :10 ) ، فهــل و عِــد بالســيف الأبــدي أم بالســلام الأبــدي ، فالســيف والسلام ضدان لا يجتمعان . (1) حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية ، ص555.)
عدد الصفحات ٢٥١هل العهد القديم كلمة الله ؟ * ومن التناقضات أنه جاء في سفر التكوين في الأ صحاح السادس أن البهائم التي نجت مع نوح اثنين اثنين ، من كل ما يدب على الأرض «فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك . ومن كل حيّ من كل ذي جسد اثنين ، من كلّ تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك ، تكون ذكرً ا وأنثى ، من الطيور كأجناسها ، ومن البهائم كأجناسها ، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها .اثنين من كلّ تدخل إليك لاستبقائها » ( التكوين6 :20-21 ) . ثم نقض ذلك في ا صحاح السابع فقال : « وقال الرب لنوح : ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك .. من جميع البهائم الطا هرة تأخذ معك سبعة سبعة ، ذكرً ا وأنثى .. ومن طيور السماء أيضً ا سبعة سبعة ذكرً ا وأنثى ، لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض » ( التكوين7 :2-3 ) ، فما هو الذي أمر بحمله نوح من طيور السماء ، هل أمر بحمل زوجين ، أم سبع أزواج ؟ ! ومن تناقضات ال عهد القديم التناقض في و صف أشياء محسوسة محددة ، أو أخبار تاريخية معينة ذكرت في أكثر من موضع في أسفار التوراة ، ولم يتنبه الكتبة الملهمون إلى تناقضهم مع نصوص سابقة : * ومنه أنه جاء في سفر أخبار الأيام وصف دقيق للمذبح النحاسي الذي صنعه سليمان ، ومما جاء في وصفه أنه « يسع ثلاثة آلاف بث » (2 أخبار 4 :5 ) . وكانسفر الملوك قد أورد وصف ا دقيق ا للمذبح يتطابق مع ما جاء في سفر أخبار الأيام غير أن سعة المذبح تختلف بنسبة 33% إذ جاء فيه« يسع ألفي بث » (1 ملوك 7 : 26)، فهل نسي الروح القدس ما كان أملاه أم ماذا سبب هذا التفاوت بين الرقمين؟ * ويذكر سفر الملوك أن لسليمان أربعين ألف إصطبل لخيوله ، فيقول : «وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته ، واثنا عشر ألف فارس » ( 1 ملوك 4 :26 ) .
عدد الصفحات ٢٥٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ وهذا الرقم كبير جد ا ، خاصة مع صغر أورشليم زمن سليمان ، وهو على كل حال مناقض لما جاء في سفر أخبار الأيام ، وفيه « كان لسليمان أربعة ألاف مذود خيل ومركبات ، واثنا عشر ألف فارس » (2 أخبار 9 :25 ) . ويحاول القس استانلي شوبرج كبير قساوسة السويد إزالة هذا التناقض مناظرته مع العلامة ديدات ، فيقول في محاولة يائسة منه تدعو للضحك : « إنهذا يبرهن على بركة الله ، في البداية كان عند سليمان أربعة آلاف مذود ، زادت إلى أربعين ألف مذود بانتهاء العام »(1). وأما الأسقف إيسيذورسأسقف دير البراموس (ت 1942مفينقل جورجي عن مذكرته "مشكاة الطلاب في حل مشاكل الكتاب " أنه كان يرى حلا للإشكال بافتراض «أن الكاتب لسفر أخبار الأيام ا لثاني نظر إلى أمكنة المذاود التي تتسع كل منها لعشرة خيول فلم يستبعد إمكانية اقتناء سليمان الحكيم لأربعين ألف مذود خيل»(2)، أي أنه يقر بأن المعلومة التوراتية خاطئة بسبب سوء تقدير في النظر * وتتحدث الأسفار عن غنائم داود التي غنمها من ملك صوبة ، فيقول سفر صموئيل : «وضرب داود هدد عزر بن رحوب ملك صوبة حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات ، فأخذ داود منه ألفً ا وسبع مائة فارس ، وعشرين ألف راجل ، وعرقب داود جميع خيل المركبات ، وأبقى منها مائة مركبة »( 2 صموئيل 8 :3-4 ) ، فقد أخذ منه 1700 فارس ، سوى ما أخذه من راجلته . وهذه الأرقام لا تتفق مع الأرقام التي ذكرها سفر أخبار الأيام ، حين جعل (1) انظر : مناظرتان في استكهولم ، أحمد ديدات ، ص60.) (2) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (157.)
عدد الصفحات ٢٥٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ الفرسان المأسورين 7000 فارس ، عدا ما أخذه من راجلته ، فقال : «وضرب داودُ هدر عزر ملك صوبة في حماة حين ذهب ليقيم سلطته عند نهر الفرات ، وأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس ، وعشرين ألف راجل ، وعرقب داود كل خيل المركبات ، وأبقى منها مائة مركبة »(1 أخبار 18 :3-4 ) . *ويتحــدث الســفران عــن حاشــية داود بعــد تملكــه علــى جميــع إســرائيل، فيتفقــان مجمــل الأســماء ويختلفــان في اســمين، فيقــول كاتــب ســفر صــموئيل: «وصــادوق بــن أخيطوب وأخيمالك بـن أبياثـار كـاهنين، وسـرايا كاتبًـا (2 صـموئيل 8 :17)، في حـين أن كاتب سفر الأخبار يستبدل اسمين (أخيمالـك الكـاهن بأبيمالـك، وسـرايا الكاتـب بشوشـا الكاتب)، فيقول: «وصادوق بنأخيطوب وأبيمالك بن أبياثار كاهنين ، وشوشا كاتبًـا» (1 أخبار 18 :16)(1). كما نلحظ بين السفرين جملة من الاختفات التي ترجع إلى اختلاف النساخ في تهجئة الكلمات المتقاربة في الكتابة، ومنها اسم ملك حماة (هدد عزر הדד – هدر عزر הדר)، واسم مدينتيه (باطح وبيروثاي – طبحة وخون)، وتحديد جنس القتلى الثمانية عشر ألفاً ، هل كانوا من (أرام ארם - أدوم אדום)؟. * ويقص سفر صموئيل عن حرب أرام مع بني إسرائيل ، فيقول : « وقتل داود من أرام سبعمائة مركبة ، وأربعين ألف فارس » (2 صموئيل 10 :18 ) . ثم أعادت اسفار ذكر حرب إسرائيل مع أرام فقال كاتب سفر أخبار الأيام : (1) يرجح محررو دائرة المعارف الكتابية أن الصحيح ما ذكره سفر صموئيل، وأن كلمة «أبيمالك» في (1 أخ18: 16) فالأرجح أنها خطأ من الناسخ (1/62.)
عدد الصفحات ٢٥٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ « وهرب أرام من أمام إسرائيل ، وقتل داود من أرام سبعة آلاف مركبة وأربعين ألف راجل » (1 أخبار 19 :18 ) . وبين السفرين تناقض واضح في نقطتين : الأولى : كم عدد المراكب التي قتلها جيش إسرائيل هل 700 أم7000 ، ولم يوضح لنا السفر كيف تقتل المراكب ؟ ولعله أراد من فيها . الثانية : هل كان القتلى من الفرسان أم المشاة ؟ فكيف لم يفرق ا لملهِم بين الفرسان والمشاة ؟ * ويتحدث سفر صموئيل عن أن داود قد أمره الرب بإحصاء بني إسرائيل ، فيقول : « فحمي غضب الرب على إسرائيل ، فأهاج عليهم داود قائلاً : امض وأحصِ إسرائيل ويهوذا » ، ففعل داود « فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك ، فكان إسرائيل ثمانمائ ة ألف رجل ذي بأس مستل السيف ( 800 ألف ) ، ورجال يهوذا خمسمائة ألف رجل » ( 500 ألف ) . ثم إن داود ندم على إحصائه بني إسرائيل ، وقال للرب : « لقد أخطأت جدًا في ما فعلت ، والْن يا رب أزل إثم عبدك » ، وهذا الندم عجيب ، إذ هو قد امتثل لأمر الله ، وصنع تمام ا كما أمره . ثم أمر الله النبي جاد أن يبلغ داودَ عقوبةَ الله له ، فالله يخيره بين أمور « أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك ؟ أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك ؟ أم يكون ثلاثة أيام وباء في أرضك ؟ فالْن اعرف ، وانظر ماذا أرد جوابً ا على مرسلي » ( 2 صموئيل 24 :1-13 ) . ويختلف سفر ا خبار عن سفر صموئيل في رواية القصة ذاتها ، فيقول : «
عدد الصفحات ٢٥٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل .. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود ، فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل ( مليون ومائة ألف ) مستلّي السيف ، ويهوذا أربع مئة وسبعين ألف رجل مستلّي السيف ( 470 ألف ) .. وقبح في عيني الله هذا الأمر ، فضرب إسرائيل . فقال داود لله : لقد أخطأت جدً ا حيث عملت هذا الأمر ، والْن أزل إثم عبدك ، لأني سفهت جدً ا . فكلم الرب جاد رائي داود ، وقال : اذهب ، وكلم داود قائلاً : هكذا قال الرب : ثلاثة أنا عارض عليك ، فاختر لنفسك واحدً ا منها فأفعله بك .. إما ثلاث سنين جوع ، أو ثلاثة أشهر هلاك أمام مضايقيك ، وسيف أعدائك يدركك ، أو ثلاثة أيام يكون فيها سيف الرب ووبأ في الأرض .. فانظر الْن ماذا أرد جوابً ا لمرسلي » ( 1 أخبار 21 :1 – 12 ) . فقد تناقضالنصان في أمور : 1- من الذي أمر بإحصاء بني إسرائيل الرب أم الشيطان ؟ وكما يقول العلامة ديدات : « فإن الشيطان والرب ليسا مصطلحين مترادفين في أي الديانات»(1) . 2- أعداد بني إسرائيل ، ففي سفر صموئيل كان رجال إسرائيل 800000 ، وفي أخبار الأيام أضحوا 1100000 ، وفي سفر صموئيل كان رجال يهوذا 500000 رجل ، فجعلهم سفر الأخبار 470000 رجل ، فأي السفرين أرقامه صحيحة ؟ ومن المخطئ ، هل هو الروح القدس أم الكتبة الملهمون ؟ الآباء اليسوعيون في نسخة الرهبانية اليسوعية يرفضون كل هذه الأرقام« :من الواضح أن الأرقام مبالغ فيها كما في كثير من الأرقام المماثلة في العهد القديم ، وقد (1) انظر : مناظرتان في استكهولم ، أحمد ديدات ، ص29.)
عدد الصفحات ٢٥٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ زيد عليها أيض ا في سفري الأخبار »(1). وكذلك يستنكر أمثال هذه الأرقام الأب جورج سابا، ويراها من المبالغات غير الواقعية ، والتي وقع فيها المؤلفون لأنهم كانوا لا يلتزمون «بموجب قواعدنا العصرية الدقيقة، بل بموجب الطرق السامية الشرقية القديمة القائمة على جمع الذكريات .. لذا في العهد القديم أمور تثير استغرابنا من روايات مزدوجة و أرقام غريبة ووصف على غرار الملحمة الخروج من مصر وفتح أريحا .. إلى غير ذلك من أمور لم تتوخَ الواقع التاريخي» (2). ويرجح رولان دوفو أن «هذه الأرقام زائفة »، وأن شعبي إسرائيل يهوذا لم يتجاوزوا المليون إنسان قط، ويستدل لذلك بعمليات حسابية تعتمد على الحدس والتوقع أحيان ا ، وعلى المنطق أحيان ا، فسكان فلسطين عام 1931م كان مليون ا وأربعة عشر ألف ا، ولا يمكن أن نتوقع أنهم أكثر من ذلك قبل ثمان وعشرين قرن ا ، كما أردفها بشواهد مما كان الإسرائيليون يدفعونه من جزية للآشوريين (انظر: 2 ملوك15 : 19-20)(3). 3- وهل كانت العقوبة التي خير داود ثلاث سنين جوع أم سبع سنين . وفي سبب هذه المشكلة يفيدنا القس صموئيل مشرقي أنه نتج عن تشابه هجاء الرقمين (3 שלוש) و(7 שבע) في الكتابة العبرية(4)، وهو التبرير الذي يورده في عدد (1) حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية ، ص (155.) (2) على عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص154). (3) انظر: بنو إسرائيل: مؤسساتهم وتشريعاتهم في ضوء العهد القديم، رولان دوفو 1 / 105-109.) (4) انظرمصادر الكتاب المقدس، ص (129.)
عدد الصفحات ٢٥٧