هل العهد القديم كلمة الله ؟ اشتقاقات عربية لا يصح أن تكون في كتاب أصل لغته العبرية . ومن ذلك: * يقول سفر التكوين : « وولدت له قايين ، وقالت : اقتنيت ر جلاً من عند الرب» ( التكوين 4 :1) ، فكلمة « قايين » كما في قاموس الكتاب المقدس معناها : «حداد»(1)، فالمناسبة معدومة بين الاقتناء أو الشراء ، واسم قايين الذي يعني : حداد. * ومثله قوله : « دعي اسمها بابل ، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض » ( التكوين11 :9 ) . وكلمة بابل في اللغة الآكادية « باب ايلو » بمعنى : « باب الرب » كما في قاموس الكتاب المقدس (2) ، وعليه فليس من مناسبة بين اسم بابل والبلبلة التي تذكرها التوراة ، فالمناسبة التي يزعمها الكاتب غير متحققة . وهنا يسعفنا الأب سهيل قاشا بسبب هذا التحريف لمعنى كلمة (بابل) من «باب ا» إلى (البلبلة«هل كان البابليون منتشرين بكل الأرض وهل كانوا يملكونها أم أن الكاتب التوراتي حقد على بابل وسكانها، لم يرغب أن يسميها «بيت الإله» أو «باب ا»، بل جعلها مركز بلبلة الألسنة»(3). *ومثله حاول كاتب سفر الخروج إيجاد علاقة بين اسم موسى وانتشال ابنة فرعون له من الماء ، فقال : « ولما كبر الولد جاءت به [ أخته ]إلى ابنة فرعون فصار لها ابنً ا ، ودعت اسمه : موسى . وقالت : إني انتشلته من الماء »(الخروج2 :10) ، فزعم أن المرأة المصرية ـ التي لا تعرف العبرانية ـ سمته بموسى ؛ لأنها انتشلته من الماء ، وأنها اشتقت اسمه من الكلمة العبرانية ( مشا ) أي ( انتشل ) . (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص710. ) (2) المصدر السابق . (3) بابل والتوراة، الأب سهيل قاشا، ص66.)
عدد الصفحات ٢٢٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ وهذا الزعم بعبرانية اسم موسى يتشكك به الآباء اليسوعيون في تعليقهم على النص ، إذ يقولون : «إن ابنة فرعون لا تتكلم العبرية ، في الواقع هذا اسم مصري يعرف بصيغته المختصرة: موزس »(1)، ومعناه : ولد أو ابن . وأما محققو الترجمة الع ربية المشتركة فيعلقون : «موسى : اسم من أصل مصري ، ولكن الكاتب وجد له اشتقاق ا خاص ا به »(2) . *ومن صور التحريف الهامة ما صنعه المترجمون المسيحيون للمزمور الثا ، حيث اكتشفوا أن بإمكانهم استيلاد نبوءة عن المسيح بتكلفة لا تتجاوز زيادة كلمتين ، فالنص الماسوري العبري للمزمور الثاني يقول: «واهتفوا برعدةلئلا يغضب، فتبيدوا من الطريق»(المزمور2 :12)،فأضافوا عليه: (قبِّلوا الابن)، أي المسيح ، فأضحى النص في النسخة المسيحية: «واهتفوا برعدة، قبّلوا الابن لئلا يغضب ، فتبيدوا من الطريق ». وهذا اللفظ «قبِّلوا الابن » ورد في ترجمة سريانية، «وأما السبعينية وكذلك الترجوم فقد ترجمها : (اقبلوا التعليم) ، وأما ترجمة سيماخوس وجيروم فوضحتها هكذا: (اعبدوا بنقاوة)، وكذلك ترجمة أكويلا : (قبلوا باختياركم) .. ولكن جيروم في ترجمته اقتنع ب أنها : (اعبدوا الابن)، ولكنه عاد فحذفها لتشككه ، وجعلها: (اعبدوا بنقاوة)، ولكن من الأسهل أن نجعلها: ( قبِّلوا الابن) »(3)، وهكذا صارت القراءة (1) حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية ، ص155.) (2) حاشية نسخة الترجمة العربية المشتركة1/69.) (3) المزامير، الأب متى المسكين (2/28)، و ترجمتا اكويلا وسيماخوس ترجمتان العهد القديم إلى اليونانية، أنجزهما يهودي يدعى أكويلا عام 126م، ومسيحي أبيوني =
عدد الصفحات ٢٢٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ الأسهل جزء ا من وحي الله، لأنها تجعل من هذا المزمور نبوءة عن المسيح، بينما تحرمنا القراءات الأخرى من هذه النبوءة. * وأعاد مترجمو الكتاب المقدس هذا النوع من التحريف الذي يستولد النبوءات بقليل من التغيير والتبديل في المزمور الثاني والعشرين ، فقد غي روا حرف ا واحد ا ، فاستولدوا من رحِم التبديل نبوءة مزعومة عن المسيح الذي مات على الصليب وقد ثقبت يداه ورجلاه ، يقول المزمور : «لأنه قد أحاطت بي كلاب ، جماعة من الأشرار اك تنفتني ، ثقبوا يديّ ورجليّ »( المزمور22 :16 ) ، وليس في النص العبراني كلمة : (כָאֲרִוּ ) ثقبوا ، التي تنطق ( كأرو ) ، بل يستخدم كلمة (כָאֲרִי ) ( كأري ) التي تعني كأسد ، والنص بتمامه : « כִּי סְבָבוּנִּי , כְלָבִּים : עֲדַת מְרֵעִּים , הִּקִּיפוּנִּי ; כָאֲרִּי , יָדַי וְרַגְלָי » . وقد اعترفت نسخة الرهبانية اليسوعية بالتحريف ، وذكرت أن النص المحرف « بحسب الترجمة اللاتينية الشائعة ، والكلمة العبرية تعني : ( كالأسد ) ، وهي غامضة»(1)، وهكذا فلغموض كلمة الأسد تلاعبوا بالنص وحوروه إلى: «ثقبوا يديّ ورجليّ ». *ومن صور تحريف المترجمين ما يقع بسبب الاشتراك اللفظي للكلمة التي تحتمل معان متغايرة، ومن ذلك كلمة (בּרך)، وهي في الأعم الغالب تستخدم بمعنى «البركة»، وقد تستخدم بضدها «اللعنة» ، وحيث وردت هذه الكلمة في سفر أيوب (هرطوقي) اسمه سيماخوس (ق 2)، وقد أثبتهما العلامة أوريجانوس في نسخته «الهكساب» أي «السداسية»التي وصلنا منها شذرات فقط (1) حاشيةنسخة الرهبانية اليسوعية ، ص (1143.)
عدد الصفحات ٢٢٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ حين قالت له زوجته بعد ما أصابه القرح : «أنت متمسكبعدُ بكمالك ، بارك (בּרך) الله ومُت »( أيوب2 :9 ) ، واجتهدت معظم التراجم العربية والأجنبية، وترجمتها إلى معناها الضد مستدلة بالسياق ، فأضحى النص في الرهبانية اليسوعية: «جدِّف على الله ومُت »، ومن المعلوم أن التجديف والبركة نقيضان ، ويبقى السؤال يطارد المترجمين : هل طالبت زوجة أيوب زوجها بالتجديف على الله أم طلب البركة منه ، أيهما أراده الروح القدس ؟. * ومن تلاعب المترجمين في النص التوراتي ما وقع لقول نبي الله أيوب ، فقد قال: «وبعد أن يفنى جلدي هذا ، وبدون جسدي أرى ا »( أيوب19 :26 ) ، فالنص يتحدث عن فناء جلد أيوب ، وأنه سيرى الله ، لكن لا بجسده ، وهذه المعاني تغاير تمام ا ما جاء في نسخ عربية وعالمية كثيرة (اليسوعية، المشتركة، السارة ..) تقول: «وبعد أن تلبس هذه الأعضاء بجلدي ، ومن جسدي أعاين ا »،فهذه النسخ ترى خطأ في الأصل العبراني يستحق التصحي ح، ف الجلد لن يفنى، بل سيلبس الأعضاء، وهو سيعاين الله ويراه بجسده ، وهكذا فالنسخ متناقضة بسبب تدخل المترجمين ، فأيهما هو كلمة الله ؟ * ويتحدث النص التوراتي عن القرية البائسة ؛ قرية بيت شمس الذين رأوا تابوت الرب ، فعاقبهم بقتل ما يربو على خمسين ألف من أهل تلك القرية البائسة ، كما يذكر ذلك النص العبراني الماسوري ، حين يقول : « ضرب أهل بيتمش ، لأنهم نظروا إلى تابوت الرب ، وضَرب من الشعب خمسين ألف رجل وسبعين رجلاً ، فناح الشعب، لأن الرب ضرب الشعب ضربة عظيمة » (1 صموئيل6 :19.) لكن هذا الرقم الكبير للقتلى أقضّ م ضاجع مترجمي النص ، وجرح مشاعرهم، فأعادوا الحياة إلى خمسين ألف من القتلى حين نقصوهم إلى سبعين شخص ا فقط ،
عدد الصفحات ٢٢٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ حيث يقول نص نسخة الرهبانية اليسوعية : «وضرب الرب أهل بيت شمس ، لأنهم نظروا إلى تابوت الرب ، وقَتل من الشعب سبعين رجلاً ، وكانوا خمسين ألف رجل ، فناح الشعب ، لأن الرب ضرب هذا الشعب هذه الضربة العظيمة .. »( 1 ملوك6 : 19)، ومثله ف علت الترجمة العربية المشتركة ، وهي نص نقدي، فقد جعلت القتلى سبعين ، حذفت من النص أي ذكر للخمسين ألف، فقالت : «وضرب الرب أهل بيت شمس ، لأنهم نظروا إلى تابوت العهد ، فمات منهم سبعون رجلاً ، فناحوا لهذه الضربة». *ويتحدث النص التوراتي في سفر صموئيل عن ألقانة بن يروحام الأفرايمي ، وعما أعطاه لزوجتيه حنّة وفننّة من الأنصبة ، فيقول : «وأما حنّة فأعطاها نصيب اثنين، لأنه كان يحب حنّة »(1 صموئيل1 :5) ، ولكن المترجمين اكتشفوا في النص خطأ فأصلحوه، فأضحى في ا لترجمة العربية المشتركة: «وأما حنّة فيعطيها حصة واحدة ، مع أنه كان يحبها ». *وتحدثت التوراةفي سفر الخروج في الحديث عن ابن واحد لموسى من زوجته صفورة المديانية ، وهو جرشوم ابن موسى «فولدت ابنا فدعا اسمه جرشوم نه قال : كنت نزيلاً في أرض غريبة » (الخروج2 :22)،ولما كان النص التوراتي يتحدث في ( الخروج 18 :4 )عن ابن آخر لموسى من زوجته المديانية، فقد رأت بعض النسخ العربية والأجنبية إضافة الحديث عن هذا الابن الثاني في (الخروج 2 :22)، فصار النص في النسخة الكاثوليكية التي تصدرها دار الكتاب ا لمقدس للشرق الأوسط : «وولدت أيضًا غلامًا ثانيًا ، ودعا اسمه العازر ، فقال : من أجل أن إله أبي أعانني وخلصني من يد فرعون » ، ففي هذه الزيادة استدراك لما فات النص التوراتي أن يذكره. * و حين ذكر النص التوراتي كا لب بن حصرون فإن النسخ الحديثة تاهت في
عدد الصفحات ٢٣٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ تحديد علاقته مع يريعوث، ففي حين أن النصوص العبرية ذكرت «كالب بن حصرون ولد من عزوبة امرأته ومن يريعوث » (1 أخبار2 :18)، فعزوبة ويريعوث زوجتان لكالب، وهي معلومة لم تعجب طابعي الكتاب المقدس ومترجميه، فالآباء اليسوعيون في نسخة الرهبانية اليسوعية والترجمة العربية المشتركة جعلوا «يريعوث» ابنة لكالب، أنجبها من زوجته «عزوبة»: «وكالب بن حصرون ولد من عزوبة امرأته ابنة اسمها يريعوث». وتعترف دائرة المعارف الكتابية بوقوع الفوضى في موضوع«يريعوث»، وترى«أنه في الحقيقة نص غامض، مما أدى إلى تعدد الآراء»، وتقترح للخلوص من هذه الفوضى تغيير حرف «الواو» في قوله«ومن يريعوث» إلى (أو من يريعوث)، وهذا«يجعل يريعوث اسم ا آخر لعزوبة »(1)، وهكذا يغدو التحريف الحلَ الوحيد لهذه المعضلة الكتابية . ويجدر التنبيه هنا إلى أن «جيروم يذكر في ترجمته اللاتينية «الفولجاتا» أن الاسم هو اسم ابن كالب من زوجته عزوبة»(2) . *وتحدث سفر أيوب عن المسـاكين الـذين يجـأرون بالشـكوى إلـى الله ، فهـم: «من الوجعأناس يئنون، ونفس الجرحى تسـتغيث، والله لا ينتبـه إلـى الظلـم » ( أيـوب 24 :12)، وكلمة«الظلم » بدت لطابعي الكتاب المقدس ومترجميه خطـأ ولا ريـب، فغي رتها الترجمة الســريانية إلـى «الصـلاة » ، واعتمـدت هـذهاللفظـة «الصـلاة » نسـخة الرهبانية اليسوعية ، والعربية المشتركة، والأخبار السارة ، فـالنص فيهـا جميع ـا: «وا لا يلتفت إلى الصلاة »، أي: الله لا يستجيب لدعوات هؤلاء الداعين. (1) دائرة المعارف الكتابية(8/261). (2) المصدر السابق (8/261).
عدد الصفحات ٢٣١هل العهد القديم كلمة الله ؟ ونبه الآباء اليسوعيون في حاشية نسختهم إلى اعتمادهم الكلمـة بحسـب الـنص الســ ـرياني ، وذكــر وا أن الكلمــة العبرانيــة المســتخدمة هــي « الحماقــة »(1)، فــأي هــذه الكلمات أوحاها الله (الصلاة أو الظلم أو الحماقة)؟ * وحين ترنم كاتب المزمور ( 102 ) ، قال : «اليوم كله عيّرني أعدائي ، الحنقون عليّ حلفوا عليّ »(المزمور102 :9 ) ، ولكن نسخة الرهبانية اليسوعية وأمثالها لم ير ق لهم قوله: «حلفوا علي »فكتبوا بدلا عنها«يلعنونني »، وأشاروا إلى أنهم يتابعون الترجمة السريانية التي تقول: « الذين كانوا يمدحونني »(2)، فأي هذه المعاني المتنافرة (الحلف، اللعن، المدح) هو كلمة الله ؟ وهل أعداء المترنم حلفوا عليه أم لعنوه أم مدحوه ؟ * وطلب موسى من الله أن يردف معه أخاه هارون نبي ا ، ويعرض النص التوراتي الطلب بطريقة فجة مجافي للأدب ، فقد قال له موسى : «استمع أيها السيد ، أرسل بيد من ترسل، فحمي غضب الرب على موسى » ( الخروج 4 :13-14 ) ، لكن المترجمين أزعجهم فجاجة النص، فعملوا على تلطيفه ، فغدا في عدد من النسخ العربية والأجنبية، ومنها الرهبانية اليسوعية : « رحماك يا رب ، ابعث من أنت باعثه» ، وهذا الأدب الجم الذي ذكروه لم يمنع من حلول السخط على موسى ، إذ يكمل النص : «فاتقد غضب الرب على موسى » من غير أن يظهر لقارئ نسختهم سبب يبرر هذا الغضب. (1) انظر: حاشية الرهبانية اليسوعية، ص1082.) (2) انظر : المصدر السابق، ص1252.)
عدد الصفحات ٢٣٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ ثم هـا هـي أسـفار العهـد القـديم تـتهم القـوم بتحريـف التـوراة ، فحـين كـان بنـو إسرائيل في بابـل بـدأ عـزرا الكاتـب في كتابـة الأسـفار الضـائعة ، والتـي غابـت عـن بنـي إسرائيل طويلا ، لكن النبي إرميا ، ـ وهو أحد أعظـم أنبيـاء مـا قبـل السبــي ـ نعـى كثيـر ا على أولئك الأنبياء الكذبة الذين س بوا إلـى بابـل ، وأخـبر بـانحرافهم وكـذبهم علـى الله فيما ينسبونه إلى وحي الله ، وقد وقع ذلك منه في نصوص عديدة: * منها قوله : « قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبؤوا باسمي بالكذب قـائلين : حلُمتُ ، حلُمتُ » (إرميا23 :25) . *ويقول : « كيف تقولون : نحن حكماء ، شريعة الرب معنا حقً ا ، إنه إلى الكذب ، حوَّ لها قلم الكتبة الكاذب » ( إرميا8 :8 ) ، فقد حرفت كلمة الله بيد الكتبة الكذبة . * ويؤكد وقوع التحريف ، ويتهدد بالعقوبة أولئك الذين مازالوا يتحدثون عن كلام الرب الذي حرفوه ، فيقول : « وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً : ما وحي الرب ؟ فقل لهم : أي وحي ؟ إني أرفضكم هو قول الرب ، فالنبي أو الكاهن أو الشعب الذي يقول : وحي الرب أعاقب ذلك الرجل وبيته . هكذا تقولون ، الرجل لصاحبه ، والرجل لأخيه ، بماذا أجاب الرب وماذا تكلم به الرب : أما وحي الرب فلا تذكروه بعد ، لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه ، إذ قد حرّفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا »( إرمياء23 :33-36 ) . *وقد وقع التحريف في سفره « فأخذ إرمياء درجًا آخر ، ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب ، فكتب فيه عن فم إرميا كل كلام السفر الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار، وزيد عليه أيضً ا كلام كثير مثله » ( إرميا36 :32 ) ، ولم يذكر السفر من الذي زاد
عدد الصفحات ٢٣٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ على قول إرمياء النبي . * كما تحدث إرميا عن أولئك الذين يدعون النبوة ، والرب لم يرسلهم : «قال رب الجنود إله إسرائيل : لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم ، ولا تسمعوا لأحلامهم التي يتحلمونها ، لأنهم يتنبؤون لكم باسمي الكذب ، أنا لم أرسلهم يقول الرب » ( إرميا29 :8-9 ) . *ويواصل إرميا الحديث عن أولئك الذين رآهم يكتبون الكتب وينسبونها إلى الله ، فيقول : «وصار في الأرض دَهَ ش وقشعريرة ، الأنبياء يتنبؤون بالكذب ، والكهنة تحكم على أيديهم ، وشعبي هكذا أحب » ( إرميا5 :30-31 ) . لقد تمالأ الجميع على هذا التحريف ، الأنبياء الكذبة والكهنة والشعب اليهودي . * ويقول النبي إشعيا : « ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الـرب ، فتصـير أعمـــالهم في الظلمـــة ، ويقولـــون : مــــن يب صــــرنا ، ومـــن يعرفنـــا ؟ يــــالتحريفكم » (إشعيا 29 :15-16) . *وفي حزقيال نقرأ: « القائلون : وحي الرب . والرب لم يرسلهم .. وتكلمتم بعرافة كاذبة قائلين : وحي الرب ، وأنا لم أتكلم » ( حزقيال13: 6-7 ) . وهكذا تعرض التوراة نوعين من التحريف : تحريف الكتبة الذين يدعون الوحي، وتحريف بني إسرائيل وهم يحرفون كلام الله الذي جاء على لسان أنبيائه . * لقد حصل ما توقعه موسى حين قال : « خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم . . لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق » ( التثنية31 :24-29 ) .
عدد الصفحات ٢٣٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ لم يكن اتهام اليهود بتحريف كتابهم اختراع ا إسلامي ا، بل سبق إليه علماء المسيحية وغيرهم. * فالقديس يوستينوس (ت 165م) اتهم اليهود بتحريف كتابهم المقدس، ولما كتب محاوره اليهودي تريفون مستنكر ا: «الله وحده يعلم ما إذا كان معلمونا قد حذفوا أجزاء من الكتاب المقدس كما تقول أم لا، ولكن هذا القول يبدو غير معقول»، حينها ذك ره يوستينوس بقبائح أخرى غير معقولة صنعها اليهود: « يبدو بالفعل غير معقول، لأنه عمل يفوق في شناعته إقامة العجل الذهبي الذي صنعوه .. كما يفوق في بشاعته تقديم أطفالهم ذبائح للشياطين أو ذبح الأنبياء، ويبدو أنك لم تسمع حتى عن الكتب المقدسة التي قمتم ببترها»(1). ومضى يوستينوس يذكر له صور ا من التحريف ، فقال «لقد حذفوا هذا الجزء من الفقرات التي يتحدث عنها عزرا عن قا نون الفصح: (وقال عزرا للشعب: ه ذا الفصح هو مخلصنا وملجأن ا، وإذا فهمتم و دخل هذا قلبكم أننا سوف نهينه على الصليب، وبعد ذلك نضع رجاءنا فيه، فإن هذا المكان يترك إلى الده ر، يقول رب القوات، ولكن إن لم تؤمنوا به ولم تستمعوا لتعاليمه ستكونون سخرية الأمم )»(2). وضرب له مثالا آخر لتحريف اليهود، فقال: «وأيض ا حذفوا هذه الكلمات من سفر إرميا : (الرب الإله تذكر موتاه من بني إسرائيل الراقدين في القبور ، ونزل إليهم (1) حوار مع تريفون، يوستينوس، النصوص المسيحية في العصور الأولى ، ص234.) (2) المصدر السابق ، ص232.)
عدد الصفحات ٢٣٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ ليبشرهم بخلاصه)»(1). ومن أمثلة التحريف التي ذكرها يوستينوس قوله«وفي المزمور95 تم حذف عبارة (على خشبة)، في حين أن النص يقول: (قولوا بين الأمم: الرب قد ملك على خشبة)، فقد تركوا فقط: (قولوا بين الأمم: الرب قد ملك) (96 :10)»(2). كما أطلعنا يوستينوس على صور أخرى من تحريف العهد القديم حين استشهد بنصوص مقدسة لا نجد لها أثر ا فيه، منها قوله: «عندما يقول النبي: (في زمن نوح أنا خلصتك)»(3)، فهذه العبارة لم يسجلها أي من أسفار العهد القديم ومثله قوله: «وعن قيامته يقول إشعيا: في دفنه يرفع من الوسط، وأيض ا سأجازي الأغنياء عند موته»(4)، وهما نصان مفقودان من سفر إشعيا ، وإن كان الأخير منهما يشبه ولا يشبه قول إشعيا: «وجعل مع الأشرار قبره ، ومع غني عند موته » (إشعيا53 :9.) *ومن بعد يوستينوس تنبه العلامة أوريجانوس إلى ما صنعه مترجمو الكتاب إلى اليونانية في مطلع سفر إرميا، حين قال: «لو نظرنا إلى بدايةنبوة إرميا بحسب ما جاء في الترجمة السبعينية ، فإنني لا أدري لماذا ك تب: (كلام الرب الذي جاء إلى إرميا بن حلقيا، أحد الكهنة)، بينما مكتوب في الترجمة العبرية وجميع الطبعات الأخرى (1) المصدر السابق ، ص232.) (2) المصدر السابق ، ص232.) (3) المصدر السابق ، ص316.) (4) المصدر السابق ، ص264.)
عدد الصفحات ٢٣٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ هكذا : (كلام إرميا بن حلقيا من الكهنة) »(1)، فالتساؤل الذي أثاره أوريجانوس بلطف: «فإنني لا أدري لماذا ك تب؟ »؛ جوابه: إنه التحريف والتلاعب بالنص يا أوريجانوس . كان هذا بعض ا مما نبهنا على تحريفه الآباء في القديم. * وأما في الحديث فيعترف كبار المراجع النصرانية بوقوع التحريف والزيادة المستمرة حيث تقول لجنة الكتاب المقدس البابوية في مدخلها سنة 1948م : « يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية». *ويقول حبيب سعيد «ولا خير في إخفاء الحقائق الواضحة، والحق هو الحق، ولا فائدة من إخفائه أو تجاهله .. إذا وجد هنا او هناك فارق في لفظة أو مقطع فليس الأمر ذي بال .. وقد ترك جل جلاله ألفاظ الكتاب المقدس لتكون عرضة إلى حد ما للمخاطر التي يتعرض لها أي كتاب آخر تكتبه يد البشر»، لأن المقصود«ليس عبادة الحرف والنص، بل طاعة القدير وإدراك الروح في وحي العلي .. وفوق كل شيء إعلان ذاته في يسوع المسيح ربنا ومخلصنا»(2). *وكذلك نستذكر ما قاله ال فيلسوف اليهودي الشهير باروخ اسبينوزا عن تحريف الأسفار التوراتية ، حيث يقول : «لا يسلم معظم المفسرين بوقوع أي تحريف في النص ، حتى في الأجزاء الأخرى ، ويقررون أن الله بعناية فريدة قد حفظ التوراة كلها من أي ضياع .. لقد قلت فعلا: إن كلام الله مزيف ومنقوص ومحرف، وأننا لا (1) عظات على سفر إرمياء، أوريجانوس، ( العظة20، الفقرة 5.) (2) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (48.)
عدد الصفحات ٢٣٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ نملك منه إلا شذرات»(1). ويواصل بنبرة متحدية: «وعلى المرء في أثناء محاولته تفسير الروايات والتوفيق أن يراعي العبارات والأساليب ، وطرق الوصل في الكلام ، ويشرحها بحيث نستطيع طبقاً لهذا الشرح أن نقلدها في كتاباتنا ، ولسوف أنحني مقدماً في خشوع لمن يستطيع القيام بهذه المهمة ، وإني على استعداد لأن أشبهه ( بأبوللو ) نفسه ، على أني أعترف بأني لم أستطع أن أجد من يقوم بهذه المحاولة ، على الرغم من طول بحثي عنه .. ومع أني مشبع منذ طفولتي بالآراء الشائعة عن الكتاب المقدس ، فقد كان من المستحيل أن لا أنتهي إلى ما انتهيت إليه . وعلى أية حال فليس هناك ما يدعونا إلى أن نعطل القارئ هنا مدة طويلة، وأن نعرض عليه في صورة تحد أن يقوم بمحاولة ميئوس منها»(2). وأمام مطارق العلم والبرهان التي تثبت وقوع التحريف لم يبق من حجة يستمسك بها المؤمنون بالأسفار إلا التدليس والكذب، وهذا ما صنعه الأديب الروسي الحائز على جائزة نوبل في الآداب إيفان بانين (ت 1953م، فقد كتب عام 1942م مقالات في صحيفة أمريكية عن سر الرقم 7 في التوراة والإنجيل، وزعم أن دراساته التي استمرت أربعين سنة ق د أثبتت استحالة وقوع التحريف في الكتاب المقدس بسبب الشفرة العددية التي لا تغيب عن جملة من جمله، فهو: «مكتوب على قاعدة نظام حسابي هندسي بديع بحبث لا يستطيع علماء البشر وفلاسفتهم أن يكتبوه من أنفسهم مهما أجهدوها .. جميع كلماته وحروفه تنقسم إلى سبعات .. من أوله إلى آخره .. هنا لا يوجد مجال للتحريف على الإطلاق، لأن الكتاب بهذه الصورة لا (1) رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص289 ،327.) (2) المصدر السابق، ص289.)
عدد الصفحات ٢٣٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ يحتمل أن تزاد عليه (أ) واحدة أو تنقص منه .. هو السور الواقي، إنها الكيفية الحسابية التي منعت إمكانية قبول الكتاب لزيادة أو نقصان كلمة أو حرف .. هذا الاكتشاف أصبح الضربة القاضية على أقوال المنتقدين ممن يرفضون الكتاب المقدس أو ينكرون وحيه»(1). ولفهم هذا الإعجاز الهندسي نتأمل م ا قاله بصدد الفقرة الأولى من سفر التكوين : «في البدء خلق الله السموات والأرض»، إذ هي في الأصل العبري مكونة من 7 كلمات عبرية ، وفيها من 28 حرفا ، أي 7 ×4 ،والكلمات الأساسية ف يها: «ا» و«السماء» و«الأرض»، وعدد حروفها 14 أي7 ×2 . والكلمات الأولى التي في ها فعل وفاعل ومفعول مكونة أيضا من 14حرفا ، والمفعولان مع ا يتكون كل واحد منهما من 7 أحرف .. والقيمة العددية بحساب الجم ل للكلمات الثلاث الأساسية هي 777 أي7 × 111. وأماالفعل الوحيد في الآية (خلق) فقيمته في حساب الجمل 203 أي7 × 29 . والقيمة العددية للكلمات التي تحتل على التوالي بداية ووسط ونهاية الآية هي 133 أي7 × 19. واليوم وبعد موت إيفان بستين سنة لم يعد أحد يحفل بترهاته ولا ي صدق سباعياته إلا القس صموئيل مشرقي ، فقد أعاد لأسطورة إيفان الحياة بعد أن صارت من ركام الماضي الذي ذهب ولن يعود ، وقد سبقه إلى التعلق بها القس جبرة تواضروس في كتابه (بديع الحساب في تنزيل الكتاب)، وكارل سابييرز عام 1977في كتابه (إكتشافات جديدة مذهلة ، و هذه الأسطورة الرقمية يبددها ماذكرناه وما لم (1) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص131-132.)
عدد الصفحات ٢٣٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ نذكره في مواضع الخلاف والاختلاف في أصالة بعض الكلمات والجمل والأسفار ، ويذكرنا هذا كله بالخزعبلات التي أشار إليها اسبينوزا: «أما اختلاف القراءات فهو نظرهم علامة على أسرار في غاية العمق ، ويتناقشون بشأن النجوم الثمانية والعشرين الموجودة وسط إحدى الفقرات ، بل تبدو أشكال الحروف ذاتها وكأنها تحتوي على أسرار كبيرة ، ولست أدري إن كان ذلك ناجم ا عن اختلال العقل ، وعن نوع من تقوى العجائز المخرفين ، أم أنهم قالوا ذلك بدافع الغرور والخبث ، حتى نعتقد أنهم وحدهم هم الأمناء على أسرار الله ، ولكني أعلم فقط أني لم أجد مطلق ا أي شيء عليه سيما السر في كتبهم ، ولم أجد فيها إلا أعمالا صبيانية »(1). (1) رسالة في اللاهوت والسياسة، باروخ اسبينوزا، ص289.)
عدد الصفحات ٢٤٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ التناسق الداخلي شرط لا يختلف العقلاء على لزوم اشتراطه في توثيق نسـبة أي كتاب إلى الله ، فالكتاب الذي يكذِّ ب بعضه بعض ا ، لا يمكن اعتباره كتاب ا مقدس ا ، كما لا يمكن اعتبار بقيته مقدس ا ، إذ وجود الكـذب في بعضـه يطـرح الشـك في مصـدره الكاذب .﴿ أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيـرًا ﴾ [النساء : 82 ] . ولوجود التناقضات في الكتاب المقدس دلالات كثيرة أهمها : أنه يثبت أن هذه الأسفار بشرية في مصدرها ، فقد وقع ك تّ ابها فيما يقع فيه البشر الضعفاء الذين يتوقع منهم الجهل، ولو كانت هذه الأسفار ملهمة من قبل الله لما خالف ك تابها بعضَ هم فيما أوردوه من معلومات تاريخية وغيرها . ووقوع الخطأ من أحد المتناقضين من ك ت اب التوراة في قضايا بسيطة يسهل حفظها والتمكن منها يشير إلى إمكانية بل تح قق وقوع مثله في المسائل اللاهوتية والغيبية التي تحتاج إلى مزيد من العناية والتدقيق . وهذه التناقضات التي نسوقها ، معظمها توصلنا إليه من خلال دراسة أجزاء تم إعادة كتابتها ثانية من قبل كتاب الأسفار ، ولو كتبت بقية الأجزاء ثانية لوقفنا على تناقضات تطال كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يدعي البعض أنه مقدس . والتناقضات التوراتية كثيرة ، ومنها ما هو متعلق بأصول المعتقد ، ومنها ما هو متعلق بصفات الله ، فالأسفار التوراتية تصف الله بالصفة ونقيضها . * فتــذكر التــوراة أن الله « إلــه الــدهر الــرب خــالق أطــراف الأرض ، لا يكــل ولا يعيا» ( إشعيا 40 :28 ) ، وهو حق ولا ريب ، لكنه ينـاقض مـا ورد في مواضـع أخـرى
عدد الصفحات ٢٤١