هل العهد القديم كلمة الله ؟ تحدث القرآن الكريم عن تحريف التوراة في آيات كريمة منها قول الله تعالى : ﴿يَا أَه لَ ال كِتَابِ لِمَ تَل بِس ونَ ال حَق بِال بَاطِلِ وَتَك ت م ونَ ال حَق وَأَنت م تَع لَم ونَ﴾ [ آل عمران : 71]، ويقول : ﴿مِّنَ ال ذِينَ هَاد وا ي حَرِّف ونَ ال كَلِمَ عَن م وَاضِعِهِ ﴾ [النساء : 46 ] ، ﴿ وَقَد كَانَ فَرِ يقٌ مِّن ه م يَس مَع ونَ كَلاَمَ اللّهِ ث م ي حَرِّف ونَه مِن بَع دِ مَا عَقَل وه وَه م يَع لَم ونَ﴾ [البقرة : 75 ] . وعن تحريفهم بالنقص يقول: ﴿ ق ل مَن أَنزَلَ ال كِتَابَ ال ذِي جَاء بِهِ م وسَى ن ورا وَه د ى لِّلن اسِ تَج عَل ونَه قَرَاطِيسَ ت ب د ونَهَا وَت خ ف ونَ كَثِيرا ﴾ [الأنعام :91 ] ، ﴿إِن ال ذِينَ يَك ت م ونَ مَا أَنزَلَ اللّه مِنَ ال كِتَابِ وَيَش تَر ونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلا أ ولَـئِكَ مَا يَأ ك ل ونَ فِي ب ط ونِهِم إِلا الن ارَ وَلاَ ي كَلِّم ه م اللّه يَو مَ ال قِيَ امَةِ وَلاَ ي زَكِّيهِم وَلَه م عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة : 174 ] ، ويقول: ﴿يَا أَه لَ ال كِتَابِ قَد جَاءك م رَس ول نَا ي بَيِّن لَك م كَثِيرا مِّم ا ك نت م ت خ ف ونَ مِنَ ال كِتَابِ وَيَع ف و عَن كَثِيرٍ ﴾ [المائدة : 15 ] . وعن تحريفهم بالزياد ة والكذب على الله يقول : ﴿فَوَي لٌ لِّل ذِينَ يَك ت ب ونَ ال كِتَابَ بِأَي دِيهِم ث م يَق ول ونَ هَـذَا مِن عِندِ اللّهِ لِيَش تَر وا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا فَوَي لٌ ل ه م مِّم ا كَتَبَت أَي دِيهِم وَوَي لٌ ل ه م مِّم ا يَك سِب ونَ﴾ [البقرة : 79 ] ،وقال: ﴿وَإِن مِن ه م لَفَرِيقاً يَل و ونَ أَل سِنَتَه م بِال كِتَابِ لِتَح سَب وه مِنَ ال كِتَابِ وَمَا ه وَ مِنَ ال كِتَابِ وَيَق ول ونَ ه وَ مِن عِندِ اللّهِ وَمَا ه وَ مِن عِندِ اللّهِ وَيَق ول ونَ عَلَى اللّهِ ال كَذِبَ وَه م يَع لَم ونَ﴾ [آل عمران: 78]. فالتحريف إذ ا يكون بالنقص والزيادة ، وكل ذلك وقع في التوراة كما سنرى . وقبل أن نلج لعرض بعض صور التحري ف يستوقفنا سؤال يطرحه النصارى دائم ا : هل من الممكن أن يحرِّ ف أحد كلام الله ؟ وكيف أذن الله بهذا التحريف ؟
عدد الصفحات ٢١٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ ونقول : الكتاب المقدس يتحدث عن إمكانية تحريفه ، ويذكر لنا ـ كما سيمر معنا شهادة الأنبياء على تحريفه ـ ، فلو كان الكتاب غير ممكن التحريف لما كان أي معنى أو فائدة لآخر فقرة وردت فيه «لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب ، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة » ( الرؤيا22 :18-19 ) ، فهذه الفقرة تحذر من تحريف الكتاب ، فدل ذلك على أنه ممكن الحدوث ، وفيها وعيد صادم لمن يحرف الكتاب بزيادة أسفار الأبوكريفا السبعة في الكتاب أو حذفها وإسقاطها منه ، أو غير ذلك من صور التحريف. وقد تنبأ النبي عاموس بفقد كلمة الرب (تحريف النقص والضياع) ، فيقول : «هوذا أيام تأتي ، يقول السيد الرب : أرسل جوعً ا في الأرض ، لا جوعً ا للخبز ، ولا عطشً ا للماء ، بل لاستماع كلمات الرب ، فيجولون من بحر إلى بحر ، ومن الشمال إلى المشرق ، يتطوّحون ليطلبوا كلمة الرب ، فلا يجدونها » ( عاموس8 :11-12) ، فالنص ـ كما ترى ـ نبوءة عن فقد الكتاب ، واحتياج الناس إليه، وبحثهم عنه بلا فائدة. وأما قول قائلهم : كيف يسمح الله بحدوث ذلك ؟ فإن القائل نسي سنة الله في الكافرين والمارقين ، وقد أذن لهم ـ وفق مشيئته وقدره ـ بسبّه والكفر به وعصيان أوامره، ومثله تحريف كتابه الذي أمر بني إسرائيل بحفظه ، فأضاعوه وحرفوه ، كما صنعوا بكل شرائعه ، وكما ولغوا في دماء أنبيائه ، وكل هذه المخازي لم تخرج عن قدر الله الكوني ومشيئته وعلمه السابق . ولما اعترض بعضهم على حفظ الله للقرآن الكريم، وعدم صون التوراة
عدد الصفحات ٢١١هل العهد القديم كلمة الله ؟ والإنجيل عن التبديل والتحريف تولت رسالة رومية وسفر إشعيا الرد عليهم: «من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها: «لماذا صنعتني هكذا؟»أم ليس للخزاف سلطان على الطي ن، أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان »(رومية9 :20-21) (وانظر إشعياء 29 :16)، فلا يحق لمخلوق ضعيف أن يعترض على خالقه ، كما لا يحق لآنية الخزف أن تحتج وتستنكر على الخزاف الذي يصنع منها إناء تؤكل فيه أطايب الطعام، وآخر تشرب فيه أم الخبائث. * ومن صور التحريف بالنقص تلك الإحالات الإنجيلية إلى التوراة والتي لا نجدها في الأسفار الموجودة بين أيدينا ، ومن ذلك ما جاء في متى « ثم أتى وسكن بلد تسمى ناصرة ، ليكمل قول الأنبياء : أنه سيدعى ناصريً ا » ( متى2 :23 ). يقول المفسروليم باركلي« هذه النبوءة تواجه المفسرين بصعوبة كبيرة، ذلك لأنه لا يوجد عدد في العهد القديم بهذا المعنى، وحتى مدينة الناصرة نفسها غير مذكورة على الإطلاق في العهد القديم، ولم يوجد حل كاف لهذه المشكلة »، هذه المشكلة التي يعتبرها الأب الدكتور ريموند براون « أصعب اقتباس في الإنجيل »(1). *ومن صورالنقص ما شهد المسيح بضياعه حين قال : «أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء »( متى12 :5 ) ، ولا يوجد مثله في كلام التوراة ، فدل ذلك على ضياعه وفقده . (1) تفسير إنجيل متى، وليم باركلي، ص 37)، وميلاد المسيا، ريموند براون، ص (223)، واتفاق البشيرين، سمعان كلهون، ص75).
عدد الصفحات ٢١٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ * وينسب سفر طوبيا ( من أسفار الأبوكريفا ) إلى توراة موسى ما ليس فيها ، فقد أمر ملاك الرب طوبيا بخطبة سارة بنت رعوئيل ، وقال له مطمئن ا : «فأنا أعلم أن رعوئيل لا يقدر أن يزوجها لأحد سواك حسب شريعة موسى ، لأنه يعاقب بالموت ، لأنك أحق الناس بها »( طوبيا6 :13 ) ، وهذا الحكم غير موجود في شريعة موسى، لذا علق محققو الترجمة العربية المشتركة على هذا النص بقولهم : «لا نجد في شريعة موسى عقاب الموت في هذه الحالة »(1). *ومما نفقده في سفر المراثيمرثية الملك يوشيا ، فقد ذكر كاتب سفر أخبار الأيام الثاني أنه موجود فيه فقال : «ورثى إرميا يوشيا ، وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم ، وجعلوها فريضة على إسرائيل ، وها هي مكتوبة في المراثي »(2 أخبار 35 :25 ) . وهذا الموضوع لم يتطرق إليه سفر المراثي أبدا بشهادة الآباء اليسوعيين الذين كتبوا في حاشيته : «سفر المراثي المنسوب إلى هذا النبي ( إرميا ) لا يحتوي على شيء يتعلق على وجه خاص بهذا الملك ، إن هذا النص الذي يستند محرر الأخبار إليه مفقود»(2). *ومن السقط أيض ا خاتمة الأ صحاح الثاني من سفر الخروج ، الذي ينتهي بصورة فجائية ، عند قوله : «ونظر الله بني إسرائيل ، وعلِم اللهُ » ( الخروج2 :25 ) ، وقد أشار محققو نسخة الرهبانية اليسوعية إلى أن الأصحاح مبتور . * ومن النقص ما تضع بعض التراجم والنسخ نجوم ا بدلا منه ، منها النسخة (1) حاشية النص في الترجمة العربية المشتركة2/11.) (2) وانظر المدخل إلى العهد القديم ، د. صموئيل يوسف ، ص303.)
عدد الصفحات ٢١٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ العربية لدار ال كتاب المقدس التي اعتمدناها في هذه السلسلة ، فمن سفر صموئيل سقط بيان جزاء بني إسرائيل إن استقاموا على عبادة الله ، ففيه أن صموئيل قال : «إن اتقيتم الرب وعبدتموه وسمعتم صوته ، ولم تعصوا قول الرب ، وكنتم أنتم والملك أيضً ا الذي يملك عليكم وراء الرب إلهكم ***** [ هكذا في المطبوع ] ، وإن لم تسمعوا صوت الرب بل عصيتم قول الرب تكن يد الرب عليكم »( 1 صموئيل 12 : 14-15 ) . *وتتلألأ النجوم مرة أخرى في سفر صموئيل الثاني مشيرة إلى وجود سقط في تمام حديث داود عن العرج والعمي ، فيقول السفر : «قال داود في ذلك اليوم : إن الذي يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة والعرج والعمي المبغضين من نفس داود ***** [ هكذا في المطبوع ] لذلك ي قولون : لا يدخل البيت أعمى أو أعرج »( 2 صموئيل 5 :8 ) . *ونحوه سقط بعض النص في سفر حزقيال في وصف الزانية وبيان حالها ، واستعيض عنه بالنجوم «فقلت عن البالية في الزنا : الْن يزنون زنى معها ، وهي *** [ هكذا في المطبوع ] ، فدخلوا عليها كما يُ دخَ ل على امرأة زانية »( حزقيال23 :43). *ومثلهوقع النقص في رسالة ملك أرام إلى ملك إسرائيل «فأتى بالكتاب إلى ملك إسرائيل يقول فيه ****** ، فالْن عند وصول هذا الكتاب إليك ، هوذا قد أرسلت إليك نعمان عبدي ، فاشفه من برصه »( 2 ملوك 5 :6 ) . *كما وقع النص في رسالة أخرى ، وهي رسالة ياهو ، حيث جاء في سفر الملوك « فكتب ياهو رسائل وأرسلها إلى السامرة ، إلى رؤساء يزرعيل الشيوخ وإلى مربّي آخآب قائلاً : ****** ، فالْن عند وصول هذه الرسالة إليكم » ( 2 ملوك 10 : 1-2 ) .
عدد الصفحات ٢١٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ * وفي سفر أخبار الأيام الأول يفجؤنا نقص آخر عوضه كتبة الكتاب المقدس بنجوم أثبتوا من خلالها ضياع بعض كلمات الناموس ، إذ يقول : «وبنو عزرة يثر ومرد وعافر ويالون ****** ، وحبلت بمريم وشماي ويشبح أبي اشتموع »(1 أخبار 4 :17) ، فيا ترى كم سقط من أبناء عزرة ، ومن هم الذين تحدث عنهم النص قبل أن يعود لتلك التي سقط اسمها ، والتي حبلت بمريم ؟ وقد تنبه الآباء اليسوعيون ومحررو الترجمة العربية المشتركة للنقص ، فأكملوه من عندياتهم ، وأراحوا القراء من عناء الإجابة عن سؤالنا ، فالنص عند الآباء اليسوعيين : « وبنو عزرة : ياتر ومارد وعافر ودالون ، واتخذ مارد بتية ، فحبلت بمريم وشماي ويشباح أبي اشتموع» ، إنهم يكملون عن الروح القدس والأنبياء ما فاتهم أن يسجلوه ، أو بالأحرى يستكملون ما ضاع من أسفارهم ! ! والنص لم يسلم من صور أخرى من الترقيع أو التحريف، فالترجمة العربية المشتركة ونسخة الأخبار السارة ومن يوافقهما من التراجم العالمية لا تعترف أن «يشباح أبي اشتموع »، بل هو «يشباح باني مدينة أشتموع »، كما حذفتا اسم (مريم)، فصار النص عندهما: «وتزوج مارد بثية، فولدت وشماي ويشبح باني مدينة أشتموع»، ولن يغيب عن القارئ تغير اسم «شماي» إلى«وشماي» بسبب تشابه النطق والكتابة العبرية. * كما وقع النقص في خا تمة الأ صحاح السادس من سفر زكريا ، ولم يجد طابعو الكتاب المقدس ما يكملون به الجملة إلا أربعة من النجوم ختموا بها هذا الأصحاح « والبعيدون يأتون ويبنون في هيكل الرب ، فتعلمون أن رب الجنود أرسلني إليكم ، ويكون إذا سمعتم سمعً ا صوت الرب إلهكم **** » ( زكريا6 :15 ) . *وفي أحيان أخرى وضع طابعو الكتاب المقدس -- ) للدلالة على وجود
عدد الصفحات ٢١٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ سقط في النص ، ومن صوره «في الأنبياء -- انسحق قلبي في وسطي ، ارتخت كل عظامي »( إرمياء23 :9) ، ومثله في نشيد الأنشاد «وحنكك كأجود الخمر -- لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين »( نشيد7 :9 ) . *ومن النقص في الأسفار ضياع اسم الكاهن الذي كان لعشيرة منيامين ، فقد سها عنه كاتب سفر نحميا حين قال : «ولأبيا زكري ، ولمنيامين ، لموعديا فلطاي » (نحميا12 :17 ) ، وعلقت الترجمة العربية المشتركة بقولها : «لا يورد النص العبري اسم ال كاهن في عشيرة منيامين »(1) ، وأما الآباء اليسوعيون ، فوضعوا نقط ا بدلا عن الاسم المفقود(2). ويقدر الفيلسوف اسبينوزا عدد المواضع التي وقع فيها السقط في الأسفار بثمان وعشرين موضع ا ، اعتاد العلماء الماسوريون على ترك فراغ لها في نسخهم(3). ولئن كانت نقولات ا لآباء الأولين من الأسفار مما يطرب له المسيحيون، ويرون فيه شهادة أخرى على أصالة الكتاب، فإنه من المقابل يمكننا أن نرى في منقولاتهم شهادة على تحريف الكتاب بضياع بعض نصوصه التي نقلها هؤلاء الآباء، ولم نجدها في أسفار العهد القديم، ومن ذلك مواضع كثيرة نقلها كتاب «الدسقولية» الذي يوليه الأرثوذكس أهمية خاصة، ويصدقون ما جاء في مقدمته«نحن الإثني عشر رسولا .. معنا أخونا بولس ويعقوب .. كتبناه وأرسلناه على يد أكليمندس رفيقنا»(4)، (1) انظر: حاشية النص في الترجمة العربية المشتركة1/601.) (2) حاشية النص في الرهبانية اليسوعية، ص (871.) (3) رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص296.) (4) الدسقولية، ص15)، ولا ريب أن هذه النسبة غير صحيحة، وأن الكتاب منحول من =
عدد الصفحات ٢١٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ فبحسب هذه المقدمة فإن الدسقولية لا تقل أهمية عن الأناجيل، فقد كتبها تلاميذ المسيح الذين كتبوا أسفار العهد الجديد. * وقد نسب هؤلاء التلاميذ إلى الناموس وأسفار الأنبياء نصوص ا لا نجدها في الأسفار اليوم، من ذلك قول الدسقولية: « اسمعو أيها الأساقفة، اسمعوا أيها العلمانيين، كما يقول الرب : إني أحكم بين كبش وكبش ، وبين خروف وخروف ويقول: إني أحاكم الرعاة لأجل تفريطهم وهلاك خرافي »(1)، وهذان القولان لا أثر لهما البتة في أسفار العهدين، القديم والجديد. * وفي موضع آخر: «فهذا أجر عظيم لكم من الله لأنه يقولمن يخرج الجليل من غير المستحق يكون مثل فمي »(2)، وليس في الأسفار المقدسة ما يشبه هذا من قريب أو بعيد. * وتنسب الدسقولية إلى الناموس ما ليس فيه، فتقول: «قائ في سفر الناموس : لاتعملوا لكم طرزا ولا أصداغ ا»(3). *وتنسب إلى النبي إرميا ما لا نجده في سفره ولا المراثي «كما قال إرميا النبي: أخرجت الجماعة السوء من الله الرب، ويرفض البيت من جهته»، وفي موضع أحد الآباء في القرنين الميلاديين: الثالث أو الرابع، إذ لا يمكن الجمع بين وجود بولس وبطرس اللذين ماتا في أواسط القرن الأول وبين ذكر إنجيل يوحنا الذي كتب بعد وفاتهما بثلاثين سنة، فهو على كل حال من كتابات الآباء المهمة. (1) المصدر السابق، ص94.) (2) المصدر السابق، ص94.) (3) المصدر السابق، ص19.)
عدد الصفحات ٢١٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ آخر نسبوا إليه القول: «إن إسرائيل قد زكى نفسه من قلة رضا يهوذا»(1). *وأما النبي إشعيا ففي الدسقولية قولينسب إليه لم تتسع له أصحاحات سفر إشعيا الستة والستين: «نحن التراب، وهو خالقنا»(2) . *وبعيد ا عن «الدسقولية» فإن في كتابات الآباء الأولين الكثير من ا لإحالات الكتابية المفقودة، ومن ذلك ما نسب ته رسالة برنابا التي كانت مقدسة في قرون المسيحية الأولى كما نقل ذلك أوسابيوس في تاريخه ، فقد أحالت على نصوص توراتية مفقودة في عديد من المواضع، منها قولها: «يقول النبي: (فليأكلوا من العجل المقدم يوم الصوم من أجل كل الخطايا .. فليأكل الكهنة فقط الأحشاء غير المغسولة والخل)»(3). *وفي موطن آخر تقول الرسالة «يقول نبي آخر: (كانت أرض يعقوب ممدوحة أكثر من كل أرض) .. يقول أيض ا: (كان هناك نهر يجري، وعلى ضفته اليمنى كانت تنمو أشجار جميلة، ومن يأكلها يحيا إلى الأبد)»(4). *ويمضي كاتب رسالة برنابا إلى ذكر نبوءة توراتية عن المسيح لا أثر لها في توراة اليوم، فيقول: «إن نبي ا آخر يعطي تحديد ا للصليب قائلا : (متى ستتحقق كل هذه الأمور؟ عندما يسطح الخشب فوق الأرض، ثم تنتصب، وقد رشح منه الدم)، هذا (1) المصدر السابق، ص164،101.) (2) المصدر الساب ق، ص ( 120)، ولرؤية المزيد من المواضع انظر ص 95،112،126، 157.) (3) رسالة برنابا، الآباء الرسوليون، ص84.) (4) المصدر السابق، ص90.)
عدد الصفحات ٢١٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ الكلام يشير إلى الصليب ، وإلى من يعلو فوق ه»(1)، فأين اختفت هذه النصوص من توراتنا الحالية؟ ومن المسؤول عن ضياعها؟ * وكذلك نسب الأب أكليمندس الروماني (ت 101) إلى موسى عليه السلام أنه «قال: إني لست سوى دخان يتعالى من المِرجل» (رسالة أكليمندس الأولى 17 : 6)، ومثل هذا لا نجده في أي سفر من أسفار العهد القديم. * ومثله قوله: «ورب الكل تكلم عن التوبة: ... ثم يضيف هذه العبارة المليئة بالطيبة: ( توبوا يا بيت إسرائيل عن خطاياكم، قل لأبناء شعبي: لو صارت خطاياكم من الأرض إلى السماء، ولو أصبحت أحر من الجمر، و أحلك من الكيس (ثوب الحداد) ثم التفتم نحوي، وقلتم من أع ماق قلوبكم: أيها الرب، استجب لنا، نحن شعبك المقدس) » (رسالة أكليمندس الأولى 26 :8.) *وكذلك فعل الأب كيرلس الأورشليمي (ت379م) أسقف أورشليم، فقد نسب إلى سفر المزامير نبوءة بقيامة المسيح، حين قال: «وهذا اليوم معلوم عند الرب، ليس بنهار ولا ليل »، وزعم أن النب وءة تحققت يوم الصلب «حين ساد الظلام على الأرض كلها في وضح النهار »(2). *وأما القديس يوحنا فم الذهب بطريرك القسطنطينية (ت 407م، فينقل عن نبي لم يسمه قولا لا أثر له في أسفار العهد القديم، حيث بقول: «اسمع ما يقوله النبي (الويل لكم يا من تقتربون من اليوم الشرير، يا من تقتربون وتحفظون سبوت ا (1) المصدر السابق، ص90.) (2) العظة الثالثة عشرة، كيرلس الأورشليمي13/24.)
عدد الصفحات ٢١٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ كاذبة)»(1). *ويستشهد ذهبي الفم بنص آخر مفقود، فيق ول: «الله اتهم اليهود من خلال النبي قائلا : (الأرض أخرجت ثمر ا بزيادة، وأنتم لم تقدموا عشوركم، أما سلب الفقير فهو في بيوتكم)»(2). *وكذلك فإنالقديس أوغسطينوس (430م يحيل إلى سفر المزامير ، وإلى المزمور 40 تحديد ا بقوله: «ولكي يرينا أنهم لم يجنوا شيئ ا بقتله، إذ كان سيقوم ، فقال: «ألا يعود الراقد أن يقوم» ، وبعد ذلك بقليل يتكلم عن مسلمه في نفس النبوءة تلك الكلمة التي قالها أيض ا في الإنجيل: (الذي أكل خبزي رفع عليَّ عقبه) » (3)، فالنبوءة التي يقصدها أغسطينوس نجدها في (المزمور 41 :9)، ولا نجد قبلها في نفس المزمور ولا غيره النبوءة بقيامته من الموت «ألا يعود الراقد أن يقوم »، بل نجد ضدها: «يقولون: أمر رديء قد انسكب عليه، حيث اضطجع لا يعود يقوم » (المزمور 41 :8). *وأحيان ا يوردالآباء نصوص ا من العهد القديم تختلف جد ا عن الموجود في الأسفار المقدسة اليوم، ففي حين نقرأ في سفر إشعيا اليوم أن الرب: «صار لهم مخلصًا، في كل ضيقهم تضايق ، وملاك حضرته خلصهم بمحبته ورأفته ، هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأ يام القديمة » (إشعيا63 :8-9)، فإن الأب إيريناوس (ت 202م ينقله بقراءة مختلفة، فيقول: «وهذا ما يقوله النبي: (ليس رسولا ولا ملاك ا ، (1) الغني والفقير، يوحنا فم الذهب، ص22.) (2) المصدر السابق، ص50.) (3) الإيمان بأمور لا ترى، أغسطينوس، ص24.)
عدد الصفحات ٢٢٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ بل الرب نفسه سيخلصهم، لأنه يحبهم ويتراءف عليهم، وهو نفسه يفكهم)»(1)، فإن النص الحالي ينسب الرأفة والرحمة والخلاص لبني إسرائيل إلى «ملاك حضرته »، بينما النص بحسب إي ريناوس يتحدث عن «الرب نفسه .. وهو نفسه »، ولن يخفى على القارئ زيادة إيريناوس قوله: «ليس رسولا ولا ملاك ا». إن هذه المواضع الضائعة من أسفار العهد القديم لم تنجح في استدراكها آلاف المخطوطات التي يتباهى بكثرتها النصارى ، فهي على كثرتها لم تكن كافية في إبلاغنا النصوص التوراتية بتمامها. ويمتد السقط والضياع في الأسفار التوراتية ليشمل أسفار ا توراتية ضاعت واندرس خبرها(2)، وشهد لضياعها أسفار العهد القديم الموجودة في الكتاب المقدس . * منها : سفر حروب الرب المذكور في سفر العدد ، حيث يقول : «لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفة وأودية أرنون »( العدد21 :14 ) . *وكذا يَ رثي المحققون ويألمون لضياع سفر أخبار صموئيل الرائي ، وسفر أخبار ناثان النبي ، وأخبار جاد الرائي الذين ذكروا في سفر أخبار الأيام ، حيث يقول : «وأمور داود الملك الأولى والأخيرة هي مكتوبة في أخبار صموئيل الرائي وأخبار ناثان النبي وأخبار جاد الرائي »(1 أخبار 29 :29 ) . *ومن الأسفار الضائعة سفر أخبار شمعيا النبي ، وسفر عدوَ الرائي المذكوران (1) ضد الهرطقات، إيريناوس ( ك3 ، ف20.) (2) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص174.)
عدد الصفحات ٢٢١هل العهد القديم كلمة الله ؟ في سفر أخبار الأيام «أمور رحبعام الأولى والأخيرة ، أما هي مكتوبة في أخبار شمعيا النبي وعِ دّو الرائي » (2 أخبار 12 :15 ) . *ومن الضائع أيض ا سفر أخبار النبي أخيا الشيلوني « هي مكتوبةفي أخبار ناثان النبي وفي نبوّة أ خيا الشيلوني وفي رؤى يعْ دو الرائي » (2 أخبار 9 :29 ) . *ومنها أيضا سفر ينسب للنبي إشعيا ذكره كاتب سفر أخبار الأيام حين قال : «وبقيةأمور عزيا الأولى والأخيرة كتبها إشعيا بن آموص النبي »(2 أخبار 26 :22)، ومن المعلوم أن سفر إشعيا الحالي لم يتحدث مطلق ا عن الملك عزيا ، فإما أنه سقط منه ، أو أن الإحالة إلى سفر آخر كتبه النبي إشعيا ، وضاع فيما ضاع من أسفار التوراة. * يقول المفسر الإنجليزي آدم كلارك (ت 1832م : « حصل لقلوب العلماء قلق عظيم لأجل فقدان تاريخ المخلوقات فقدانً ا أبديً ا » ، ومقصوده السفر الذي أشار إليه سفر الملوك ، حين قال عن سليمان : « وتكلم بثلاثة آلاف مثل ، وكانت نشائده ألفً ا وخمسً ا ، وتكلم عن الأشجا ر من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط ، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك » ( 1 ملوك 4 :32-33 ) ، فأين هذا السفر ؟(1) *ومن الأسفار التي نفتقدها في العهد القديم سفر أخنوخ الذي استشهد به يهوذا في رسالته ، وكان ذلك سبب ا في تأخ ر الاعتراف برسالته (2)، قال : «وتنبأ عن هؤلاء أيضً ا أخنوخ السابع من آدم قائلاً : هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ، ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا (1) انظر: تفسير آدم كلارك (يشوع- إستير/534.) (2) انظر : علم اللاهوت النظامي ، واين جرودم1/48.)
عدد الصفحات ٢٢٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ بها ، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار »( يهوذا1 :14 ) . وهذا السفر موجود بالفعل ، واقتباس يهوذا منه موجود في ( أخنوخ 1 :9 ) كما نقل محررو قاموس الكتاب المقدس ، لكن آباء الكنائس النصرانية اعتبروه سفر ا مزيف ا غير قانوني ، ولم يشفع له استشهاد يهوذا والآباء الأوائل للكنيسة به ، يقول محررو قاموس الكتاب المقدس عن هذا السفر : «سفر من الأسفار غير القانونية .. والكتاب مليء بأخبار الرؤى عن المسيّا المنتظر والدينونة الأخيرة وملكوت المجد .. وقد اقتبس بعض الآباء الأوائل في العصور المسيحية الأولى بعض أقوال هذا السفر .. ولكن قادة المسيحيين فيما بعد أنكروا هذا الكتاب ورفضوه .. »(1). *وكذا ف قِد من الكتاب المقدس سفر ياشر ، الذي أحال عليه يشوع النبي : «أليس هذا مكتوبًا في سفر ياشر : فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل »( يشوع10 :13 ) ، وفي موضع آخرقال: «أن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس ، هوذا ذلك مكتوب في سفر ياشر » ( 2 صموئيل1 :18 . ) ومــن التحريــف الــذي تعرضــت لــه الأســفار المقدســة عنــد اليهــود والنصــارى تحريــف الزيــادة ، وهــو بــاب كبيــر يشــمل تلــك المواضــع المشــينة التــي أضــيفت في الأسفار، ونسبت إلى الأنبياء ، وكما يشمل ما تضمنته الأسفار مـن معلومـات تاريخيـة ومسميات ظهرت بعدهم ، كما سبق بيانه ، ومنه تلك الأخبار الملفقة والمكذوبـة عـن الله ورسله مما ذكرناه قبل . (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص32.)
عدد الصفحات ٢٢٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ * وكذا ف قِد من الكتاب المقدس سفر ياشر ، الذي أحال عليه يشوع النبي : «أليس هذا مكتوبًا في سفر ياشر : فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجلللغروب نحو يوم كامل »( يشوع10 :13 ) ، وفي موضع آخرقال: «أن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس ، هوذا ذلك مكتوب في سفر ياشر » ( 2 صموئيل1 :18 . ) *ومن صور تحريف الزيادة ذكر كاتب سفر التكوين اسم إسحاق في سياق قصة الذب يح ، بدلا من إسم اعيل ، فقد أمر الله إبراهيم بذبح ابن ه الوحيد « خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق » ( التكوين22 :2 ) ، فقوله«إسحاق» مزيدة ولا ريب، إذ لا يصلح وصف «الوحيد» إلا على إسماعيل الذي بقي وحيدا لأبيه14 عام ا. فقد صرحت التوراة بأن إسماعيل أكبر أبناء إبراهيم ، وأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة «كان أبرام ابن ست وثمانين سنةً لمّا ولدت هاجر إسماعيل لأبرام » ( التكوين 16 :16 ) ، فيما ولد إسحاق بعده بأربعة عشر عام ا «وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه »( التكوين 21 :5 ) . لكن النصارى يزعمون أن إسماعيل لا يصلح أن يحسب ابنا لإبراهيم ، لأنه ابن جارية ، ويتناسون أنه ابن شرعي حقيقي ، كما في التوراة نفسها «فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان ، وأعطتها لأبرام رجلها زوجةً له . فدخل على هاجر فحبلت .. »( التكوين 16 :31-4 ) ،وفي موضع آخر من السفر يقول : « ولدت هاجر لأبرام ابنً ا . ودعا أبرام اسم ابنه الّذي ولدته هاجر : إسماعيل »( التكوين 16 :15-16 ) . وعندما غارت سارة من هاجر«قالت لإبراهيم : اطرد هذه الجارية وابنها ، لأنّ ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق . فقبح الكلام جد ا في عيني إبراهيم لسبب ابنه ( أي إسماعيل ) . فقال الله لإبراهيم : لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل
عدد الصفحات ٢٢٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ جاريتك »(التكوين 21 :10-12) . ويثبت لهالكتاب البنوة مرة أخرى ، فيقول : «ودفنه إسحق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة »( التكوين 25 :7 ) . هذا ولم تقل التـوراة أبـد ا أن إسـماعيل ابـن غيـر شـرعي لإبـراهيم ، فهـذه سـارة امرأة إبراهيم أيقنت أنها لن تنجب لإبراهيم نسلا ، فـآثرت أن تزوجـه بهـاجر : « ادخـل على جاريتي لعلّي أرزق منها بنين ، فسمع أبرام لقول ساراي »(التكوين 16 :1-4 ) ، «فولدت هاجر لأبرام ابنًا . ودعا أبرام اسم ابنه الّذي ولدته هاجر إسماعيل »( التكوين 16 :15-16 ) . ثم كيف يدعيالمؤمنون بالكتاب المقدس أن الله أمر إبراهيم بذبح إسحاق ، وقد وعده الله أن يريه ذرية ونسلا من إسحاق ، وهو لم يولد بعد ، فإبراهيم يعلم أن ابنه إسحاق لن يموت ولن يذبح ، لأنه سيكبر ، وستكون له ذرية كما وعده الله « في كلّ ما تقول لك سارة اسمع لقولها ، لأنّه بإسحاق يدعى لك نسلٌ »( التكوين 21 : 12-13) . وهكذا،فقوله : « خذ ابنك وحيدك » حق ، وكلمة « إسحاق » زيادة ولبسٌ للحق بالباطل ، ويشهد لقولنا بالتبديل قوله : « لم تمسك ابنك وحيدك عني » ( التكوين 22 :12، 16 ) ، ولم يذكر فيه اسم إسحاق . ولمترجمي الكتاب المقدس نصيبهم من التحريف الذي أضحى سمة لكل أولئك المؤتمنين على الكتاب المقدس ، حيث يتلاعب هؤلاء بالنصوص ، وهم يقومون بترجمتها ، من صور هذا النوع من التحريف الصور التي نعرضها والتي ت وضح مقدار الحرية التي تعامل بها المترجمون مع النصوص التوراتية ، إذ النص العربي يذكر
عدد الصفحات ٢٢٥