هل العهد القديم كلمة الله ؟ سفاحاً. فكيف يتسنى لأحد أن يصدق بأن هذا الكتاب تنزيل من عند الله؟»(1). ومن جهته فإن ديورانت يرسم شخصية بالغة السوء لداود التورا« داود الشجاع قاتل جالوت، وحبيب يوناثان وكثير من الفتيات، الذي يرقص بكل قوته وهو نصف عارٍ، .. قاس غليظ القلب كما كان الناس في وقته، وكما كانت قبيلته، وكما كانت الصفات التي خلعها على إلهه .. يقتل الأسرى جملة كأنه ملك من ملوك الآشوريين، ويأمر ابنه سليمان بقتل شمعي بن جيرا الذي لعنه منذ سنين كثيرة : «والْن فلا تبرره ، لأنك أنت رجل حكيم، فاعلم ما تفعل به، وأحدر شيبته بالدم إلى الهاوية » (1 ملوك 2 :9)، ويأخذ امرأة أوريا الحثي بين نسائه في غير حياء، ويرسل أوري ا إلى الصف الأول في ميدان القتال ليتخلص منه، ويقبل زجر ناثان له في ذلة، ولكنه مع ذلك يحتفظ ببثشبع الجميلة .. وصف رجل حقيقي لا رجل خيالي، اكتملت فيه عناصر الرجولة المختلفة، ينطوي على جميع بقايا الهمجية، وعلى كل مقومات الحضارة»(2). وإذ أنزه نبي الله العظيم داود عن وصف ديورانت وفولتير الشنيع ، فإني أبدي أسفي لما جاء في التوراة من كذب فاحش أزرى بشخص هذا النبي العظيم عند كل قارئ لقصة بششبع وغيرها من المصائب والرزايا المنسوبة بهتان ا إلى هذا النبي العظيم. لكن العجب العجاب أن كل ما نسبته الأسفار زور ا إلى نبي الله داود ، لم يمنعها (1) المصدر السابق38/199.) (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت 2/331) بتصرف يسير، وقول ديورانت عن داود «حبيب يوناثان» إيماءة إلى ما ذكرته التوراة«يا أخي يوناثان، كنتَ حلو ا لي جد ا، محبتك لي أعجب من محبة النساء » (2 صموئيل1 :26.)
عدد الصفحات ١٧٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ من وصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال ، فقد قال عنه الله : «وجدتُ داود بن يسّى رجلاً حسب قلبي ، الذي سيصنع كل مشيئتي »( أعمال13 :22 ) ، وجعله المثل الأعلى والمقياس الأوفى الذي يوزن به ملوك بني إسرائيل ، فقد ذكرت الأسفار أن الله لم يمزق مملكة سليمان إكرام ا لأبيه الذي حفظ وصايا الله ، فتقول : « ولا آخذ كل المملكة من يده ، بل أصيره رئيسً ا كل أيام حياته ، لأجل داود عبدي ، الذي اخترته ، الذي حفظ وصاياي وفرائضي »( 1 ملوك 11 :34 ) . ويؤكد سفر الملوك استقامة داود على فرائض ا ، وتنعي على سليمان أنه لم يكن مثل أبيه الذي اتبع أوامر الله بالتمام ، فتقول : «عمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تمامً ا كداود أبيه »( 1 ملوك 11 :6 ) . ولم تعتأسفار التوراة أي ا من الرزايا المنسوبة إلى داود ذنب ا فيما عدا قصته مع امرأة أوريا الحثي ، وأما مذابحه المزعومة التي صنعها للفلسطينيين جمع ا لمهر خطيبته ميكال أو محرقته ونشره لعظام العمويين ، فذلك كله لا خطيئة فيه «داود عمل ما هو مستقيم في عيني الرب ، ولم يحد عن شيء مما أوصاه به كل أيام حياته ، إلا في قضية أوريا الحثّي » ( 1 ملوك 15 :5 ) ، وقد عوقب على هذا الذنب بما هو أقبح منه، «هكذا قال الرب : هانذا أقيم عليك الشر من بيتك ، وآخذ نساءك أمام عينيك ، وأعطيهنّ لقريبك فيضطجع مع نسائك في عين هذه الشمس ، لأنك أنت فعلت بالسرّ ، وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع اسرائيل وقدام الشمس» (2 صموئيل12 :11-12)، والقريب الذي يعنيه النص هو ابنه أبشالوم الذي اغتصب جواري أبيه داود علانية أمام جميع الشعب «فنصبوابشالوم الخيمة على السطح، ودخل أبشالوم إلى سراري أبيه أمام جميع إسرائيل» (2 صموئيل16 :22).
عدد الصفحات ١٧٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ وأمـــا ســـليمان النبـــي الحكـــيم الـــذ ي يشـــهد لـــه القـــرآن والتـــوراة بالحكمـــة . (انظر 2 أخبار 2 :12) . فقد كان له نصـيب أكـفي سلسـلة المخـازي التوراتيـة ، فقـد جعلته التوراة عابد ا لأصنام نسائه اللاتي بلغن ألف ا ، كما بنى المعابد لعبادتهـا ، فغضـب عليه الرب وسخط ، تقول التوراة : «كانت له سبع مائة من النسـاء السـيدات ، وثـلاث مائة من السراري ، فأمالت نساؤه قلبه ، وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه . فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين ، وعمل سليمان الشر في عيني الرب ، ولم يتبع الرب تمامً ا كداود أبيه ، حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم ، ولمولك رجس بني عمون ، وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كنّ يوقدن ويذبحن لْلهتهنّ . فغضب الرب على سليمان ، لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين، وأوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى ، فلم يحفظ ما أوصى به الرب ، فقال الرب لسليمان : من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها ، فإني أمزق المملكة عنك تمزيقً ا وأعطيها لعبدك » ( 1 ملوك 11 :3-11 ) . وكانت الأسفار قد أثنت على سليمان ، وذكرت بشارة الله لأبيه داود بهذا الابـن الذي سيبني بيت الله ، ووصفته بالبر والطهارة الذي عبرت عنه الأسفار بلفظة البنـوة لله ، وهو لفظ يدل على صلاح صاحبه ـ كما هو معهود في التوراة ـ ، تقـول البشـارة لـداود : « هوذا يولد لك ابن ، يكون صـاحب راحـة ، وأريحـه مـن جميـع أعدائـه حواليـه ، لأن اسمه يكون سليمان ، فأجعل سلامً ا وسكينة في إسرائيل في أيامه ، هو يبني بيتً ا لاسمي ، وهو يكون لي ابنً ا ، وأنا لـه أبًـا »(1 أخبـار 22 :9-10 ) ، كمـا ذكـرت الأسـفار أن الله
عدد الصفحات ١٨٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ سماه « يديـديا »( أي حبيـب الـرب ) ، لأن «الـرب أحبـه » ( 2 صـموئيل 12 :24 ) ، فهل ضيع سليمان ـ المبَشـر بـه ـ أوامـر الـرب؟ وهـل عمـل الشــر وبنـى معابـد الأوثـان طمع ا في رضا نسائه؟ أم كان ـ المحبوب عند الله ـ فصدق فيه قول الله في القرآن ، فقال : ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [سورة ص : 30 ] . ونتساءل : لو كان هذا حال أنبياء الله حق ا ؛ فما فائدة النبوات بعد ذلك إذا كان المختارون من البشر وصفوتهم على مثل هذه الحال ؟ وأي خير يرتجى في إصلاح البشرية وتطهيرها من دنس الشرك والخطيئة بعد الذي قرأنا ؟ ثم هل تخليد هذا الدنس يصدر عن وحي السماء ؟ لو كان ذلك الذي ذكرته التوراة من المخازي حق ا فما فائدة تخليده؟ ما الفائدة المرجوة منه حتى يسطره الله في وحيه ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . ثم نتوجه بالسؤال لأولئك الذين يطلبون التهذيب والكمال الروحي من خلال سطور الكتاب المقدس ، فنقول : لو فرضنا أن هذا الكتاب كان إلهي ا؛ فإنه قد عجز عن تهذيب الأنبياء الذين أوحي به إليهم ، فقتلوا وزنوا وسكروا وبنوا معابد للأصنام ، وهو بالتالي أعجز عن أن يهب الهداية لغيرهم من القراء !
عدد الصفحات ١٨١هل العهد القديم كلمة الله ؟ يقول بولس : « كل الكتاب هو موحى به من ا ، ونافع للتعليم والتوبيخ ، للتقويم والتأديب الذي في البر » (2 تيموثاوس3 :16 ) . فهل كان الكتاب المقدس فع موبخ ا للخطيئة ومعلم ا للبر ومقوم ا للسلوك ، وصالح ا للتأديب ؟ تمتلىء جنبات الكتاب بالنصوص المختلفة ، والذي يعنينا هنا تلك النصوص التي مست الجانب الأخلاقي ، فقد امتلأت أسفار الكتاب المقدس بالحديث عن رذائل مارسها بنو إسرائيل وغيرهم ، وحكت طويلا عن سكرهم وزناهم ووثنيتهم . ولقد يظن الظان أنها حكت ذلك في باب النهر والتأديب والتبصر في عاقبة المجرمين، ولكن شيئ ا من ذلك لم يكن في الكتاب المقدس الذي حوى بين دفتيه عشرات النصوص التي تمثل صورة لأدب الفراش والجنس المكشوف . كما تمتلئ بقصص الإثارة ، مع تركيز على عنصر الجريمة ، ثم قل أن تجد عقوبة أو تحذير ا على هذه الجريمة أو تلك ، لذا نتساءل: ما الفائدة إذ ا من ذكر هذا كله في كتاب يزعم النصارى واليهود أنه موحى به من الله ؟ ما الفائدة من ذكر عشر حالات من زنا المحارم في كتاب مقدس ؟ والعجب أن كل هذه الحالات العشر تتعلق بالأنبياء وأبنائهم. وعلاوة على ذلك عشرات من قصص الحب القذر . ما فائدة ذلك كله ؟ ذكرت التوراة أمثلة عدة في هذا الأدب المكشوف منها قصة يهوذا وكنته ثامارا
عدد الصفحات ١٨٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ (انظر التكوين 38)، وأيض ا القاضي شمشون والعاهرة الغزِّية . ( انظر القضاة 16)، واغتصاب أمنون بن داود لأخته ثامار ( انظر 2 صموئيل 13)، وقد أشار عليه بأفضل السبل لاغتصاب الأخوات «يوناداب» الذي تصفه التوراة بأنه كان «رجلاً حكيمً ا جدً ا» ونستطيع أن نلحظ في هذه القصة الأخيرة عدد ا من الطوام المتتابعات ، كل منها يشهد ببراءة الوحي من هذه القصة، فقد احتجت ثامار على اغتصاب أخيها بقولها: «فقالت له: لا يا أخي، لا تذلني، لأنه لا يفعل هكذا في إسرائيل، لا تعمل هذه القباحة، أما أنا فأين أذهب بعاري؟ وأما أنت فتكون كواحد من السفهاء في إسرائيل»، فقد غاب الوازع الديني عن ذهنها، فلم تخوفه بالله وعقابه، بل ذكرته بأن هذا الفعل عار وقبيح لا يفعله في بني إسرائيل إلا السفهاء. ثم مضت في قولها تعظه: «والْن كلم الملك، لأنه لا يمنعني منك»، هل يعقل أن داود كان سيوافق على مضاجعة أولاده لبعضهم ؟! ولما نجح أمنون في تطبيق وصفة يوناداب الحكيم جد ا، واغتصب أخته، ثم أبغضها وطردها، فأن بته قائلة: «هذا الشر بطردك إياي هو أعظم من الْخر الذي عملته بي »، ما هي الرسالة التي يوصلها السفر من قصة زنا المحارم هذه؟ هل طرد أمنون لأخته أعظم من فجوره بها؟ هل كان من المتوقع أن يسمح داود لأولاده بممارسة زنا المحارم لو استأذنوه؟ أي قيم هذه التي تقدمها القصة؟ ثم دخل عل ثامار أخوها الآخر أبشالوم، فواساها بقوله: « الْن يا أختي، اسكتي، أخوكِ هو ، لا تضعي قلبك على هذا الأمر»، يالها من مواساة .. الأمر هين وسهل.. إنه أخوك، وليس شخص ا غريب ا، وكأن زن ا المحارم أقل وطأة وعار ا من زن ا الأباعد!!. وأما ختام القصة فكان بارد ا إلى حد الصقيع، فقد علم النبي داود بما حصل بين
عدد الصفحات ١٨٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ ابنه وابنته، فـ «اغتاظ جدًا »، وانتهت الحكاية من غير إقامة حد ولا توبيخ ولا تأنيب «ولم يكلمأبشالوم أمنونَ بشر ولا بخير»، وتنتهي الحكاية كما انتهت حكايات كثيرة تشبهها، وليس في شيء منها عقوبة للمجرم أو تطبيق لحدِّ الله تعالى ع ليه ، إذ لم تخبرنا التوراة أن حد الزنا المذكور في سفر اللاويين ( 20 :17 ) قد طبق مرة واحدة . وهنا يحار النقاد في تفسير هذه اللامبالاة التي تظهر عند داود التوراتي، فبعضهم رآه مشترك ا في الجريمة من وجه بعيد، ويوشي به ذهاب ثامار بعد الجريمة إلى أخيها أبشالوم، وليس إلى أبيها داود، وبعضهم رأى أنه لا يحسن بأبٍ له مغامرات صبيانية سابقة أن يعتب على أبنائه حين يسلكونه طريقه، ويقلدون فعله(1). وأما الدرس العام من القصة فهو ما «تعلمه أمنون وباقي القصر من العمل الخسيس بمجمله أن بإمكان ولي العهد أن يفعل أي شيء يطرأ في باله، ولا يهم إن كان الفعل عدواني ا ووحشي ا ، لأن الملك كان سلبي ا جد ا، ومتردد ا جد ا، ومتساهلا جد ا إزاء وريثه مهما فعل»(2). ولم يكن أبشالوم بن داود أحسن حالا من أخيه أمنون، فهو أيض ا وقع في نكاح المحارم، حين استخدمه الرب – كما تزعم التوراة - لعقوبة داو د على الزنا بامرأة أوريا الحثي، فقد ثار أبشالوم على أبيه داود، ونازعه في الملك، فهرب داود منه، فأخذ أبشالوم المنتصر محظيات أبيه، فجامعهن أمام كل شعب إسرائيل «فنصبوا لأبشالوم الخيمة على السطح ، ودخل أبشالوم إلى سراري أبيه أمام جميع إسرائيل » (2 صموئيل16 :22)، ورغم هذا الحدث المهول، فقد بكى داود مقتل هذا الابن الخارج عليه، ورثاه «وكان يبكي، ويقول هكذا وهو يتمشى: يا ابني أبشالوم، يا ابني ، (1) انظر: حكايات محرمة في التوراة، جوناثان كيرتش، ص329). (2) المصدر السابق، ص332).
عدد الصفحات ١٨٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ يا ابني أبشالوم ، يا ليتني متُ عوضً ا عنك يا أبشالوم ابني » (2 صموئيل18 :33)، فكل ما صنعه بمحارم أبيه لم يغير قلب الأب على ابنه!!!! وهكذا دوم ا نقرأ في التوراة عن حالات سقوط، تستوجب في الشريعة العقوبة المغلظة، لكنها تبقى حبر ا على أوراق التوراة، لا تجد من يحفل بها في دنيا الناس، ولا حتى الأنبياء والكهنة، و كنموذج للعقوبة التوراتية المفقودة نعرض لما جاء في سفر صموئيل عن عالي رئيس الكهنة وقاضي بني إسرائيل « وشاخ عالي جدًا ، وسمع بكل ما عمله بنوه بجميع إسرائيل ، وبأنهم كانوا يضاجعون النساء المجتمعات في باب خيمة الاجتماع . فقال لهم : لماذا تعملون مثل هذه الأمور ؟ لأني أسمع بأموركم الخبيثة من جميع هذا الشعب ، لا يا بني لأنه ليس حسنً ا الخبر الذي أسمع »( 2 صموئيل 2 :22-24 ) ، فهل هذا كل ما صنعه كبير قضاة بني إسرائيل مع أولئك الذين يزنون في خيمة الاجتماع !؟ كما توجد الكثير من النصوص التي تمثل الأدب الفاجر ، أدب الفراش ، الذي لا تتوقع قراءته إلا في كتب الجنس والفجور، ولسوف نعرض لشيء من هذه النماذج مع الاعتذار للقارئ الكريم عن قبيح ما يقرأه . جاء في نشيد الأنشاد في الأصحاح الأول المنسوب لسليمان : « ليقبلني بقبلات فمه ، لأن حبك أطيب من الخمر ، لرائحة أدهانك الطيبة ، اسمك دهن مهراق ، لذلك أحبتك العذارى . اجذبني ورائك فنجري ، أدخلني الملك إلى حجاله ، نبتهج ونفرح بك ، نذكر حبك أكثر من الخمر .. ما أجمل خديك بسموط ، وعنقك بقلائد ، نصنع لك سلاسل من ذهب مع جمان من فضة .. حبيبي لي ، بين ثديي يبيت .. » (نشيد1 :1-15) .
عدد الصفحات ١٨٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ وعلى هذا تستمر بقية أصحاحات السفر ، بل تسوء « في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي ، طلبته فما وجدته .. حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته ، ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي ، وحجرة من حبلت بي .. قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه .. حبيبي مد يده من الكوة ، فأنَّت عليه أحشائي .. » ( نشيد3 :1-5 )(1). «ارجعي ارجعي يا شولمّ يث(2)، ارجعي ارجعي ، فننظر إليك ماذا ترون في شولميث مثل رقص صفين ، ما أجمل رجليكِ بالنعلين يا بنت الكريم ، دوائر فخذيك مثل الحلي ، صنعة يدي صناع ، سرتك كاس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج ، بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن ، ثدياك كخشفتين توأمي ظبية ، عنقك كبرج من عاج ، عيناك كالبرك .. ما أجملك وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذّات ، قامتك هذه شبيهة بالنخلة ، وثدياك بالعناقيد .. وتكون ثدياك كعناقيد الكرم ، ورائحة أنفك كالتفاح ، وحنكك كأجود الخمر ، لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين ، أنا لحبيبي ، وإليّ اشتياقه . (1) يرى القديس كيرلس الأورشليمي386م) وهو أحد دعاة الرمزية ، أن هذا النص نبوءة عن المسيح القائم من الموت، وأنه يتنبأ عما جاء في الإنجيل من بحث مريم المجدلية عنه في القبر وسؤالها الملائكة عنه (انظر يوحنا 20/13). انظر العظة الرابعة عشرة، كيرلس الأورشليمي ، (الفقرة 13.) (2) «شولـمّيث » كما يرى بعض الشراح اسم يشير إلى أبيشج الشونمية زوجة الملك سليمان ، واقترح آخرون أنه الصيغة المؤنثة لاسم سليمان في العبرية ، والمعنى هو « عروس الملك وشريكة حياته »انظر دائرة المعارف الكتابية ، مادة 4/578) ، وقاموس الكتاب المقدس ، ص (535.)
عدد الصفحات ١٨٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى ، لنبكرنّ إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم هل تفتح القعال ؟ هل نوّر الرمان . هنالك أعطيك حبي .. ليتك كأخ لي ، الراضع ثديي أمي ، فأجدك في الخارج وأقبلك ، ولا يخزونني ، وأقودك وأدخل بك بيت أمي ، وهي تعلمني ، فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رماني ، شماله تحت رأسي ، ويمينه تعانقني »( نشيد6 :13- 7 :1-13) . ويبررالقس منيس عبد النور في كتابه ( شبهات وهمية ) ، وجود هذه الغراميـات ، فيقـــول : «الســـفر يصـــف المبـــاهج الزوجيـــة ، ولا خطـــأ في الجـــنس الـــذي هـــو في إطـــار الزواج»(1)، وكأني بالكتاب المقـدس كتـاب مؤلَـف لأولئـك الـذين يقـدمون علـى الخطبـة ويرومون الزواج ، كما وإن القس غفل عـن تلـك النصـوص التـي تتحـدث عـن العلاقـة الآثمة خارج إطار الزوجية ، وعن دعاوى السكر: «شربتِ خمري مع لبني ، كلوا أيهـا الأصحاب، اشربوا، واسكروا أيها الأحباء» (نشيد5 : 1). وعلى منوال القس عبد النور ينسج القس صموئيل يوسف فيخطو خطوة إلى الأمام، ويبرر وجود هذه النصوص الغرامية في الكتاب بقوله : «بوجوده أعطى كما للأسفار المقدسة ، لأن الله يهتم بكل جوانب الحياة الإنسانية .. عندما نقرأ سفر النشيد تتطهر قلوبنا أكثر ، وندرك حقيقة التجربة وبشاعتها التي يسقط فيها عدد غير قليل من جراء عدم الأمانة بين المتزوجين ، فالسفر هدفه أخلاقي تعليمي »(2). ويقول«يجد الذهن الروحي طعام ا دسم ا في هذا السفر، وأما الإنسان الطبيعي [ نحن المسلمين] ، ولا يدرك مقدار (1) شبهات وهمية حول الكتاب المقدس ، القس منيس عبد النور ، ص209.) (2) انظر: المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص (245.)
عدد الصفحات ١٨٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ العمق الذي فيه .. هذا السفر هو بمثابة مخدع العروسين في الكتاب المقدس، وليس من حق أحد أن يسترِق السمع إليهما .. حديث جميل عذب في مخدع عروسين يحب كل منهما الآخر .. ليس من الشرف أو التهذيب الصحيح أن تقرأ خطاب ا ليس لك يحوي في ثنايا عباراته أرق و أجمل كلمات يتهامس بها ع روسان»(1)، ونشارك القس رأيه في قباحة استراق السمع إلى عروسين يتهامسان في فراش الزوجية، ولكنه هل ت راه يشاركنا استقباحنا نشر همسهما العذري في صفحات كتب العشاق أو في أسفار كتاب يقال عنه بأنه وحي الله الذي أوحى لسليمان تلك الهمسات الدافئة والنابضة بالحب؟! ويستنكر المؤرخ ول ديورانت وجود هذه النصوص في الكتاب المقدس، ويبدي عجزه عن معرفة مبرره : «وإذا ما وضعنا إلى جانب هذه المزامير "نشيد سليمان" لاح لنا ما في الحياة اليهودية من عنصر شهواني دنيوي .. مهما يكن من أمر هذه الكتابات الغرامية فإن وجودها في العهد القديم سر خفي .. ولسنا ندري كيف غفل أو تغافل رجال الدين عما في هذه الأ غاني من عواطف شهوانية ، وأجازوا وضعها في الكتاب المقدس »(2). وتقول مقدمة الآباء اليسوعيين : «لا يقرأ نشيدالأنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثير ا » ، ويزيدنا القس صموئيل مشرقي لوعة وخشوع ا بالتحذير من استخدام السفر في حفلات الخمر والمجون، فهو : «اختبارات روحية صوفية سامية من يستعمله في حفلات الخمر ويستخدمه في المجون لا نصيب له في العالم الآ تي، ولم يكن يسمح لأحد قبل الثلاثين بقراءته .. يقال بأن سليمان كتبه بمناسبة زواجه من (1) مصادر الكتاب المقدس ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص (127.) (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت2/388.)
عدد الصفحات ١٨٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ ابنة فرعون الأميرة السمراء»(1). وهذه الصورة ال سيئة تتكرر في أسفار عدة ، ومنها ما جاء في القصة الرمزية للعاهرتين اللتين أسلمهما الله ليد عشاقهما، فذبحوهما ، والتي ترمز لمدينتي السامرة وأورشليم ، ورمزيتها لا تبرر قذارتها : «وكانإليّ كلام الرب قائلاً : يا ابن آدم كان امرأتان ، ابنتا أم واحدة ، وزنتا بمصر ، في صباهما زنتا ، هناك دغدغت ثديّهما ، وهناك تزغزغت ترائب عذرتهما . واسمها أهولة الكبيرة ، وأهوليبة أختها ، وكانتا لي وولدتا بنين وبنات . وأسماهما السامرة أهولة ، وأورشليم أهوليبة . وزنت أهولة من تحتي ، وعشقت محبيها أشور الأبطال اللابسين الأسمانجوني، ولاة وشحنا ، كلهم شبان شهوة فرسان راكبون الخيل . فدفعت لهم عقرها لمختاري بني أشور كلهم ، وتنجست بكل من عشقتهم بكل أصنامهم . ولم تترك زناها من مصر أ يضً ا ، لأنهم ضاجعوها في صباها وزغزغوا ترائب عذرتها ، وسكبوا عليها زن اهم . لذلك سلمتها ليد عشّاقها ليد بني أ شور الذين عشقتهم . هم كشفوا عورتها .. فلما رأت أختها أهوليبة ذلك أفسدت في عشقها أكثر منها ، وفي زناها أكثر من زنى أختها . عشقت بني أشور الولاة والشحن الأبطال اللابسين أفخر لباس ، فرسانً ا راكبين الخيل كلهم شبان شهوة ، فرأيت أنها قد تنجست ولكلتيهما طريق واحدة . وزادت زناها ولما نظرت إلى رجال مصوّرين على الحائط صور الكلدانيين .. عشقتهم عند لمح عينيها إياهم ، وأرسلت إليهم رسلاً إلى أرض الكلدانيين . (1) مصادر الكتاب المقدس ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص (126.)
عدد الصفحات ١٨٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ فأتاها بنو بابل في مضجع الحب ونجسوها بزناهم ، فتنجست بهم وجفتهم نفسها، وكشفت زناها وكشفت عورتها ، فجفتها نفسي كما جفت نفسي أختها . وأكثــرت زناهــا بــذكرها أ يــام صــباها التــي فيهــا زنــت بــ أرض مصــ ـر ، وعشــقت معشوقيهم الـذين لحمهـم كلحـم الحميـر [والمعنـى : مـذاكيرهم كمـذاكير الحميـر] ، ومنيّهم كمنيّ الخيل »(حزقيال23 :1 - 49) . يقول الأب متى المسكين «وسوف يصدم القارئ المتحفظ باستخدام اللغة القبيحة الفاحشة في أحط معناها وصورها في مخاطبة أهل إسرائيل، وذلك تمثيلا للشعب، ومجاز ا يعبر به عن أعمال الشعب مع تمثيلات شائنة لخيانته .. أربعة وعشرون أصحاح ا يفتتح بهم حزقيال نبوته عليهم ، فيها كل وساخة الزنا وفح شاء الإنسان»(1). وكان الأب جيروم قد أخبرنا منذ القرن الرابع الميلادي أن سفر «حزقيال يحمل الكثير من الغموض، في أوله، وفي آخره، فأ غلق فهمه على العبرانيين، ولم يسمح بقراءته – مع أول سفر التكوين - قبل بلوغ الثلاثين»(2). وتتكرر هذه اللغة المعيبة في سفر آخر ، وهو سفر الأمثال ، حيث يقول : «في العشاء، في مساء اليوم في حدقة الليل والظلام . وإذ بامرأة استقبلته في زيّ زانية وخبيثة القلب . صخّابة هي وجامحة . في بيتها لا تستقر قدماها .. فأمسكته وقبّلته ، أوقحت وجهها ، وقالت له : خرجت للقائك ، لأطلب وجهك حتى أجدك . بالديباج فرشت سريري ، بموشّى كتان من مصر ، عطرت فراشي بمرّ وعود وقرفة . هلم نرتو ود ا إلى الصباح ، (1) النبوة والانبياء في العهد القديم، الأب متى المسكين، ص (226-227). (2) رسائل القديس هيرونيمس (جيروم1 /193).
عدد الصفحات ١٩٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ نتلذذ بالحب ، لأن الرجل ليس في البيت ، ذهب في طريق بعيدة .. أغوته بكثرة فنونها ، بملث شفتيها طوحته ، ذهب وراءها لوقته ، كثور يذهب إلى الذبح ، أو كالغبي إلى قيد القصاص ، حتى يشق سهم كبده ، كطير يسرع إلى الفخ ، ولا يدري أنه لنفسِ ه » ( امثال 7 :9-23 ) . وقريبا من هذا قول سفر الأمثال أيض ا ، ولكنه هذه المرة يتحدث عن الزوجة ، فيقول : «وافرح بامرأة شبابك ، الظبيّ ة المحبوبة ، والوعْ لَ ة الزهية . ليُ روِ ك ثدياها في كل وقت ، وبمحبتها اسكر دائمً ا »( امثال 5 :18- 19 ) . وسوى ذلك ، فهل هذا وحي الله ؟ أم أنها النفوس المريضة التي لا تطيق البعد عن حمأة الجنس وأحاديثه ؟ كما تحوي الأسفار المقدسة بعض صور السباب المقزع الذي لا يليق بوحي الله العظيم الجليل ، ومنه ما تنقله الأسفار عن الملك شاول أنه قال ليوناثان ابنه : «يا ابن المتعوّجة المتمردة ، أما علمت أنك قد اخترت ابن يسّى [ داود ] لخزيك وخزي عورة أمك »( 1 صموئيل20 :30 ) ،ومن ذلك أن إشعيا قال لبني إسرائيل : « أما أنتم فتقدموا إلى هنا يا بني السامرة ، نسل الفاسق والزانية .. » (إشعيا 57 :3 ) .
عدد الصفحات ١٩١هل العهد القديم كلمة الله ؟ إن نظرة إلى المجتمع الغربي ودراسة سريعة للأرقام الوبائية للفساد في أوربا تثير الذعر ، وتدفع إلى التفكير والبحث عن مصدر هذا البلاء . ونرى أن الكتاب المقدس هو أحد أسباب البلاء ، فقد قال الم سيح : « من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشوك عنبً ا ، أو من المسك تينً ا ؟ هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارً ا جيدة ، وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارً ا ردية » ( متى7 :16-17). ولا غرابة البتة أن تنتشر الخمور والزنا في أمة تؤمن أن أنبياءها كانوا زناة ، يمارسون الرذيلة حتى مع محارمهم ، كانوا يشربون الخمور ، حتى الثمالة ، من غير أن يعاقبهم الله أو يخلع عنهم صفة القداسة والرسالة والاصطفاء ، بل أكرم أبناء زناهم وعهرهم ، فجعلهم أجداد ا لابنه المسيح !! لا غرابة أن تنتشر الخمور في أمة ينصح كتابها المقدس بشرب الخمر ، ويراه حلا لمشاكل الفقراء وذهاب ا لهمومهم ـ بديلا عن الإيمان والرضا بالقضاء ـ ، يقول سفر الأمثال : « ليس للملوك أن يشربوا خمرً ا ولا للعظماء المسكر ، لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيّروا حجة كل بني المذلة ، أعطوا مسكرً ا لهالك ، وخمرً ا لمرّي النفس ، يشرب وينسى فقره ، ولا يذكر تعبه بعد »( الأمثال31 :6 ) . ولا غرابة أن تنتشر الجريمة في مجتمع يؤمن بأن الله يأمر بقتل الأبرياء والنساء والأطفال والحيوانات ، ودون سبب . إن ما ذكرنا من الصور كانت سبب ا رئيس ا في رفض الناس الدين وكفرهم برب العالمين، وها هو بِن إدوارد اك يرلي يقول في مقدمة كتابه «The X -Rated Bible» :«وجدته في كل بيت تقريب ا ، في متناول الأطفال دون السن القانونية .. نحن نتحدث عن الكتاب المقدس، وهو كتاب مليء ب زنا المحارم ، والاغتصاب، والزنا،
عدد الصفحات ١٩٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ والبغاء، والمخدرات، وال علاقات الجنسية مع الحيوانات ، والإخصاء، كل الأ شياء القذرة» وصدق برنارد شو ، وهو يقول عن الكتاب المقدس : « أخطر الكتب الموجودة على وجه الأرض ، احفظوه في خزانة مغلقة بالمفتاح »(1). (1) انظر : هل الكتاب المقدس كلام الله ، أحمد ديدات ، ص54 ،70.)
عدد الصفحات ١٩٣