المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١١ من ٢١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وهكذا، فقد فتحت نصوص سفر يشوع وأخواتها الباب واسع ا أمام سلسلة من الجرائم التي خضبت تاريخ البشرية، وصبغته بلون الدم «تاريخ الأديان المستندة إلى التوراة هو أيض ا تاريخ كتاب التحريم وكتاب الحرق، ومحاكم التفتيش وا لعزل والحرمان الكنسي، والحرب المقدسة، والحرب الصليبية، والاستشهاد والإبادة الجماعية، والمخلعة، وفعل الإيمان والاستشهاد والقتل والتعصب الديني »(1). وبالعود إلى النصوص التوراتية فقد بعث الله نبيه صموئيل إلى الملك شاول (طالوت) يخبره باصطفاء الله له للملك ، وأنه: « هكذا يقول رب الجنود : .. فالْن اذهب ، واضرب عماليق ، وحرّموا كل ما له ، ولا تعف عنهم ، بل اقتل رجلاً وامرأة ، طفلاً ورضيعًا ، بقرًا وغنمًا ، جملاً وحمارًا »( 1 صموئيل 15 :2-3 ) ، لقد أمره بقتل وسحق كل أحد من أهل مدينة عماليق ، وحتى لا يستثني منهم أحد ا أمره بقتل الرضع والأطفال والنساء ، بل وحتى الحيوان . لكن شاول لم يلتزم أمر الرب بدقة «وحرّم جميع الشعب بحد السيف ، وعفا شاول والشعب عن أجاج ، وعن خيار الغنم والبقر وال ثنيان والخراف ، وعن كل الجيد، ولم يرضوا أن يحرّموها . وكل الأملاك المحتقرة والمهزولة حرّموها »( 1 صموئيل 15 :8-9 ) ، لقد قتل جنوده البشر والحيوانات الهزيلة ، وعفوا عن الحيوانات القوية ، فماذا كان ؟ لقد سخط الله على شاول «وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلاً : ندمت على أني قد جعلتُ شاول ملكًا ، لأنه رجع من ورائي ، ولم يقم كلامي »( 1 صموئيل 15 :10-11 . ) (1) حكايات محرمة في التوراة، جوناثان كيرتش، ص 354)، والمخل عة أداة تعذيب، وفعل الإيمان المقصود به احتفالات الكنيسة فيما بعد التعذيب.

عدد الصفحات ١٦٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وفس رت روح النبي صموئيل سبب الغضب حين استحضرتها العرافة لشاول ، فقالت روحه : « لأنك لم تسمع لصوت الرب ، ولم تفعل حمو غضبه في عماليق ، لذلك قد فعل الرب بك هذا الأمر اليوم »( 1 صموئيل 28 :18 ) ، لقد باء بغضب الرب وندمه ، لأنه لم يكمل المجزرة إلى آخر فصولها ، فهل يأمر الله بمثل هذا ؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم . وقبل أن نطوي صفحة عماليق السوداء فإنا نجد لزام ا أن نستذكر مصير ملكهم أجاج ، فقد أمسكوا به حي ا « وعفا شاول والشعب عن أجاج .. فقال شاول لصموئيل: إني قد سمعت لصوت الرب، وذهبت في الطريق التي أرسلني فيها الرب، وأتيت بأجاج ملك عماليق، وحرّمت عماليق » (1 صموئيل15 :9-20)، فأخبرهالنبي صموئيل – كما أسلفت - بغضب الله عليه ، ثم أمر بإحضار أجاج «فقطع صموئيل أجاج أمام الرب في الجلجال » (1 صموئيل15 :33)، وبحسب نسخة الحياة«وقطع صموئيل أجاج إربً ا». وهكذا ن حِّ ي شاول عن الاختيار الإلهي، وقتل في معركة من معاركه مع الفلسطينيين ، وتولى قيادة الشعب الإسرائيلي النبي داود، فلم يخرج بحسب الأسفار التوراتية عن سيرة من سبقه، وصنع من المجازر ما يستحي منه الهمج الرعاع ، ولنبدأ بما فعله بالعمويين ، فقد دخل مدنهم، « وأخرج الشعب الذي فيها، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد ، وأمرَّهم في أتون الْجر ، وهكذا صنع بجميع مدن عمون ، ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم »2 صموئيل 12 :31 . ) سبحانك هذا بهتان عظيم ومرة أخرى تتكرر الوصاة ـ المنسوبة زور ا إلى الرب ـ بقتل الأطفال ، لكنها هذه المرة مع التأكيد على قتل الأجنة في بطون الأمهات ، حتى لا ينجو أولئك الذين

عدد الصفحات ١٦٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ لم يروا الدنيا بعد « تجازى السامرة ، لأنها قد تمردت على إلهها ، بالسيف يسقطون ، تحطَّم أطفالهم ، والحوامل تشقّ »( هوشع13 :16 ) ، لقد عوقبوا بجريرة آبائهم ، فهل يأمر الله بمثل هذا الظلم ؟ ! وأما يوم الرب الذي سيصيب بابل في الأزمة الأخيرة ، ف ذلك يوم مهول، ف في ذلك اليوم « كل من وجد يُطعن ، وكل من انحاش يسقط بالسيف ، وتحطَّم أطفالهم أمام عيونهم ، وتنهب بيوتهم ، وتُفضح نساؤهم ، ها أنذا أهيج عليهم الماديين الذين لا يعتدون بالفضة ، ولا يسرون بالذهب ، فتحطِّم القسيُّ الفتيان ، ولا يرحمون ثمرة البطن، لا تشفق عيونهم على الأولاد، وتصير بابل به اء الممالك وزينة فخر الكلدانيين؛ كتقليب الله سدوم وعمورة ، لا تعمر إلى الأبد » (إشعيا13 :15-20). وفي هذا اليوم«يعلن فيه يهوه ذاته، ويدين الشر، ويكمل عمل الفداء، وهو اليوم الذي سينتصر فيه يهوه على جميع أعدائه، ويخلص شعبه من كل ضيق .. ويوم الرب هو يوم الدينونة الأخير العام، وسيكون ذعر ا وهلعاً على الأشرار .. وسيحل يوم الرب عند مجيء يسوع المسيح للدينونة»(1)، وما زال الإنجيليون ينتظرون هذا اليوم الموعود الذي وصفته التوراة بأنه «قادم كخراب من القادر على كل شيء .. هوذا يوم الرب قادم قاسيً ا بسخط وحمو غضب، ليجعل الأرض خرابً ا، ويبيد منها خطاتها » (إشعيا13 :6-9)،و«تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف » (يوئيل 2 : 31)، وبمجيئه«ستمحى هرطقة الديمقراطية الحديثة، ويعاد تنظيم المجتمع على أسس إنجيلية صارمة .. ستعود العبودية .. وسيقضى بإعدام الزناة والشواذ ومن يكفر بالكتاب والمنجمين والساحرات، وسيرجم الأطفال الذين يثابرون في عصيانهم والديهم كما نص (1) قاموس الكتاب المقدس، ص1122-1123).

عدد الصفحات ١٦٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ الإنجيل»(1). وكمارأينا فإن للأطفال نصيب ا مستحق ا من القتل والتدمير في يوم الرب، وهو ما فتئت النصوص تذكر به ، ومنه ما ينتظر أطفال بابل فطوبى لمن يقتلهم « يا بنت بابل المخربة ، طوبى لمن يجازيكِ جزاءك الذي جازيتنا ، طوبى لمن يمسك أطفالك ، ويضرب بهم الصخرة »( المزمور137 :8-9 .) وسيصبح هذا النص ملهِم ا للمجرمين ال عتاة الذين رأوا فيه تسويغ ا لجرائمهم، بل نبوءة عنها تعدهم بالجنة (طوبى) على قتلهم الأطفال وبقرهم البطون، وهو ما صنعه هرقل بمدينة سابور الفارسية «قتل كل من فيها من رجل وامرأة وصبي، وكانوا يشقون بطون الحبالى، ويخرجون م نها الأطفال، ويضربون بهم الصخرة، عند ذلك قال هرقل: أنا الذي تنبأ علي داود النبي إذ يقول: طوبى لمن أخذ أطفالك وضرب بهم الصخرة»(2). وللاطلاع على المزيد من المجازر التي تنسبها أسفار العهد القديم إلى أمر الرب انظر ( حزقيال 9 :6-7 ) ، و العدد 31 :14–18 )و إرمياء 51 :20-23) ، ويغنيك عن ذلك كله أن تقرأ سفر المجازر المنسوب إلى النبي يشوع ، أو أن تقرأ سيرة هتلر والنازيين وما صنعوه من جرائم يندى لها جبين الإنسان ما بقي الليل والنهار. وفي المقابل فإن هذه القسوة والهمجية دفعت فئام ا من اليهود للتعبير عن رفضهم لقسوة هذه النصوص ، فلجؤوا إلى استبدال بعض الكلمات في النصوص المقدسة لتقديم (1) معارك في سبيل الإله، كارين أرمسترنغ، ص528.) (2) التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، ابن البطريق2/3.)

عدد الصفحات ١٦٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ قراءة أكثر رحمة »(1)،بينما ندد الامبرطور الروماني (المرتد) يوليان (ت 363م) بهذه النصوص الدموية، واعتبرها من جنس فعل الوثنيين حين يضحون ببعض الرجال والنساء لآلهتهم(2). وكذلك لم تحظَ هذه المجازر بقبول عند المسيحيين ، فكفروا بقدسية النص التوراتي الذي رأوه يقدم صورة للإله مناقضة لما توارثوه عن رحمة الإله ومحبته لكل خليقته، يقول الدكتور أوسم وصفي: «بعض المسيحيين في القرون الأولى للمسيحية أن يرفضوا العهد القديم»، وذلك لما رأوه يعرف بالله الرحيم على أنه «الإله المحارب الذي يأمر الشعب بالقتال وتحريم بلاد بالكامل، أي إبادة كل حي فيها»(3). وآخرون من المسيحيين سلكوا طريق ا آخر في الاحتجاج على هذه القسوة، حين رفضوا ترجمة نصوصها إلى لغاتهم المحلية، كما فعل أولفيلاس الذي يسمى «رسول القوط» في منتصفالقرن الرابع، فقد ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة القوطية، ولم يترجم أسفار صموئيل والملوك «لئلا يتخذ البرابرة من حوادثها الحربية مشجع ا لهم على وحشيتهم»(4). وأما القس صموئيل مشرقي فلم يجد ما يبرر به هذه السقطات وأمثالها إلا أن يقول: «نجد في بعض المزامير مواقف قد لا نهضمها .. وإنه لمن باب الجرأة بل (1) حقول الدم، كارن أرمسترنج، ص (227.) (2) انظر رسالته «ضد الجليليين»، وقد ضمنها بعض تناقضات الكتاب المقدس كما قدم نقد ا لبعض ما جاء فيه كأسطورة قصة الخلق، ومنع آدم من معرفة الخير والشر، ومبدأ وراثة الذنب. (3) أسئلة في العهد القديم، أوسم وصفي، ص101.) (4) مختصر تاريخ الكنيسة، أندرو ملر ، ص ( 182)، وانظر: قصة الحضارة، ول ديوانت (12/97)، وتاريخ الكنيسة، جون لوريمر3/147.)

عدد الصفحات ١٦٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ والخطأ الشنيع أن نعترض على الله قائلين: لماذا فعل هذه الطريقة؟ ولماذا لم يفعل غيرها؟ لأنه هو أحكم منا بلا حد، ويعرف الطريقة التي تؤثر في القلوب أكثر مما نعرف نحن »(1). (1) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص118.)

عدد الصفحات ١٦٧

هل العهد القديم كلمة الله ؟ اصطفى الله أنبياءه من بين سائر خلقه ، وحباهم بأن جعلهم حملة دينه إلى الناس ، وأسبق أقوامهم إليه ، وجعل منهم قدوة للعالمين ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام :90 ] . وهذا الذي يقتضيه العقل في هؤلاء الذين اختارهم الله لهداية خلقه ، أن يكونوا أحسن الناس سيرة ، وأصدقهم طوية . . . كيف لا ، وقد جاء الحديث في التوراة عن عصمة الكهنة وبراءتهم من الآثام ، لأنهم حاملو الشريعة ومبلغوها للناس ، وهم ـ ولا ريب ـ دون منـزلة الأنبياء ، يقول سفر ملاخي عن لاوي وسبطه : «عهدي معه للحياة والسلام ، وأعطيته إياهما للتقوى ، فاتقاني ، ومن اسمي ارتاع هو ، شريعة الحق كانت في فيه ، وإثم لم يوجد في شفتيه ، سلك معي في السلام والاستقامة ، وأرجع كثيرين عن الإثم ، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة ، ومن فمه يطلبون الشريعة ، لأنه رسول رب الجنود »( ملاخي2 :5-7 ) . وتثني التوراة في بعض نصوصها على بعض هؤلاء الأنبياء ، فعن نوح تقول : «كان نوح رجلاً بارً ا كاملاً في أجياله ، وسار نوح مع الله » ( التكوين6 :9) . وعن إبراهيم تقول التوراة بأن الله قال له في المنام : « يا إبرام أنا ترس لك ، أجرك كثير جدً ا » ( التكوين15 :1 ) . وعن إسحاق « وباركه الرب » ( التكوين26 :12 ) وعنداود تقول : « أنا أكون له أبًا ، وهو يكون لي ابنًا » (2 صموئيل7 :14 ) .. إلى غير ذلك من القول الحسن بحق أنبياء الله الكرام . لكن ذلك الثناء الجميل يضيع في بحر الرذائل التي تلصقها التوراة زور ا بحملة رسالات الله من الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لبلاغ وحيه .

عدد الصفحات ١٦٨

هل العهد القديم كلمة الله ؟ تحدثت التوراة عن س كرِ نبي الله نوح ـ عليه السلام وحاشاه ـ وتعريه داخل خبائه ، وحينذاك أبصره ابنه الصغير حام ، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما ، وسترا عورة أبيهما الثمِ ل ، فلما أفاق من سكرته ، وعرف ما فعل ابنه حام الصغير قال: «ملعون كنعان ( ابن الجاني حام ) ، عبد العبيد يكون لإخوته .. وليكن كنعان عبدً ا لهم». والقصة بتمامها : «وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمً ا . وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه . فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجً ا . فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ، ومشيا إلى الوراء ، وسترا عورة أبيهما ، ووجهاهما إلى الوراء . فلم يبصرا عورة أبيهما . فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير . فقال : ملعون كنعان ( أب الفلسطينيين الذي لا علاقة له بالحادث ة ، الذي لم يولد حينذاك ) ، عبد العبيد يكون لإخوته . وقال : مبارك الرب إله سام ، وليكن كنعان عبدً ا لهم . ليفـــتح الله ليافـــث فيســـكن في مســـاكن ســـام .ولـــيكن كنعـــان عبـــدا لهـــم » (التكوين9 :25-26 ) ، فبدلا من أن يوجه ابنه الصغير للتصرف الصحيح مـع الوالـد حين سكره وعربدته ، صب لعناته على كنعان ابـن حـام ، كنعـان الـذي لعلـه لـم يخلـق بعد ، فما ذنب هذا الكنعـان ، بـالطبع لا ذنـب لـه إلا أنـه سيصـبح جـدًّ ا لأهـل فلسـطين ، أعداء اليهود ! بل وما ذنب أبيه حام الذي لم يكن ليستحق هذا كلـه ؟ ومـاذا عـن الأب الذي شرب الخمر ؟ ما الذي يستحقه من عقوبة ؟ لماذا لم يعاقبه الرب ؟ وأما إبراهيم خليل الله ، فتزعم التوراة أنه أخطأ في حق الله لما أراد إهلاك قوم

عدد الصفحات ١٦٩

هل العهد القديم كلمة الله ؟ لوط ، وخاطب ربه بأسلوب الناصح الغليظ ، بأسلوب لا يقبل عاقل أن يخاطبه به صديقه أو ابنه ، فضلا عن عبده الضعيف «فتقدم إبراهيم وقال : أفتهلك ا لبار مع الأثيم ! عسى أن يكون خمسون بارً ا في المدينة ، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارً ا الذين فيه ؟ حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر : أن تميت البار مع الأثيم ، فيكون البار كالأثيم ! حاشا لك . أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً »( التكوين 18 :23 ) . وأما لوط ، النبي الذي حارب الشذوذ ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر ، وضاجعتاه ، ولم يعلم بذلك ، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب ، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل ، فاسمع إلى السفر : « وصعد لوط من صوغر ، وسكن في الجبل وابنتاه معه . لأنه خاف أن يسكن في صوغر . فسكن في المغارة هو وابنتاه . وقالت البكر للصغيرة : أبونا قد شاخ ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض . هلم نسقي أبانا خمرً ا ، ونضطجع معه .فنحيي من أبينا نسلاً . فسقتا أباهما خمرً ا في تلك الليلة . ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها . وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة : إني قد اضطجعت البارحة مع أبي ، نسقيه خمرً ا الليلة أيضً ا ، فادخلي اضطجعي معه ، فنحيي من أبينا نسلاً . فسقتا أباهما خمرً ا في تلك الليلة أيضً ا . وقامت الصغيرة واضطجعت معه ، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها . فحبلــت ابنتــا لــوط مــن أبيهمــا ، فولــدت البكــر ابنــا ودعــت اســمه مــوآب ، وهـو أبـو المـوآبيين [ أعـداء بنـي إسـرائيل ] إلــى اليـوم . والصـغيرة أيضـا ولـدت ابنًــا ،

عدد الصفحات ١٧٠

هل العهد القديم كلمة الله ؟ ودعت اسمه بن عمي . وهو أبو بني عمون [وهم أيضا أعداء بني إسرائيل ] إلى اليوم » ( التكــوين 19 :30-37 ) ، وهكــذا فــالغرض مــن القصــة اتهــام أعــداء بنــي إســرائيل (العمويين والمؤابيين) بأنهم نتاج زنا محارم، وبعبارة - جوناثان كيرتش -: «نـوع مـن الدعايـــة الســـوداء .. قصـــة بذيئـــة يقصـــد بهـــا التشـــنيع علـــى العمـــونيين وا لمـــؤابيين المكروهين»(1). ويبرر السفر جريمة زنا المحارم هذه بأن الكبيرة من بنات لوط فعلت ما فعلت بقصد حسن جميل، فقد قالت لأختها : « أبونا قد شاخ ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض .. نحيي من أبينا نسلاً » ( التكوين19 :31-32 ) ، فيصور النص الأرض وقد خلت من الرجال ، أو أن المغارة سيمكث فيها لوط وابنتاه إلى الأبد، فلا سبيل حينذاك لاستبقاء النسل الإنساني إلا مضاجعة الأب لبناته ! . وهذا التبرير الغريب لهذه الفاحشة يقبله القديس أيريناوس، ويرى فيه عذر ا مقبولا لما زعمت التوراة أن البنتين فعلتاه: «لذلكيجب أن نلتمس لهما عذر، حيث إنهما افترضتا أنهما هما فقط مع أبيهما قد تركوا لأجل حفظ الجنس البشري»(2). وأما يعقوب أصل بني إسرائيل ، فهو أيض ا لم يسلم من مخازي التوراة ، ولم تشفع له أبوته لهم ، فتذكر التوراة أنه سرق البركة من أخيه الأكبر عيسو عندما خدع أباه إسحاق وأشربه الخمر ، وأوهمه أنه عيسو ، ولم يستطع إسحاق أن يفرق (1) حكايات محرمة في التوراة، جوناثان كيرتش، ص73). (2) ضد الهرطقات، إيريناوس (ك 4، ف 31)، وانظر: مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (60).

عدد الصفحات ١٧١

هل العهد القديم كلمة الله ؟ بين ملمس ابنه الأكبر وجلد المعزي الذي وضعه يعقوب على يده . ( انظر : التكوين 27 :16-25 ) . فبارك يعقوب ، وهو يظنه عيسو ، وقال له : « رائحة ابني كرائحة حقل ، قد باركه الرب ، فليعطك الله من ندى السماء ، ومن دسم الأرض ، وكثرة حنطة وخمر ، ليستعبد لك شعوب ، وتسجد لك قبائل ، وكن سيدً ا لإخوتك ، وليسجد لك بنو أمك ، ليكن لاعنوك ملعونين ، ومبارِ كوك مباركين »( التكوين27 :27-29 ) . ثم بعد برهة جاء عيسو أباه فاكتشف الخدعة ، ولكن بعد فوات الأوان . وهكذا فالبركة سرقت ، وهذا يعتبر كذب ا على الله واهب البركة ، لا على إسحاق ، ونتساءل: لماذا لم يسترد إسحاق بركته؟ ثم ما هذه البركة التي تثمر خمر ا واستعباد ا للشعوب ؟ وهذه البركة لا يبدو لها عظيم أثر في حياة يعقوب ، فقد جوزي على خديعته لأبيه ، فخدعه خاله لابان ، فزوجه ابنته الصغرى (راحيل)، ثم أدخله ليلة الزواج على ابنته الكبرى ليئة ، فضاجعها من غير أن يكتشف أنها أخت عروسه . ( انظر : التكوين 29 :24)،وقد رد يعقوب الصاع لخاله حينما خدعه في غنمه . (انظر : التكوين 30 :37 - 42) . ثم لما شاخ اعتدى شكيمبن حمور على ابنته دينة واغتصبها ، وقد تمكن اثنان من أبناء يعقوب (شمعون ولاوي) من الانتقام لشرفهم المدنس من حمور وأ هل مدينته، فاوقعوهم في شراك خدعة الختان الجماعي، وهي قصة غير محبوكة نسجها الخيال التوراتي، فقد أوهم أبناء يعقوب حمورَ بتنازلهم عن عرضهم المغتصب بشرط أن يختتن حمور وأهل مدينته، فاختتنوا جميع ا في يوم واحد، ليستغل شمعون ولاوي عجز الرجال عن القتال بسبب جراحاتهم، فقتلوا كل ذكور المدينة، وسبوا نساءهم وأطفالهم، ونهبوا بيوتهم. (انظر : التكوين 34)، ويترك السفر للقارئ خياله الخصب،

عدد الصفحات ١٧٢

هل العهد القديم كلمة الله ؟ وهو يتصور رجلين يقتلان ذكور مدينة كاملة، من غير أن يستطيع أحد منهم أن يصيب الرجلين بأدنى أذى، وقد اكتفت النساء والفتيات الحموريات برؤية المجزرة التي أهلكت أزواجهن وأولادهن، ثم استسلمن كبهائمهن للرجلين وهما يقودان قطيع ا من النساء والأطفال والمواشي إلى الصحراء!!. وقد لقي هذا الانتقام البشع حذر ا من يعقوب الذي خشي ردة الفعل المؤلمة، لكنه على أية حال كان من مفاخر التوراة وشعب إسرائيل، فقد تغنت به بعد قرون يهوديت حين دعت الله: « أيها الرب، إله شمعون أبي، يا من سلَّ م إلى يده سيفً ا لينتقم من غرباء حلوا إزار عذراء لعارها ، وعروا فخذها لخزيها ، ودنسوا بطنها لهوانها ، لأنك قلت: لا يكون كذلك، ولكنهم فعلوا، لذلك أسلمت رؤساءهم إلى القتل، ومضجعهم المفضوح بخداعهم خدع حتى الدم ، وضربت العبيد إلى جانب المقتدرين ، والمقتدرين مع عبيدهم، وأسلمت نساءهم إلى السبي، وبناتهم إلى الجلاء، وجميع أسلابهم إلى اقتسام البنين المحبوبين إليك الذين غاروا غيرتك، ومقتوا نجاسة دمهم، واستغاثوا بك اللهم، يا إلهي استجبني أنا الأرملة » (يهوديت9 :2-4). وتتوالى قصص البركة اليعقوبية المعكوسة ، فقد زنى أحد أبناء يعقوب، وهو يهوذا بكنته ثامار ، وأحبلها اثنين من أبنائه ( انظر : التكوين 38 :18)،ثم اعتدى ابنه البكر رؤابين على بلهة سرية يعقوب ، واضطجع معها ، ولم يحرك يعقوب ساكن ا . (انظر: التكوين 35 :21 - 22 ) . فأينأثر البركة المسـروقة في هذا كله ؟ كما تسيء التوراة إلى موسى أعظم أنبياء بني إسرائيل ، وتذكر كلمات لا يمكن أ ن تصدر من موسى لما فيها من إساءة أدب مع الله ، منها : « فقال موسى للرب: لماذا أسأتَ إلى عبدك ؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينيك، حتى أنك وضعت ثقل

عدد الصفحات ١٧٣

هل العهد القديم كلمة الله ؟ جميع هذا الشعب علي ؟ ألعلي حبلتُ بجميع هذا الشعب ؟ أو لعلي ولَ دتُ ه .. فإن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلاً ، إن وجدتُ نعمة في عينيك فلا أرى بليتي » ( العدد 11 :10-15) ، فهل يتحدث عبد ـ فضلا عن نبي ـ مع ربه بمثل هذا ؟ وأمـــا هـــارون القـــدوس كمـــا في ســـفر المزاميـــر « هـــارون قـــدوس الـــرب » (المزمور106 :16 ) ، فإن سفر الخروج يفتري عليه ، ويتهمه بأنه الذي صنع العجـل لبني إسرائيل ليعبدوه ، فيقول : «قال لهم هارون : انزعـوا أقـراط الـذهب التـي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم ، وأتوني بها . فنزع كل الشعب أقراط الذهب التـي في آذانهـم ، وأتــوا بهــا إلــى هــا رون ، فأخــذ ذلــك مــن أيــديهم ، وصــوّره بالإزميــل ، وصــنعه عجــلا مسبوكً ا، فقالوا : هذه آلهتك يا إسـرائيل التـي أصـعدتك مـن أرض مصــر » ( الخـروج 32 :2-4 )، فهل هذا صنيع يصنعه «قدوس الرب» ؟ ثم تذكر التوراة المحرفة أن الله حرم موسى وهارون من دخول الأرض المقدسة لخيانتهما لله وعدم إيمانهما : «فقال الرب لموسى وهارون : من أجل أنكما لم تؤمنا بي ، حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل ، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها »( العدد20 :12 ) . وفي موضع آخر يؤكد هذا السبب لحرمانهما من دخول الأرض المباركة ، فيقول : « لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل ، عند ماء مريبة قادش ، في برية صين ، إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل »( التثنية32 :51 ) . وفجأة ، ومن غير سياق وتمهيد، تذكر التـوراة قصـة غريبـة مبهمـة ، ومفادهـا أن الله أراد قتل موسى وهو في صحراء سيناء ، حين كـان متجه ـ ا لـدعوة فرعـون كمـا أمـره الرب ، والذي أنقذه من القتل ذكاء زوجته صفورة وسرعة بديهتها ، حيـث أدركـت أن سبب غضب الرب عدم ختان موسى لنفسه ، فختنت ابنه سـريع ا ، ولوثـت بالـدم رجلـي

عدد الصفحات ١٧٤

هل العهد القديم كلمة الله ؟ موسى لتوهم الـرب أنـه اختـتن ، فنجـا موسـى مـن المـوت ، يقـول السـفر : «حـدث الطريق في المنزل أن الرب التقاه ، وطلب أن يقتله ، فأخـذت صـفّورة صـوّانة ، وقطعـت غرلة ابنها ، ومسّـت رجليـه ، فقالـت : إنـك عـريس دم لـي ، فانفـكّ عنـه عنـدما قالـت : عريس دم من أجل الختان » (الخروج4 :24-26 ) ، ولم يبين السفر السبب الصـريح لهذه الغضبة الإلهية المزعومة ، واكتفى ببيان هذه الطريقة الغريبة في استرضاء الرب . لكن لعلنا نكتشف السر حين ننقل للقارئ تعليق الآباء اليسوعيين ع لى هذه القصة في حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية ، حيث يكشف لنا الآباء أن ما حصل من صفورة كان خداع ا للرب ، وأنها نجحت في ذلك : «رواية غامضة بسبب اقتضابها وعدم وجود أي سياق في الكلام .. يجوز التكهن والقول بأن قلف موسى يجلب عليه غضب الله ، وأن هذا الغضب سكن ح ين ختنت صفورة ابنها ، وتظاهرت بختان موسى ، فلمست عورته »، تعالى الله عن ذلك علو ا كبير ا . وأما داود والذي يصفه القرآن بالأواب ، فتخصه التوراة بقبائح لم تذكر لغيره، منها أنه لما أراد الزواج من ابنة شاول ملك إسرائيل الأول ( طالوت ) قدم إليه مهر ا عجيب ا، فلقد «قام داود ، وذهب هو ورجاله ، وقتل من الفلسطينيين مائتي رجل ، وأتى داود بغلفهم ( الجلدة التي تقطع في الختان ) ، فأكملوها للملك لمصاهرة الملك » ( 1 صموئيل 18 :27 ) ، فما ذنب أولئك المساكين الذين قتلوا لغير جريرة ولا إثم؟! . ويتساءل القس وهيب جورجي: «كيف يقبل نبي عظيم مثل داود أن يقوم بعمل غير إنساني ضد الفلسطينيين وهو قتل مائتي رجل ليحصل على غلفهم كمهر للزواج؟»، ويجيب بأن ذلك لعدم وجود مواثيق دولية حينذاك تمنع من تشويه أجساد

عدد الصفحات ١٧٥

هل العهد القديم كلمة الله ؟ الجنود في الحرب(1). ويحكي سفر صموئيل عن رقص النبي داود وتكشف عورته ، وهو فرح باسترجاع التابوت من يد الفلسطينيين ، وقد استاءت زوجه ميكال من هذا المنظر ، واحتقرته لأجله « كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب .. أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة ، ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب ، فاحتقرته في قلبها .. وقالت : ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حتى تكشف اليوم في أعين إماء عبيده ، كما يتكشف أحد السفهاء » (2 صموئيل 6 :14-20 ) . ثم تحكي التوراة قصة داود مع أوريا الحثي وزوجتهبششبع: «وكان في وقت المساء إن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك ، فرأى من على السطح امرأة تستحمّ . وكانت المرأة جميلة المنظر جدً ا ، فأرسل داود وسأل عن المرأة ، فقال واحد : أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثّي ؟ فأرسل داود رسلاً وأخذها ، فدخلت إليه ، فاضطجع معها وهي مطهّرة من طمثها ، ثم رجعت إلى بيتها . وحبلت المرأة ، فأرسلت ، وأخبرت داود ، وقالت : إني حبلى . فأرسل داود إلى يوآب يقول : أرسل إليَّ أوريا الحثي ، فأرسل يوآب أوريا إلى داود . فأتى أوريا إليه . . وقال داود لأوريا : انزل إلى بيتك واغسل رجليك . فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك . ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيد ه ، ولم ينزل إلى بيته . فأخبروا داود قائلين : لم يـنزل أوريا إلى بيته . فقال داود لأوريا : أما جئت من السفر ! (1) انظر: مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص119.)

عدد الصفحات ١٧٦

هل العهد القديم كلمة الله ؟ فلماذا لم تنزل إلى بيتك ؟ فقال أوريا لداود : إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء ، وأنا آتي إ لى بيتي لْكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي ؟ وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر . فقال داود لأوريا : أقم هنا اليوم أيضً ا ، وغدً ا أطلقك ، فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده . ودعاه داود فأكل أمامه ، وشرب ، وأسكره . وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده ، وإلى بيته لم ينزل ، وفي الصباح كتب داود مكتوبً ا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا . وكتب في المكتوب يقول : اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة ، وارجعوا من ورائه ، فيضرب ويموت »( 2 صموئيل 11 :2-26 ) . وكان كما أراد ، ومات أوريا ، وضم داود بششبع الزانية إلى زوجات ه ، ومنها أنجب سليمان ، الذي يشرفه كتاب الأناجيل ، فيجعلونه أحد أجداد المسيح . ولم يجد الأسقف جيوم ديورانث (ت 1296) أسقف مندي، ما يبرر هذه الباقعة إ الإنكفاء إلى الرمزية التي نال أوريجانوس براءة اختراعها، فيقول: « داود حين يراقب بتشبع وهو يستحم إنما يرمز إلى المسيح ، إذ يرى كنيسته تظهر نفسها من دنس هذه الدنيا»(1). ومثل هذا المهرب غير كاف في تبرير هذه القصة القميئة التي دفعت الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير (ت 1778م) إلى رفض الكتاب المقدس، فكتب عظته رافض ا عبادة: «الرب الذي ورد ذكره في التوراة رب فخور حقود غضوب قاس قاتل، لا يمكن لإنسان عاقل أن يعبده، وأن داود كان وغدا منغمساً في الشهوات (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت16/11.)

عدد الصفحات ١٧٧