هل العهد القديم كلمة الله ؟ أو امرأة فمات ، يرجم الثور ، ولا يؤكل لحمه ، وأما صاحب الثور فيكون بريئً ا ، ولكن إن كان ثورً ا نطّاحً ا من قبل ، وقد أُشهد على صاحبه ، ولم يضبطه ، فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم ، وصاحبه أيضً ا يقتل »( الخروج21 :28-29 ) ، فما ذنب صاحب الثور ليؤخذ بجريرة ثوره ، سواء بسواء ، قد قصر ـ ولا ريب ـ لكن ذلك لا يستحق قتله بحال من الأحوال . ويتحدث سفر اللاويين عن أحكام مريض البرص وكيفية التطهر منه ، ثم ينتقل للحديث عن البرص الذي يصيب الثياب والجدران ، ويفصّ ل في ذكر طريقة التخلص من البرص بمساعدة الكاهن خشية انتقال عدوى المرض إلى ثياب أخرى وجدران أخر ، يقول السفر : «يأتي الذي له البيت ويخبر الكاهن قائلاً : قد ظهر لي شبه ضربة في البيت ، فيأمر الكاهن أن يفرغوا البيت قبل دخول الكاهن . . وإذا الضربة في حيطان البيت نقر ضاربة إلى الخضرة أو إلى الحمرة ومنظرها أعمق من الحائط ، يخرج الكاهن من البيت إلى باب البيت ويغلق البيت سبعة أيام . فإذا رجع الكاهن في اليوم السابع ورأى وإذا الضربة قد امتدّت في حيطان البيت يأمر الكاهن أن يقلعوا الحجارة التي فيها الضربة ويطرحوها خارج المدينة في مكان نجس ، ويقشر البيت من داخل حواليه ، ويطرحون التراب الذي يقشرونه خارج المدينة في مكان نجس ، ويأخذون حجارة أخرى ويدخلونها في مكان الحجارة ويأخذ ترابً ا آخر ويطيّن البيت ، فإن رجعت الضربة وأفرخت في البيت بعد قلع الحجارة وقشر البيت وتطيينه ، وأتى الكاهن ورأى وإذا الضربة قد امتدّت في البيت فهي برص مفسد ( أي : معدٍ كما في تراجم أخرى ) في البيت ، إنه نجس ، فيهدم البيت ، حجارته وأخشابه وكل تراب البيت ويخرجها إلى خارج المدينة ، إلى مكان نجس ، ومن دخل إلى البيت في كل أيام انغلاقه يكون نجسً ا إلى المساء ، ومن نام في البيت يغسل ثيابه ،
عدد الصفحات ١٤٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ ومن أكل في البيت يغسل ثيابه » ( اللاويين14 :35-47 ) ، ونعجب ونسأل كيف يمكن تطبيق هذا التشريع ل و ظهر البرص المعدي في ناطحة سحاب ، هل ستهدم ويحمل حديدها وحجارتها إلى خارج المدينة ! ومثل هذا الهراء ورد حين الحديث عن برص الثياب ، يقول السفر : «وأما الثوب فإذا كان فيه ضربة برص ثوب صوف أو ثوب كتان ، في السدى أو اللحمة من الصوف أو الكتان أو في جلد أو في كل مصنوع من جلد ، وكانت الضربة ضاربة إلى الخضرة أو إلى الحمرة في الثوب أو في الجلد في السدى أو اللحمة أو في متاع ما من جلد فإنها ضربة برص ، فتعرض على الكاهن ، فيرى الكاهن الضربة ويحجز المضروب سبعة أيام ، فمتى رأى الضربة في اليوم السابع ، إذا كانت الضربة قد امتدّت في الثوب في السدى أو اللحمة أو في الجلد من كل ما يصنع من جلد للعمل ، فالضربة برص مفسد ( أي : معدٍ كما في ترجمة أخرى ) ، إنها نجسة فيحرق الثوب أو السدى أو اللحمة من الصوف أو الكتان أو متاع الجلد الذي كانت فيه الضربة لأنها برص مفسد، بالنار يحرق » (اللاويين 13 : 47-51) . فأين سمعت الدنيا عن مثل هذه الأمراض وعن مثل هذه الطريقة في علاج الجدران والثياب ، تعالى الله عما يقوله الظالمون علو ا كبير ا . ويأمر سفر التثنية الأخ أن يتزوج بأرملة أخيه في بعض الأحوال الاجتماعية ، فإن أبى تحيق به العقوبة التي يقررها السفر ، وهي أن تسلبه حذاءه ، وتبصق في وجهه، يقول السفر : «وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ ، وتقول : قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسمً ا في إسرائيل ، لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج ، فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه ، فإن أصر وقال : لا أرضى أن أتخذها ، تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ ، وتخلع نعله من رجله ، وتبصق في وجهه ، وتصرخ ، وتقول : هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه ،
عدد الصفحات ١٤٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ فيدعى اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل »( التكوين25 :7-10 ) ، ومثل هذا التشريع يتضمن الإكراه على الزواج ، والبيوت لا تقوم على مثل هذا ، وهنا نتساءل كيف لمثل هذا الزواج أن يتم لو كانت أرملة الأخ كبيرة تكبر زوجها الجديد بأربعين سنة مثلا ؟! كما تتضمن العقوبة بالبصاق وخلع الحذاء لون ا من السخف ، يترفع عنه شرع الله ودينه ، ويظهر فيه ضعف البشر وسذاجة تفكيرهم . وما دام حديثنا عن العقوبة التوراتية، فإنا نقرأ في سفر التكوين عن أغرب العقوبات لأبشع الجرائم، فاغتصاب عذراء عقوبت ه الزواج منها بعد دفع مهر عال: «إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة ، فأمسكها، واضطجع معها ، فوجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع مع ها لأ بي الفتاة خمسين من الفضة ، وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلّها، لا يقدر أن يطلقها كل أيامه» (التثنية22 :28-29) (وانظر الخروج 22 :15-16)، فهل يشرِّع الله عقوبة كهذه؟ هل تحقق العدل الإلهي من الجاني بهذه الطريقة؟ أين عقوبة زناه؟ وأين عذاب الاغتصاب؟ أيعطى تلك العذراء أبد الدهر مكافأة له على فعلته؟ ومما يتنزه الله عنه، ونجده في التوراة؛ الظلم ، فقد نسب ك تاب التوراة إلى الله حرمان أصحاب العاهات من شرف الدخول في جماعة الرب ، وقد كان الأولى تكريمهم لما أصابهم من بلاء يرفع درجاتهم ويعلي مقاماتهم، فتنسب التوراة لله أنه أمر «لا يدخل مخصيّ بالرضّ أو مجبوب في جماعة الرب »( التثنية23 :1 ) . ويطال الحرمان آخرين من أصحاب العاهات ، فلا تقبل ذبائحهم ، بل ولا يقتربون من مذبح العبادة لأنهم نجس بسبب عيبهم الذي ابتلاهم الله به ، فتقول الأسفار : « كلم هارون قائلاً : إذا كان رجل من نسلك في أجيالهم فيه عيب ، فلا يتقدم ليقرّب
عدد الصفحات ١٤٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ خبز إلهه ، لأن كل رجل فيه عيب لا يتقدم ، لا رجل أعمى ، ولا أعرج ، ولا أفطس ، ولا زوائدي ، ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد ولا أحدب ، ولا أكشم ، ولا من في عينه بياض ، ولا أجرب ، ولا أكلف ، ولا مرضوض الخصى ، كل رجل فيه عيب من نسل هارون الكاهن لا يتقدم .. وإلى المذبح لا يقترب لأن فيه عيبً ا ، لئلا يدنّس مقدسي ، لأني أنا الرب مقدّسهم »( اللاويين21 : 17-23 ) . وتستمر الأسفار في طرد الأبرياء من جماعة الرب ، ومنهم ابن الزنا ، وأبناء العمويين والمؤابيين ، حتى ال جيل العاشر ، وذلك جزاء لهم لتقصير أجدادهم في استقبال بني إسرائيل، فتنسب الأسفار إلى الله قولها : «لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب ، حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب ، لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب ، حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد ، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر ، ولأنهم استأجروا عليك بلعام بن بعور لكي يلعنك »( التثنية23 :1-3 ) . ومن الشرائع الغريبة لأسفار العهد القديم شريعة كسر عنق الحمار البكر الذي لم يفدَ ، فيؤاخذ بجريرة صاحبه وتقصيره في فدائه ، يقول سفر الخروج : «لي كل فاتح رحم ، وكل ما يولد ذكرً ا من مواشيك ، بكرً ا من ثور وشاة ، وأما بكر الحمار فتفديه بشاة ، وإن لم تفده تكسر عنقه ، كل بكر من بنيك تفديه »( الخروج34 :19- 20 ) ، فهل يأمر الرب بمثل هذا الظلم ومثل هذه القسوة ؟ هذه الأوامر وأمثالها وضعت المؤمنين بهذه الأسفار أمام مأزق أخلاقي، فلم يجدوا وسيلة للتهرب منه إلا حالة الإنكار لهذه النصوص وابتداع التفسير الرمزي الذي يجعل هذه النصوص مجرد رموز منفصلة عن كل واقع ، وقد ابتدعه العلامة أوريجانوس لما رأى أن الكتاب «مملوء بقصص تعتبر غير أخلاقية، ولذلك لا يمكن
عدد الصفحات ١٤٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ أن تؤخذ حرفي ا، بل ذهب إلى القول بأن فيه أوامر سخيفة لا معنى لها، مثل الوصية بعدم أكل أنواع من الطيور وبعض الوصايا غير العادلة، كقطع نفس الأغرل من الشعب، بينما يجب أن تقع العقوبة على والديه»(1). وقد تصدى لهذا الاتجاه الدخي ل الأب باسيليوس الكبير أسقف قيصرية (ت 379م)،في عظته التاسعة على سفر التكوين بقوله: «أنا لي معرفة بطريقة التفسير الرمزي، وإن كان أقل من عمل آخرين، هناك هؤلاء الذين بالحقيقة لا يقدِّرون الإحساس الحقيقي للكتاب، الذين لهم الماء، وليس ماء، ولكنه شيء آخر، الذي ن يرون في النبات والسمك أشياء حسب هواهم، الذين يغيِّ رون طبيعة الزحافات ووحوش البرية تناسب رؤيتهم، مثل هؤلاء الذين الذين يفسرون الأ حلام، يفسرون الرؤى في النوم، لكي تخدم أغراضهم هم، بالنسبة لي العشب هو العشب، النبات والسمك ووحش البرية والحيوانات الأليفة، و أنا آخذها بمعناها الحرفي، لأني لا أستحي بالإنجيل». ويواصل باسيليوس «يبدو لي أن هؤلاء الذين أعطوا لأنفسهم حق الطرق الملتوية للرمزية لم يفهموه، وأخذوا على عاتقهم أن يعطوا حق المهابة لاختراعهم للكتاب المقدس، إنهم يظنون أنهم اكثر حكمة من الروح القدس، ويقدمون أفكارهم هم تحت حجة التفسير»(2). لكن سرعان ما غلبت الرمزية على الكنيسة حين جددالقديس أوغسطين الدعوة إليها «فقد وجد أوغستين أن التفسير الرمزي للكتاب المقدس يزيل ما كان يبدو له في (1) مصادر الكتاب المقدس، صموئيل مشرقي، ص125.) (2) أيام الخليقة الستة، باسيليوس الكبير ، ص (97-98.)
عدد الصفحات ١٥٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ سفر التكوين من سخف»(1). لقد كان هذا الذي ذكرناه بعضا من أحكام تصفها التـوراة نفسـها بالفسـاد ، ففـي ســفر حزقيــال : «وأعطيــتهم أيضًــ ا فــرائض غيــر صــالحة وأحكامًــ ا لا يحيــون بهــا » (حزقيـــال20 :25 ) ، ويصـــفها الإنجيـــل بـــالعتق والشـــيخوخة ، إذ يقـــول الكاتـــب المجهول لرسالة العبرانيين : « فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها ، إذ الناموس لم يكمل شيئً ا ، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله » (عبرانيين7 :18-19 ) ، ومقصوده التوراة وشرائعها المختصة بالكهنوت اللاوي . ويقول مبرر ا إلغاء نظام الكهنوت التوراتي : « فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثان » ( عبرانيين8 :7 ) ، وعيبه هو شيخوخته « وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال » ( عبرانيين8 :13) . (1) قصة الحضارة، وليام ديورانت12/135.)
عدد الصفحات ١٥١هل العهد القديم كلمة الله ؟
عدد الصفحات ١٥٢هل العهد القديم كلمة الله ؟ فولتير وغيره من كتاب عصر التنوير ، يتهمون الأديان بأنها سبب شقاء الإنسان، وأنها كانت سبب ا في إزهاق الكثير من الحروب، التي كان الدين باعث ا لها أو مستغلا من قبل بعض الأدعياء لتحقيق مآرب شخصية أو مصالح استعمارية، وهو ما ترجحه كارين أرمسترنج في خلاصة جذاذاتها من «حقول الدم » التي صبغت تاريخ الإنسان بالأحمر القاني. والمستعرض لتاريخ البشرية سيرى أنها ما فتئت تتصارع ، ولم تعرف السلام إلا في سنوات نادرة لا تتجاوز وفق بعض المؤرخين 350 سنة من التاريخ المسطور والذي يبلغ 5000 سنة وليس من الإنصاف أن نتهم الأديان بج ل هذه الصراعات، كما ليس من الحقيقة أن نبرئ ساحتها منه، فأهل الأديان هم بشر تتناوشهم المصالح التي يرنو إليها الآخرون، سواء بسواء. لكن يتوقع من المؤمنين بشرائع الله أن يحققوا - على الأقل - الحد الأدنى من القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية التي لن تغيب عنهم حتى وهم يصطرعون، فلن يقبل بحال الوقوع في براثن الإرهاب المقيت، الذي يستطير بقوته وبطشه على الأطفال والنساء والشيوخ، فلا يرحم ضعفهم ، مستخف ا بأصول ما جاءت به الشرائع الإلهية، وما تقتضيه الفطر السليمة التي تشمئز من التطاول على الضعفاء والمدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة. لن نلج هنا إلى مناقشة بواعث الحرب في الكتاب المقدس، وهل تستند إلى مشروعية أخلاقية أم لا ؟ إذ يتشبث المؤمنون بقدسية الكتاب بالحق المطلق الذي منحهم قتال هؤلاء وهؤلاء، وأورثهم البلاد والعباد من دون سائر الناس .. هذه دعوى
عدد الصفحات ١٥٣هل العهد القديم كلمة الله ؟ يدعيها كلٌ مستند ا إلى نصوصه المقدسة، لذا نعرض هنا عن مناقشة هذه البواعث، لنتوقف طويلا مع الممارسات والنظم والضوابط الأخلاقية التي تسيج ممارسة الإنسان لشرعة القتال؛ إذ صحة الباعث لا ت جيز مجافاة المسلك الإنساني القويم الذي لن نختلف في أن أ ول معالمه اجتناب المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ ومن في حكمهم ممن لا يحمل السلاح. مهما كانت البواعث لشن الحرب صحيحة ومبررة فإنه لا يجوز أن تكون الحرب للحرب، ولا أن تكون إبادة شاملة تقتلع الحجر والشجر والإنسان والحيوان، وهي تزعم أن ذلك بأمر الله ووفق شرائعه، وهذا منهج عدل نقيمه في الحكم على كل اقتتال ينبعث من الدين، سواء كان في الإسلام أو النصرانية. حين خرج بنو إسرائيل من مصر بعد سنوات طويلة من الاضطهاد المرير ، أقاموا ولأول مرة مجتمع ا أشبه بالدولة وفق مفهوم الدول حينذاك، إذ لهم قائد يقودهم، وهو موسى عليه السلام، ولهم أرض يسكنونها، وهي سيناء، ولهم قانون ناظم لشؤونهم وهو أسفارهم المقدسة. ومنذ اللحظة الأولى تغيب قيم الإنسان و أخلاق الفرس ان عن حروب بني إسرائيل التي يفترض أن قادتها هم أنبياء الله موسى ويشوع ثم داود وسليمان، فتغرقنا أسفار التوراة في حمأة قتل أرعن لا يميز بين طفل وشيخ، أو رجل وامرأة، وهو ما لا نقبل نسبته إلى الله تعالى وأنبيائه، فلأجل هذه القبائح والجرائم نرفض العهد القديم ونراه غارق ا في لجج التحريف والتبديل، ولسنا نعترض هنا على شن الأنبياء للحرب إحقاق ا لحق حملهم الله إياه، بيد أنّا نراهم أرحم الخلق بالخلق، وأعرفهم بما يجوز وما لا يجوز. بحسب أسفار العهد القديم، تبدأ حروب بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، ولغريب الصدف كان أهل مدين أول عدو يرسل موسى عليه السلام جيشه إليهم،
عدد الصفحات ١٥٤هل العهد القديم كلمة الله ؟ وهو الذي عاش بينهم حين هرب من ب طش فرعون ، فآمنوه من خوف، وزوجوه وأكرموه قبل سنين معدودات. وعاد الجيش الموسوي منتصر ا في حربه، ليفاجئه سخط موسى على قادته الذين توانوا عن تنفيذ كامل أمره ، «فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب ، وقال ل هم موسى : هل أبق يتم كل أنثى حية؟ فالْن اقتلوا كل ذكر من الأطفال ، وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر اقتلوها ، لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيّات »(العدد31 :14–18 )، لقد لامهم لتقصيرهم في قتل أطفال ونساء مديان، وبذلك وضع معالم المنهج الذي سيسلكه بنو إسرائيل وفق المعطيات التوراتية التي أباحت لهم كل حرام!!. ويبرر الدكتور وهيب جورجي مذابح الأطفال بقوله: «أما قتل الأطفال الذكور فنظر إليه موسى بمنظار حربي، إذ أراد أن يجنب بني إسرائيل شر انتقام المديانيين إلى أطول فترة من الزمن»(1) ، ولو صح هذا التبرير، لكان مسوغ ا لكل المجرمين والطغاة الذين يقتلون الآباء، ثم يبيدون الأطفال والشعوب إبادة كاملة خشية الانتقام لاحق ا!! وبحسب التوراة ، فإن الله أعط ى شعب إسرائيل أرض فلسطين، وسمح لهم بإفناء الشعوب التي تسكنها « وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك ، فلا تستبق منهم نسمة ما، بل تحرّمها تحريمً ا: الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزّيين والحوّيين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك» ( التثنية 20 :16-17)، وهو ما يراه القس منيس عبد النور مبرر ا، فقد كانت تلك الشعوب «في منتهى الشر والفجور ..كان قضاء من القاضي العادل على شعب معين في زمن معين .. كان بقاء بني إسرائيل في (1) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص91.)
عدد الصفحات ١٥٥هل العهد القديم كلمة الله ؟ حالة التعبدالصحيح يستلزم ليس فقط إخضاع أولئك الأثمة وإذلالهم، بل استئصالهم والقضاء عليهم»(1). وعن قتل أطفال تلك الشعوب يقول القس منيس «من المحتمل أن الله من رحمته قضى على أولئك الأطفال، ونقلهم من العالم الشرير قبل أن يكبروا، فيسيروا في رجاسات أسلافهم»(2). ولأن القس منيس يدرك وحشية قتل الأطفال، وأنها سقوط أخلاقي فإنه لا يجد ما يقنعنا به إلا القول: «قد يتعذر على عقولنا القاصرة ومعرفتنا الناقصة أن نوفق بين عدل الله ونعمته .. ولما كانت طرق الله وأحك امه بعيدة عن الفحص وجب علينا التسليم بحكمته وعدم استغراب قضائه في هذه الحوادث وسواها »(3). وقد التزم اليهود أمر كتابهم، ففي طريقهم إلى الأرض المقدسة أراد بنو إسرائيل المرور في أراضي الأموريين، فتصدى لهم الملك سيحون، ومنعهم ، فكان الأموريون على موعد مع مذبح ة مروعة جرت – بحسب - التوراة إنفاذ ا لأمر الله ، فقد أخبر موسى (التوراتي) بني إسرائيل بأمر الرب: «وقال الرب لي: انظر. قد ابتدات أدفع أمامك سيحون وأرضه .. فدفعه الرب إلهنا أمامنا، فضربناه وبنيه وجميع قومه ، وأخذنا كل مدنه في ذلك الوقت، وحرمنا من كل مدينة: الرجال والنساء والأطفال، لم نبق شاردً ا» (التثنية2 :31-34.) ثم انتقل بنا الأصحاح التالي إلى مدن باشان «فقال لي الرب: لا تخف منه، قد دفعته إلى يدك وجميع قومه وأرضه، فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الأموريين (1) شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، منيس عبد النور، ص118-119.) (2) المصدر السابق، ص119.) (3) المصدر السابق، ص119.)
عدد الصفحات ١٥٦هل العهد القديم كلمة الله ؟ .. وأخذنا كل مدنه في ذلك الوقت ، لم تكن قرية لم ن أخذها منهم ، ستون مدينة .. محرِّ مين كل مدينة: الرجال والنساء والأطفال»(التثنية3 : 1-6). ومات موسى قبل دخول بني إسرائيل إلى فلسطين، وتولى قيادتهم من بعده نبي الله يشوع، وصي موس ى ، فدخل بهم إلى الأرض المقدسة وهو يستحضر دوم ا في مخياله النموذج الموسوي في مديا ن ومدن باشان و سيحون ، وهنا تفاجئنا الأسفار باختراع سلسلة من المجازر ال دامية التي لم ترحم طفلا ولا امرأة ، وتبدأ مجازر الإبادة الجماعية بمدينة أريحا ، ويتكرر السيناريو نفسه في سائر المدن الفلسطينية والتي تمتاز عنها أريحا بنجاة راحاب الزانية ومن يلوذ بها : «وصعد الشعب إلى المدينة ، كل رجل مع وجهه ، وأخذوا المدينة ، وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة ، من طفل وشيخ ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف .. أحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها .. واستحيا يشوع راحاب الزانية وبيت أبيها وكل ما لها »يشوع 6 :20-25 .) ومبدأ"الحرم" الذي تكرر الحديث عنه في حروب موسى ويشوع (التوراتيين) هو عادة وثنية استعارها مؤلفو الأسفار من الوثنيين ، تقول كارين أرمسترنج: «كان عنف يشوع مرتبط ا بعادة كنعانية قديمة هي (الحرم) قبل المعركة كان قائد الجيش يعقد صفقة مع إلهه : إن تعهد هذا الإله بأن يعطيه المدينة فإن القائد يتعهد بأن ينذر (يحرِّم) كل الغنائم الثمينة لمعبده، وأن يقدم كل سكان المدينة قرابين بشرية لهذا الإله»(1). ومن جهتهم ؛ محررو دائرة المعارف الكتابية يرون أن هذه المجازر مبررة أخلاقي ا (1) حقول الدم، كارين أرمسترنج، ص(176.)
عدد الصفحات ١٥٧هل العهد القديم كلمة الله ؟ وديني ا، «كانت مدن الكنعانيين الذين يعبدون البعل مدن ا محرمة، فكان على بني إسرائيل القضاء عليها تمام ا بمن فيها وما فيها، حتى لا يتعلموا أن يعملوا جميع أرجاسهم ويخطئوا إلى الرب »(1)، واستشهدوا بقوله «لكي لا يعل موكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم، فتخطئوا إلى الرب إلهكم » (التثنية 20 :18). ومن جهته ، جوناثان كيرتش لا يعري اهتمام ا للتبرير الديني السابق، ويرى أن ما جرى «تطهير عرقي، بل استئصال سكان أرض الميعاد الأصليين .. كانت مجرد حملة ظامئة إلى الدم في أرض كنعان»(2). وأما الأب جورج س ابا، فرأى أن تكذيب الكتاب المقدس في هذه المذاب ح البربرية المتوحشة أولى من الاعتراف بها، واستدل لتكذيبه بانتهاء هذه العادة قبل زمن بعيد، واعتبر هذه المذابح من المبالغات الكاذبة: «ولعل ما يدعونا إلى الاستغراب الشديد في العهد القديم: الإبسال (التحريم) وهو من مراسيم الحرب الدينية، به ت نذَ ر غنائم الحرب للألوهية، مع ما في ذلك من قتل وتدمير، مما يرتقي إلى الأزمنة البدائية البربرية، أما ما يذكره العهد القديم في هذا الشأن (في تثنية الاشتراع ويشوع مثلا ) فقد ك تب في عهد لم يبقَ فيه أي أثر لذلك الإبسال، وبطريقة مضخمة كأنها تضع كل شيء على حساب الله»(3). لكنه سرع ان ما تراجع عن تكذيبه للنص التوراتي، ورأى أن لا يجوز التأسي بهذه الأفعال: «العهد القديم لا يخلو من مشاهد غريبة وحروب ومجازر و أعمال (1) دائرة المعارف الكتابية3/68.) (2) حكايات محرمة في التوراة، جوناثان كيرتش ، ص149.) (3) على عتبة الكتاب المقدس، الأب جورج سابا، ص156.)
عدد الصفحات ١٥٨هل العهد القديم كلمة الله ؟ انتقامية ومآس ٍ جنسية ... فالتاريخ الصادق كثير ا ما لا يكون قدوة لقارئيه، وإلى ذلك فلابد فى كل مرة من البحث فى السبب الذي أد ى إلى ذكر تلك الفظائع»(1). وسواء اعترف سابا وغيره بهذه الفظائع أم أنكروها فإن سفر يشوع لم يبال بإنكارهم ولا استنكارهم، ومضى في عرض مجازر يشيب لهولها الولدان، تطال النساء والأطفال الأبرياء ، وكل ذلك بحسب التوراة يحصل بأمر من النبي يشوع ، وحاشاه عليه السلام «وأخذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم وضربها بحد السيف ، وحرّم ملكها هو وكل نفس بها ، لم يبق شاردًا . وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا . ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة ، وحارب لبنة ، فدفعها الرب هي أيضا بيد إسرائيل مع ملكها ، فضربها بحد السيف وكل نفس بها ، لم يبق بها شاردًا ، وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا . ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لبنة إلى لخيش ونزل عليها وحاربها ، فدفع الرب لخيش بيد إسرائيل ، فأخذها في اليوم الثاني ، وضربها بحد السيف ، وكل نفس بها حسب كل ما فعل بلبنة ، حينئذ صعد هور ام ملك جازر لإعانة لخيش ، وضربه يشوع مع شعبه ، حتى لم يبق له شاردًا . ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون ، فنزلوا عليها ، وحاربوها ، وأخذوها في ذلك اليوم ، وضربوها بحد السيف ، وحرّم كل نفس بها في ذلك اليوم حسب كل ما فعل بلخيش ، ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون ، وحاربوها ، وأخذوها وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها ، لم يبق شاردًا حسب كل ما فعل بعجلون ، فحرّمها وكل نفس بها . (1) المصدر السابق، ص (157.)
عدد الصفحات ١٥٩هل العهد القديم كلمة الله ؟ ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها ، وأخذها مع ملكها وكل مدنها وضربوها بحد السيف ، وحرّموا كل نفس بها ، لم يبق شاردًا ، كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها وكما فعل بلبنة وملكها . فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها ، لم يبق شاردًا ، بل حرّم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل »يشوع10 :28-40 . ) وهذه السلسلة الطويلة من مجازر الإبادة الجماعية ليست فعلا بشري ا مدان ا من قبل الشريعة، بل حدثت وفق مراد الرب وأمره ، فقد جاء في خاتمتها قوله: «كما أمر الرب إله إسرائيل »يشوع10 :40 . ) وكذا تذكر الأسفار أن الله أمر نبيه يشوع بقتل جميع سكان مدينة عاي ، ففعل النبي بحس ب الأمر المقدس، ف استباح ا لمدينة ، وأفنى أ هلها امتثالا لهذا الأمر الرهيب: «تمتلكون المدينة ويدفعها الرب إلهكم بيدكم . ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تضرمون المدينة بالنار ، كقول الرب تفعلون . انظروا . قد أوصيتكم .. ودخلوا المدينة ، وأخذوها، وأسرعوا ، وأحرقوا المدينة بالنار .. وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية ، حيث لحقوهم وسقطوا جميعًا بحد السيف، حتى فنوا .. فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثن ي عشر ألفًا ، جميع أهل عاي، ويشوع لم يرد يده التي مدها بالمزراق حتى حرّم جميع سكان عاي . لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة نهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب الذي أمر به يشوع . وأحرق يشوع عاي ، وجعلها تلاً أبديًا خرابًا إلى هذا اليوم » ( يشوع8 :8-28 . ) يقول أوريجانوس«المعنى الذي نستخلصه هنا ، هو أنه يجب ألا نبقي شيطان ا واحد ا حيًّا ، بل نقتلهم جميع ا حتى النهاية .. هيا بنا لنحارب هكذا، ونضرب عاي
عدد الصفحات ١٦٠هل العهد القديم كلمة الله ؟ بحد السيف، فنطرد القوات المعادية»(1). ويعلق ديو رانت على هذه القصص: «لسنا نعرف في تاريخ الحروب مثل هذا الإسراف في القتل والاستمتاع به، ومثل هذه السهولة في تعداد القتلى إلا في تاريخ الآشوريين.. أما يشوع فقد أقام حكمه على قانون الطبيعة الثاني، وهو أن أكثر الناس قتلا هو الذي يبقى حياً»(2). وهذه النصوص أضحت متكأ للكثير من المجازر التي ارتكبها السفاحون عبر التاريخ ، فقد رأى الطغاة أنها تبيح وتسوغ لهم همجيتهم، فقد «ساهم سفر يشوع تبرير إفناء هنود أمريكا أو تفوق المستعمرين البيض في جنوب أفريقيا»(3). فقد ادعى القاضي اينسيسكو في عام1509م«أن للملك كل الحق في إرسال رجاله إلى الهنود ليستولوا على أراضي هؤلاء الكفار ويأخذوها منهم، لأنه تلقاها من البابا وتسلمها، وإذا ما رفض الهنود يمكنه بصورة قان ونية تمام ا أن يحاربهم ويقتلهم ويسترقهم، تمام ا كما قام يوشع باستعباد سكان بلاد كنعان»(4). ومن قبله كتب الأسقف ب طرس الناسك إلى الملك لويس السابع عام 1147م حين شرع في الحملة الصليبية الثانية أنه «يتمنى أن يقتل عدد ا كبير ا من المسلمين يوازي من قتلهم موسى ويوشع (يشوع) من الأموريين والكنعانيين»(5). (1) تفسير سفر يشوع، القمص تادرس يعقوب ملطي، ص (116.) (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت (2/327.) (3) الإله الغامض (العنف والجنس في قصص العهد القديم)، توماس روميرو، ص100.) (4) الجانب المظلم في التاريخي المسيحي، هيلين إيليربي، ص105.) (5) سيرة النبي محمد، كارن أرمسترنج، ص47.)
عدد الصفحات ١٦١