المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مظاهر الرحمة في مواقف النبي من اجتهادات الصحابة الفقهية

حمد بن حسين بن صالح الجعيدي

صفحة ٢ من ٣

437 إن هذه الحادثة من الناحية التاريخية وقعت في أواخر عهد النبوة، إلى اليمن قبل حجة الوداع بأشهر. أرسل عليًا Sفالنبي وقد أعمل علي الحكمة والرحمة التي عرفها من طول الفترة التي قضاها في هذا الدين وتعامله مع الأحداث والمستجدات، وفي موقفه هذا لعلمه أن هذا الدين جاء ليذهب عن العرب وغيرهم عبَّية الجاهلية وأعباءها، أول ما عمله أن لفت أنظارهم إلى خطئهم في موقفهم الذي اعتادوا عليه في الجاهلية من ردود الفعل عندما تحدث فيهم جناية القتل بقيام الثارات والثورات التي يتسلسل على إثرها القتل عندما قال لهم: (أتقتلون مائتين في أربعة؟) فأنتم تزيدون المشكلة لا تحلونها بإيجابية تقطع القتل وتنهيه، وهنا تبرز الرحمة والحكمة في العقل المسلم، وهو العقل العربي الجديد ، ويرجع )((الذي أصبح يقيس الأمور بميزان العدل والنقد البناء حي؟) صاحب S االأمر إلى أهله (تريدون أن تَقاتلوا ورسول الحق والعدل والمنهج السوي في التعامل مع الحياة، وقد أنزل إليه الحكم في الجنايات عمدها وخطئها، والمرجعية عند الاختلاف ، فلماذا )((بوجود الحق الذي ترجعون إليه الله والتنازع، فقد رحمكم ، وقد صحح اسناده محقق المسند المحدث أحمد محمد 309 حديث رقم40/(،063= رقم ، وحنش بن المعتمر شاكر. ومدار الحديث على رواية حنش بن المعتمر عن علي بن أبي طالب الكناني تكلموا فيه، وقيل عنه: إنه ثقة ولم يتابع، وقيل: صدوق له أوهام. انظر تخريج الحديث . وتحقيق أحمد 573 حديث رقم5/(في: تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون لمسند الإمام أحمد . 573 حديث رقم4/(شاكر على الارتفاع بمستوى التفكير، والتعقل في الأمور وضبطها بمقاييس ربى القرآن الصحابة )(( الحكمة، وفي قصة الإفك درس عملي وتربوي للأمة في تحكيم العقل في مواجهة الشائعات، والترفع على جهالات الجاهلية وضلالاتها. إن ما تحتاجه الأمة اليوم فقه هذا المنهج في أهمية إرجاع الأمر إلى أهله، وتوحيد الرؤية، حتى لا )(( تخترق ويعبث بها كل ناعق. وقد نبه القرآن إلى خطورة الفوضى والتصرف الفردي وبخاصة فيما ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ( تعالى: اللهيتعلق بحق الأمة ومصيرها وما يؤثر عليها قال فإيجاد أهل الحل والعقد والخبراء ]83الن[ ) ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ في جميع شؤون الحياة واتحادهم في مجلس يُرجع إليه أمر ضروري للأمة.

عدد الصفحات ١٧

438 هذه الفوضى؟ (إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، فيكون هو الذي Sوإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له) إنه الضبط للنفس والاتزان في التصرف، حكم خذوه مؤقتًا إن لم ترضوا به مطلقًا، فهو يمنع بعضكم من الاعتداء على بعض، إنه مقتضى الحكمة . S من نبيهوالعقل والرحمة التي تعلمها علي في القضاء بينهم وحل المشكلة في ضوء ما تعلمه من اجتهد علي الحكمة النبوية، فالجناية خطأ وفيها الدية، وبالنظر الموفق كلف من تسبب في هذه الجناية بجمع الدية ابتداء ممن حفر الزبية ومن زاحم حولها ومن جذب غيره ممن سقطوا فيها، وقسمها بين الهلكى بحسب تسببهم في وفاة غيرهم، فالأول جذب الثاني، والثاني جذب الثالث، والثالث جذب الرابع فكان لهم نصيب من الجناية، فنقص نصيب كل واحد من القتلى بمقدار ما تسبب في وفاة الآخرين في هذه المهلكة التي آلتها الأسد الذي جرحهم جميعًا فماتوا من جراحته، فتركبت الجناية من فعل مضمون وهو التسبب في الهلكة بالدفع والجذب، ومهدر وهو مباشرة الأسد للجرح، فسقط ما يقابل المهدر، واعتبر ما ، فكان للأول من الدية الربع فقط، لأنه تسبب في )((يقابل المضمون قتل ثلاثة، وللثاني الثلث، لأنه تسبب في قتل اثنين، وللثالث النصف، لأنه تسبب في قتل واحد، وللرابع الدية كاملة، لأنه لم يتسبب في قتل أحد. قال ابن العربي معلقًا على هذا الحكم: (وهذا من بديع . وقال ابن القيم ردًا على بعض الفقهاء الذي يرون أن )((الاستنباط) هذا الحكم جاء على خلاف القياس: (ما قضى به علي أفقه؛ فإن 30/( انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم )(( . 44/4 أحكام القرآن، ابن العربي )((

عدد الصفحات ١٨

439 الحاضرين ألجأوا الواقفين بمزاحمتهم لهم فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويكسروا الله من حيث ينبغي جبرهم، ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل لكل مصاب حظًا من الجبر، وهذا أصل شرع حمل العاقلة الدية . )((جبرًا للمصاب وإعانة له) من هذه القضية والقضاء فيها؛ فإنه لما عرض Sأما موقف النبي عليه أهل اليمن القضية عدّل جلسته استعدادًا للقضاء فيها، فأخبر أن عليًا قضى فيها، ثم عرضوا عليه قضاء علي فأقره. فيها بمثل هذا أو غيره بما يتضمن العدل Sوربما حكم النبي Sوالحق لا محالة، ولكن لما سمع قضاء علي أقره، وإقرار النبي لذلك دليل على أن له وجهًا شرعيًا ونصيبًا من الصحة، إذ لو كان ، وفي هذا درس نبوي في احترام القضاء Sباطلاً لنقضه النبي إذا كان له نصيب من الصواب. حريصًا على تعويد أصحابه على فصل القضاء Sوقد كان النبي وحثهم على الاجتهاد فيه، وربما أمر أحدهم بالحكم بين يديه في بعض ما يعرض عليه من مرافعات، وذلك لأن القضاء والحكم بين الناس مما يبتلى به الناس في كل زمان ومكان، ويحتاجه كل تجمع بشري، وتتجدد وسائله بتطور المجتمعات، فلا بد من أصول ثابتة ووسائل متطورة، بأمته أن فسح المجال Sواجتهاد متجدد، ولذلك من رحمة الرسول لأصحابه في الاجتهاد القضائي وتحت نظره وتحفيزه، وأحيانًا إبداء على أبي شريح الذي Sإعجابه بأسلوب فض المنازعات كما في ثنائه 3(/( إعلام الموقعين، ابن القيم )((

عدد الصفحات ١٩

440 عن سبب هذه التسميةSكان يدعى أبو الحكم، فاستفسره النبي فقال: إن قومه إذا اختصموا أتوه فيفصل بينهم فيذهب كل فريق ، لأنه يحقق مقصدًا )((: (ما أحسن هذا!)Sراضٍ بحكمه، فقال النبي شرعيًا هو العدل بين الناس وفض المنازعات بالتي هي أحسن. وكان من تحفيزه لأصحابه للاجتهاد في القضاء والحكم أن وعد القاضي بالأجر، فإن أصاب فله الأجر كاملاً، وإن أخطأ فلن يعدم الحسنة بشرط أن يجتهد في التوصل للحكم الصواب، ففي الصحيحين عن يقولS ا أنه سمع رسولعمرو بن العاص )((فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر بن عمرو عن عمرو بن العاص، قال: جاء رسولعبداللهوقد روي عن خصمان يختصمان، فقال لعمروSا ، قالالله فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول قضيت بينهما فما لي؟ قال ، )3(فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت وأخطأت، فلك حسنة . )4(ويروى نحوه عن عقبة بن عامر وفي هذا الفضل من الحسنات عند الإصابة والسداد في الحكم دافع لتحري الصواب والحرص عليه وتحصيل أدواته، وإن أخطأ بعد استفراغ الجهد في التوصل للصواب فلن يعدم أجر الاجتهاد. حديث 6/8. والنسائي، سنن النسائي4955 حديث رقم309/7 رواه أبو داود، سنن أبي داود )(( . 540( حديث رقم433/3. وصححه الألباني، صحيح سنن النسائي5387رقم 7(6. ومسلم، حديث رقم735( رواه البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم )(( 99/4. وأورده الحاكم في المستدرك78(4 حديث رقم357/(9 رواه الإمام أحمد في المسند، )3( وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة). وقد خطأه7004حديث رقم . 358/(9محقق المسند في تصحيحه هذا، وحكم على الحديث بالضعف، مسند الإمام أحمد ، ولفظه 78(5 حديث رقم 358/(9 رواه الإمام أحمد في المسند )4( عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد . 359/(9. وضعفه محققو المسند شعيب الأرناؤوط ورفاقه7003 حديث رقم95/4الصحيح

عدد الصفحات ٢٠

441 ومن مظاهر الرحمة في هذه القضية ما يلي أولاً: إن هذه التربية على الاجتهاد في الحكم والقضاء بين الناس رحمة بالأمة لتتدبر شؤونها ويتحمل منهم من تأهل لهذه المسؤولية القيام بها دون أن يجبن عنها بدافع الورع والتقوى المطلوبة شرعًا من كل مؤمن، فهو مأجور غير مأزور ما دام حقق الشرط الشرعي وهو الاجتهاد واستفراغ الطاقة والوسع في التوصل إلى الصواب في الحكم والقضاء. ثانيًا: احترام القضاء إذا كان له وجه من الصواب، وعدم نقضه، قضاء علي بن أبي طالب Sويظهر هذا في إمضاء النبي وإقراره في قضية الزبية. بحكمة الشريعة ورحمتها حجز القوم عن بعضهم ثالثًا: أن عليًا من الوقوع في الاقتتال بينهم، وقد تهيؤوا له، عندما ذكرّهم بأهمية تحكيم العقل والشرع، وبادرهم بالحل الاجتهادي المبني على معرفة بالشريعة، وطلب منهم قبوله مؤقتًا حتى يرجعوا فيتبينوا حكمه في قضيتهم.S اإلى مصدر الشرع نبي رابعًا: ظهور النضج الفكري والقدرة على إدارة الأزمات في موقف في هذه القضية، مما يعكس حكمة علي بن أبي طالب . )(( في اختيار الرجل المناسب للعمل المناسبSالرسول 3 . عام ذات السلاسل،S ا لما بعثه رسولعن عمرو بن العاص قال: فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال: فلما هذه رحمة في السنة تحتاجها الأمة لتلافي الوقوع في المخاطر بوضع الشخص المناسب في )(( المكان المناسب وبخاصة ما يتعلق بقضايا الأمة المهمة.

عدد الصفحات ٢١

442 ذكرت ذلك له، فقالS اقدمنا على رسول ، إني احتلمت اللهبأصحابك وأنت جنب؟ في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت ]29الن[ )ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ( : اللهقول . )(( ولم يقل شيئًاS افتيممت، ثم صليت. فضحك رسول قال العيني في فوائد الحديث التي ذكرها: (جواز الاجتهاد في S. واجتهاد الغائب عن مجلس النبي)(( في غيبته)زمن النبي هو . والاجتهاد الذي وقع من عمرو بن العاص )3(جائز بلا شك أنه رأى أن عليه الغسل من أجل الجنابة التي وقعت له، ولكن الجو بارد والماء كذلك، ورأى أنه لو اغتسل فلربما هلك، وإهلاك النفس ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ (يقول: الله ، لأناللهعظيم في شرع أن شرع البديل في التيمم ومن رحمته ]29الن[ )ﮀ ﮁ وصلى بأصحابه لثقته التامة بصحة ما قام لفاقد الماء، فتيمم به، واعتبر الخوف من استعمال الماء كعدم الماء، فإذا كان عدم وجود الماء مبيحًا للتيمم، فإن وجوده مع الخوف من ضرره كعدمه مبيح للتيمم أيضًا، ولا عبرة بصورة الوجود، فإبقاء النفس من العدم أهم من حكم شرع بناءً على عدم الماء، فالتيمم لبقاء النفس الله في شرع مع وجود الماء في ميزان الشرع أولى منه عند عدم الماء، وهذا فقه في تطبيق الأحكام الشرعية وتحقيق المناط، قال الخطابي في معالم السنن عند شرحه لهذا الحديث: (فيه من الفقه أنه جعل . )4(عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء 49/(. وأبو داود، سنن أبي داود78(( حديث رقم346/(9 رواه الإمام أحمد في المسند )(( . وصححه محققو مسند الإمام أحمد شعيب الأرناؤوط ورفاقه. 334حديث رقم 50/( شرح سنن أبي داوود، العيني )(( . ((/6 المحصول، الرازي )3( (03/( معالم السنن، الخطابي )4(

عدد الصفحات ٢٢

443 وهذا عين الفقه، ففيه جمع بين النصوص وفقه بمقاصد الشريعة وأولوياتها، فالحفاظ على النفس أصل شرعي. ويؤيد صحة فقه الله له، وذم رسول S في هذه المسألة إقرار النبي عمرو في موقف آخر أولئك النفر الذين كانوا في سفر فأجنب S أحدهم، وفي رأسه شجة، فلما سألهم ألزموه بالغسل، فاغتسل مسؤولية إفتائهم بغير علم، واعتبر Sفمات، فحملهم الرسول ، ألا سألوا إذ لم يعلموا، اللهما قالوا به جهلاً، وقال: (قتلوه قتلهم ، فإذا لم يكونوا أهلاً للعلم بمقاصد )((فإنما شفاء العي السؤال) الشريعة والاجتهاد والنظر فهلا سألوا!!. وموقف Sوإذا نظرنا إلى هذه الحادثة التي وقعت في زمن النبي منها وإقراره لفعل عمرو بن العاص ولم يزد على أن سكت Sالنبي فلم يأمره بإعادة ولم يلمه على الصلاة بأصحابه، وقد تيمم من Sجنابة، وربما فيهم أوكلهم قد توضأوا بالماء، ولم يسأله النبي هل بإمكانه أن يسخن ماء ثم يغتسل وغير ذلك من الاحتمالات، وقارنّا ذلك بأقوال الفقهاء فيما بعد وتشدد بعضهم في عدم الرخصة لمن وجد الماء أن يتيمم مع شدة البرد والخوف من الهلكة، لأن هذا المحدث واجد للماء فلا رخصة له مطلقًا، وتفريق بعضهم بين السفر والحضر لمن كانت هذه حاله، وترخيص بعضهم له أن وإقرار علمنا أن اجتهاد الصحابة )((يتيمم ولكن يلزمه بالإعادة فقهوا لهم على اجتهاداتهم رحمة للأمة وأنهم Sالرسول مقاصد الدين ويسره ورحمته بالمكلف ورعايته لحقوقه. ، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 337 حديث رقم5(/( ابو داود، سنن أبي داود )(( . 364 حديث رقم58/( ، وفتح الباري لابن رجب،03/( انظر أقوال العلماء في: هذه المسألة في معالم السنن للخطابي )(( 79/(

عدد الصفحات ٢٣

444 ومن مظاهر الرحمة في هذه الحادثة أولاً: تقدير الأولويات في الشريعة والحرص على الأهم قبل المهم، فحفظ النفس أولى من الغسل الواجب مع هلاك النفس، وهو في اجتهاده واستدل عليه ما اعتمده عمرو بن العاص ﭹ ﭺ ( رحيم بالأمة فبالآية التي نهت عن قتل النفس ولذلك أقره النبي ]29الن[ )ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ . الله على اجتهاده واستدلاله، واعتماده على سعة رحمة S بأصحابه إذ أظهر تعجبه في ضحكهSثانيًا: تلطف الرسول مع إقراره التام على ما فعله باجتهاده. من فعل عمرو S 4 . لنا لما رجع من الأحزابS، قال: قال النبيعن ابن عمر يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل . )((، فلم يعنف واحدًا منهمSنصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي من أعظم أعمالهم S ا هذا الموقف من أصحاب رسول واجتهاداتهم بركة ورحمة على الأمة، فقد فتح لها آفاق مناهج الفقه الإسلامي بين ظاهر القول وأبعاده ومعانيه ومقاصده، وعلى هذين المنهجين سار الفقه الإسلامي على طول تاريخه وتطوره بين مدرسة المعنى ومدرسة الظاهر، قال ابن عبدالبر: (هذه سبيل الاجتهاد على ، فمن الصحابة من نظر إلى ماذا )((الأصول عند جماعة الفقهاء) ، فاكتفى بظاهر النص، فلم يصل العصر إلا بعد غروب Sقال النبي بالصلاة فيه بحسب Sالشمس حيث وصل المكان الذي أمر النبي . 946 حديث رقم5 /( رواه البخاري، صحيح البخاري )(( 876/( جامع العلم وفضله، ابن عبدالبر )((

عدد الصفحات ٢٤

445 ما فهم من النص، وبعضهم ذهب إلى أبعد مما ظهر على سطح العبارة، ففهم أن المراد المعنى الذي هو الحث على المبادرة بالذهاب إلى ديار بني قريظة، فأعمل النصوص كاملة بين الأمر بالصلاة في وقتها والقيام بالمراد من هذا الحديث، (فأخذ بعض أصحابه بظاهر اللفظ ولم يصلوا إلا هناك، وتعلق آخرون بالمعنى فقالوا: إنما أراد الاستعجال، فصلوا ولحقوا، فلم يعنف واحدًا من الفريقين، لأخذ كل لأحد منهم، على إقراره لكلتا S، وقد دل عدم تعنيف النبي)((بدليل) الطريقتين في فقه النصوص والعمل بها على مشروعية المنهجين، ، (ففيه دلالة لمن يقول )((لأن السُّكُوت على فعل أَمر كالقول بإجازته . )3(بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضًا ومن مظاهر الرحمة في هذه الحادثة: في هذا الموقف وموقف أولاً: أن هذا الاجتهاد من الصحابة منه تتعلم منه الأمة مشروعية الاجتهاد للوصول Sالنبي إلى الحكم وضوابطه. ثانيًا: أن الحكم المبني على اجتهاد في فهم النصوص بوجه يحتمله النص سائغ. ثالثًا: أدب الاختلاف والائتلاف في مسائل الاجتهاد، فلا يُعنَّف مجتهد توصل لحكم شرعي باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد في الوصول إليه وكان أهلاً له ملتزمًا بأصوله، . )4(وكان موضوعه مما يسوغ الاجتهاد والاختلاف فيه 559/( كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي )(( 45/8 التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن )(( 98/(( شرح صحيح مسلم، النووي )3( 98/(( انظر: المرجع السابق نفسه )4(

عدد الصفحات ٢٥

446 لأصل عمل به العلماء في تعاملهم مع النصوصSرابعًا: إقرار النبي من حيث استنباط الحكم الشرعي، وذلك فيما نتج من مناهج فقهية يعتمد أكثرها المعنى، وتعتمد الأخرى الظاهر، مما كان له الأثر البالغ في إثراء الفقه الإسلامي الذي هو من أعظم النعم على الأمة الإسلامية والناس عامة لو كانوا يعلمون.

عدد الصفحات ٢٦

447 المبحث الثاني الجميع عليه،مظاهر الرحمة فيما أقر النبي ولكن بعضهم حظه من الصواب أكبر من الآخر قد يجتهد أكثر من صحابي في مسألة واحدة في موقف واحد الله فيختلف اجتهادهم، فيعمل كل منهم بما توصل إليه من حكم يدين به باجتهاده في اعتماده على أصل شرعي، وقد يصيب أو يقترب من الصواب أو يخطئ، وفي هذا المطلب سنتطرق إلى مواقف اجتهادية للصحابة اختلفت وجهات نظرهم فيها، وكل عمل بما أداه اجتهاده، ولكن أقر الجميع على اجتهادهم إلا أنه رجح أحد الاجتهادين Sالرسول على الآخر، ومن هذه الاجتهادات التي يكون لأحدهم نصيب من الصواب أكثر من الآخر ما يلي: (. عن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصَّلاة وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيدًا طيبًا، فصلَّيا، ثمَّ وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعدS اأتيا رسول . )((وأجزأتك صلاتك تدركهما الصلاة في Sفي هذه الحادثة اثنان من أصحاب النبي . وصححه الألباني، صحيح أبي داود - 338 حديث رقم53/( رواه أبو داود، سنن أبي داود )(( . 366 حديث رقم65/(

عدد الصفحات ٢٧

448 سفر وليس معهما ماء للوضوء، فتيمما عملاً بالبديل المشروع عند عدم الماء لأداء الصلاة، ثم صليا الفريضة بطهارة شرعية بديلة للوضوء عند عدم الماء، وبعد قليل من الزمن وجدا الماء وما زال في الوقت متسع لتلك الصلاة؛ فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة؛ إما احتياطًا أو ظنًا منه أن الصلاة في هذه الحالة بعد وجود الماء لا تحل بذلك التيمم، وأما الآخر فاكتفى بأداء تلك الصلاة بذلك التيمم ولم يعد، لأنه يرى أنه أدى صلاة بطهارة مشروعة في ظرفها ذلك. وهنا قد اجتهدا في أمر هذه الصلاة وعمل كل واحد بما وأخبراه الخبر، قال لمن لم Sرأى أنه الصواب، فلما رجعا للنبي يعد الصلاة أصاب السنة في اجتهاده فهو أفقه بلا شك، وقد وفق لمقاصد ، وجاءت اللهالشريعة، من الرخصة في التيمم لها الله كاملة بشرطها، وعلى وفق ما شرع يحب أن تؤتى رخصه، وأن يعمل بشرعه في واللهعند عدم الماء، الله ظرفه، وهو ما كلف الإنسان به ليعبر عن طاعته وانقياده لأمر وقد حصل منه ذلك فأصاب سنن هذه الشريعة الرحمة الرحبة. وقال للآخر الذي توضأ وأعاد الصلاة الصلاة الأولى، وهذا يدل على قبولها ووقوعها على وفق الشريعة كاملة، وأجر الصلاة الأخرى التي ربما تكون له نافلة. أقرهما جميعًا على فعليهما، وبين أن أحدهما أقرب Sوهنا النبي لموافقة الشريعة، وحظه من سننها ومنهجها أكبر من صاحبه، وكل واحد منهما على خير. وفي هذا من المنهجية الشرعية والرحمة أن من أخذ بالأرفق الموافق للمشروع فهو على خير وهدى لموافقة الشريعة السمحة القائمة على اليسر، ومن أخذ بالأحوط فلا

عدد الصفحات ٢٨

449 تثريب عليه، وفي هذا الإقرار والبيان رحمة بالأمة لا يزال العمل به، وجريان الفتوى عليه عند العلماء؛ فمن المفتين من يرفق بالسائلين ويفتي لهم بالأيسر ما دام داخلاً في نطاق الشريعة وله مستند وأصل يسوغ الفتوى به، ومنهم من يفتي لهم بالأحوط ويلزمهم به إما احتياطًا لذمته من تبعة الفتوى، وإما حملاً للناس عليه، لأنه يرى أن الذمة تبرئ به بدون شك، وما وافق هدي الشريعة ومقاصدها العامة القائمة على الحكمة والرحمة ورعاية المصلحة وتحقيقها هو السنة التي جاءت في الحديث. ومن مظاهر الرحمة في هذه الحادثة: أولاً: أن الرخصة رحمة بالأمة، والأخذ بها في ظروفها أفضل من تكلف العزيمة. بالأمة أن من أخذ بالأرفق الذي له مستند الله ثانيًا: من رحمة شرعي، ومن أخذ بالأحوط كلهما على خير. بأصحابه، وتطيب خواطرهم بتزكية أفعالهم. Sثالثًا: رفق النبي (. خرج S ا بن أبي قتادة، أن أباه، أخبره أن رسولعبدالله عن حاجًا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: « انصرفوا، أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، (وفي رواية قال أبو قتادة: وأنا مشغول أخصف ، وأحبوا لو أني أبصرته، فالتفت فأبصرته) )((نعلي، فلم يؤذنوني له فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، وفي رواية (فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا) . 5/8 فلم يؤذنوني له: أي: فلم يعلموني. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، القسطلاني )((

عدد الصفحات ٢٩

450 وفي رواية (فأبى بعضهم، وأكل بعضهم) وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ وفي رواية (ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم) وفي رواية (فأكلوا فندموا) فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا ، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة الله قالوا: يا رسول S ارسول لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلنا، فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال .)((أو أشار إليها الصيد عملية اقتناص وترصد أو مطاردة ومباغتة لحيوان آمن يعيش الإنسان عليه، وأكرمه بالاستفادة منه بأي وسيلة الله في بيئته، فضل من وسائل الانتفاع المباحة له. وفي فترة زمنية يدخل فيها المسلم الزماني أو المكاني وتتسع فيها دائرة التحريم، التي هي الله في حرم أضيق شيء في الشريعة، لتشمل في هذه الحال التحريم المؤقت لما المؤمنين المحرمين عنه، وابتلى الله كان حلالاً من صيد البر الذي نهى به في أحد إحراماتهم بأن يأتي الصيد إلى رحالهم Sأصحاب نبيه ويمر من أمامه تناله أيديهم ورماحهم في أمنة وسكينة تَنْزِل في قلوب الله تلك الحيونات البرية التي من عادتها الفرار من الإنسان، لأن أمّنها منهم بأمره القوم بكف أيديهم عنها، فلتعش في أمن، ولتستمتع الشرعي للعصبة المسلمة المحرمة بعدم الاعتداء عليها، الله به، لأمر فلتنعم بالأمان المؤقت، هذه ظاهرة لم تتكرر ولن تتكرر، ولكن ليعلّمنا المتعبد له به الله أن هذا ما يجب أن يكون عليه المسلم المؤمن بأمرالله بكف أذاه عنه فضلاً عن ضرره. الله يأمنه من أمره وجميع الروايات المدرجة من صحيح البخاري في 8(4 رواه البخاري في صحيحه حديث رقم )(( وحديث رقم: 549( وحديث رقم5407 وحديث رقم8(3مواضع أخرى انظر: حديث رقم . 854 وحديث رقم570

عدد الصفحات ٣٠

451 S يقصد القوم مكة مع نبيهموفي قصة أبي قتادة وأصحابه بمهمة فيؤدونها ويقفلون راجعين Sويكلفهم الرسول الأعظم ليلتقوا به فيكملوا مسيرهم إلى مكة المقدسة، لأداء Sإلى النبي النسك الذي خرجوا من المدينة لأجله، يحرم أصحاب أبي قتادة ويبقى حلالاً فيعرض لهم صيد من الحمر الوحش، وقد علموا من أنه لا يحل لهم الصيد ما داموا حرمًا، فتتوق أنفسهم له الله حكم وتشتهيه وودوا لو رآه أبو قتادة فهو لا يحرم عليه أن يصيده، لأنه لم يحرم بعد، كان منشغلاً بإصلاح نعله فلما رفع رأسه رأى الصيد عارضًا من بعيد، ولم يبدر من القوم ما يعينه على اصطياده من إشارة أو قول ولم يعربوا عمّا جال في أنفسهم من الرغبة فيه وبقي الأمر حديث نفس، حمل أبو قتادة على الصيد فاقتنص واحدًا منها وجاء به إليهم، وهنا انقسم القوم إلى فريقين، حول حكم هذا المصيد أيأكلون منه وهم حرم أم لا يأكلون؟ فأكل بعضهم مجتهدًا في حله لهم، لأنهم لم يصيدوه بأيديهم ولا بآلاتهم ولم يعينوا على صيده، وحملوا تحريم الصيد على عملية الاصطياد، فحملوا لفظ الصيد المحرّم على المصدر لا على المصيد فأكلوا منه، وامتنع الآخرون وعمّموا لفظ الصيد على عملية الصيد والاقتناص وعلى لحم المصيد ما داموا حرمًا، لكن الرجوع للنص قريب لا يحول ، فلما أدركوا نبي الرحمة Sبينهم وبينه إلا أن يلحقوا بالنبي أنها طعمة S سألوه عما وقع لهم فبين لهم الرسول الكرS إياها إذ لم يباشر المحرمون صيده ولم يعينوا عليه، الله أطعمهم ولم يؤثر ما وقع من حديث النفس في حل ذلك الصيد، إذ أن حديث النفس معفو عنه ما لم يعمل الإنسان أو يتكلم. ومن مظاهر الرحمة بالأمة في هذه الحادثة ما يلي:

عدد الصفحات ٣١

452 أولاً: أن فيها التفسير الوسطي لما يحل ويحرم من الصيد اقتناصًا أو أكلاً. ثانيًا: البيان العملي لفقه نص تحريم الصيد على المحْرِم. ثالثًا: العفو عن حديث النفس.

عدد الصفحات ٣٢