المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مظاهر الرحمة في مواقف النبي من اجتهادات الصحابة الفقهية

حمد بن حسين بن صالح الجعيدي

صفحة ١ من ٣

421 مظاهر الرحمة في مواقف النبي من اجتهادات ال إعداد: حمد بن حسين بن صالح الجعيدي

عدد الصفحات ١

422

عدد الصفحات ٢

423 مقدمة رحمة للعالمين، وعلى ذلك قامت شريعته بشقيها العلمي Sبعث النبي على هذه الأمة. وقد اكتملت الله أتمها الله والعملي، فكانت نعمة ومنّة من ، وتعلّم أصحابه Sأصول هذا الدين وأسسه ونصوصه في زمانه منه منهج التعامل مع الأحداث والمستجدات وما يواجههم من أزمات في ضوء أصول هذا الدين ومقاصده، فكان ما حدث في زمن الصحابة من المستجدات وتعاملهم معها واجتهاداتهم في التوصل إلى الحكم فيها وتنوع فقههم في تناولها أنموذجًا استفاد منه الفقهاء المجتهدون الذين اتبعوهم بإحسان، فورثوا منهجًا، وبنوا علمًا على هذا التنوع الفقهي الموروث عن في الأصول والفروع، واتسعت حدقة الرؤية للرحمة Sأصحاب النبي في ذلك باتساع دائرة الفقه الإسلامي واستيعابه لكل القضايا والمحدثات والمستجدات، ووجد من العلماء والخلفاء من يغتبط بهذا التعدد الفقهي في Sوالتنوع العلمي في تناول المسألة الواحدة من قبل أصحاب النبي التوسعة على من بعدهم والهداية لمناهج في التفكير في تناول القضايا الفقهية على أسس علمية مبنية على أصول الدين التي تربّوا عليها ووعوها ، فكانوا النموذج الأمثل في حياة الأمة Sجيدًا في زمن نبيهم وإمامهم

عدد الصفحات ٣

424 لتطبيق الإسلام وتحقيق مقاصده لمعايشتهم منبعه ومصدره في شخص ، واستفادتهم من توجيهاته وتسديداته، واجتهادهم بين يديه S ارسول وفي حياته وتزويدهم بالتغذية الراجعة في صحة الاجتهاد ومنهجه أو تعديله وتصويبه والتوجيه له الوجهة السليمة، وهو يُعدّهم في ذلك كله إلا وقد قرّت Sلتحمل مدّ الرسالة المباركة من بعده، فلم يغادر الدنيا بأنه سيترك مِن خلفه مَن هو أهل لحمل هذا الدين على أصوله Sعينه في مرض موته بتراص الصحابة Sإلى الآفاق، ويشهد لهذا اغتباطه ، في الصلاة خلف من رشحه لهم عندما يشغر مكانه أبو بكر الصديق . )((والقيام بهذا الواجب العظيم خلف هذا الإمام على أحسن حال تلك الأمانة وقد استفادوا من مدرسة النبوة تحمّل الصحابة العلم وفقه العمل والتطبيق، ووعوا الدرس جيدًا، لما عاصروا من التنزيل وتحقيق مقاصد هذا الدين العظيم، الله والتأويل والبيان النبوي لمراد فكانوا نبراسًا يهتدى بهم الله فتلك العصبة من الأمة صُنعت على عين ومقياسًا تقاس على أقوالهم الأقوال وعلى أفعالهم الأفعال. وكان من على الأمة أن حوادث وقعت Sفضل تلك النخبة المصطفاة لصحبة نبيه منهم كانت بركة في سبب نزول آية أو توجيه نبوي كريم يتبين منه مراد ويتضح منه منهج في هذا الدين القويم، ويترتب عليه حكم ينفع الله، فيما يأمرهم به، وانتهاؤهم S االمسلمين، وكان امتثالهم لأمر رسول عما ينهاهم عنه، سببًا في جعل أحكام هذا الدين سهلة ميسورة، فلم ما حمّل أصحاب الرسل السابقين أممهم Sتُحمّل الصحابة أمة محمد من التكاليف التي ترتبت على كثرة أسئلتهم لأنبيائهم واختلافهم عليهم. ، أن المسلمين بينما هم في الفجر يوم الاثنين، وأبو روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك )(( فنظر إليهم وهم صفوف، قد كشف ستر حجرة عائشة S يصلي بهم، ففجِئهم النبي بكر يريد أن يخرج إلى الصلاة، S ا على عقبيه، وظن أن رسول فتبسم يضحك، فنكص أبو بكر حين رأوه، فأشار بيده: أن أتموا، ثم دخل Sوهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحًا بالنبي .05 حديث رقم63/(الحجرة، وأرخى الستر، وتوفي ذلك اليوم. صحيح البخاري،

عدد الصفحات ٤

425 إن مما بدر من الصحابة وكان له أثر في فقه الأمة الاجتهاد في تطبيق منهم، ومن هذا الاجتهاد ما وقع في زمن النبي وتحقيق مراده الله دين ، وقد جاءت حوادث ووقائع تدل على حدوثه فعلاً، فضلاً عن إمكانيته، S وبعد إذنه، ومنه ماSوهو على قسمين: منه ما كان في وجود النبي حتى إذا عاد إلى النبي Sكان يحتاج إليه الصحابي لبعده عن النبي بهذه الأمة الله أخبره بما وقع منه، فيقره أو يصحح له، ومن رحمةS ابتداءً في تلك الوقائع، بالإضافة الله في هذا الجانب أن تبين لهم حكم إلى التأسيس لأصل الاجتهاد في التوصل للحكم الشرعي ومشروعيته. من Sوفي هذا البحث نتعرف على مظاهر الرحمة في مواقف النبي الفقهية في عهد النبوة. اجتهادات الصحابة أهداف البحث: يهدف البحث إلى: (. بأمته في أحكامه على اجتهادات أصحابه Sبيان رحمة النبي . (. مع اجتهادات Sإبراز جوانب اليسر والرفق في تعامل النبي . أصحابه 3 . .Sبيان إمكانية وقوع الاجتهاد من الصحابة في زمن النبي 4 .إبراز فقه الصحابة بأصول الشريعة ومقاصدها منهج البحث: أما منهج البحث فهو منهج مسحي وصفي، مادته العلمية اجتهادات وحكمه S، لإثبات أن موقف النبيSالصحابة الفقهية في زمن النبي على تلك الاجتهادات تتجلى فيه الرحمة بالأمة، ولبيان ذلك يممت وجهي

عدد الصفحات ٥

426 شطر كتب السنة والأثر استنطقها المواقف التي حدث فيها أعمال اجتهادية فوجدت عددًا منها يفي ببيان المقصود Sمن الصحابة في زمن النبي بالبحث، فصنفتها في أربعة مستويات: مطلقًا. Sالأول: ما أقره النبي ولكن بعض من وقع منهم الاجتهاد أحظى Sالثاني: ما أقره النبي بالقرب إلى سماحة الشريعة من الآخر مع تصويب الجميع. اجتهاد قوم في مسألة وخطّأ اجتهاد آخرين Sالثالث: ما أقر النبي فيها. فيه الاجتهاد مع بيان البديل الصحيح. Sالرابع: ما خطّأ النبي ولم أتطرق لأقوال الفقهاء في هذه المسائل التي ذكرت، إذ أن مسألة البحث في هذه الاجتهادات ليس القصد منها بيان الحكم الشرعي بل المقصود بيان الرحمة وانسجام الاجتهاد مع الحقيقة العامة التي قامت عليها هذه الشريعة وهي الرحمة والسعة واليسر، ووضع الأمور في مواضعها. وغالب الأحاديث التي ذكرتها مما ثبتت من صحيح السنة والأثر، وما كان منها ضعيفًا فإني اعتمدت في إيراده على قول من أهل الشأن في الحديث باعتباره. وقد جاءت خطة البحث في مقدمة وتمهيد وأربعة مباحث وخاتمة. أبرزت في المقدمة أهداف البحث ومنهجه وخطة بحثي التي سرت عليها، Sوفي التمهيد أبرزت إمكانية الاجتهاد من الصحابة في زمن النبي ووقوعه، وبيان فقه الصحابة بمقاصد الشريعة في اجتهاداتهم التي وقعت لهم فيها، وإرجاعهم Sبالفعل منهم عند الحاجة إليها أو أذن الرسول الأمر لصاحب الشريعة فيقر من أصاب ويصحح لمن أخطأ فينشأ بذلك

عدد الصفحات ٦

427 زيادة بيان لمناهج الشريعة في الوصول إلى الحكم الشرعي مع زيادة تأكيد على قيام هذه الشريعة على اليسر وعدم المشقة، وعلى الحكمة والرحمة. أما المباحث الأربعة فقد جاءت على النحو التالي: من اجتهادات Sالمبحث الأول: مظاهر الرحمة فيما أقره النبي الصحابة مطلقًا. الجميع عليه، Sالمبحث الثاني: مظاهر الرحمة فيما أقر النبي ولكن بعضهم حظه من الصواب أكبر من الآخر. من أصاب في اجتهاده Sالمبحث الثالث: مظاهر الرحمة فيما أقر النبي وتنبيه من ابتعد عن الصواب. على خطأ الاجتهاد Sالمبحث الرابع: مظاهر الرحمة فيما نبه النبي فيه وتشريع البديل. أما الخاتمة فقد جعلتها في أهم نتائج البحث، وما تراءى لي من توصيات. ثم ذيلت البحث بقائمة المراجع والمصادر التي استقيت مادة البحث منها مرتبة بحسب الفنون الشرعية مبتدأً بالقرآن وعلومه، ثم السنة وعلومها، ثم العقيدة، فكتب الفقه الموفق. واللهوأصوله، وأخيرًا كتب اللغة.

عدد الصفحات ٧

428 تمهيد بعد عصر النبوة اتفق الأصوليون على جواز اجتهاد الصحابة ، Sوانقطاع الوحي، واختلفوا في اجتهاد الصحابة في زمن النبي فالجمهور على جوازه، وهو اختيار كثير من المحققين، ومنع منه قليل من إلى النص ومصدره S، بحجة إمكانية الرجوع في زمن النبي)((الأصوليين فنضمن يقينية الحكم، فلا داعي للاجتهاد الذي يؤدي إلى الظن في إصابة الحكم، فصار اجتهادهم في هذا الموضع كاجتهاد علماء الأمة في موضع . ولكن هذا مردود بأن إمكان النص لا يجعل النص موجودًا، حتى )((النص ، وأن الصحابي إذا اجتهد في زمن النبي )3(يقال لا يسوغ الاجتهاد مع النص له، فإذا S فإن العلم بصحة نتيجة اجتهاده يؤخذ من إقرار النبيS يصوب له ما أخطأ فيه، فكان مؤدىSكان الاجتهاد خاطئًا فإن النبي . والحكم في )4( مصيره العلم لا الظنSاجتهاد الصحابي في زمن النبي لايبنى على اجتهاد الصحابي فهو ليس مشرعًا في زمن Sزمن النبي له أو تصحيح ما وقع فيه باجتهاده هو Sالتشريع، ولكن إقرار النبي يفيدنا في أمور S في زمن النبيالمعتمد، إلا أن اجتهاد الصحابة . وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، 75/4 الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي )(( (((/(الشوكاني، . 99/(. المستصفى، الغزالي03/( انظر: قواطع الأدلة في الأصول، منصور بن محمد المروزي )(( . 77/4. والإحكام في أصول الأحكام، الآمدي965/3وروضة الناظر وجنّة المناظر، ابن قدامة 967/3. وروضة الناظر وجنّة المناظر، ابن قدامة99/( انظر: المستصفى، الغزالي )3( .5(0/(. التبصرة في أصول الفقه للشيرازي593/5 انظر: العدة، الفراء، القاضي أبو يعلى، )4( .(05/(وقواطع الأدلة في الأصول، منصور بن محمد المروزي

عدد الصفحات ٨

429 كثيرة منها نقدها في ضوء مقومات هذا الدين ومن أعظمها الرحمة التي Sهي الأساس الذي قام عليه، بالإضافة إلى أن الاجتهاد في زمن النبي يعطي بعدًا آخر وهو تدريب الأمة على مواجهة المستجدات وتلمس الأحكام أصحابه لضرورة إعمال الفكر Sلها في أصول الشريعة، وقد وجه النبي للوصول إلى الحكم الشرعي، فبشرهم بأن المجتهد لن يعدم الأجر ما : (إذا حكم Sأخذ بأدوات الاجتهاد في الوصل إلى الحكم الشرعي فقال الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله ، وفي حديث معاذ المشهور مشروعية الاجتهاد لاستنباط الأحكام )((أجر) حين بعثه إلى اليمن، S ا الشرعية، فقد روي عن معاذ: أن رسول . اللهقال . قالS ا؟الله قال ؟S الم يكن في سنة رسول لما الله الذي وفق رسول رسول لله صدري، ثم قالS ارسول ، وقد )3(. وهو حديث مشهور قد تلقته الأمة بالقبول) (( ايرضي رسول ، وما روي )4( سعد بن معاذ في بني قريظة لما طلبوا ذلكSحكّم الرسول بالحكم بين خصمين فإن أصاب فله كلف عمرو بن العاص Sأنه ، وغيرها من الوقائع التي تضمنت )5(عشر حسنات، وإن أخطأ فله حسنة منها ما كان في حضرته S في زمن النبياجتهادات من الصحابة ، وقد جزم ابن حجر S وبعد إذنه في ذلك، ومنها ما كان في غيبتهS في زمن النبي في فتح الباري بثبوبت وقوع الاجتهاد من الصحابة 34(/3. ومسلم، صحيح مسلم 735( حديث رقم 08/9 رواه البخاري، صحيح البخاري )(( 7(6حديث رقم حديث 443/5. وأبو داود في الس007 حديث رقم333/36 رواه الإمام أحمد في المسند )(( تحقيق أحمد شاكر. 3(7 حديث رقم608/3 تحقيق الأرناؤوط. والترمذي359(رقم 300/( المستصفى، الغزالي )3( .4((( حديث رقم(((/5 رواه البخاري، صحيح البخاري )4( .(78(4 حديث رقم357/(9 رواه الإمام أحمد في المسند، )5(

عدد الصفحات ٩

430 وجاءت آثار تدل على اجتهاد الصحابة في غيبته في) (( في حضرتهS ، وفي مباحث الدراسة نذكر بعض الوقائع التي حدث فيها) ((زمن النبوة وإن كانت الحوادث فردية وفي Sاجتهاد من الصحابة في زمن النبي قضايا جزئية، وثبوتها ظني، لأنها من أخبار الآحاد، فإن (المقصود من الأخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن النبي ، وليست المعول عليها في التشريع، فالتشريع من صاحب )3(ممن عاصره الشرع والعبرة بإقراره لها، ولكنّ المرجو من تحقيق هذه المسألة وإيراد إبراز جانب الرحمة في تقويم النبي الأمثلة من اجتهادات الصحابة ، وهي فائدة بالإمكان تلمسها S في عصره لاجتهادات الصحابة S وإظهارها، لأن هذه الشريعة قامت على الرحمة واليسر والحكمة والعدل، أو تصحيحه لها Sفلابد أن تنسجم تلك الاجتهادات معها بإقرار النبي وردها إلى هذا الأصل العظيم، فكان اجتهادهم على كل حال رحمة بالأمة، أصحابه فرصة في الاجتهاد للوصول إلى Sإذ لا شك أن إعطاء النبي الحكم الشرعي وإذنه لهم في ذلك بين يديه وعمل الصحابة بذلك عند وسؤالهم له S ااحتياجهم لمعرفة حكم شرعي في غيبتهم عن رسول بهذه الله عمّا فعلوا وإقراره لهم أو تصحيحه لاجتهادهم من رحمة S بأصلSالأمة حتى تواجه المستجدات القادمة بعد انقطاع الوحي بوفاته وهو الاجتهاد المبني على أصول الشريعة. فإن مما وعاه Sأقره النبي لمرادS من معاصرة التنزيل والتأويل الصحيح من النبيالصحابة من الخطاب الشرعي اكتساب ملكة الفقه للشريعة والعلم بمقاصد الله التشريع، وإن كانوا يختلفون بمقتضى الطبيعة البشرية في القدرة على الاستنباط، ولكنهم يشتركون جميعًا في علمهم بأن هذا التشريع يقوم 480/7 فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر )(( منها الأحاديث التي تعتمدها الدراسة، وسيأتي بيانها في مواضعها. )(( 77/4 الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي )3(

عدد الصفحات ١٠

431 على أصول وعوها وأدركوها، فكان اجتهادهم يدور في فلكها. ولم يكن استيعاب هذا الدرس وإتقان تطبيقه وسنّ المنهج في تحقيقه اعتباطًا أو عندما كان Sارتجالاً، بل جاء نتيجة ذلك التدريب والتصويب من النبي يعطيهم فرصة أمامه للاجتهاد في إيقاع بعض الأحكام على النوازل، S أو إبداء الرأي في بعض القضايا، ثم يقر ذلك أو يعقب عليه بالتصويب Sأو التصحيح، وكذلك ما كان من اجتهادهم في غيابهم وبعدهم عنه لحاجتهم إلى الاجتهاد في أمر لا يحتمل التأخير؛ فكان من فقه الصحابة للدرس الاجتهادي في زمنه عليه الصلاة والسلام أن يحدث لأحدهم أو ولا يمكنهم تأخير الأمر حتى Sمجموعة منهم أمر وهم بعيدون عن النبي فيما جدّ أو حدث، فيجتهدون في الحكم الله فيعرفوا حكمSيعودوا إليه الله به شرعًا في هذا الظرف، فإذا عادوا إلى رسول الله وتطبيق ما يدينون عرضوا عليه ما حدث لهم وما حدث منهم اجتهادًا في الوصول لحكم S من أصاب ويصحح لمن أخطأ، وربما وجد أن كل فريقS، فيقر النبيالله عند اختلافهم قد أصاب؛ ولكن أحدهم أقرب من الآخر لمقتضى الشرع؛ فيدعمهم بالقول الذي يطمئنهم على نتيجة اجتهادهم أو يقرهم جميعًا.

عدد الصفحات ١١

432 المبحث الأول مظاهر الرحمة فيما أقر النبي من اجتهادات الصحابة مطلقًا اقتضت منهم الاجتهاد S مواقف في حياة النبيحدثت للصحابة عليها فيقرهم، وقد يؤيد S، ثم يطلعون الرسولSفيها لبعدهم عنه صحة اجتهادهم بالفعل أو القول أو السكوت المتضمن الإقرار لصواب اجتهادهم، ومن هذه المواقف ما يلي: (. جاء في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهما من كتب السنة وأمّر علينا أبا S ا، قال: بعثنا رسول عبداللهعن جابر بن عبيدة، نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا ، ثم نبله بالماء فنأكله، )((يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال: قال أبو ، وفي سبيل S اعبيدة: ميتة، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول ، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاث الله 5(/4 الخبط: الخبط ورق الشجر يضرب بالعصا فيسقط. معالم السنن، الخطابي )((

عدد الصفحات ١٢

433 بالقلال)((مائة حتى سمنّا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه كالثور، أو كقدر الثور، فلقد أخذ منّا أبو )((الدهن، ونقتطع منه الفدر عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها وتزودنا ، فذكرنا S ا، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول) 3(من لحمه وشائق لكم، فهل معكم من لحمه شيء الله ذلك له، فقال . )4( منه فأكلهS افتطعمونا؟ لم يكن عندهم حكم شرعي فيظهر من هذه الحادثة أن الصحابة خاص في ميتة البحر، ولهذا اجتهد أبو عبيدة بناء على ما يعرفه من الشريعة أن الميتة تباح للمضطر غير باغٍ ولا عادٍ، وهذا الحوت ميتة، غير باغين ولا عادين، الله خارجون في طاعة الله وهم رسل رسول ﮓ (تعالى الله وقد بلغ بهم الجوع مبلغًا تباح لهم به الميتة لقول ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ فبناء ]النحل[ )ﮪﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ على هذا النص المسوغ لهم في تلك الحال الأكل من الميتة - وهو ما اجتهدوا في ضوئه - أكلوا من ذلك الحوت على أنه ميتة تباح في حالة استثنائية، والدليل على أنهم اجتهدوا في أمر ليس عندهم فيه عرضوا عليه ما حدث معهم. ولم Sنص أنهم لما رجعوا إلى النبي يكن الإشكال عند أولئك النفر من الصحابة في إباحة أكل الحوت وقب العين: ما تقعر منها. والوقب كالنقرة في الشيء. كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن )(( . 64/(الجوزي 65/( الفدر جمع فدرة: وهي القطعة من اللحم. المرجع السابق )(( الوشائق: جمع وشيقة وهي اللحم يغلى إغلاءة دون أن ينضج ليحمل في السفر. غريب الحديث، )3( .33/3أبو عبيد القاسم بن سلام 535/3. ومسلم، صحيح مسلم 4338 حديث رقم 4(/(( رواه الإمام أحمد في المسند )4( .(935حديث رقم

عدد الصفحات ١٣

434 به عليهم بما خلق لهم في الله فقد استقر عندهم إباحته بما امتن ﯛ ﯜ ﯝ (البحر مما يأكلون ويلبسون كما في قوله تعالى: لكن هذا الحوت وجدوه ]14النحل[ )ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ميتة قد قذف به البحر أو جزر عنه فمات، فاجتهد أبو عبيدة في ضوء ما عنده من النصوص، ثم توصل إلى حكم جواز أكلهم من هذه الميتة البحرية، لعموم إباحة أكل الميتة للمضطر، ولكن الرسول بعد ما بلغه أمرهم أراد أن يبين لهم صحة ما فعلوا من جواز S الأكل من ذلك الحوت، ليس لأنه ميتة اضطروا إليها، بل إن له حكمًا Sآخر وهو حل ميتة البحر مطلقًا للمضطر وغيره، فأراد النبي أن يطمئن قلوبهم بأن ما بدر منهم من أكل ذلك الحوت الميت حلال، حكمًا آخر عمليًا في إباحة ميتة البحر للمضطر وغيره Sوزادهم عندما أكل منه ولم يكن مضطرًا كحالهم التي استساغوا بها الأكل من ذلك الحوت بناء على اجتهاد أبي عبيدة، وهذا الحكم الجديد هو ما تعالى في سورة الله ، كما في قول)((أكدته نصوص الشريعة بعد ذلك ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ (المائدة: طعامه ما قال عمر بن الخطاب ]96ا[ )ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ، وما رواه )((عنهما: طعامه ميتته الله رمى به، وقال ابن عباس رضي قال عن البحر: (هو الطهور ماؤه S ا أن رسولأبو هريرة ، وذلك لما سأله رجل، وفي رواية أناس يركبون البحر )3(الحل ميتته للصيد فيمكثون فيه أيامًا هل يتوضؤون من ماء البحر؟ فأجابهم الرسول بذلك وزادهم حكمًا في إباحة ميتة البحر، وظاهر. أن هذا يرجح ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن حادثة سرية أبي عبيدة المذكورة هنا كانت في )(( . 535/9السنة الثانية من الهجرة. انظر: فتح الباري، ابن حجر 89/7 رواه البخاري، صحيح البخاري )(( . والإمام أحمد، في المسند ((/( رواه الإمام مالك، الموطأ، كتاب الطهارة باب الطهور للوضوء )3( .8735 حديث رقم349/(4

عدد الصفحات ١٤

435 عن ذلك الحكم لأناس اعتادوا البحر في تحصيلSالسؤال للنبي مصالحهم من صيد أو غيره، ولن يكون هذا إلا متأخرًا عن حادثة التي وقعت في السنة الثانية للهجرة على ما رجح ابن أبي عبيدة ؛ وبيان ذلك أن حدود الإسلام وأهله في السنة )((حجر في فتح الباري الثانية للهجرة لا تتجاوز المدينة، وسؤال هؤلاء البحارة واستفتاؤهم يدل على أن الإسلام قد جاوز حدود المدينة وضرب في الآفاق حتى شملت أحكامه أناس يركبون البحر عادة، ولن يكون ذلك قريبًا من السنة الثانية للهجرة قطعًا، فدل على أن هذا التصريح لهم بأن ميتة وأصحابه، فلم البحر مباحة حكم متأخر على حادثة أبي عبيدة في حدود ما يعلم من يكن ثمتئذٍ هذا الحكم، فاجتهد أبو عبيدة الشريعة واعتبره ميتة يجوز لمن اضطر إلى الأكل أن يأكل منها، فكان بهذه الأمة أن اتسعت دائرة ما يباح من الميتة في بيان الله من رحمة حكم ميتة البحر. وهذا الحدث في هذا الحديث يدل على وجود قال ابن القيم عن هذه .Sالاجتهاد من الصحابة في زمن النبي القصة: (وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد، S ، وقال النووي عند شرح هذا )((وعدم تمكنهم من مراجعة النص) الحديث في صحيح مسلم: (وفيه جواز الاجتهاد في الأحكام في S. وهذا الاجتهاد وموقف النبي)3( كما يجوز بعدهSزمن النبي منه تتجلى فيه مظاهر الرحمة من عدة جوانب منها: الأول: فتح باب رحمة على الأمة في حل ميتة البحر مطلقًا، وأنه ليس كميتة البر التي تباح في حالة الاضطرار. 535/9 فتح الباري، ابن حجر )(( 347/3 زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم )(( . 68/(3 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي )3(

عدد الصفحات ١٥

436 ولطفه بأصحابه وتطييب خواطرهم فيSالثاني: رفق النبي مشاركتهم فيما اجتهدوا في أكله. لأصحابه على الاجتهاد، الذي ستحتاجه Sالثالث: إقرار النبي الأمة بعد انقطاع الوحي. (. إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم S ا، قال: بعثني رسولعن علي للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل، )((قد بنوا زبية فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، ، فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول)(( على تفيئة ذلكفأتاهم علي حي؟ (وفي رواية فقال لهم علي: أتقتلون مائتين في أربعة؟) Sا إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن Sعن بعض حتى تأتوا النبي عدا بعد ذلك فلا حق له، أجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية، وثلث الدية، ونصف الدية، والدية كاملة، فللأول الربع، لأنه هلك من فوقه، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، (وللرابع وهو عند مقام Sالدية كاملة). فأبوا، أن يرضوا، فأتوا النبي إبراهيم، فقصّوا عليه القصة، فقال فقال: رجل من القوم: إن عليًّا قضى فينا، فقصوا عليه القصة، . )3(S افأجازه رسول الزبية بضم الزاي، وإسكان الباء: الحفرة تحفر في المكان المرتفع لاصطياد بعض السباع. انظر: )(( 3(4/3. وغريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام39(/7كتاب العين، الفراهيدي على تفيئة ذلك، تفيئة الشيء: حينه وزمانه، ودخل على تفيئتة: دخل على أثره. انظر: المحكم )(( . والقاموس المحيط، 60/(. وتاج العروس، الزبيدي 5(3/9والمحيط الأعظم، ابن سيده . 43الفيروزآبادي ص حديث =57/(،574 حديث رقم4((/(،573 حديث رقم4((/( رواه الإمام أحمد في المسند )3(

عدد الصفحات ١٦