73 المبحث العاشر الإخبار بأن النبي صمى الله عميو وسمم لن يكبر لو ولد وأنو خاتم النبيين قاؿ تعالى : "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ المَّوِ وَخَاتَمَ النَّبِيّْينَ وَكَانَ المَّوُ بِكُلّْ شَيْءٍ عَمِيمًا (40") }الأحزاب :40 { نزلت ىذه الآم ة في المدينة المنكرة، في العاـ الخامس لميجرة، كحيف نزلت لـ يكف لمنبي صمى الله عميو كسمـ أبناء ذككر، فإف جميع كلده ماتكا في مكة كىـ مف خديجة1، كأما إبراىيـ فمـ يكف مكلكدان، لأنو كلد بعد نزكؿ ىذه الآيات ككانت كلادتو في السنة الثامنة لميجرة .2، ككذلؾ أخبرت الآيات أفَّ محمدان صمى الله عميو كسمـ سيككف خاتـ النبييف كلا نبي سيأتي بعده كبذلؾ جاءت الأحاديث الصحيحة. وجو الإعجاز الغيبي في الآيات يتبيف مما سبؽ أفى الآيات الكريمة قد احتكت عمى إخباريف غيبييف، كقد جاءت الكقائع مطابقة تماما لما أخبر بو القرآف الكريـ . المطمب الأول: إخبار الله تعالى بأن النبي صمى الله عميو وسمم لن يكون لو أولاد ذكور يبمغو ن الحمم كليذا قاؿ تعالى في الآية (مف رجالكـ )، جاء في خكاطر الشعركام :"تأمؿ عظمة الأداء القرآني في كممة { مّْف رّْجىالًكيـٍ. . . } [ الأحزاب : 40 ] كلـ يىقيؿٍ مثلان أبا أحد منكـ، لماذا؟ قالكا: لأنو صمى الله عميو كسمـ كاف أبان لعبد الله كلمقاسـ كلإبراىيـ، ككانكا جميعان منيـ، كىك صمى الله عميو كسمـ أبكىـ، فجاءت كممة { رّْجىالًكيـٍ. . . } [ الأحزاب : 40 ] لتيخرج ىؤلاء الثلاثة؛ لأنيـ لـ يبميغكا مبمغ الرجاؿ، فمحمد ما كاف أبدان أبا أحد مف الرجاؿ، كإفٍ كاف أبان لأكلاد صغار لـ يصمكا إلى مرحمة الرجكلة ."3 1انظر، ابف الاثير،الكامل في التاريخ، 2/175. ابف كثير،تفسير القرآن العظيم ، 3\493 . 2 انظر، ابف الاثير،الكامل في التاريخ، 2/177. ابف عاشكرالتحرير والتنوير، 22\44 . 3 الشعراكم، تفسير الشعرواي الخواطر، 12057، كانظر، السمعاني،تفسير السمعاني،4\290، ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 22\44 .
عدد الصفحات ٨٢74 كلا يصح قكؿ مف أعترض بأف الحسف كالحسيف يعتبراف مف أبنائو إحتجاجا بما جاء في آية المباىمة (فىقيؿٍ تىعىالىكٍا نىدٍعي أىبٍنىاءىنىا كىأىبٍنىاءىكيـٍ ) (آؿ عمراف :61)، كيرد عمييـ ابف جزم بقكلو :" كعمكـ النفي في الآية لا يعارضو كجكد الحسف كالحسيف، لأنو صمى الله عميو كسمـ ليس أبان ليما في الحقيقة لأنيما ليسا مف صمبو، كإنما كانا ابني بنتو، كأما ذككر أكلاده فماتكا صغاران فميسكا مف الرجاؿ "1،كنبينا المصطفى عميو أفضؿ الصمكات كالتسميـ ىك كالد كؿ كاحد منا في مقاـ القدكة كالكقار. كلذلؾ استدرؾ النص القرآني بقكؿق تعالى: (كلكف رسكؿ الله ) يقكؿ ابف عاشكر:"( كلكف رسكؿ الله ) لرفع ما قد ييتكىـ مًف نفي أبكتو، مف انفصاؿ صمة التراحـ كالبٌرً بينو كبيف الأمة، فذيكّْركا بأنو رسكؿ الله ( صمى الله عميو كسمـ ) فيك كالأب لجميع أمتو في شفقتو كرحمتو بيـ، كفي برٌىـ كتكقيرىـ إياه، شأف كؿ نبي مع أمتو ."2" ككؿ رسكؿ أبك أمتو فيما يرجع إلى كجكب التكقير كالتعظيـ لو عمييـ . ككجكب الشفقة كالنصيحة ليـ عميو، لا في سائر الأحكاـ الثابتة بيف الآباء كالأبناء، كزيد كاحد مف رجالكـ الذيف ليسكا بأكلاده حقيقة، فكاف حكمو حكمكـ "3 . كىذا الإخبار فيو إعجاز غيبي، فقد نزلت الآيات ثـ أنجب النبي صمى الله عميو كسمـ إبنو إبراىيـ، كشاء الله تعالى أف لا ينجب النبي صمى الله عميو كسمـ بعد نزكؿ ىذه الآية –عدا إبراىيـ - فتحقؽ كعد الله، كىذا كاف مف قبيؿ معجزاتو عمى صدقو ؼ إف المخبر عنو قد حصؿ كما أخبر كقد صدؽ الخبر . 4 المطمب الثاني: إخبار الله عز وجل بأن محمداً صمى الله عميو وسمم سيكون خاتم النبيين إفَّ معنى خاتـ النبييف أم آخرىـ 5، كقرئت بالكسر (خاتًـ)6 إم ختـ بو النبييف.7، كتقكيو قراءة ابف مسعكد 8 :كلكفٌ نبيان ختـ النبييف9" . كقد أجمع الصحابة عمى أف محمدان( صمى الله 1 ابف جزم، التسييل في عموم التنزيل، 3/139، كانظر، الزمخشرم، الكشاف،3\ 553.الالكسي،روح المعاني ، 22\30. 2 ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 22\44، كانظر، البقاعي،نظم الدرر، 6\111 . 3 الزمخشرم، الكشاف، 3\553 . 4 انظر، الخمكتي،روح البيان ، 7/143 . 5 انظر، السمعاني،تفسير السمعاني، 4\290. 6 انظر، ابف زنجمة، عبد الرحمف بف محمد أبي زرعة، حجة القراءات ، تحقيؽ : سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيركت، (ط2\ 1402 – 1982)،1/578. 7 انظر، النحاس،معاني القرآن، 5\356.السمعاني،تفسير السمعاني، 4\290.الشككاني،فتح القدير، 4\406 . 8 ابف خالكيو،مختصر في شواذ القرآن ،121 . 9 انظر،الزمخشرم، الكشاف،3\553.
عدد الصفحات ٨٣75 عميو كسمـ) خاتـ الرسؿ كالأنبياء كعيرؼ ذلؾ كتكاتر بينيـ كفي الأجياؿ مف بعدىـ"1 فمف الأحاديث ما أخرجو البخارم كمسمـ كغيرىما عف جابر قاؿ : قاؿ رسكؿ الله صمى الله عميو ك سمـ : " مثمي كمثؿ الأنبياء كمثؿ رجؿ ابتنى دارا فأكمميا كأحسنيا إلا مكضع لبنة، فكاف مف دخميا فنظر إلييا قاؿ ما أحسنيا إلا مكضع المبنة، فأنا مكضع المبنة حتى ختـ بي الأنبياء "2 كقد مرت القركف منذ كفاتو عميو السلاـ، إلى عصرنا الحاضر، كلـ يأت بعده نبي، ككؿ مف جاء مدعيا لمنبكة فيك كذاب أفاؾ، دجاؿ ضاؿ مضؿ، كإف أتى بأنكاع السحر كالطلاسـ كما أجرل الله سبحانو كتعالى، عمى يد الأسكد العىنٍسي باليمف، كمسيممة الكذاب باليمامة، مف الأحكاؿ الفاسدة كالأقكاؿ الباردة، ككذلؾ كؿ مدع لذلؾ إلى يكـ القيامة حتى يختمكا بالمسيح الدجاؿ، فكؿ كاحد مف ىؤلاء الكذابيف يخمؽ الله معو مف الأمكر ما يشيد العمماء كالمؤمنكف بكذب مىفٍ جاء بيا . كىذا مف تماـ لطؼ الله تعالى بخمقو، كتحقيقا لكعد الله تعالى أفَّ نبيو محمدان صمى الله عميو كسمـ ىك آخر المرسميف 3 . كالجمع بيف ىذيف الإخباريف الغيبييف في سياؽ كاحد، لو مدلكؿ كمعنى أشار إليو البقاعي حيث يقكؿ :" كلك قضي أف يككف بعده نبي لما كاف إلا مف نسمو إكرامان لو لأنو أعمى النبييف رتبة كأعظـ شرفان، كليس لأحد مف الأنبياء كرامة إلا كلو مثميا أك أعظـ منيا، كلك صار أحد مف كلده رجلان لكاف نبيان بعد ظيكر نبكتو، كقد قضى الله ألا يككف بعده نبي إكرامان لو "4، ثـ استشيد بما كرد كرد في البخارم مف حديث ابف أبي أكفى رضي الله عنو قاؿ :" لك قضى أف يككف بعد محمد ( صمى الله عميو كسمـ ) نبي لعاش ابنو، كلكف لا نبي بعده "5 . 1 ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 22\45. 2 البخارم، صحيح البخاري ، كتاب المناقب، بىاب خىاتًـً النَّبًيّْيفى صمى الله عميو كسمـ، رقـ 3/1300، كمسمـ،صحيح مسمم، كتاب الفضائؿ، بىاب ذًكٍرً كىكٍنًوً صمى الله عميو كسمـ خىاتىـى النَّبًيّْيفى، رقـ 2286،4/1791 . 3 انظر، ابف كثير،تفسير القرآن العظيم ، 3\495 . 4 البقاعي،نظم الدرر، 6\112 . 5 اأخرجو البخارم، صحيح البخاري ، كتاب الأدب، بىاب مف سىمَّى بًأىسٍمىاءً الأٍىنٍبًيىاءً كقاؿ أىنىسه قىبَّؿى النبي صمى الله عميو كسمـ إبراىيـ يىعٍنًي ابٍنىوي، رقـ، 5841 ،5/2289 .
عدد الصفحات ٨٤76 المبحث الحادي عشر إعجاز القرآن في الإخبار عن الغيب تحدييم أن يأتوا بمثمو قالو سبحانو : ( وَا ِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّْمَّا نَزَّلْنَا عَمَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّْن مّْثْمِوِ وَادْعُوا شُيَدَاءَكُم مّْن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَمُوا وَلَن تَفْعَمُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُىَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِمْكَافِرِينَ ) ( البقرة : ٣٢ ػ ٤٢ ). كقد تحداىـ الله تعالى بيذا في غير مكضع مف القرآف، فقاؿ في سكرة القصص : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ المَّوِ ىُوَ أَىْدَى مِنْيُمَا أَتَّبِعْوُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [القصص: 49] كقاؿ في سكرة الإسراء { :قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَمَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ىَذَا القرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْمِوِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُيُمْ لِبَعْضٍ ظَيِيرًا } [الإسراء : 88] كقاؿ في سكرة ىكد : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْمِوِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ المَّوِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ىكد: 13]، كقاؿ في سكرة يكنس : { وَمَا كَانَ ىَذَا القرآن أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ المَّوِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْوِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيوِ مِنْ رَبّْ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْمِوِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ المَّوِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [يكنس: 37،38 ] دلالة الإعجاز الغيبي في الآيات إف المتأمؿ في الآيات السابقة يرل مقدار التحدم كعظمتو، كنزلت ىذه الآيات بكجكد العرب الأقحاح، كجاء القرآف بتحدييـ بصيغ مستثيرة لميمـ، يقكؿ القرطبي " كفي قكلو : { كلف تفعمكا } إثارة ليمميـ كتحريؾ لنفكسيـ ليككف عجزىـ بعد ذلؾ أبدع كىذا مف الغيكب التي أخبر بيا القرآف قبؿ كقكعيا "1 . 1 القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، 1\276 .
عدد الصفحات ٨٥77 إف ىذا الكعد الإليي الجازـ بعدـ قدرة مخمكؽ أف يأتي بمثؿ ىذا القرآف أك حتى بمثؿ سكرة منو، فيو إعجاز غيبي كاضح، كمف ذلؾ قكلو تعالى (فإف لـ تفعمكا كلف تفعمكا ) في ىذه الآية دلالة عمى الإعجاز الغيبي مف كجكه أربعة : الأول : تكفر دكاعي معارضة، إم إفَّ العرب كانكا في غاية العداكة لرسكؿ الله ( صمى الله عميو كسمـ ) كفي غاية الحرص عمى إبطاؿ أمره، لأف مفارقة الأكطاف كالعشيرة كبذؿ النفكس كالميج مف أقكل ما يدؿ عمى ذلؾ، فإذا إنضاؼ إليو مثؿ ىذا التقريع كىك قكلو تعالى فىإًف لَّـٍ تىفٍعىميكاٍ كىلىف تىفٍعىميكاٍ فمك كاف في كسعيـ كإمكانيـ الإتياف بمثؿ القرآف أك بمثؿ سكرة منو لأتكا بو1 . كلا يخفى كـ كانت كلا زالت دكاعي معارضة القرآف الكريـ مكجكدة في نفكس الكافريف، يقكؿ الألكسي في تفسير ىذه الآية : "كىذه معجزة باىرة حيث أخبر بالغيب الخاص عممو بو سبحانو كقد كقع الأمر كذلؾ، كيؼ لا كلك عارضكه بشيء يدانيو لتناقمو الركاة لتكفر الدكاعي؟ كما أتى بو نحك مسيممة الكذاب مما تضحؾ منو الثكمى لما يقصد بو المعارضة كإنما ادعاه كحيان " 2 الثاني : يتحقؽ الإعجاز الغيبي بما ثبت مف عجز البشر عف الإتياف بمثمو، مف لحظة نزكؿ القرآف إلى ىذه الأياـ، يقكؿ الرازم في إثبات الإعجاز في ىذه الآية : " أنو كجد مخبر ىذا الخبر عمى ذلؾ الكجو لأف مف أيامو عميو الصلاة كالسلاـ إلى عصرنا ىذا لـ يخؿ كقت مف الأكقات ممف يعادم الديف كالإسلاـ كتشتد دكاعيو في الكقيعة فيو ثـ إنو مع ىذا الحرص الشديد لـ تكجد المعارضة قط "3، كاعتبرىا ابف كثير معجزة كذلؾ بقكؿ "كىذه -أيضنا-معجزة أخرل، كىك أنو أخبر أف ىذا القرآف لا يعارض بمثمو أبدا ككذلؾ كقع الأمر، لـ يعارض مف لدنو إلى زماننا ىذا كلا يمكف"4 . كذكر ابف عاشكر أف التحدم في ىذه الآية مف كجكه الإعجاز الغيبي، جاء في تفسيره :" أما الثانية : فيي أنو أخبر بأنيـ لا يأتكف بذلؾ في المستقبؿ، فما أتى أحد منيـ كلا ممف خمىفيـ بما يعارض القرآف، فكانت ىذه الآية معجزة مف نكع الإعجاز بالإخبار عف الغيب مستمرة عمى تعاقب 1 انظر،الرزام، مفاتيح الغيب، 2\111.الزرقاني، مناىل العرفان،2\372 . 2 الألكسي،روح المعاني ، 1/198. 3الرزام، مفاتيح الغيب، 2\111 . 4 ابف كثير،تفسير القرآن العظيم، 1\61 .
عدد الصفحات ٨٦78 السنيف ، فإف آيات المعارضة الكثيرة في القرآف قد قرعت بيا أسماع المعانديف مف العرب الذيف أبكا تصديؽ الرسكؿ صمى الله عميو كسمـ، كتكاترت بيا الأخبار بينيـ كسارت بيا الركباف بحيث لا يسع ادعاء جيميا، كدكاعي المعارضة مكجكدة فييـ .1 الثالث : ما عرؼ مف قدرة العرب في التصرؼ بالكلاـ، كىـ أىؿ المغة كالفصاحة، يقكؿ ابف جزم في قكلو تعالى (فإف لـ تفعمكا كلف تفعمكا ) :"ىك إخبار ظير مصداقو في الكجكد، إذ لـ يقدر أحد أف يأتي بمثؿ القرآف، مع فصاحة العرب في زماف نزكلو، كتصرفيـ في الكلاـ، كحرصيـ عمى التكذيب، كفي الإخبار بذلؾ معجزة "2 . الرابع : ما كاف ؿرسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ ؿيتحدل بمثؿ ىذا التحدم عمى مر العصكر مف ذاتو، إلا إف كاف ما جاء بو كحيا مف عند علاـ الغيكب، يفصؿ ذلؾ الرازم بقكلو :"أنو عميو السلاـ كإف كاف متيمان عندىـ فيما يتصؿ بالنبكة، فقد كاف معمكـ الحاؿ في كفكر العقؿ كالفضؿ كالمعرفة بالعكاقب، فمك تطرقت التيمة إلى ما ادعاه مف النبكة لما استجاز أف يتحداىـ، كيبمغ في التحدم إلى نيايتو، بؿ كاف يككف كجلان خائفان مما يتكقعو مف فضيحة يعكد كباليا عمى جميع أمكره حاشاه مف ذلؾ صمى الله عميو كسمـ، فمكلا معرفتو بالاضطرار مف حاليـ أنيـ عاجزكف عف المعارضة لما جكز مف نفسو أف يحمميـ عمى المعارضة بأبمغ الطرؽ "3 . كيحقؽ دراز –رحمو الله - ىذا المعنى إذ يقكؿ : "فانظر ىذا النفي المؤكد ، بؿ الحكـ المؤبد ، ىؿ يستطيع عربي يدرم ما يقكؿ أف يصدر ىذا الحكـ ... ثـ لك طكعت لو نفسو أف يصدر ىذا الحكـ عمى أىؿ عصره فكيؼ يصدره عمى الأجياؿ القادمة إلى يكـ القيامة ، بؿ عمى الإنس كالجف ؟ إفَّ ىذه مغامرة لا يتقدـ إلييا إلا رجؿ يعرؼ قدر نفسو، إلا كىك ماليء يديو مف تصاريؼ القضاء ، كخبر السماء . كىكذا رماىا بيف اظير العالـ ، فكانت ىي القضاء المبرـ سمط عمى العقكؿ كالأفكاه، فمـ ييـ بمعارضتو إلا باء بالعجز الكاضح ، كالفشؿ 4 الفاضح ، عمى مر العصكر كالدىكر."5 1 انظر، ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 1\343-344. 2 ابف جزم، التسييل لعموم التنزيل، 1\24 . 3 الرزام، مفاتيح الغيب،2\111. كانظر، الزرقاني، مناىل العرفان،2\372-373 . 4الأصوبأنٌقالهناا خفاق،لأنالفشلهوال بن،انظر،ابنمنظور،لسانالعرب،11\520. 5 دراز، النبأ العظيم 1/45.بتصرؼ .
عدد الصفحات ٨٧79 المبحث الثاني عشر استعمال حرف السين للإخبار عن المستقبل مف المعمكـ في المغة أف حرؼ السيف إذا دخؿ عمى الفعؿ المضارع فإنو يفيد التككيد مع الاستقباؿ، جاء في كتاب البلاغة العربية لمميداني " كيزادي لمتأكيد حرفا الاستقباؿ، كىما: "السيف - كسكؼ" إذٍ ىما لتأكيد معنى الاستقباؿ في الفعؿ المضارع."1 "كالفرؽ بيف دخكؿ السيف عمى المضارع، كبيف استخداـ (سكؼ)، أنو إذا أريد الدلالة عمى المستقبؿ المثبت جاز استعماؿ السيف إذا كاف المستقبؿ قريبنا، أك سكؼ إذا كاف المستقبؿ بعيدنا.2" ومن الأمثمة عمى استخدام حرف السين لمتأكيدعمى ما سيكون في المستقبل : المثال الأول : الإخبار عن المنافقين بأنيم سيحمفون قاؿ تعالى : (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَمَيْيِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْمِفُونَ بِالمَّوِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُيْمِكُونَ أَنْفُسَيُمْ وَالمَّوُ يَعْمَمُ إِنَّيُمْ لَكَاذِبُونَ ) (التكبة : 42 ) يقكؿ تعالى مكبخا لمذيف تخمفكا عف النبي صمى الله عميو كسمـ في غزكة تبكؾ، كقعدكا بعد ما استأذنكه في ذلؾ مظيريف أنيـ أصحاب أعذار كلـ يككنكا كذلؾ ، فقاؿ: ( لك كاف عرضا قريبا )أم غنيمة قريبة ( كسفرا قاصدا )، أم قريبا أيضا ( لاتبعكؾ ) أم لكانكا جاءكا معؾ لذلؾ ( كلكف بعدت عمييـ الشقة )، أم المسافة إلى الشاـ ( كسيحمفكف بالله )، أم لكـ إذا رجعتـ إلييـ ( لك استطعنا لخرجنا معكـ )، أم لك لـ يكف لنا أعذار لخرجنا معكـ قاؿ الله تعالى ( ييمككف أنفسيـ كالله يعمـ إنيـ لكاذبكف )3 1 الميدانى، عبدالرحمف حسف حبنكة، البلا ة العربية، أسسيا وعموميا وفنونيا، دار القمـ، دمشؽ، (ط1/1416 ىػ- 1996)،2/108. 2 عمر، د. أحمد مختار، أخطاء المغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين ، عالـ الكتب، القاىرة، (ط2/1992ـ)، 167 . 3 انظر، ابف كثير،تفسير القرآن العظيم، 2\361، كانظر، ابف جزم، التسييل لعموم التنزيل، 2\76.
عدد الصفحات ٨٨80 وجو الإعجاز الغيبي في حمفان المنافقين ذكر الله تعالى مف أخبار المنافقيف أنيـ سيحمفكف، ككاف ىذا الإخبار قبؿ قدكميـ إلى النبي صمى الله عميو كسمـ متحججيف بالأعذار مقسميف بالله عمى ذلؾ 1، كدخكؿ السيف يؤذف بأفٌ الآية نزلت قبؿ الرجكع مف غزكة تبكؾ، فإفٌ حمفيـ إنٌما كاف بعد الرجكع كذلؾ حيف استشعركا أفٌ الرسكؿ عميو الصلاة كالسلاـ ظافه كذبىيـ في أعذارىـ 2 .كلذلؾ استخدـ القرآف الكريـ حرؼ السيف ىنا، كالسيف إذا دخمت عمى الفعؿ المضارع، فإنيا تفيد الاستقباؿ كالتككيد .3 فأخبر الله تعالى بأنوـ سيحمفكف، كجزـ في ذلؾ باستخداـ حرؼ السيف فتحقؽ الإعجاز الغيبي بمجيئيـ حالفيف بعد نزكؿ الآيات، ككانكا بضعة كثمانيف، كما في قصة كعب بف مالؾ حيث قاؿ :" جىاءىهي الٍميخىمَّفيكفى فىطىفًقيكا يىعٍتىذًريكفى إليو كىيىحٍمًفيكفى لو كىكىانيكا بًضٍعىةن كىثىمىانًيفى رىجيلان فىقىبًؿى منيـ رسكؿ المَّوً صمى الله عميو كسمـ عىلاىنًيىتىييـٍ كىبىايىعىييـٍ كىاسٍتىغٍفىرى ليـ كىكىكىؿى سىرىائًرىىيـٍ إلى المَّوً " 4 يقكؿ الإماـ الرازم مثبتا كجو الإعجاز الغيبي في ىذه الآيات :" قالكا الرسكؿ عميو الصلاة كالسلاـ أخبر عنيـ أنيـ سيحمفكف، كىذا إخبار عف غيب يقع في المستقبؿ، كالأمر لما كقع كما أخبر، كاف ىذا إخباران عف الغيب، فكاف معجزان . كالله أعمـ ." 5 كمف بلاغة الإعجاز أفَّ المنافقيف حمفكا، كلك أنيـ لـ يحمفكا لأبطمكا آية في كتاب ا تعالى، كلستركا عمى أنفسيـ كىذا ما أشار إليو الشعركام :" كاستخداـ حرؼ السيف ىنا يعني أنيـ لـ يككنكا قد قالكىا بعد، كلكنيـ سيقكلكنيا في المستقبؿ، ... كلك أنيـ تنبيكا إلى ذلؾ لامتنعكا عف 1 انظر، النسفي،تفسير النسفي، 2/90. 2 انظر،ابف عاشكر، التحرير والتنوير، 10\209.الشعراكم ، تفسير الشعراوي ، 8/5146. 3 انظر، السيكطي،الإتقان في عموم القرآن ، 2/475، كالسيكطي،جلاؿ الديف عبد الرحمف بف أبي بكر، ىمع اليوامع في شرح جمع الجوامع ، تحقيؽ : عبد الحميد ىنداكم، المكتبة التكفيقية، مصر، 2/594. 4 أخرجو البخارم، صحيح البخاري :كتاب التفسير، بىاب حىدًيثي كىعٍبً بف مىالًؾو كىقىكٍؿي المَّوً عز كجؿ ( كىعىمىى الثَّلاىثىةً الَّذًيفى خيمّْفيكا)، 4\1605. 5 الرازم، التفسير الكبير،16/59، كانظرالحنبمي، أبي حفص عمر بف عمي ابف عادؿ الدمشقي، المباب في عمكـ الكتاب، تحقيؽ : الشيخ عادؿ أحمد عبد المكجكد كالشيخ عمي محمد معكض،دار الكتب العممية، بيركت / لبناف،( ط1 1419 ىػ- 1998 ـ)، 10/101 .
عدد الصفحات ٨٩81 الحمؼ. كلقالكا : إف القرآف قاؿ سنحمؼ، كلكننا لف نحمؼ . كلكف الله أعماىـ فحمفكا كىكذا يأتي خصكـ الإسلاـ ليشيدكا - رغـ أنكفيـ - للإسلاـ."1 كتكرر مثؿ ىذا الإخبار في السكرة نفس ىا ، كذلؾ في قكؿ الله تعالى :(سَيَحْمِفُونَ بِالمَّوِ لَكُمْ إِذَا انْقَمَبْتُمْ إِلَيْيِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْيُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْيُمْ إِنَّيُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاىُمْ جَيَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )( التكبة : 94 )، ثـ جاءكا يحمفكف تماما كما أخبر الله تعالى عنيـ، كقد ذكر ىذه الآية ابف كثير حيف سرد أمثمة عمى غيبيات كقعت، كما اخبر الله تعالى، يقكؿ ابف كثير في ىذا الإخبار:"كىكذا كقع، لما رجع صمى الله عميو كسمـ مف غزكة تبكؾ كاف قد تخمؼ عنو طائفة مف المنافقيف، فجعمكا يحمفكف بالله لقد كانكا معذكريف في تخمفيـ، كىـ في ذلؾ كاذبكف، فأمر الله رسكلو أف يجرم أحكاليـ عمى ظاىرىا، لا يفضحيـ عند الناس ".2 كمف تمؾ الأمثمة عمى ذلؾ أيضا في قكلو تعالى:( سَيَقُولُ السُّفَيَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّىُمْ عَنْ قِبْمَتِيِمُ الَّتِي كَانُوا عَمَيْيَا قُلْ لِمَّوِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَيْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(البقرة :142 ) نزلت ىذه الآية في المدنية، كقبؿ أف يتكممكا بشأف تغمير القبمة، كيشير الشعراكم إلى كجو الإعجاز الغيبي في ىذه الآية بقكلو : "كلقد نزلت ىذه الآية الكريمة قبؿ أف يقكلكا ، بدليؿ استخداـ حرؼ السيف في قكلو : ( سيقكؿي )، ككصفيـ الله جؿ جلالو بالسفياء، كمع ذلؾ فقد قالكا، كلك أف عقكليـ تنبيت لسكتكا كلـ يقكلكا شيئا ، ككاف في ذلؾ تحدو لمقرآف الكريـ، كانكا سيقكلكف لقد قاؿ الله سبحانو كتعالى : { سَيَقُولُ السفيآء مِنَ الناس} ، كلكف أحدا لـ يقؿ شيئا فأيف ىـ ىؤلاء السفياء كلماذا لـ يقكلكا؟ ككاف ىذا يعتبر تحديا لمقرآف الكريـ في أمر يممككف فيو حرية الاختيا ر، كلكف لأف الله ىك القائؿ كالله ىك الفاعؿ، لـ يخطر ذلؾ عمى باليـ أبدا، كقالكا بالفعؿ ."3 1 الشعراكم، تفسير الشعراوي ،1/5145، بتصرؼ . 2 ابف كثير، إسماعيؿ بف عمر بف كثير القرشي أبك الفداء ، البداية والنياية تحقيؽ: عمي شيرم، دار إحياء التراث العربي، (ط1\ 1408 ق-1988 ـ)، 6\204. 3 الشعركام،تفسير الشعراوي ،1/624.
عدد الصفحات ٩٠82 كإخبار الله تعالى عف حاليـ قبؿ كقكعو فيق فائدة أشار إلييا الزمخشرم بقكلو "فإف قمت: أم فائدة في الإخبار بقكليـ قبؿ كقكعو قمت فائدتو اف مفاجأة المكركه أشد كالعمـ بو قبؿ كقكعو أبعد مف الاضطراب اذا كقع لما يتقدمو مف تكطيف النفس ك أف الجكاب العتيد قبؿ الحاجة إليو أقطع لمخصـ كأرد لشغبو" .1 1 الزمخشرم، الكشاف، 1\224، كانظر الالكسي،روح المعاني ، 2\2
عدد الصفحات ٩١83 المبحث الثالث عشر الإخبار بحل مكة لمنبي صمى الله عميو وسمم قاؿ تعالى : (لاَ أُقْسِمُ بِيَذَا الْبَمَدِ (1) وَأَنْتَ حِلّّ بِيَذَا الْبَمَدِ(2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَمَقْنَا الإِْنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) (البمد: 4 ) نزلت ىذه السكرة بتماموا في مكة 1 كأجمع المفسركف عمى أفٌ المقصكد بيذا البمد ىك مكة المكرمة.2 كقد اخيتمؼ في المراد بحؿ ىؿ ىك مف الإحلاؿ بالمكاف، أك ىك مف التحمؿ ضد الإحراـ ؟ كقد اختمفكا عمى كجكه أربعة : الأول : معنى أنت حاؿ بيذا البمد، أم ساكف لأف السكرة نزلت كالنبي صمى الله عميو كسمـ بمكة قالو الحسف كعطاء 3 . فيككف ىنا معنى حؿ أم مف الحمكؿ في المكاف، حؿ أم نزؿ يحؿ حلا كحمكلا كيقاؿ أيضا ىك حؿ بمكضع كذا4 . الثاني: معنى حؿ، أم تيستىحؿ حرمتؾ كيؤذيؾ الكفار، مع أف مكة لا يحؿ فييا قتؿ صيد كلا بشر كلا قطع شجر، كعمى ىذا قيؿ لا أقسـ يعني لا أقسـ بيذا البمد كأنت تمحقؾ فيو إذاية.5 "كيككف معنى الحؿ ىنا بمعنى الحلاؿ، أم أف الكفار يحترمكف ىذا البمد، كلا ينتيككف فيو المحرمات، ثـ إنيـ مع ذلؾ كمع إكراـ الله تعالى إياؾ بالنبكة ، يستحمكف إيذاءؾ، كلك تمكنكا منؾ 1انظر، الطبرم، تفسير الطبري ، 30\193 .الشككاني، فتح القدير، 5\442 .النسفي،تفسير النسفي،4\339.ابف كثير، تفسير القرآن العظيم ،4\512 .السيكطي،الدر المنثور، 8\516. 2 انظر، ابف أبي حاتـ،تفسير ابن أبي حاتم، 10\3432.الرازم، مفاتيح الغيب، 31\163. 3 انظر، القرطبي، تفسير القرطبي، 20\61.ابف جزم، التسييل لعموم التنزيل، 4\199 .ابي السعكد، تفسير ابي السعكد، 9 \160 . 4 انظر،لسان العرب،11/163.كالالكسي،روح المعاني ، 30\134 . 5 انظر، البيضاكم، تفسير البيضاوي، 5\492، كابف جزم، التسييل لعموم التنزيل، 4\199.
عدد الصفحات ٩٢84 لقتمكؾ، فأنت حؿ ليـ في اعتقادىـ، لا يركف لؾ مف الحرمة ما يركنو لغيرؾ ... كفيو تثبيت لرسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ، كبعث عمى احتماؿ ما كاف يكابد مف أىؿ مكة".1 الثالث : أم حلاؿ لو ما يفعؿ بمكة غير آثـ، بينما ىـ آثمكف بفعميـ قالو قتادة.2 الرابع : معنى حؿ، أم حلاؿ لؾ أف تقاتؿ في ىذا البمد، كتصنع فيو ما تريد مف القتؿ كالأسر أحمت لو مكة ساعة مف النيار يكـ الفتح حتى قاتؿ كقتؿ ما شاء كلـ يحؿ لأحد قبمؾ قالو ابف عباس كمجاىد كالحسف كالضحاؾ كتابعيـ جماىير المفسريف 3 . كفائدة القسـ ىنا جاء لتثبيت كتسمية فؤاد النبي صمى الله عميو كسمـ كما ذكر أبك السعكد "كجاء القسـ ىنا لتسميتو عميو الصلاة كالسلاـ بالكعد بفتحو كذلؾ أف الله تعالى فتح عميو مكة كأحميا لو"4 كيتبيف بعد تحقيؽ الأقكاؿ، أف الراجح ىك ما ذىب إليو معظـ المفسريف، القائؿ بأف معنى حؿ، أم أنيا أحمت لمنبي صمى الله عميو كسمـ ساعة مف نيار في فتح مكة كتفصيؿ ذلؾ ما يمي: أفَّ أصحاب الآراء السابقة، حيف رجحكا أقكاليـ اعتبركا بأمريف، كىما ما تحتممو كممة حؿ مف معاف، كالثاني فائدة القسـ مع السياؽ. كيتبيف أف المغة العربية تحمؿ المعاني الأربعة لكممة (حؿ)، فبقي النظر في فائدة القسـ. فالذيف قالكا بأف معنى (حؿ)، أم ميستحؿ فيو حرمة النبي، نظركا إلى سياؽ الآيات، كقالكا أنيا جاءت معترضة بيف القسـ كجكابو، كجكاب القسـ ىك (لقد خمؽنا الإنساف في كبد)، أم في مشقة كتعب، كىذا ما عاناه النبي صمى الله عميو كسمـ مف استحلاؿ لدمو في البمد الذم يقدسكف حرمتو . 1 الرازم، مفاتيح الغيب، 31\163.بتصرؼ . 2 انظر، الطبرم، تفسير الطبري ،30\194،ابف أبي حاتـ،تفسير ابن أبي حاتم، 10\3432، كالقرطبي، تفسير القرطبي، 20\61.الشنقيطي(ت:1973ـ)، محمد الأميف بف محمد بف المختار الجكني، أضكاء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تحقيؽ : مكتب البحكث كالدراسات . دار الفكر لمطباعة كالنشر، بيركت، ( 1415ىػ- 1995ـ)، 8\530 . 3 انظر، الطبرم، تفسير الطبري ،30\194 .الكاحدم، تفسير الكاحدم،. البغكم، معالم التنزيل،4\488 .2\1203السمعاني، تفسير السمعاني، 6\225 .ابف عطية،المحرر الوجيز،5\483 4 أبي السعكد،تفسير ابي السعود،9\160.بتصرؼ .
عدد الصفحات ٩٣85 يقكؿأبك السعكد عند ذكره لفائدة القسـ ىنا :"لمتنبيو مف أكؿ الأمر عمى تحقؽ مضمكف الجكاب بذكر بعض مكاد المكابدة عمى نيج براعة الاستيلاؿ، كبياف أنو عميو الصلاة كالسلاـ، مع جلالة قدره كعظـ حرمتو، قد استحمكه في ىذا البمد الحراـ كتعرضكا لو بما لا خير فيو كىمكا بما لـ ينالكا"1 كيظير أف ىذه الفائدة تككف أقرب إلى السياؽ، إف فيسر معنى حؿ بأف مكة أيحمت لمنبي صمى الله عميو كسمـ يفعؿ بيا ما يشاء، لأف بيف نزكؿ الآيات كبيف فتح مكة جرت أحداث عظيمة كشاقة في حياة النبي صمى الله عميو كسمـ، مف تيجير كمعارؾ كمحاكلات لقتمو كإنياء دعكتو، كما عاناه ككابده النبي صمى الله عميو كسمـ مف تجييز الجيكش كإقامتو دكلتو كنشر دعكتو. فالمشقة بيف نزكؿ الآيات حتى فتح مكة، لا تقؿ عف تمؾ المشقة في مكة حيث كانت منصبة عمى شخصو عميو السلاـ كعمى مجمكعة مف الصحابة في بدايات دعكتو، ككلاىما مشقة لا يستياف بيا. كمف قاؿ بأف معنى حؿ أم حلاؿ ما تفعمو بمكة كغيرؾ آثـ، قالكا بأفَّ فائدة القسـ ىنا التأكيد عمى شناعة فعؿ الكفار مف أىؿ مكة، يقكؿ في ذلؾ الألكسي:" كأنت حؿ بيذا البمد مما يقترفو أىمو مف المآثـ، متحرج برمء منيا كالمعنى في الأقساـ بالبمد تعظيمو، كفي الاعتراض ترشيح التعظيـ كالتشريؼ بككف مثمو صمى الله تعالى عميو كسمـ في جلالة القدر، كمنصب النبكة ساكنا فيو مباينا عميو الغاغة2 كاليمج، كالفائدة فيو تأكيد المقسـ عميو بأنيـ مف أىؿ الطبع ف ينفعيـ شرؼ مكاف، كالمتمكف فيو كأنو قيؿ أقسـ بيذا البمد الطيب بنفسو، كبمف سكف فيو أف أىمو لفي مرض قمب كشؾ "3 كىذه الفائدة أيضا فييا إشارة إلى أف أمثاؿ الكفار لا يستحقك ف أف يسكنكا بمدا مثؿ مكة، كأف مف يستحقيا ىك مف كاف فعمو كقكلو فييا حلالان كىك النبي صمى الله عميو كسمـ، كشاء الله تعالى أف يستبدؿ محمدا صمى الله عميو كسمـ كمف معو بكـ ككاف ذلؾ يكـ الفتح. 1 أبك السعكد،تفسير أبي السعود،9\160. 2 أصؿ الغكغاء الجراد حيف يخؼ لمطيراف ثـ استعير لمسفمة مف الناس كالمتسرعيف إلى الشر،ابف منظكر، لسان العرب، 8/444 . 3 الالكسي،روح المعاني ، 30\134.
عدد الصفحات ٩٤86 كمف قاؿ بأف معنى حؿ أم ساكف، أكلكا فائدة القسـ ىنا، بأف الله سبحانو أقسـ بالبمد الحراـ كقيده بحمكؿ الرسكؿ صمى الله عميو كسمـ، فيو إظيارا لمزيد فضمو لأف شرؼ المكاف بشرؼ أىمو.1 كبلا شؾ أف القسـ بمكة المكرمة ثـ ذكر حمكؿ النبي بيا، فيو مف التشريؼ لمنبي صمى ا عميو كسمـ كلمبمد أيضا، كىذا المعنى لا يتعارض مع الرأم القائؿ بأف حؿ ىنا بمعنى أحميا الله تعالى لو يفعؿ بيا ما يشاء. كما يعزز ىذا الرأم الأدلة الآتية : 1- ما تحتممو كممة حؿ في المغة العربية، جاء في لساف العرب " ك الحؿ : الرجؿ الحلاؿ الذم خرج مف إحرامو "2، كالى ىذا المعنى ذىب معظـ المفسريف . 2- أف كممة حؿ ىنا جاءت للاستقباؿ، لا لمماضي، كىذا ما أكده الزمخشرم حيث يقكؿ :" أيف نظير قكلو ( كىأىنتى حًؿّّ ) في معنى الاستقباؿ ؟ قمت : قكلو عزٌ كجؿ ( إًنَّؾى مىيٌته كىإًنَّييـٍ مَّيٌتيكفى ) ( الزمر : 30 ) كمثمو كاسع في كلاـ العباد، تقكؿ لمف تعده الإكراـ كالحباء 3 : أنت مكرـ محبك، كىك في كلاـ الله أكسع ؛ لأف الأحكاؿ المستقبمة عنده كالحاضرة المشاىدة . ككفاؾ دليلان قاطعان عمى أنو للاستقباؿ، كأف تفسيره بالحاؿ محاؿ : أف السكرة بالاتفاؽ مكية، كأيف اليجرة عف كقت نزكليا، فما باؿ الفتح ؟ ".4 3- ما ثبت تاريخيا في سيرة رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ، أنو دخؿ مكة كفتحيا، ككاف ذلؾ في العاـ الثامف لميجرة، كأنو استحؿ دماء جماعة مف أىؿ مكة حتى كاف كانكا متمسكيف بأستار الكعبة مثؿ عبد الله بف خطؿ الذم ضرب أبك برزة الاسممي عنقو بأمر النبي صمى الله عميو كسمـ5. 1 انظر، السمعاني،تفسير السمعاني، 6\225 .ابف عطية،المحرر الوجيز،5\483.البيضاوي، تفسير البيضاوي، 5\492 . 2 ابف منظكر،لسان العرب، 11\166. 3حابىالر لحباء،أينصرهواختصهلنفسه،ابنمنظور،لسانالعرب،14\163. 4 الزمخشرم، الكشاف، 4\758. 5 ابف ىشاـ(ت:218ق)، عبد الممؾ بف ىشاـ بف أيكب الحميرم المعافرم أبك محمد، السيرة النبوية، تحقيؽ : طو عبد الرءكؼ سعد ، دار الجيؿ ، بيركت ، (ط1 \1411ق)، ،5\69 .
عدد الصفحات ٩٥87 4- قكؿ النبي صمى الله عميو كسمـ في الحديث الذم يركيو ابف عباس رضي الله عنيما قاؿ :" عف النبي صمى الله عميو كسمـ قاؿ: حىرَّـى الله مىكَّةى فمـ تىحًؿَّ لأًىحىدو قىبٍمًي كلا لأًىحىدو بىعٍدًم، أيحًمَّتٍ لي سىاعىةن مف نىيىارو ، لاى ييخٍتىمىى خىلاىىىا كلا ييعٍضىدي شىجىريىىا كلا يينىفَّري صىيٍديىىا كلا تيمٍتىقىطي ليقىطىتييىا إلا لًميعىرّْؼو 1"2 5- أفَّ ذلؾ ىك رأم جميكر المفسريف كما سبؽ. كبيذا العرض السابؽ يتحقؽ كجو الإعجاز الغيبي في سكرة البمد، حيث ذكر الله تعالى بأنو سيحؿ مكة المكرمة لنبيو ككاف ذلؾ الكعد في مكة المكرمة قبؿ اليجرة ، ثـ تحقؽ كعد الله تعالى كما أخبر حينما دخميا فاتحا كمستحلا ليا في العاـ الثامف لميجرة . 1 لا ينفر صيدىا لا يزعج كلا يحرؾ عف مكضعو، كلا يختمي خلاىا، كالخلا مقصكر الحشيش الرطب كاحدتو خلاة، كيختمي يجز كيقطع، كلا يعضد شجرىا العضد قطع الشجر بالمعضد، كالمعضد حديدة كالسيؼ تستعمؿ في قطع الشجر ، انظر، أبا الفتكح، محمد بف أبي نصر فتكح بف عبد الله بف حميد بف بف يصؿ الأزدم، تفسير ريب ما فى الصحيحين البخارى ومسمم، مكتبة السنة، القاىرة، مصر، (ط1 /1415 – 1995)،1/140-141. 2 البخارم، صحيح البخاري ، كتاب الجنائز، بىاب الإًٍذٍخًرً كىالٍحىشًيشً في الٍقىبٍرً، 30\134 .
عدد الصفحات ٩٦88 المبحث الرابع عشر أمثمة الإعجاز العممي قاؿ تعالى : (سَنُرِييِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِيِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَيُمْ أَنَّوُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّْكَ أَنَّوُ عَمَى كُلّْ شَيْءٍ شَيِيدٌ ) (فصمت: 53 .) لقد أخبر الحؽ تبارؾ كتعالى أنو سييرم الناس جميعان عمى اختلاؼ أجناسيـ كألكانػيـ، سيرييـ آياتو في ىذا الككف، كفي أنفسيـ، كاستعمؿ حرؼ (السيف) لمدلالة عمى المستقبؿ. إفَّ القرآف الكريـ ىك كتاب ىداية لمعالميف في المقصد الأكؿ، كمع ىذا فقد احتكل عمى الكثير مف أساسيات العمكـ ، كفيو الكثير مف الحقائؽ العممية التي كانت في عالـ الغيب، ثـ تطكرت الإنسانية لا سيما في القرف الماضي تطكرا ممحكظا، فمع ىذا التطكر كما رافقو مف الأبحاث كالدراسات كالتنقيبات كالاكتشافات ، كاف كتاب الله تعالى يسبؽ البشرية بما فيو مف عمكـ ثـ يأتي العمـ الحديث مقرا مذعنا لما في القرآف الكريـ مف حقائؽ. كلـ يدرؾ القدماء تماـ المقصد منيا، فحممكىا عمى معناىا الظاىر، كالعجيب أنيا احتممت كلا المعنييف، فيك كتاب الله تعالى الذم لا تنقضي عجائبو. كتـ إدراج الإعجاز العممي في ىذه الرسالة، لأنو جزء مف الإعجاز الغيبي، فما أنزلو الله تعالى عمى نبيو الأمي مف حقائؽ عممية قبؿ قركف كاف في عالـ الغيب، بالنسبة لمف عاشكا في تمؾ الأزماف، ثـ كشؼ ستار الغيب عف بعض ما جاء بو القرآف الكريـ . فعمى ىذا يككف كافة أمثمة الإعجاز العممي، مندرجة بتماميا في مكضكع الإعجاز الغيبي، كلا مجاؿ لحصرىا، فالمقاـ لا يتسع.
عدد الصفحات ٩٧