المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم دراسة تحليلية نقدية

عمر محمد راجح عمر أبو ليل

صفحة ٥ من ٩

57 الجمع ويولون الدبر{"1 كىك حديث لـ يصح2، كلا يقؼ أماـ الأدلة كالركايات الصحيحة السابقة، كعمؿ ابف عاشكر رأم مقاتؿ قائلا : " كلعؿ ذلؾ مف أف النبي ( صمى الله عميو كسمـ ) تلا ىذه الآية يكـ بدر"3 إفٌ الإعجاز الغيبي في ىذه الآيات شبيو بذلؾ الإعجاز الذم سبؽ في سكرة الركـ، فقد أخبر الله تعالى عف جمع قريش أنو سييزـ، كحصؿ ذلؾ بعد بضع سنيف مف تاريخ نزكؿ الآيات، كىزمكا في معركة بدر شر ىزيمة ككلكا مدبريف جميعا . ثـ إف كصؼ الله تعالى لحاليـ، كاف في غاية البلاغة حيث قاؿ: ( سييزم الجمع ويولون الدبر)، كلـ يقؿ الأدبار كما جاء في آيات أخرل، كأشار الرازم إلى ىذا الإفراد بقكلو :" ( إفراده إشارة إلى أنيـ في التكلية كنفس كاحدة، فلا يتخمؼ أحد عف الجمع كلا يثبت أحد لمزحؼ، فيـ كانكا في التكلية كدبر كاحد، بينما ذكر تعالى في مكضع آخر (فَلاَ تُوَلُّوىُمُ الادْبَارَ )، أم كؿ كاحد يكجد بو ينبغي أف يثبت كلا يكلي دبره، فميس المنيي ىناؾ تكليتيـ بأجمعيـ، بؿ المنيي أف يكلي كاحد منيـ دبره، كفي قكلو تعالى ( لَيُوَلُّنَّ الاْدْبَارَ ) ( الحشر : 12 ) فإف المراد المنافقكف الذيف كعدكا الييكد كىـ متفرقكف بدليؿ قكلو تعالى : ( تَحْسَبُيُمْ جَمِيعاً وَقُمُوبُيُمْ شَتَّى ) ( الحشر : 14 )، كأما في ىذا المكضع –أم في سكرة القمر -فيـ كانكا يدان كاحدة عمى مف سكاىـ ."4 1القرطبي، الجامع لاحكام القرآن ، 17 /146، كالحنبمي، أبك حفص عمر بف عمي بف عادؿ الدمشقي، المباب في عموم الكتاب،تحقيؽ : الشيخ عادؿ أحمد عبد المكجكد كالشيخ عمي محمد معكض، دار الكتب العممية - بيركت /لبناف( 1419 ىػ -1998 ـ)، 18\277. 2 القرطبي، الجامع لاحكام القرآن ، 17/125 . 3ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 27\165. 4الرازم، التفسر الكبير،29/61

عدد الصفحات ٦٦

58 المبحث السادس إخبار الله تعالى بدخان وعذاب يغشى كفار مكة قاؿ تعالى: (بَلْ ىُمْ فِي شَكٍّ يَمْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ ىَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَيُمُ الذّْكْرَى وَقَدْ جَاءَىُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْوُ وَقَالُوا مُعَمَّمٌ مَجْنُونٌ(14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَمِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15 ) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)) }الدخاف:9-16{ . المطمب الأول: أقوال العمماء في المقصود بالدخان في ىذه الآيات ىذه السكرة مكية بتماميا 1، كاختمؼ المفسركف في مكعد ىذا الدخاف كطبيعتو، عمى قكليف: الأول : أفٌ الدخاف المقصكد ىنا ىك الذم يأتي قبؿ يكـ القيامة، كيككف مف أشراطيا، كىك قكؿ ابف عباس كابف عمر كالحسف فقالكا : الدخاف آية مف آيات الله، مرسمة عمى عباده قبؿ مجيء الساعة، فيدخؿ في أسماع أىؿ الكفر بو، كيعترم أىؿ الإيماف بو كييئة الزكاـ، قالكا : كلـ يأت بعد، كىك آت.2 . واستدلوا بما يمي: 1- حديث حذيفة بف اليماف عندما سأؿ النبي صمى الله عميو كسمـ عف الدخاف قاؿ:" كما الدخاف؟ فتلا رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ الآية ( يىكٍـى تىأٍتًي السَّمىاءي بًديخىافو ميبًيفو يىغٍشىى النَّاسى ىىذىا عىذىابه أىلًيـه ) يىمٍلأ ما بىيفى المىشٍرؽً كالمىغٍرًب يىمٍكيثي أرٍبىعًيفى يىكٍما كىلىيٍمىةن، أمَّا الميؤٍمًفي فىييصًيبيوي مًنٍوي كىيىيٍئىةً الزُّكاـً، كأمَّا الكىافًري فىيىكيكفي بًمىنزلىةً السَّكٍرافً يىخٍريجي مًفٍ مىنٍخًريٍوً كأيذينىيٍوً كديبيرًهً " 3ككؿ مف فسر الدخاف بأنو ما يجيء قبؿ قياـ الساعة، استقكا رأييـ مف ىذا الحديث ، كمف الأحاديث الصحيحة عف الدخاف، الذم يسبؽ قياـ الساعة، كما سيأتي. 1 انظر،البغكم، معالم التنزيل، 4/150، كابف كثير،تفسير القرآن العظيم ،4/138. 2 انظر، الطبرم، تفسير الطبري ، 25/111 . 3 أخرجو البغكم بسنده، معالم التنزيل، 4/150 . (الحكـ عمى الحديث ص62 مف ىذا البحث).

عدد الصفحات ٦٧

59 2- كاستدلكا بأف الله تعالى أخبر عف دخاف، كأما ما جرل مع قريش فميس بدخاف، كإنما خييؿ إلييـ، مف شدة الجكع . 3- قالكا بأف الله تعالى أخبر، بأف الدخاف يككف مف السماء، كىذا لا يككف الا دخانا حقيقيا.1 القول الثاني: كىك قكؿ ابف مسعكد كجماىير المفسريف 2، كقالكا إف الدخاف عبارة عما أصاب قريشان حيف دعى عمييـ رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ بالجدب، فكاف الرجؿ يرل دخانان بينو كبيف السماء مف شدٌة الجكع . 1. كاستدلكا بتفسير ابف مسعكد ليذه الآية، كذلؾ عندما أنكر عمى مف فسر الدخاف، بأنو الذم يأتي قبؿ يكـ القيامة، فقاؿ ابف مسعكد:" إنما كاف ىذا لأًىفَّ قيرىيٍشنا لىمَّا اسٍتىعٍصىكٍا عمى النبي صمى الله عميو كسمـ دىعىا عمييـ بًسًنًيفى كىسًنًي ييكسيؼى، فىأىصىابىييـٍ قىحٍطه كىجىيٍده حتى أىكىميكا الٍعًظىاـى فىجىعىؿى الرَّجيؿي يىنٍظيري إلى السَّمىاءً فىيىرىل ما بىيٍنىوي كىبىيٍنىيىا كىيىيٍئىةً الدُّخىافً مف الٍجىيٍدً فىأىنٍزىؿى الله تىعىالىى ( فىارٍتىقًبٍ يكـ تىأٍتًي السَّمىاءي بًديخىافو ميبًيفو يىغٍشىى الناس ىذا عىذىابه أىلًيـه ) قاؿ : فىأيتًيى رسكؿ المَّوً صمى الله عميو كسمـ فىقًيؿى : يا رىسيكؿى المَّوً اسٍتىسٍؽً المَّوى لًميضىرى فىإًنَّيىا قد ىىمىكىتٍ، قاؿ لًميضىرى إًنَّؾى لىجىرًمءه فىاسٍتىسٍقىى فىسيقيكا فىنىزىلىتٍ ( إًنَّكيـٍ عىائًديكفى ) فمما أىصىابىتٍييـٍ الرَّفىاىًيىةي عىاديكا إلى حىالًيًـٍ حيف أىصىابىتٍييـٍ الرَّفىاىًيىةي فىأىنٍزىؿى الله عز كجؿ ( يكـ نىبٍطًشي الٍبىطٍشىةى الٍكيبٍرىل إًنَّا مينٍتىقًميكفى ) قاؿ يىعٍنًي يكـ بىدٍرو 3. والراجح ىك الرأم الثاني كما رجحو معظـ أىؿ التفسير للأدلة الآتية : 1. حديث عبد الله بف مسعكد:" مىضىى خىمٍسه الدُّخىافي كىالرُّكـي كىالٍقىمىري كىالٍبىطٍشىةي كىالمّْزىاـي 4"5، كعنى بذلؾ أنيا كقعت كما أخبر بيا القرآف الكريـ، فيستبعد أف يككف الدخاف المقصكد في ىذه الآية ىك الذم يأتي قبؿ يكـ القيامة. 1 انظر، الطحاكم (ت:321ىػ) ، أبك جعفر أحمد بف محمد بف سلامة، شرح مشكل الآثار ، تحقيؽ شعيب الأرنؤكط ، مؤسسة الرسالة، لبناف / بيركت (1408ىػ- 1987ـ).2\425 . 2 انظر، الالكسي،روح المعاني ، 25/117. 3 البخارم، صحيح البخاري ، كتب التفسير، بىاب يىغٍشىى الناس ىذا عىذىابه أىلًيـه 4/1823،كالمفظ لو، كمسمـ،صحيح مسمم، كتاب صفة القيامة كالجنة كالنار، بىاب الدُّخىافً ، 2798 ،4/2155 .كأخرجو أيضا في بىاب الاًسٍتًسٍقىاءً كىخيريكجً النبي صمى الله عميو كسمـ في الاًسٍتًسٍقىاءً، 962،1/341 . 4 المقصكد بالمزاـ ىنا ما جاء في الآية الكريمة (قيؿٍ مىا يىعٍبىأي بًكيـٍ رىبّْي لىكٍلاى ديعىاؤيكيـٍ فىقىدٍ كىذَّبٍتيـٍ فىسىكٍؼى يىكيكفي لًزىامنا (الفرقاف :77 ) قاؿ أبي بف كعب كابف مسعكد: ىك القتؿ يكـ بدر،انظر، الطبرم، تفسير الطبري، 19/56-57.. 5 البخارم، كتاب التفسير، بىاب يىغٍشىى الناس ىذا عىذىابه أىلًيـه4/1823.

عدد الصفحات ٦٨

60 كىذا القكؿ لا ينافي أف يككف الدخاف مف علامات يكـ القيامة الكاردة في الأحاديث الصحيحة، كلكنو ليس ىك المقصكد في ىذه الآية، كاف صحت ركاية حذيفة فلا تعارض، كيبقى الإعجاز الغيبي في ىذه الآيات صحيحا يقكؿ ابف جرير :" فإنو غير منكر أف يككف أحؿٌ بالكفار الذيف تكعدىـ بيذا الكعيد ما تكعدىـ، كيككف ميحًلا فيما يستأنؼ بعد بآخريف دخانا عمى ما جاءت بو الأخبار عف رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ عندنا كذلؾ ".1 كأيد ىذا الترجيح الشككاني :" كالراجح منيا أنو الدخاف الذم كانكا يتخيمكنو مما نزؿ بيـ مف الجيد كشدة الجكع كلا ينافي ترجيح ىذا ما كرد أف الدخاف مف آيات الساعة فإف ذلؾ دخاف آخر كلا ينافيو"2 2. ضعؼ سند حديث حذيفة بف اليماف الذم فسر فيو النبي صمى الله عميو كسمـ الدخاف المقصكد في ىذه الآية بأنو الدخاف الذم ىك مف إمارات الساعة . قاؿ ابف جرير بعد أف رجح رأم ابف مسعكد كضعؼ ىذا الحديث :" لك صح ىذا الحديث لكاف فاصلا كإنما لـ أشيد لو بالصحة، لأف محمد بف خمؼ العسقلانيٌ حدثني أنو سأؿ ركٌادا عف ىذا الحديث، ىؿ سمعو مف سفياف؟ فقاؿ لو: لا فقمت لو: فقرأتو عميو، فقاؿ : لا فقمت لو: فقرئ عميو كأنت حاضر فأقرٌ بو، فقاؿ : لا فقمت: فمف أيف جئت بو؟ قاؿ: جاءني بو قكـ فعرضكه عميٌ كقالكا لي: اسمعو منا فقرءكه عميٌ، ثـ ذىبكا، فحدٌثكا بو عني" 3. كتابعو ابف كثير كرجح ضعؼ الركاية فقاؿ : " كقد أجاد ابف جرير في ىذا الحديث ىاىنا، فإنو مكضكع بيذا السند، كقد أكثر ابف جرير مف سياقو في أماكف مف ىذا التفسير، كفيو منكرات كثيرة جدنا، كلا سيما في أكؿ سكرة "بني إسرائيؿ " في ذكر المسجد الأقصى، كالله أعمـ." 4 3. إفٍّ سياؽ الخطاب في ىذه الآيات كاف مكجيان لكفار قريش، قاؿ ابف جرير معملا ترجيحو لرأم ابف مسعكد :" لأف الله جؿٌ ثناؤه تكعَّد بالدخاف مشركي قريش كأف قكلو لنبيو صمى الله عميو كسمـ 1 الطبرم، تفسير الطبري ،25/114-115 . 2 الشككاني، فتح القدير، 4/571. 3 الطبرم، تفسير الطبري ، 25/ 114. 4 ابف كثير،تفسير القرآن العظيـ، 4/140.

عدد الصفحات ٦٩

61 ( فىارٍتىقًبٍ يىكٍـى تىأٍتًي السَّمىاءي بًديخىافو ميبًيفو ) في سياؽ خطاب الله كفار قريش كتقريعو إياىـ بشركيـ "1. 4. كالرد عمى مف استدؿ بأف الله تعالى أخبر عف دخاف، كما جرل مع قريش لا يعتبر دخانا، أف المذككر في حديث ابف مسعكد سمي دخانا عمى المجاز، لتكىـ قريش أنو دخاف في الحقيقة مف الجيد الذم بيا، كإف لـ يكف في الحقيقة كذلؾ . 5. كإنكارىـ عمى أف مف قاؿ بأف الدخاف ما أصاب أىؿ مكة، بحجة نسبة الله تعالى الدخاف لمسماء، رد عميو الطحاكم بقكؿ :" كجو الإضافة إلى السماء إنما كانت كالله أعمـ لأف الأشياء التي تحؿ بالناس مف ربيـ عز كجؿ تضاؼ إلى السماء، مف ذلؾ قكلو سبحانو كتعالى : (ييدىبّْري الأٍىمٍرى مًفى السَّمىاءً إًلىى الأٍىرٍضً ) (السجدة:5)، فأخبر عز كجؿ أف الأمكر التي تككف في الأرض مدبرة مف السماء إلييا فمثؿ ذلؾ ما كاف مف تدبيره عز كجؿ في السبب الذم عاقب بو قريشا لكفرىا كعتكىا عاقبيا بو حتى رأت مف تمؾ العقكبة دخانا، كليس في الحقيقة كذلؾ."2 المطمب الثاني: تحقيق وجو الإعجاز الغيبي في آيات الدخان تحدثت ىذه الآيات عف أربع ة إخبارات غيبية كىي : الأول : في قكلو تعالى (فىارٍتىقًبٍ يىكٍـى تىأٍتًي السَّمىاءي بًديخىافو ميبًيفو ) في ىذه الآية إخبار بما يغشاىـ مف القحط كشدة الجكع ، حتى ينظر الرجؿ إلى السماء فيرل بينو كبينيا كييئة الدخاف، كتحقؽ ذلؾ حتى إنيـ أكمكا العظاـ، كأصبح أحدىـ يرل ما حكلو دخانا مف شدة الجكع كما سبؽ في حديث ابف مسعكد.3 الثاني: الإخبار بأنيـ سيضرعكف إلى الله حيف تحؿ بيـ ىذه الأزمة :كذلؾ في قكلو تعالى :( رىبَّنىا اكٍشًؼٍ عىنَّا الٍعىذىابى إًنَّا ميؤٍمًنيكفى )، كىذا ما حدث عندما جاء أبك سفياف متكسلا إلى النبي صمى الله عميو كسمـ أف يدعك الله ليرفع عنيـ ىذا العذاب . 1 الطبرم، تفسير الطبري ، 25/114 . 2 الطحاكم، شرح مشكل الآثار ، 2\425. 3 سبؽ تخريجو، ص61.ككؿ ما كرد مف كقائع في ىذه النقاط الأربع مستسقى مف ىذا الحديث .

عدد الصفحات ٧٠

62 الثالث: الإخبار بأف الله سيكشؼ عنيـ ذلؾ العذاب قميلان، كذلؾ في قكلو تعالى:(إًنَّا كىاشًفيك الٍعىذىابً قىمًيلان إًنَّكيـٍ عىائًديكفى )، كريفع عنيـ ىذا العذاب بعد أف استسقى رسكؿ الله لمضر فسقكا الغيث . الرابع : الإخبار بأنيـ سيعكدكف إلى كفرىـ كعتكىـ، كذلؾ في قكلو تعالى : (إنكـ عائدكف).كلقد عادكا الى كفرىـ، كتمادكا بو كبارزكا الرسكؿ صمى الله عميو كسمـ العداء في معركة بدر كما بعدىا. الخامس:الإخبار بأف الله سينتقـ منيـ يكـ البطشة الكبرل . كاختمؼ في المقصكد بالبطشة عمى معنييف: الأول : ىك يكـ بدر، كرد ذلؾ عف ابف مسعكد كابف عباس في قكؿ كمجاىد كمقاتؿ كأبي العالية رضي الله تعالى عنيـ، كرجحو معظـ أىؿ التفسير .1 كاستدلكا بما يمي: 1- ما كرد في حديث ابف مسعكد :" مىضىى خىمٍسه الدُّخىافي كىالرُّكـي كىالٍقىمىري كىالٍبىطٍشىةي كىالمّْزىاـي "2. 2- استدلكا بما جرل لقريش في بدر، مف تنكيؿ كقتؿ كأسر، يقكؿ ابف عاشكر :"ىي بطشة يكـ بدر فإف ما أصاب صناديد المشركيف يكمئذو كاف بطشة بالشرؾ كأىمًو لأنيـ فقدكا سادتيـ كذكم الرأم منيـ الذيف كانكا يسيٌركف أىؿ مكة كما يريدكف" .3 القول الثاني: أف المقصكد بالبطشة ىك يكـ القيامة، كىك قكؿ ابف عباس في أصح الركايتيف كعكرمة كالحسف البصرم 4، كاستدلكا ما يمي: 1 انظر، البخارم، صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، بىاب يىغٍشىى الناس ىذا عىذىابه أىلًيـه، 4544 ،4/1823، كمسمـ،صحيح مسمم، كتاب صفة القيامة كالجنة كالنار، بىاب الدُّخىافً، 2798 ،4/2155 . 2 البخارم، صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، بىاب يىغٍشىى الناس ىذا عىذىابه أىلًيـه، 4543 ،4/1823. 3 ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 25/293 . 4 انظر،الطبرم، تفسير الطبري، 25/ 117، البغكم، معالم التنزيل، 4/150،كابف كثير،تفسير القرآن العظيم ، 4/141 . السيكطي، الدر المنثكر،7/408

عدد الصفحات ٧١

63 1- حديث ابف عباس": قاؿ ابف عباس رضي الله عنيما : قاؿ ابف مسعكد رضي الله عنو : البطشة الكبرل يكـ بدر كأنا أقكؿ ىي يكـ القيامة "1 2- استدلكا بمعنى البطشة2، كأنو معنى لا يميؽإلا بيكـ القيامة، لأف يكـ بدر لا يبمغ ىذا المبمغ الذم يكصؼ بيذا الكصؼ العظيـ، كلأف الانتقاـ التاـ إنما يحصؿ يكـ القيامة لقكلو تعالى، كلأف ىذه البطشة لما كصفت بككنيا كبرل عمى الإطلاؽ كجب أف تككف أعظـ أنكاع البطش كذلؾ ليس إلا في القيامة . .3 كيعكد المعنى المقصكد لمبطشة بحسب ما فسر كؿ عالـ المقصكد في الدخاف، فإف السياؽ كاحد، فمف فسر الدخاف بأنو مف أشراط الساعة فسر البطشة ىنا بأنيا يكـ القيامة، كمف فسر الدخاف بأنو ما جرل لأىؿ مكة مف عذاب فسر البطشة ىنا يكـ بدر . كالراجح ىك إعماؿ كلا المعنييف فلا تعارض، فيككف كعد الله تعالى بالانتقاـ منيـ يكـ بدر قد حصؿ، كبو كقع الإعجاز الغيبي، كيكـ القيامة يجزييـ الله عمى سكء أعماليـ، ككلا الحدثيف مطابؽ لممعنى أتـ المطابقة كىذا ما رجحو السعدم في تفسيره .4 1 الطبرم، تفسير الطبري ، 25/117 . 2 البطش: التناكؿ بشدة عند الصكلة كالأخذ الشديد في كؿ شيء. ابف منظكر، لسان العرب،6\267 .الأزىرم، أبك منصكر محمد بف أحمد ، تيذيب المغة، تحقيؽ: محمد عكض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيركت، (ط1\2001ـ)، 11\218 . 3 انظر، الرازم، مفاتيح الغيب، 27/209 . 4 السعدم، عبد الرحمف بف ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، تحقيؽ : ابف عثيميف، مؤسسة الرسالة ، بيركت ، (1421ىػ- 2000ـ)، 1/773-772.

عدد الصفحات ٧٢

64 المبحث السابع وعد الله تعالى بالتمكين لممؤمنين قال تعالى : (وَعَدَ المَّوُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِمُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْمِفَنَّيُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْمَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْمِيِمْ وَلَيُمَكّْنَنَّ لَيُمْ دِينَيُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَيُمْ وَلَيُبَدّْلَنَّيُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِيِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْفَاسِقُونَ (55)) {النكر:55 } سبب نزكؿ ىذه الآية ما يركيو أبي بف كعب رضي الله عنو قاؿ : "لما قدـ رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ كأصحابو المدينة كآكاىـ الأنصار رمتيـ العرب عف قكس كاحدة، فكانكا لا يبيتكف إلا في السلاح كلا يصبحكف إلا في لأمتيـ، فقالكا : أتركف أنا نعيش حتى نبيت آمنيف مطمئنيف لا نخاؼ إلا الله عز كجؿ فنزلت ىذه الآية : ( كىعىدى المَّوي الَّذًيفى آمىنيكا مًنٍكيـٍ كىعىمًميكا الصَّالًحىاتً ..)"1 ىذه الآيات مف كعكد الله الصادقة، التي شكىد تأكيميا كمخبرىا، فإنو كعد مف قاـ بالإيماف كالعمؿ الصالح مف ىذه الأمة، أف يستخمفيـ في الأرض، فيككنكا ىـ الخمفاء فييا، المتصرؼ مف في تدبيرىا، كأنو يمكٌف ليـ دينيـ الذم ارتضى ليـ، كىك ديف الإسلاـ، الذم فاؽ الأدياف كميا، ارتضاه ليذه الأمة، لفضميا كشرفيا كنعمتو عمييا، فقد ارتضى ليـ الإسلاـ حتى أقيمت شرائعو الظاىرة كالباطنة، في أنفسيـ كفي غيرىـ، لككف غيرىـ مف أىؿ الأدياف كسائر الكفار مغمكبيف ذليميف، ككعدىـ سبحانو أف يجعؿ ليـ مكاف ما كانكا فيو مف الخكؼ مف الأعداء أمنا كيذىب عنيـ أسباب الخكؼ الذل كانكا فيو بحيث لايخشكف إلا الله.2 . 1 الطبرم، تفسير الطبري ، 18\159-160 . الحاكـ، المستدرؾ عمى الصحيحيف مع تعميقات الذىبي،رقـ، 3512،2\434، كقاؿ ىذا حديث صحيح الإسناد كلـ يخرجاه، كقاؿ عنو الذىبي صحيح . ،كالطبراني، المعجـ الأكسط، رقـ، 7029،7\119، الضياء، أبك عبد الله محمد بف عبد الكاحد بف أحمد الحنبمي المقدسي، الأحاديث المختارة ، تحقيؽ: عبد الممؾ بف عبد الله بف دىيش، مكتبة النيضة الحديثة، مكة المكرمة .(ط1\1410ق)، رقـ، 1145 ،2\76، كقاؿ عنو الييثمي:" ركاه الطبراني في الأكسط كرجالو ثقات "، الييثمي(ت:707ق)، عمي بف أبي بكر بف سميماف، مجمع الزكائد كمنبع الفكائد ، دار الرياف لمتراث / دار الكتاب العربي، القاىرة ، بيركت، (1407) ،7 / 83 .ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، 3\301 . 2 انظر، الشككاني، فتح القدير، 4\47، ابف كثير،تفسير القرآن العظيم، 3 \301-302. السعدم، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، 1\537 .

عدد الصفحات ٧٣

65 كقد تحقؽ كعد الله تعالى لنبيو صمى الله عميو كسمـ، كإلى ىذا الكعد أشار ابف كثير بقكلو: " كقد فعؿ تبارؾ كتعالى ذلؾ . كلو الحمد كالمنة، فإنو لـ يمت رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ حتى فتح الله عميو مكة كخيبر كالبحريف، كسائر جزيرة العرب كأرض اليمف بكماليا ... كىاداه ىرقؿ ممؾ الركـ كصاحب مصر كالإسكندرية -كىك المقكقس -كممكؾ عماف كالنجاشي ممؾ الحبشة، الذم تىممَّؾ بعد أصٍحىمة، رحمو الله كأكرمو."1 كبعد كفاتو صمى الله عميو كسمـ قاـ بالأمر بعده خميفتو أبك بكر الصديؽ، فبعث الجيكش الإسلامية إلى بلاد فارس، ففتحكا طرفا منيا، كقتمكا خمقا مف أىميا . كفتح الله لمجيش الإسلامي في أيامو بيصرل كدمشؽ كمىخىاليفيما مف بلاد حىكراف كما كالاىا، كتكفاه الله عز كجؿ، ثـ مىفٌ الله تعالى عمى الإسلاـ كأىمو بأف أليـ الصديؽ أف استخمؼ عمر الفاركؽ، فقاـ في الأمر بعده قياما تاما، كتـ في أيامو فتح البلاد الشامية بكماليا، كديار مصر إلى آخرىا، كأكثر إقميـ فارس، ككىسَّر كسرل كأىانو غاية اليكاف، كتقيقر إلى أقصى مممكتو، كقىصَّر قيصر، كانتزع يده عف بلاد الشاـ فانحاز إلى قسطنطينة، كأنفؽ أمكاليما في سبيؿ الله، ثـ في زمف عثماف بف عفاف رضي الله عنو، إمتدت الممالؾ الإسلامية إلى أقصى مشارؽ الأرض كمغاربيا، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما ىنالؾ: الأندلس، كقبرص، كبلاد القيركاف،كمف ناحية المشرؽ إلى أقصى بلاد الصيف، كقتؿ كسرل، كباد ممكو بالكمية . كفتحت مدائف العراؽ، كخراساف، كالأىكاز .2 كتحقؽ ما أخبر الله تعالى بو مف اكتماؿ الأمف كعدـ الخكؼ، كما قاؿ رسكؿ الله صمى ا عميو كسمـ لعدمٌ بف حاتـ، حيف كفد عميو: "أتعرؼ الحيرة؟ قاؿ : لـ أعرفيا، كلكف قد سمعت بيا. قاؿ: " فكالذم نفسي بيده، لييتمفٌ الله ىذا الأمر حتى تخرج الظعينة مف الحًيرىة حتى تطكؼ بالبيت في غير جكار أحد، كلتفتحف كنكز كسرل بف ىرمز ". قمت: كسرل بف ىرمز؟ قاؿ : " نعـ، كسرل بف ىرمز، كلييبذىلىفٌ الماؿي حتى لا يقبمو أحد، قاؿ عدم بف حاتـ: فيذه الظعينة تخرج مف الحيرة فتطكؼ بالبيت في غير جكار أحد، كلقد كنت فيمف افتتح كنكز كسرل بف ىرمز، كالذم نفسي بيده، لتككنف الثالثة؛ لأف رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ قد قاليا "3 . 1 ابف كثير،تفسير القرآن العظيم ، 3\ 301.بتصرؼ يسير . 2 انظر،المرجع السابق، 3\ 302. 3 أخرجو البخارم، صحيح البخاري ، كتاب المناقب، بىاب عىلاىمىاتً النُّبيكَّةً في الإًٍسٍلاىـً، رقـ، 3400 ،3\1316 .

عدد الصفحات ٧٤

66 لقد كاف أكبر أماني المسمميف بعد ىجرتيـ كتنفسيـ الصعداء قميلا أف يسمـ ليـ دينيـ كيعيشكا آمنيف في مياجرىـ، كما يدؿ عمى ذلؾ حديث عدم بف حاتـ رضي الله عنو، ىكذا كاف حاؿ الصحابة أياـ أف كعدىـ الله ما كعد كما أعجؿ تحقؽ ىذا الكعد الإليي رغـ ىذه الحاؿ المنافية لما ىـ عميو مف استضعاؼ، فاستخمفيـ تعالى في أقطار الأرض كأكرثيـ ممؾ كسرل كقيصر، كمكٌف ليـ دينيـ الذم ارتضى ليـ، كأبدليـ مف بعد خكفيـ أمنا، كىي نبكءة لا يمكف أف يتحدث بيا إلا مف يممؾ تحقيقيا، كمف يخرؽ إف شاء عادات الككف كنكاميسو مف أجميا .1 كيستمر ىذا الكعد نافذا ما داـ المسممكف مستمسكيف بدينيـ، كمستحقيف التمكيف في الأرض، كليس ىذا الكعد مقتصران عمى الرعيؿ الأكؿ مف الصحابة كالتابعيف، بؿ ىك عاـ إلى قياـ الساعة، ما داـ المسممكف محققيف لشرط الله تعالى يقكؿ القطاف في ذلؾ :" كقد تحقؽ ىذا الكعدي لأسلافنا، كىك قائـه إلى الأبد إذا نحف أقمنا عمى شرطً الله بأف نصديؽ في إيماننا، كنسيرى عمى منياج ديننا . إف كعدى الله حؽّّ قائـ كشىرٍطى الله حؽ معركؼ".2 ثـ اتسعت الدكلة الإسلامية في العيد الأمكم، ثـ العيد العباسي، ككاف ىذا حاؿ المسمميف عمى مر العصكر، كمما اقتربكا مف دينيـ مكف الله تعالى ليـ كأعطاىـ الأمف، ككمما ابتعدكا أرسؿ الله تعالى عمييـ مف يسكميـ سكء العذاب كينسؼ أمنيـ، كىذا ما عميو حاؿ المسمميف الآف مف البعد عف منيج الله تعالى، كما استحقكه مف ذؿ كىكاف كخكؼ كالله المستعاف. 1 انظر، الزرقاني، مناىل العرفان، 2\372 . 2 القطاف،تيسير التفسير، 3\4.

عدد الصفحات ٧٥

67 المبحث الثامن القرآن يكذّب وعود المنافقين لمييود ويصف طبيعة الييود قال تعالى :(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِِخْوَانِيِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَا ِنْ قُوتِمْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَالمَّوُ يَشْيَدُ إِنَّيُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَيُمْ وَلَئِنْ قُوتِمُوا لاَ يَنْصُرُونَيُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوىُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَْدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ (12) لأََنْتُمْ أَشَدُّ رَىْبَةً فِي صُدُورِىِمْ مِنَ المَّوِ ذلِكَ بِأَنَّيُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَيُونَ(13) لا يُقاتِمُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُيُمْ بَيْنَيُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُيُمْ جَمِيعاً وَقُمُوبُيُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّيُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِمُونَ (14)) (الحشر:10-14 ) نزلت ىذه الآيات في المدينة المنكرة في السنة الرابعة لميجرة ، كقبؿ إجلاء بني النضير منيا، فبعد أف قرر النبي صمى الله عميو كسمـ إجلاء بني النضير لما ظير لو مف خيانتيـ كمحاكلة قتمو، ذىب المنافقكف في المدينة كعمى رأسيـ عبد الله بف أبي بف سمكؿ رأس النفاؽ كأرسمكا إلى بني النضير يحرضكنيـ عمى الرفض كالمقاكمة، كقالكا ليـ : أف اثبتكا كتمنعكا فإنا لف نسممكـ . كإف قكتمتـ قاتمنا معكـ، كإف أخرجتـ خرجنا معكـ، كقد خرج بنك النضير مف ديارىـ أذلاء فمـ يخرج المنافقكف معيـ، كقكتمكا فمـ ينصركىـ، كلك نصركىـ كقاتمكا معيـ لانيزمكا جميعا .1 وجو الإعجاز الغيبي في ىذه الآيات في ىذه الآيات ثلاثة إخبارات غيبية، كىي : إخبار الله تعالى بما سيككف مف ىزيمة بني النضير، كإخبار الله تعالى بأف المنافقيف لف ينصركا إخكانيـ مف الييكد، كالثالث ىك الإخبار بطبيعة الييكد كأنيـ لا يقاتمكف إلا مف كراء جدر . فمف الإعجاز الغيبي الإخبار عف خمؼ المنافقيف في كعدىـ مع الييكد، كىك مف أدلة النبكة كأحد كجكه الإعجاز، كىذا ما اقره جماعة مف أىؿ التفسير .2 1 انظر، الطبرم، تفسير الطبري ، 28\46، البغكم، معالم التنزيل، 4\321، الرازم، مفاتيح الغيب،29\251. 2 انظر، القرطبي ، الجامع لاحكام القرآن ، 18\32 .الالكسي،روح المعاني ، 28\57 .

عدد الصفحات ٧٦

68 كأعتبر الخمكتي أف الإعجاز الغيبي كقع في ىذه الآية مفكجييف إذ يقكؿ عند تفسير ىذه الآية :"كفيو حجة بينة لصحة النبكة كإعجاز القرآف، أما الأكؿ: فلأنو أخبر عما سيقع فكقع كما أخبر، كذلؾ لأف نزكؿ الآية مقدـ عمى الكاقعة، كعميو يدؿ النظـ فاف كممة إف للاستقباؿ، كأما الثانى فمف حيث الإخبار عف الغيب { كلئف نصركىـ} عمى الفرض كالتقدير { ليكلف الأدبار} فرارا كانيزاما "1، كقد كقع تصديؽ ىذيف الخبريف مف ىزيمة بني النضير كإجلائيـ، ثـ خذلاف المنافقيف ليـ. كالإخبار الثالث في قكلو تعالى (لا ييقاتًميكنىكيـٍ جىمًيعان إًلاَّ فًي قيرلن ميحىصَّنىةو أىكٍ مًفٍ كىراءً جيديرو ) أم مف خمؼ حيطاف يستتركف بيا لجبنيـ كرىبتيـ . 2 كجرت الأياـ كالحكادث مصدقة لطبيعة الييكد في قتاليـ داخؿ قرل محصنة، ففي زمف الرسكؿ صمى الله عميو كسمـ تحصنكا داخؿ قلاعيـ كقراىـ، في غزكة بني قينقاع كغزكة بني النضير كغزكة بني قريظة، كآخرىا حصار خيبر، ففي كؿ ىذه المكاجيات ما استطاعكا مقاتمة المسمميف كجيان لكجو، كإنما مف داخؿ حصكنيـ. كما فارقتيـ ىذه الخصمة بؿ بقيت تجرم في عركقيـ، حتى ىذا العصر، جاء في تفسير الظلاؿ ما نصو :" كما تزاؿ الأياـ تكشؼ حقيقة الإعجاز في تشخيص حالة المنافقيف كأىؿ الكتاب حيثما التقى المؤمنكف بيـ في أم زماف، كفي أم مكاف، بشكؿ كاضح لمعياف . كلقد شيدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بيف المؤمنيف الفدائييف كبيف الييكد مصداؽ ىذا الخبر بصكرة عجيبة، فما كانكا يقاتمكنيـ إلا في المستعمرات المحصنة في أرض فمسطيف . فإذا انكشفكا لحظة كاحدة كلكا الأدبار كالجرذاف . حتى لكأف ىذه الآية نزلت فييـ ابتداء . كسبحاف العميـ الخبير!".3 1‌الخمكتي،روح البيان، 15\221.‌ 2 انظر، القرطبي، الجامع لاحكام القرآن ، 18\35 . 3 قطب(ت: 1385ىػ)، سيد قطب إبراىيـ حسيف الشاربي، في ظلال القرآن ، دار الشركؽ، بيركت، القاىرة، (ط 17\1412 ىػ)، 6/3529.

عدد الصفحات ٧٧

69 كما نراه الآف مف مغتصبات صييكنية 1 عمى الأراضي المحتمة في فمسطيف، خير دليؿ عمى طبيعتيـ التي أخبرنا الله تعالى بيا، فيـ ينتقكف أعالي الجباؿ كسط تحصينات منيعة، لأنيـ أىؿ خيانة كغدر، فالخكؼ لا يغادرىـ فمذلؾ يتحصنكف في مثؿ ىذه القلاع كالمغتصبات كنحكىا . كأما قتاليـ مف كراء جدر ؼ لا يخفى عمى أحد، كينطبؽ عمييا اليكـ قتاليـ مف الطائرات كالدبابات التي اشتيركا بيا، كمف خمؼ الأسكار كالسكر الكاقي الذم بنكه في الأراضي المحتمة في فمسطيف ككخط بارليؼ في مصر ، كما حدث في معاركيـ في حربيـ ضد المقاكمة في فمسطيف، خير دليؿ عمى تحقؽ إعجاز القرآف في إخباره عف طبيعتيـ قبؿ قركف . كىناؾ إضافة جديدة مف ذكر الجيدير بعد القرل المحصنة، فمف الملاحظ أف الله تعالى فصؿ بيف القرل المحصنة ك الجيدير بحرؼ العطؼ (أك)، كلمعطؼ بأك فائدة أخرل، كىي كما يظير مف سياؽ الآية تفيد أف الييكد حيف يقاتمكنكـ، ؼإف ليـ في قتالكـ حالتيف،الأكلى أف يتحصنكا منكـ بداخؿ قراىـ التي بالغكا في تحصينيا،كالثانية فالخركج لمقائكـ، كذلؾ يستمزـ ترؾ القرل المحصنة كلأنيـ أجبف مف ذلؾ، فقد كانت فكرة الجدار ىي الأنسب ليـ لكي يتمكنكا مف التحرؾ خارج حصكنيـ. 1 اسـ يطمؽ عمى المستعمرات التي انشأىا الاحتلاؿ الصييكني في فمسطيف، كيسكنيا الييكد المتدينكف.

عدد الصفحات ٧٨

70 المبحث التاسع الإعجاز الغيبي في وصف طبيعة الييود من حرص عمى حياة قاؿ تعالى : ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآْخِرَةُ عِنْدَ المَّوِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِييِمْ وَالمَّوُ عَمِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّيُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَمَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُىُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا ىُوَ بِمُزَحْزِحِوِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَالمَّوُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَمُونَ (96 )( البقرة : 94-96 .) كقكلو تعالى: (قُلْ يَاأَيُّيَا الَّذِينَ ىَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِمَّوِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلاَ يَتَمَنَّوْنَوُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِييِمْ وَالمَّوُ عَمِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) . ( الجمعة: 6-7 .) صكرت ىذه الآيات طبيعة الييكد، مف حرص شديد عمى الدنيا، ككره لممكت . وجو الإعجاز الغيبي في ىذه الآيات يتبيف الإعجاز الغيبي في المقطع السابؽ مف كجييف : الأكؿ : إخبار الله تعالى بأف الييكد لف يتمنكا المكت كلك بألسنتيـ، كأشار الرازم إلى ىذا الإعجاز بقكلو :"أما قكلو تعالى (كىلىف يىتىمىنَّكٍهي ) فخبر قاطع عف أف ذلؾ لا يقع في المستقبؿ، كىذا إخبار عف الغيب، لأف مع تكفر الدكاعي عمى تكذيب محمد ( صمى الله عميو كسمـ ) كسيكلة الإتياف بيذه الكممة، أخبر بأنيـ لا يأتكف بذلؾ، فيذا إخبار جازـ عف أمر قامت الأمارات عمى ضده فلا يمكف الكصكؿ إليو إلا بالكحي، كأما قكلو تعالى أىبىدنا، فيك غيب آخر لأنو أخبر أف ذلؾ لا يكجد كلا في شيء مف الأزمنة الآتية في المستقبؿ كلا شؾ أف الإخبار عف عدمو بالنسبة إلى عمكـ الأكقات فيما غيباف "1 . 1 الرازم، مفاتيح الغيب، 3\175.

عدد الصفحات ٧٩

71 كمسألة عدـ تمنييـ المكت كلك نفاقا، بعد أف أخبر الله تعالى أنيـ لف يتمنكه شبيية بما حصؿ مع أبي ليب كالكليد بف المغيرة، بعد أف تكعدىـ الله تعالى بالعذاب، كلـ يخطر بباليـ أف يقكلكا بخلاؼ ما أخبر الله تعالى بو، يقكؿ الشعراكم :"كالله تبارؾ كتعالى حيف أنزؿ ىذه الآية، كضع قضية الإيماف كمو في يد الييكد، بحيث يستطيعكف إف أرادكا أف يشكككا في ىذا الديف، كيؼ؟ ألـ يكف مف الممكف عندما نزلت ىذه الآية أف يأتي عدد مف الييكد كيقكلكا ليتنا نمكت، نحف نتمنى المكت يا محمد . فادع لنا ربؾ يميتنا . . ألـ يكف مف الممكف أف يقكلكا ىذا؟ كلك نفاقا، كىلك رياءن لييدمكا ىذا الديف، كلكف حتى ىذه لـ يقكلكىا كلـ تخطر عمى باليـ، أنظر إلى الإعجاز القرآني في قكلو سبحانو : { كىلىفٍ يىتىمىنَّكٍهي } "1 . الكجو الثاني للإعجاز: يتجمى ىذا الكجو مف كصؼ الله تعالى لمييكد أنيـ حريصكف عمى الدنيا حرصا شديدا كأنيـ يبغضكف المكت، كإف كاف حب الحياة ككره المكت أمر فطر الله عميو الناس مؤمنيـ ككافرىـ، إلا أف عدـ تمني الييكد المكت، ليس عمى الكجو المعتاد عند البشر مف كراىة المكت ما داـ المرء بعافية بؿ ىـ تجاكزكا ذلؾ إلى ككنيـ أحرص مف سائر البشر عمى الحياة، حتى المشركيف الذيف لا يرجكف بعثان كلا نشكران كلا نعيمان . 2 كسبب زيادة حرصيـ عمى الحياة عمى حرص المشركيف، ىك إيمانيـ بالبعث كعمميـ بما ينتظرىـ مف عذاب في الآخرة، كذلؾ بما قدمت أيدييـ مف ظمـ كأكؿ لمحراـ، كقتؿ للأنبياء كغدر كنكث بالمكاثيؽ، بينما المشرككف لا يؤمنكف بيكـ يحاسبكف فيو، فيؤلاء المشرككف يفترض أف يككنكا أحرص الناس عمى الحياة، إذ ىي الأكلى كالأخيرة عندىـ، كلكف الييكد فاقكىـ بيذا الحرص .3 فمك أنيـ عممكا مف أنفسيـ خيرا، لما حرصكا كؿ ىذا الحرص عمى الحياة، لأف مف أيقف أنو مف أىؿ الجنة اشتاؽ إلييا كتمنى سرعة الكصكؿ إلى النعيـ كالتخمص مف الدار ذات الشكائب.4 1الشعراكم، تفسير الشعرواي (الخواطر)، 1/473. 2 انظر، ابف عاشكر، التحرير والتنوير، 1\617. 3 انظر، الزحيمي، التفسير المنير، 1\231 . 4 انظر، الزمخشرم، الكشاف، 1\192.

عدد الصفحات ٨٠

72 كمما يزيد في بلاغة الإعجاز في ىذه الآية، ىك دقة التعبير القرآني في كصؼ الحياة التي يحرصك ف عمييا، فإف الله تعالى ذكر (حياة) نكرة، كذلؾ قصدان لمتنكيع أم كيفما كانت تمؾ الحياة، مف سكء الحالة كرذالة العيش .1 كجاء في سكرة الجمعة ىذا المعنى مف حرص الييكد عمى الحياة، كلكف المفظ المستخدـ في الجمعة (كلا يتمنكنو ) بدؿ ( كلف يتمنكه )، لمقصد أشار لو الزحيمي حيث يقكؿ :" أتى ىنا بمف كفي سكرة الجمعة بلا لأف ادعاءىـ ىنا أعظـ مف ادعائيـ ىناؾ، فإنيـ ادعكا ىنا اختصاصيـ بالجنة، كىناؾ ككنيـ أكلياء لمٌو مف دكف الناس ". 2 1 انظر، ابف عاشكر،التحرير والتنوير، 1\617. 2 الزحيمي، التفسير المنير،1\229.

عدد الصفحات ٨١