المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم دراسة تحليلية نقدية

عمر محمد راجح عمر أبو ليل

صفحة ٣ من ٩

25 مف أخباره نكع مف أنكاع إعجازه، كلكنو ليس بالأمر العاـ المكجكد في كؿ سكرة مف سكر القرآف، كقد جعؿ سبحانو في صفة كؿ سكرة أف تككف معجزة بنفسيا لا يقدر أحد مف الخمؽ أف يأتي بمثميا"1 فلا بد لمكجو المعجز الذم كؽع بو التحدم أف يككف مكجكدا في كافة السكر، كلا شؾ أفَّ ىذا الكجو ىك نظـ القرآف الكريـ كما يتبعو مف فصاحة كبلاغة، كىك الرأم الذم رجحو جماعة مف أىؿ العمـ، يقكؿ ابف عطية" الذم عميو الجميكر كالحذاؽ كىك الصحيح في نفسو أف التحدم إنما كقع بنظمو كصحة معانيو كتكالي فصاحة ألفاظو" 2. ثانيا: إفَّ العرب في زمف تنزيؿ القرآف الكريـ، لـ يككنكا مطالبيف بالإتياف بمثؿ ىذه الأخبار التي لـ تقع ضمف دائرة التحدم، فالتحدم يجب أف يككف بمثؿ ما يتقنو الميتحدَّل، كالأخبار الغيبية أبعد ما تككف مف قدرة العرب، فيـ أمة أمية لا كتاب ليـ كلا عمـ ليـ إلا ما ندر مما أخذه بعضىـ مف أحبار الييكد، كبعض الأساطير مف الكتب السابقة كما كاف يفعؿ النضر بف الحارث 3 . كم رل في ذلؾ الشأف الأستاذ محمكد شاكر:" أنو إذا صح أف قميؿ القرآف ككثيره سكاء في ىذا الكجو – أم النظـ كالبياف- ثبت أف ما في القرآف جممة مف حقائؽ الأخبار عف الأمـ السالفة، كمف أنباء الغيب، كمف دقائؽ التشريع، كمف عجائب الدلالات عمى ما لـ يعرفو البشر مف أسرار الككف إلا بعد القركف المتطاكلة مف تنزيمو، كؿ ذلؾ بمعزؿ عف الذم طكلب بو الع رب"4 1 الخطابي، بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ،ص23. 2 ابف عطية(ت:542ق)، أبك محمد عبد الحؽ بف غالب الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز،تحقيؽ : عبد السلاـ عبد الشافي محمد،دار الكتب العممية، لبناف،(ط/1 1413ىػػ- 1993ـ)، 1/52.كانظر،ابف أبي العز الحنفي(ت:731ق)، شرح العقيدة الطحاوية ، تحقيؽ : أحمد محمد شاكر، ككالة الطباعة كالترجمة، (ط4 /1391ىػ)، 202، كأبا السعكد(ت:1574ـ)، محمد بف محمد العمادم، إرشاد العقل السميم إلى مزايا الكتاب الكريم ، دار إحياء التراث العربي، بيركت،3/398. 3 ابف أبي حاتـ(ت:327ق)، الإماـ الحافظ أبك محمد عبد الرحمف الرازم، تفسير ابن أبى حاتم،تحقيؽ : أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية، صيدا، 5/ 1689، كانظر، السيكطي،الدر المنثور، دار الفكر، بيركت، (1993 ـ)، 7/103. 4 شاكر(ت:1418ق)، محمود محمد شاكر، ذكر ذلؾ في تقديمو لكتاب ( الظاىرة القرآنية ) لمالؾ بف نبي، دار الفكر، دمشؽ، 1406ىػ، 1986ـ، 28.بتصرؼ .

عدد الصفحات ٣٤

26 ثالثا: إفَّ كجو التحدم يجب أفى يصؿ إلى حد لا لبس فيو، كأف لا يختمؼ عميو اثناف كأف يظير جميا التفاكت فيو بيف ما عند الله تعالى كبيف ما عند البشر، فيمكف أف يقاؿ: إف ما جاء في الكتب السابقة، عمى الرغـ مف الفارؽ بينيا كبيف ما جاء بو القرآف مف إخبار غاية في الدقة كجمالان في الأسمكب، يمكف إف يقاؿ أنيا معارضات لمقر آف الكريـ، ككذلؾ ما يجيء بو الكياف كأمثاليـ . كليذا فقد منع بعض العمماء مف أف تككف الأخبار الغيبية في القرآف كجيا مف كجكه الإعجاز، كما مر في المبحث السابؽ عند الكلاـ عف الالكسي، كفي ىذا يقكؿ الأستاذ محمكد شاكر: " إف ما في القرآف مف مكنكف الغيب كمف دقائؽ التشريع كمف عجائب آيات الله في خمقو، كؿ ذلؾ بمعزؿ عف ىذا التحدم المفضي إلى الإعجاز، كإف كاف ما فيو مف ذلؾ كمو يعد دليلا عمى أنو مف عند الله تعالى، كلكنو لا يدؿ عمى أف نظمو كبيانو مبايف لنظـ كلاـ البشر كبيانيـ، كأنو بيذه المباينة كلاـ رب العالميف لا كلاـ بشر مثميـ "1 رابعا : إفَّ الأخبار المستقبمية لا يمكف أف تككف كجيا كقع بو التحدم، فيي في عيف الميتحىدل ليست سكل أخبار تحتمؿ الصدؽ كالكذب، كلا يمكف أف تعتبر إعجازا إلا بعد كقكعيا كىذا ما لفت لو الشريؼ المرتضى 2. ، فكيؼ يتحدل الله تعالى الناس بشيء لـ يقفكا عمى برىانو، بؿ إفٌ مشركي مكة اعتبركا ما جاء بو القرآف مف إخبارو عف نصر الركـ ثغرة كفرجة ليـ ليتمكنكا مف الديف كيثبتكا( كذب النبي ) -حاشاه-عميو أفضؿ الصلاة كالسلاـ، كما جرل بينيـ كبيف أبي بكر مف تحدو يكـ أنزلت سكرة الركـ . 3 كيتبيف مما سبؽ أفٌ الأخبار الغيبية كجو معجز لكنو لـ يقع بو التحدم، كلا يفيـ مف ذلؾ أف البشر يمكف ليـ أف يأتكا بمثؿ أخباره، فيي بلا شؾ دليؿ عمى صدؽ نبكة محمد عميو السلاـ، كدليؿ عمى أفَّ القرآف مف لدف عميـ حكيـ، كلا يمكف أف يأتي مخمكؽ كيجئ بمثؿ ما جاء بو القرآف الكريـ، كلكنيا لـ يتـ التحدم بيا . 1 المرجع السابؽ، 31. 2 انظر في ىذا البحث ص19. 3 انظر،الترمذم (ت:279ق)، أبا عيسى محمد بف عيسى الترمذم السممي . الجامع الصحيح سنن الترمذي، تحقيؽ: أحمد محمد شاكر كآخرمف. بيركت: دار إحياء التراث العربي . (بلا تاريخ )، بىاب كىمًفٍ سيكرىةً الرُّكـً حديث، رقـ (3193)،5 /343، كقاؿ حسف غريب .كابف حنبؿ (ت:209ق)، أحمد بف حنبؿ أبا عبدالله الشيباني ، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر ، حديث رقـ 2770،1/304. كقاؿ عنو الالباني صحيح، انظر الالباني، صحيح السيرة النبكية، المكتبة الاسلامية، عماف، ط1 ، 1\232.

عدد الصفحات ٣٥

27 الفصل الثاني الإعجاز الغيبي بالإخبار عن المستقبل دراسة تحميمية نقدية لأىم أمثمتو المبحث الأول التنبّؤ بانتصار الروم عمى الفرس المبحث الثاني عصمة النبي صمى الله عميو وسمم من القتل المبحث الثالث الإخبار بموت أبي ليب كافراً المبحث الرابع بشرى دخول الحرم المبحث الخامس إخبار الله تعالى بيزيمة المشركين في بدر المبحث السادس إخبار الله تعالى بدخان وعذاب يغشى كفار مكة المبحث السابع وعد الله تعالى بالتمكين لممؤمنين المبحث الثامن القرآن يكذّب وعود المنافقين لمييود ويصف طبيعة الييود المبحث التاسع الإعجاز الغيبي في وصف طبيعة الييود من حرص عمى حياة المبحث العاشر

عدد الصفحات ٣٦

28 الإخبار بأن النبي صمى الله عميو وسمم لن يكبر لو ولد وأنو خاتم النبيين المبحث الحادي عشر إعجاز القرآن في الإخبار عن الغيب تحدييم أن يأتوا بمثمو المبحث الثاني عشر استعمال حرف السين للإخبار عن المستقبل المبحث الثالث عشر الإخبار بحل مكة لمنبي صمى الله عميو وسمم المبحث الرابع عشر أمثمة الإعجاز العممي

عدد الصفحات ٣٧

29 يتبيف مف آراء العمماء السابقة، أنيـ يقسمكف الأخبار الغيبية الكاردة في القرآف الكريـ إلى قسميف، كىما الأخبار الماضية كالأخبار المستقبمة، كإف كاف بعض المعاصريف يفرد قسمان آخر تحت مسمى غيب الحاضر، كىـ يعنكف بذلؾ ما تحقؽ كقكعو في حياة النبي صمى الله عميو كسمـ، كلكف يظير أف (غيب الحاضر) ىك جزء مف غيب المستقبؿ، إذ إف ما كقع في حياة النبي صمى الله عميو كسمـ، لا فرؽ بينو كبيف ما كقع بعد كفاتو صمى الله عميو كسمـ . كالمقصكد بالأخبار المستقبمة، ىي الأخبار التي تحدث عنيا القرآف الكريـ قبؿ كقكعيا بأنيا ستحصؿ، ثـ تحقؽ الإعجاز بكقكعيا، عمى الكجو الذم أخبر بو القرآف الكريـ .1 كفي ىذا الفصؿ سيتـ عرض أبرز الأمثمة التي قاؿ بيا العمماء كالمفسركف، كسيتـ مناقشتيا كالترجيح بيف الأقكاؿ إف كاف ىناؾ خلاؼ، ثـ بياف كجو الإعجاز الغيبي في كؿ آية . 1 انظر، الباقلاني،إعجاز القرآن ،1/33.عياض، الشفا،1\203.

عدد الصفحات ٣٨

30 المبحث الأول التنبّؤ بانتصار الروم عمى الفرس قاؿ تعالى: (الم (1) ُمِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَىُمْ مِنْ بَعْدِ َمَبِيِمْ سَيَغْمِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِمَّوِ الأَْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ المَّوِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَىُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ المَّوِ لاَ يُخْمِفُ المَّوُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ (6) يَعْمَمُونَ ظَاىِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَىُمْ عَنِ الآْخِرَةِ ىُمْ َافِمُون (7))}الروم:1-7{ المطمب الأول: حول السورة ىي السكرة الرابعة كالثمانكف في تعداد نزكؿ السكر، نزلت بعد سكرة الانشقاؽ كقبؿ سكرة العنكبكت1، كىي السكرة الثلاثكف في تعداد ترتيبيا في المصح ؼ الشريؼ ، كتأتي بعد سكرة العنكبكت كقبؿ لقماف. كىي مكية كميا مف غير خلاؼ كآياتيا ستكف آية، حكاه ابف عطية كالقرطبي، كلـ يذكرىا صاحب ( الإتقاف ) في السكر المختمؼ في مكيتيا كلا في بعض آية 2، كسميت بسكرة الركـ لأنيا ابتدأت بذكر الركـ، كىي السكرة الكحيدة التي ذكر فييا اسـ الركـ . سبب نزول السورة والجو الذي نزلت فيو : نزلت ىذه السكرة حيف ىزـ الفرسي الركـى في بلاد الشاـ، فأصاب المسمميف حزف لأف الركـ أىؿ كتاب كالفرس عباد كثف لحديث ابف عباس التالي "عف ابف عباس ، رضي الله عنيما، في قكلو تعالى :{ الـ. غيمًبىتً الرُّكـي . فًي أىدٍنىى الأرٍضً } قاؿ: غيمبت كغىمىبت. قاؿ: كاف المشرككف يحبكف أف تظير فارس عمى الركـ 3؛ لأنيـ أصحاب أكثاف، 1انظر، ابف عاشكر(ت:1373ق)،الشيخ محمد الطاىر، التحرير والتنوير ( الطبعة التونسية)، دار سحنكف لمنشر كالتكزيع، تكنس،( 1997 ـ)،21/39-40. 2 انظر، القرطبي 5/14، ابف عطية، المحرر الكجيز، 4\327. كابف عاشكر،التحرير والتنوير 21/39. 3 "كأما الركـ فيـ مف سلالة العيص بف إسحاؽ بف إبراىيـ، كىـ أبناء عـ بني إسرائيؿ، كيقاؿ ليـ : بنك الأصفر. ككانكا عمى ديف اليكناف، كاليكناف مف سلالة يافث بف نكح، أبناء عـ الترؾ . ككانكا يعبدكف الككاكب السيارة السبعة، كيقاؿ ليا : المتحيرة، كيصمكف إلى القطب الشمالي، كىـ الذيف أسسكا دمشؽ، كبنكا معبدىا، كفيو محاريب إلى جية الشماؿ، فكاف الركـ عمى دينيـ إلى مبعث المسيح بنحك مف ثلاثمائة سنة، ككاف مف ممؾ الشاـ مع الجزيرة منيـ يقاؿ لو : قيصر. فكاف أكؿ مف دخؿ في ديف النصارل مف الممكؾ قسطنطيف بف قسطس " ابف كثير(ت:774ق)، إسماعيؿ بف عمر الدمشقي أبك الفداء، تفسير القرآن العظيم، ، دار الفكر بيركت،( 1401ق)، 3\425 .ابف كثير، أبك الفداء إسماعيؿ بف عمر بف كثير،البداية والنياية، مكتبة المعارؼ، بيركت، 1\194.

عدد الصفحات ٣٩

31 ككاف المسممكف يحبكف أف تظير الركـ عمى فارس ، لأنيـ أىؿ كتاب، فذيكر ذلؾ لأبي بكر، فذكره أبك بكر لرسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ، فقاؿ رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ : أما إنيـ سيغمبكف فذكره أبك بكر ليـ، فقالكا : اجعؿ بيننا كبينؾ أجلا فإف ظيرنا كاف لنا كذا ككذا، كإف ظيرتـ كاف لكـ كذا ككذا. فجعؿ أجلا خمس سنيف، فمـ يظيركا، فذكر ذلؾ أبك بكر لمنبي صمى الله عميو كسمـ فقاؿ:"ألا جعمتيا إلى ديكف" أراه قاؿ : "العشر". "قاؿ سعيد بف جبير: البضع ما دكف العشر. ثـ ظيرت الركـ بعد، قاؿ : فذلؾ قكلو: ( الـ . غيمًبىتً الرُّكـي )"1 دراسة تحميمية نقدية لما تضمنتو مقدمة سورة الروم من إعجاز يبي يظير مف النظرة الأكلى في الآيات الكريمة، أف الإعجاز الغيبي فييا قد اقتصر عمى نصر الركـ عمى الفرس في المدة التي ذكرىا الله عز كجؿ في السكرة، كلكف بعد البحث كالإبحار في معاني الآيات كالأحداث التي أعقبت نزكليا، تبيف أنيا اشتممت عمى ثلاثة كعكد أخبر بيا القرآف الكريـ قبؿ كقكعيا، ثـ صدقت الكعكد بالتفصيؿ العجيب الذم ذكر في مقدمة السكرة، كتندرج ىذه الأحداث تحت مفيكـ الإعجاز الغيبي بالإخبار عف المستقبؿ، كىذه الإخبارات الثلاث ة ىي: 1 -الإخبار بيزيمة الركـ لمفرس في بضع سنيف . 2 -الإخبار بأف يكـ ىزيمة الفرس سيككف يكـ فرح لممسمميف، كىذا اليكـ كافؽ اليكـ الذم انتصر فيو المسممكف في بدر كما سيأتي تحقيقو. 3 -الإخبار بالمكاف الذم سييزمكف فيو ( أدنى الأرض ) . 1 الترمذم، الجامع الصحيح سنن الترمذي. حديث رقـ (3192)،5 /343، كقاؿ حسف غريب، ك ابف حنبؿ، ،مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث رقـ 2770،1/304.كقاؿ عنو الالباني صحيح، انظر الالباني، صحيح السيرة النبكية، المكتبة الاسلامية، عماف، ط1 ،1\232 .

عدد الصفحات ٤٠

32 المطمب الثاني: الإخبار بيزيمة الروم عمى الفرس في بضع سنين قاؿ تعالى :(الم (1) ُمِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَىُمْ مِنْ بَعْدِ َمَبِيِمْ سَيَغْمِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ) }الروم:1-7{ كجو الإعجاز في الآيات: إف الإعجاز في ىذه الآيات يكمف في إخبار الله عز كجؿ بأمر سيحصؿ بعد سنيف، كىك ىزيمة الركـ لمفرس، كقد كقع ىذا الخبر كما أخبر الله عز كجؿ في المدة التي قررىا، كىي بضع سنيف كالبضع في المغة العدد ما بيف الثلاث إلى العشر1. كتحديد الفترة أبمغ في الإعجاز كإقامة الحجة عمى المعانديف، كقد سبؽ ما جاء بيف أبي بكر رضي الله عنو كأنبىي بف خمؼ، ككيؼ أف النبي عميو السلاـ كجو أبا بكر في مسألة البضع، ثـ إفّْ الله عز كجؿ لـ يحدد في الآيات مكعد ىزيمة الفرس باليكـ كالشير كالسنة، كفي ذلؾ إعطاء فسحة لممعاند لمتكذيب فإذا كقع الخبر بيت الذم الكفر، كما حدث لممشركيف . كقد كقعت ىزيمة الفرس في يكـ بدر كما ثبت في الأحاديث كالتاريخ كما سيأتي تكثيقو، كالمدة بيف ىزيمة الفرس كنصرىـ ىي تسع سنيف، كتحقيؽ ذلؾ يككف عند العمـ أف الفرس ىزمكا الركـ كدمركا مدنيـ كاحتمكا القدس في العاـ السادس لمبعثة المكافؽ سنة 614ـ، كىك الكقت الذم أنزلت فيو ىذه الآيات، ككانت ىزيمة الفرس في يكـ بدر في العاـ الثاني لميجرة المكافؽ لسنة 623ـ، كسيأتي تكثيقو في المطمب الثاني، أم أفَّ المدة بيف الحدثيف ىي 9 سنكات، كما أخبر القرآف الكريـ . كجاء تفصيؿ ذلؾ في أطمس تاريخ الإسلاـ كفيو ما نصو :"كعندما تكلى ىرقؿ عرش الركـ سنة 610 ـ(كىي سنة البعثة المحمدية)، كاف الفرس قد اجتاحكا بلاد الشاـ كمصر كىزمكا 1 انظر، الزمخشرم (ت:534ق)، أبك القاسـ محمكد بف عمر الخكارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار إحياء التراث العربي، بيركت، تحقيؽ : عبد الرزاؽ الميدم، 3/473، كابف فارس، معجـ مقاييس المغة،1/257 .كابف منظكر، لسان العرب 8/15 .

عدد الصفحات ٤١

33 البيزنطييف سنة 613 ـ عند أنطاكية 1، كاستكلكا عمى فمسطيف كالقدس سنة 614 ـ ، كغزكا مصر كدخمكا الإسكندرية سنة 618 ـ أك 619 ـ ، كبعد أف أقاـ ىرقؿ دكلتو بدأ قتاؿ الفرس سنة 622 ـ ، كفي سنة 627 ـ أنزؿ بيـ ىزيمة قاصمة قرب نينكل ، كاسترد منيـ أراضي الدكلة البيزنطية في أرمينيا كالشاـ كفمسطيف كمصر ، كفي سنة 630 ـ استعاد بيت المقدس"2 . كىذا ما ذىب إليوعبد الكريـ الخطيب "كالثابت في ىذا التاريخ، أنو في سنة 614 مف الميلاد كانت تدكر معركة بيف الفرس كالركـ، كقد بدأت طلائع اليزيمة تنزؿ بالركـ، فاستكلى الفرس عمى أنطاكية، كىى مف كبريات المدف الشرقية لمدكلة الركمانية، ثـ استكلكا بعد ذلؾ عمى دمشؽ، ثـ عمى بيت المقدس ذاتيا، كأشعمكا فييا النيراف، كأحرقكا كنيسة القيامة ... في عاـ 624 مف الميلاد... لـ يكد المسممكف يفرغكف مف المشركيف في معركة بدر، كيأخذكف طريقيـ إلى المدينة، كفي قمكبيـ فرحة النصر، كفي أيدييـ ما كقع ليـ مف مغانـ ػ حتى يمقاىـ عمى طريؽ المدينة مف يخبرىـ بما انتيى إليو أمر القتاؿ الذم كاف دائرا بيف الفرس كالركـ، كأف الركـ قد ىزمكا الفرس، كأخرجكىـ مف بيت المقدس "3 . كاعتبر المفسركف ىذا الكعد مف الإعجاز الغيبي، قاؿ أبك السعكد : "كىذه الآيات مف البينات الباىرة ، الشاىدة بصحة النبكة ، كككف القرآف مف عند الله عز كجؿ حيث أخبر عف الغيب الذم لا يعممو إلا الله العميـ الخبير، ككقع كما أخبر "4 كقاؿ البيضاكم : كالآية مف دلائؿ النبكة لأنيا إخبار عف الغيب. ."5 كيضيؼ الشعركام معمقا عمى ىذا الحدث" فأركني أمٌ قكة ( كمبيكتر ) في الدنيا تينبئنا بنتيجة معركة ستحدث بعد ثلاث إلى تسع سنيف، فمحمد صمى الله عميو كسمـ، كىك النبي الأمي المقيـ في جزيرة العرب كلا يعرؼ شيئان عف قكة الركـ أك قكة الفرس - يخبرنا بيذه النتيجة؛ 1 أنطاكية مف أرض دمشؽ مما يمي طريؽ البريٌة ، بناىا سارغكرس النكصيدم، ككانت مف أىـ المدف الركمية، كفتحيا ابك عبيدة بف الجراح في زمف عمر بف الخطاب رضي الله عنيما، انظر، الكاقدم، أبا عبد الله بف عمر ، فتوح الشام ، دار الجيؿ، بيركت ،1\1\310 .البلاذرم، أحمد بف يحيى بف جابر، فتوح البمدان ، تحقيؽ : رضكاف محمد رضكاف، دار الكتب العممية، بيركت، 1403،1\137 . 2 مؤنس(1329ق)، د. حسيف، أطمس تاريخ الإسلام،الزىراء للاعلاـ العربي، القاىرة، (ط\1 1407/1987)،48 . 3 الخطيب، عبد الكريـ، التفسير القرآني لمقرآن ، دار الفكر العربي، القاىرة ، 11/481.بتصرؼ . 4 أبك السعكد، تفسير أبي السعود،7\49 . 5 البيضاكم (ت: 685ىػ)،عبد الله بف عمر، تفسير البيضاوي المسمى(أنوار التنزيل وأسرار التأويل )، دار الفكر، بيركت، 4\327 .

عدد الصفحات ٤٢

34 لأف الذم يعمـ الأشياء عمى كىفٍؽ ما تككف ىك الذم أخبره، كككف محمد صمى الله عميو كسمـ يعمنيا كيتحدَّل بيا في قرآف ييتٍمىى إلى يكـ القيامة دليؿ عمى تصديقو بمنطؽ الله لو، كأنو كاثؽ مف حدكث ما أخبر بو ."1 كمما يزيد في بلاغة الإعجاز في ىذه الآيات، ىك ما كاف مف حاؿ الركـ بعد ىزيمتيـ مف ضعؼ كانكسار كتشريد، كما كاف عميو الفرس مف قكة كسطكة كىيبة، ثـ يأتي القرآف كيبشر بيزيمة الفرس كفي مدة كجيزة محدكدة ! جاء في كتاب المؤرخ البريطاني ( جيبكف ) تعميقا عمى نبكءة القرآف ما يمي :"في ذلؾ الكقت حيف تنبأ القرآف بيذا لـ تكف أية نبكءة أبعدى منيا كقكعا، لأف السنيف الاثنتي عشرة الأكلى مف حككمة ىًرىقؿ كانت تؤذًف بانتياء الإمبراطكرية الركمانية"2، كىذا ما كانت عميو نفكس أىؿ مكة مف المشركيف مف استبعاد شديد ساخر حيف سمعكا القرآف الكريـ يتكعد بنصر لمركـ في بضع سنيف . كذكر ابف عاشكر فائدة قيمة أخرل حيث يقكؿ "كفائدة ذكر مف بعد غمبيـ التنبيو عمى عظـ تمؾ اليزيمة عمييـ، كأنيا بحيث لا ييظف نصر ليـ بعدىىا، فابتيج بذلؾ المشرككف، فالكعد بأنيـ سيغمبكف بعد ذلؾ الانيزاـ في أمد غير طكيؿ تحد تحدَّل بو القرآف المشركيف، كدليؿ عمى أف الله قدر ليـ الغمب عمى الفرس تقديران خارقان لمعادة معجزة لنبيو ( صمى الله عميو كسمـ ) ككرامة لممسمميف ."3 كلا يخفى كـ كاف ضعؼ الركـ في تمؾ الحقبة ، كقكة كجبركت الفرس، حينما دمركا ممالكيـ كقصكرىـ كسبك ا ذرارييـ، كىذا مف الغيب المطمؽ 4 الذم لا يمكف أف يطمع عميو مخمكؽ، أك حتى يتكيف بكقكعو كاىف، كلا يكجد دافع لقكؿ ذلؾ لبعد ق عف الأمكر المحسكسة كالكقائع التي كانت كميا تشير لاستحالة ىزيمة الفرس . 1 الشعراكم (ت: 1418ىػ)، محمد متكلي تفسير الشعراكم، تفسير الشعراوي الخواطر، مطابع أخبار اليكـ،11306 2 إدكار جيبكف(ت: 1794 ـ)، تدىور الامبراطورية الرومانية وسقوطيا (The Decline and Fall of the Roman Empire)،WDR، 2007،5/74 . 3 ابف عاشكر، الشيخ محمد الطاىر،التحرير والتنوير، 21/44. 4 "أمٌا الغيب المطمؽ فيك الذم ليس لو مقدمات تيكصّْؿ إليو، فيك غيب عف كؿ الناس" الشعراكم، تفسير الشعراوي الخواطر،113.

عدد الصفحات ٤٣

35 كمما يعزز كقكع ىذا الإعجاز، إف عممنا كـ كاف لمنبي صمى الله عميو كسمـ أعداء مف المنافقيف أك المشركيف في مكة كالعرب أك الييكد كغيرىـ، كلـ يؤثر أفَّ أحدان منيـ اعترض عمى ىذه الآية، فمك لـ يقع خبر ىزيمة الفرس في تمؾ المدة ، لكانت دعكة الإسلاـ دفنت في ميدىا، معاذ الله تعالى. المطمب الثالث: الإخبار بأن يوم ىزيمة الفرس سيكون يوم فرح لممؤمنين قاؿ تعالى: (الم (1) ُمِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَىُمْ مِنْ بَعْدِ َمَبِيِمْ سَيَغْمِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِمَّوِ الأَْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ المَّوِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَىُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) )}الروم:1-5{ أخبر تعالى أفَّ اليكـ الذم سيىغمًبي فيو الركـ، سيككف يكما يفرح فيو المسممكف، فيؿ يقتصر ذلؾ الفرح عمى حاؿ المؤمنيف حيف عممكا بيزيمة الفرس لأنيـ أىؿ كثف يتشارككف مع ألدى أعدائيـ مف أىؿ مكة في كثنيتيـ، كىؿ فرحيـ لانتصار الركـ ككنيـ أىؿ كتاب كالمسمـ كف أىؿ كتاب كذلؾ؟ في الحقيقة إفَّ ىذا الأخبار بالفرح فيو إعجاز غيبي مركب، كقبؿ الاطىلاع عميو، يجب النظر في آراء المفسريف كالعمماء حكؿ ىذا الفرح ، كاختمفكا فيو عمى أقكاؿ: 1- قيؿ يفرحكف بنصر أىؿ الكتاب (الركـ) عمى مف ليسكا بأىؿ كتاب (الفرس )1 2- كقيؿ ىك إظيار صدؽ المؤمنيف فيما أخبركا بو المشركيف مف غمبة الركـ، كتحقؽ كعد ا تعالى2 3- كقيؿ إفَّ سركرىـ كاف بسبب نصر المسمميف في معركة بدر، حيث تكافؽ نصر المسمميف مع غمبة الركـ في نفس اليكـ.3 1 انظر،السمعاني(ت489ىػ)، أبا المظفر منصكر بف محمد بف عبد الجبار، تفسير القرآن ، تحقيؽ :ياسر بف إبراىيـ كغنيـ بف عباس بف غنيـ، دار الكطف، الرياض ،( ط1\1418ىػ- 1997ـ)،4/197 . 2 انظر، السمعاني، تفسير القرآن ، 4/197، كالزمخشرم، ا لكشاؼ،3/473، كالقرطبي، الجامع لأحكاـ القرآف، 14/5 . 3 انظر، البغكم (ت:516ق)، أبا محمد الحسيف بف مسعكد بف محمد الفراء، معالم التنزيل، تحقيؽ : خالد عبد الرحمف العؾ، دار المعرفة، بيركت، 3 /477، كالرازم، التفسير الكبير، 25/85،كالخالدم، صلاح عبد الفتاح، وعود القرآن بالتمكين للاسلام، دار القمـ، دمشؽ،2007،132.

عدد الصفحات ٤٤

36 يتبيف بعد النظر في الآراء السابقة، أف لا مانع مف أف يككف سبب فرحة المؤمنيف الآراء السابقة بمجمكعيا، فلا تعارض بيف الآراء كالأحداث، ففرحيـ بسبب غمبة الركـ كىـ أىؿ كتاب كدينيـ أقرب إلى الصكاب مف الفرس الذيف دينيـ كثني ك أقرب إلى ديانة ألدُّ خصكميـ مف مشركي مكة، كقد مر ما حصؿ لممشركيف مف سركر حيف انتصر الفرس، ثـ إفَّ ىزيمة الفرس فييا إيذاف بيزيمة قريش كما أشار إلى ىذا الماكردم 1، فكما ىىزـ أىؿ الكتاب مف النصارل الكثف سيىيزـ أىؿ الكتاب مف المسمميف أىؿ الأكثاف . كفرحيـ بسبب تحقؽ كعد الله تعالى، فيو مف التسرية كالتثبيت لأىؿ الإيماف ما فيو، كأف فرحيـ إنما كاف لإنجاز كعد الله تعالى ، إذ كاف فيو دليؿ عمى النبكة لأنو أخبر تبارؾ كتعالى بما يككف في بضع سنيف فكاف فيو، كقد صح أنو أسمـ عند ذلؾ ناس كثير.2 كلكف حيف النظر في الرأم الثالث القائؿ ب أف سبب سركرىـ ىك انتصار المسمميف في معركة بدر، ككافؽ ذلؾ اليكـ الذم غىمبت فيو الركـ، كمدل مكافقتو تاريخيا، كما حكتو الآيات مف لطائؼ كلفتات حكؿ ذلؾ النصر يتبيف لنا الإعجاز الغيبي بأبيى كأجمى صكره، فتاريخيا ثبت أفَّ اليكـ الذم غمبت فيو الركـ صادؼ ذلؾ يكـ بدر، كقد تكالت الأدلة عمى ذلؾ كمنيا: ما كرد في الحديث الذم ركاه الترمذم مف حديث الأعمش عف عطية عف أبي سعيد قاؿ:" كاف يكـ بدر، ظيرت الركـ عمى فارس، فأعجب ذلؾ المؤمنيف كفرحكا بو، كأنزؿ الله : { كىيىكٍمىئًذو يىفٍرىحي الٍميؤٍمًنيكفى بًنىصٍرً المَّوً يىنٍصيري مىفٍ يىشىاءي كىىيكى الٍعىزًيزي الرَّحًيـي } ". 3 كأخرج ابف جرير كالبييقي في الدلائؿ مف طريؽ عطية العكفي عف ابف عباس في قكلو { الـ غمبت الركـ } قاؿ:" قد مضى . كاف ذلؾ في أىؿ فارس كالركـ، ككانت فارس قد غمبتيـ، ثـ 1 انظر، الماكردم، (ت:450ق) أبا الحسف عمي بف محمد بف حبيب البصرم، النكت والعيون، تحقيؽ : السيد بف عبد المقصكد بف عبد الرحيـ،دار الكتب العممية، بيركت / لبناف، 4/ 299. 2انظر، النحاس(ت:338ىػ)، أبا جعفر احمد بف محمد بف إسماعيؿ، معاني القرآن الكريم ، تحقيؽ : محمد عمي الصابكني، جامعة أـ القرل - مكة المكرمة، (ط1\1409ق)، ( 5/245.) 3 أخرجو الترمذم، سنن الترمذي، باب كمف سكرة الركـ، كقاؿ حديث حسف غريب، وقال الشيخ الألباني : صحيح حديث رقـ 3192،5 /343، كالطبرم (ت:310)، محمد بف جرير بف يزيد بف خالد أبك جعفر، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، بيركت ،( 1405ق) 21 /20-21، كالكاحدم(ت:468ق)، أبك الحسف عمي بف أحمد بف محمد بف عمي بف متكية ، أسباب النزول، تحقيؽ: كماؿ بسيكني زغمكؿ، دار الكتب العممية، (ط1 \1411 – 1991) ،1/232.

عدد الصفحات ٤٥

37 غمبت الركـ بعد ذلؾ، كالتقى رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ مع مشركي العرب، كالتقى الركـ مع فارس، فنصر الله النبي صمى الله عميو كسمـ كمف معو مف المسمميف عمى مشركي العرب، كنصر أىؿ الكتاب عمى العجـ . قاؿ عطية : كسألت أبا سعيد الخدرم عف ذلؾ فقاؿ : التقينا مع رسكؿ الله صمى الله عميو كسمـ كمشركي العرب، كالتقت الركـ كفارس، فنصرنا عمى مشركي العرب، كنصر أىؿ الكتاب عمى المجكس، ففرحنا بنصر الله إيانا عمى المشركيف، كفرحنا بنصر أىؿ الكتاب عمى المجكس، فذلؾ قكلو { كيكمئذ يفرح المؤمنكف بنصر ا } "1 . كجاءت ىذه الفرحة مكقكتة بالكقت الذم نطقت بو الآيات في قكلو تعالى : ( كىيىكٍمىئًذو يىفٍرىحي الٍميؤٍمًنيكفى بًنىصٍرً المَّوً ) أم أف يكـ غمبة الركـ لمفرس، سيككف في ىذا اليكـ الذم ينتصر فيو المسممكف عمى المشركيف، كتمتمئ قمكبيـ فرحة بيذا النصر العظيـ .. فالنصر الذم يفرح بو المؤمنكف حقٌا، ىك نصرىـ عمى المشركيف مف أىؿ مكة، الذيف سخركا منيـ، كصبٌكا عمييـ ألكاف البلاء، كأخرجكىـ مف ديارىـ .. كىذا ىك نصر المٌو الذم كعدىـ بو، ككقٌت لو غمبة الركـ لمفرس! كىذا ىك السرٌ 2 ػ كىذه بعض الحقائؽ التي حكتيا الآيات لـ يكف المراد مف عرضيا إثبات أفَّ نصر المسمميف في بدر كاف في يكـ غمبة الركـ، كلكف ليتبيف مدل ما حكتو ىذه الآيات القصار مف لمحات تتعمؽ بالإعجاز الغيبي، كذلؾ في قكلو تعالى (بنصر الله) كلـ يأت بمفظ يفيد الغمبة، كما أخبر تعالى في مقدمة السكرة ، كذلؾ لأف النصر لا يككف إلا لممؤمنيف كالغمبة لفظ مشترؾ ليـ كلغيرىـ . يقكؿ الدكتكر الخالدم ما نصو: " لا تسمى غمبة الركـ عمى الفرس نصران مف الله، لأف نصر الله كرامة كتشريؼ منو، كلا يككف ىذا النصر إلا لعباد الله المؤمنيف الصالحيف، كالركـ ليسكا عبادان مؤمنيف صالحيف! صحيح أنيـ نصارل أىؿ كتاب، كأنيـ أقرب لممسمميف مف الفرس عبدة النار، لكنيـ ليسكا مؤمنيف، كلذلؾ أخبرت الآيات عف كسبيـ المعركة بمفظ الغمبة : (كىىيـ مّْف بىعٍدً غىمىبًيًـٍ سىيىغٍمًبيكفى، فًي بًضٍعً سًنًيفى ). كفرؽ بيف الغمبة كالنصر، لأف لمنصر ظلاؿ التكريـ كالتشريؼ 1 البييقي،(ت:458ق) أبك بكر أحمد بف حسيف، دلائل النبوة، تحقيؽ: عبد المعطي قمعجي، دار الكتب العممية، دار الرياف لمتراث، ( 1408 – 1988)، باب ما جاء في آية الركـ كما ظير فييا مف الآيات في أدنى الأرض ، 332،2\332. 2انظر،الخطيب، التفسير القرآني لمقران ،11/481.

عدد الصفحات ٤٦

38 مف الله، كىذا خاص بالمؤمنيف الصالحيف كىك يتفؽ مع قكلو تعالى في غزكة بدر: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ المّوُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ المّوَ لَعَمَّكُمْ تَشْكُرُونَ )[ آؿ عمراف : 123!.]"1 كما أفَّ الآيات تحدثت عف نصر عظيـ مييب، تطير قمكب المؤمنيف فرحا بو، كمجيء الكعد في بداية السكرة يدؿ عمى أنو كاف فرحا لنصر أعظـ مف مجرد فرح المؤمنيف بغمبة الركـ عمى فارس، ككلاىما كافر كمعادو للإسلاـ كأىمو. حتى إفَّ بعض المفسريف استبعد أف يككف فرحيـ لغمبة الركـ، كإنما لما حدث مف اقتتاؿ لقكل الباطؿ، جاء في تفسير ركح البياف " يفرح المؤمنكف بقتؿ الكفار بعضيـ بعضان لما فيو مف كسر شككتيـ، كتقميؿ عددىـ لا بظيكر الكفار كما يفرح بقتؿ الظالميف بعضيـ بعضان ."2 ثـ إفَّ الآية ختمت باسميف لله تعالى العزيز كالرحيـ، قاؿ تعالى(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4 ) بِنَصْرِ المَّوِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَىُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )، كالرحمة خاصة بالمؤمنيف ك " لأف كلا الفريقيف لا يستحؽ الرحمة الأخركية"3 كيمكف الجمع بيف كؿ الآراء في كممة جامعة، كىي أفَّ سركر المؤمنيف كاف بتحقؽ كعد الله تعالى بغمبة الركـ عمى فارس، كفرحيـ بنصر الله في بد ر، جاء في نظـ الدرر كلاـ بديع يقكؿ البقاعي عقب كلامو عف معجزة ىزيمة الفرس كتحققيا : "كلما أخبر بيذه المعجزة، تلاىا بمعجزة أخرل، كىك أف أىؿ الإسلاـ لا يككف ليـ ما ييميـ فيسركف بنصره فقاؿ : ( يكمئذ ) أم إذ تغمب الركـ عمى فارس ( يفرح المؤمنكف ) أم العريقكف في ىذا الكصؼ مف أتباع محمد صمى الله عميو كسمـ ( بنصر الله )، أم الذم لا رادٌ لأمره، لأىؿ الكتاب عامة، نصرىـ عمى المشركيف في غزكة بدر، كىك المقصكد بالذات، كنصر الركـ عمى فارس لتصديؽ مكعكد الله كنصر مف سيصير مف أىؿ الكتاب الخاتـ مف مشركي العرب عمى الفرس في كقعة ذم قار، فقد كقع الفرح بالنصر الذم ينبغي إضافتو إلى الله تعالى كىك نصر أىؿ الديف الصحيح أصلاِّ كحالان كمآلان، كسكؽ الكلاـ عمى ىذا الكجو الذم يحتمؿ الثلاثة مف بدائع الإعجاز" 4 1 الخالدم، صلاح عبد الفتاح،وعود القرآن بالتمكين للاسلام، دار القمـ، دمشؽ،2007،132. 2 الخمكتي،(ت:1137ق) إسماعيؿ حقي بف مصطفى الخمكتي الإستانبكلي الحنفي، تفسير روح البيان ، دار النشر، دار إحياء التراث العربى 7/3.كانظر الماكردم، النكت كالعيكف، 5/245. 3 الالكسي،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، 15/329. 4 البقاعي(ت:885ق)، برىاف الديف أبي الحسف إبراىيـ بف عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ، تحقيؽ : عبد الرزاؽ غالب الميدم ، دار الكتب العممية، بيركت، (1415ىػ- 1995ـ) ، 5/595-596.

عدد الصفحات ٤٧

39 المطمب الرابع : الإخبار بالمكان الذي سييزمون فيو ( أدنى الأرض) . قاؿ تعالى ( ُمِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَىُمْ مِنْ بَعْدِ َمَبِيِمْ سَيَغْمِبُونَ ) يظير بعد الرجكع إلى آراء المفسريف كالمؤرخيف قديما، أنيـ يختمفكف في تحديد المكقع الذم كقعت فيو المعركة عمى النحك الأتي : 1- فمنيـ مف قاؿ: إنيا كانت بيف أذرعات كبصرل 1 قالو عكرمة، كأكلكا ذلؾ أنيا أدنى الأرض بالقياس إلى مكة . 2 2- كمنيـ مف قاؿ: إنيا بالجزيرة 3، كأكلكا ذلؾ أنيا أدنى بالقياس إلى أرض كسرل .4 3- كمنيـ مف قاؿ: إنيا في الأردف كفمسطيف قالو ابف عباس كمجاىد كالسدم، كأكلكا ذلؾ أنيا أدنى بالقياس إلى أرض الركـ . 5 1 أذرعات، ىي طرؼ بلاد الشاـ مما يمي الحجاز ، كىي معركفة ألاف بمدينة درعا السكرية ، ككانت تسمى اذرعات نسبة لسكقيا الشيير، كما زاؿ أىؿ تمؾ المنطقة يسمكنيا ذرعات، كبصرل مدينة تابعة الآف لمحافظة درعا مف الجية الجنكبية انظر، ياقوت الحموي(ت:626ه)، ياقوت بن عبد الله أبا عبد الله الحموي،معجم البمدان،، دار الفكر، بيروت،1/130 . عمي، د. جواد ، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام دار الساقي، (ط4 \1422- ىـ2001م) ، 5/59. 2انظر، الطبرم، تفسير الطبرم، 20/74، كالكاحدم، عمي بف أحمد أبك الحسف، الكجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيؽ : صفكاف عدناف داككدم، دار القمـ، الدار الشامية، دمشؽ ، بيركت ،(ط1 \1415ق)،2/838 .ابف الأثير(ت:630ق)، أبا الحسف عمي بف أبي الكرـ محمد بف محمد بف عبد الكريـ الشيباني ، الكامل في التاريخ، تحقيؽ : عبد الله القاضي، دار الكتب العممية، بيركت،(ط2 \1415ىػ)، 1/371 .ابف كثير، ػتفسير القرآف العظيـ، 3/427 . 3 ىيالجزيرة الفراتية وتسمى اختصارا الجزيرة إقميـ يمتد عبر شماؿ شرؽ سكريا كشماؿ غرب العراؽ كجنكب شرؽ تركيا، كىي الجزء الشمالي مف كادم الرافديف ، انظر، السمعاني، تفسير السمعاني، 4/195، كالقاضي ابا يكسؼ، يعقكب بف ابراىيـ بف حبيب، كتاب الخراج ، تحقيؽ : محمد ابراىيـ البنا، دار الاصلاح، (1398 ىػ/1978ـ)، ص 201.ابف خمكاف، أبك العباس شمس الديف أحمد بف محمد بف أبي بكر وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيؽ : إحساف عباس، دار الثقافة، لبناف، 2\329. 4 انظر، الصنعاني(ت:211ق)، عبد الرزاؽ ابف ىماـ، تفسير القرآف، تحقيؽ : د. مصطفى مسمـ محمد، مكتبة الرشد،الرياض، ( ط1 \1410ق)، 3/101.،كالسمعاني، تفسير القرآف 4/195، كابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، 3/303. 5 انظر، السمرقندم (ت:373ق)، نصر بف محمد بف أحمد أبا الميث، تفسير السمرقندم المسمى بحر العمكـ، تحقيؽ : د.محمكد مطرجي، دار الفكر، بيركت، 3/3، الزمخشرم، الكشاؼ، 3/ 471، الشككاني، محمد بف عمي بف محمد، فتح القدير، دار الفكر، بيركت، 2/ 214 .أبا السعكد، إرشاد العقؿ السميـ إلى مزايا القرآف الكريـ، 7/49.

عدد الصفحات ٤٨

40 كجاءت التأكيلات الثلاثة بيذا التصكر، باعتبار أفَّ ( أدنى) معناىا اقرب كىي إحدل معاني الدنك في المغة، كفي قكلو تعالى "(أتستبدلكف الذم ىك أدنى) ... أم أقرب، كمعنى أقرب أقؿ قيمة كما يقاؿ ثكب مقارب "1، كجاء في مختار الصحاح"دانى بيف الأمريف قارب كبينيما دناكة أم قرابة أك قرب " 2 . كبعد التحقيؽ في ىذه المسألة تبيف أفَّ مكاف المعركة كاف في فمسطيف، كتحديدا في منطقة البحر الميت للأسباب آلاتية : 1-ما ثبت تاريخيا أفَّ الفرس كالركـ قد التقكا في أكثر مف معركة، كأفَّ المعركة الفاصمة بينيـ التي ىدمت أركاف الركـ، كدخؿ بعدىا الفرس بيت المقدس كانت في حكض البحر الميت، كىذا ثابت في كتب التاريخ كمصادر التفسير كىك الرأم الذم قاؿ بو ابف عباس الذم سبؽ تكثيقو، كحدد ابف عباس أيضان أفَّ المعركة كانت بيف الأردف كفمسطيف كىي المعركفة الآف بالأغكار التي يقع فييا البحر الميت. 2- كيدعـ ىذا الرأم ما تحتممو كممة أدنى مف معافو، حيث إفَّ أحد معانييا الأخفض كالأسفؿ 3، جاء في لساف العرب : لدكف تسعة معاف: تككف بمعنى قبؿ، كبمعنى أماـ، كبمعنى كراء، كبمعنى تحت، كبمعنى فكؽ، كبمعنى الساقط مف الناس، كغيرىـ كبمعنى الشريؼ، كبمعنى الأمر، كبمعنى الكعيد، كبمعنى الإغراء ...كىي بمعنى تحت كقكلؾ : دكف قدمؾ خد عدكؾ أم تحت قدمؾ4 كقاؿ أيضا " "كالأدنى: السَّفًؿى "5 كجاء في معجـ مقاييس المغة" الداؿ كالنكف أصؿه كاحد يدؿٌ عمى تطاميفو تطاميفو كانخفاض . فالأدىفُّ : الرجؿ المنحنًي الظَّير. يقاؿ منو قد دىنًنٍتى دىنىنان . كيقاؿ بيته أدفٌ ... كمف ذلؾ الدَّنٍدىنىة، كىك أفٍ تيسمىع مف الرَّجؿ نىغٍيىةه لا تيفٍيىـ، كذلؾ لأنٌو يخفًض صكتىو بما يقكلو كييخفيو . كمنو الحديث:(فأمَّا دىنٍدىنىتيؾى كدندنةي ميعاذو فلا نيحٍسًنيييمىا6)7. 1 ابف منظكر،لسان العرب، 13/166.بتصرؼ . 2 الرازم، مختار الصحاح، 1/89 .كانظر الزبيدم، محمد مرتضى الحسيني ، تاج العروس من جواىر القاموس، تحقيؽ: مجمكعة مف المحققيف، دار اليداية 1/230. 3 يستفاد مف ىذا المعنى ما عميو البحر الميت إذ ىك أخفض منطقة عمى الكرة الأرضية كما سيأتي . 4 انظر، ابف منظكر،لسان العرب، 13/165. بتصرؼ . 5 ابف منظكر،لسان العرب، 14/ 271. 6 الحديث أخرجو أبك داكد ، سميماف بف الأشعث أبك داكد السجستاني الأزدم ، سنن أبي داود ، تحقيؽ : محمد محيي الديف عبد الحميد، دار الفكر ، كتاب الصلاة، في باب في تخفيؼ الصلاة، حديث رقـ 793،1/211 .كقاؿ الالباني إسناده صحيح،انظر،الالباني،صحيح ابي داكد،3\377، كأخرجو احمد في مسنده حديث رقـ 15939،3/474. 7 ابف فارس، معجم مقاييس المغة، 2/261.

عدد الصفحات ٤٩