المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم دراسة تحليلية نقدية

عمر محمد راجح عمر أبو ليل

صفحة ٢ من ٩

9 المبحث الأول تعريف الإعجاز الغيبي في المغة والاصطلاح المطمب الأول : تعريف الإعجاز الغيبي في المغة الإعجاز الغيبي مككف مف مصطمحيف الإعجاز كالغيبي أولا : تعريف الإعجاز لغة الإعجاز مف العجز كيأتي بمعافو عدة ، يأتي بمعنى الضعؼ كالقصكر عف الشيء "(عجز) العيف كالجيـ كالزاء أصلاف صحيحاف يدؿ أحدىما عمى الضعؼ كالأخر عمى مؤخر الشيء ، فالأكؿ عجز عف الشيء يعجز عجزا فيك عاجز أم ضعيؼ ، كقكليـ إف العجز نقيض الحزـ فمف ىذا لأنو يضعؼ رأيو "1 . " العجز: الضعؼ، تقكؿ : عجزت عف كذا أعجز ... كالمىعٍجًزىةي بفتح الجيـ ككسرىا مفعمة مف العىجٍز عدـ القدرة ...‌كلا تيمًثُّكا بدارً مىعٍجًزىةو أىم لا تقيمكا بدارو ييعٍجًزيكيـٍ فييا الرّْزؽي كالكسبي ...كفحؿ عىجًيز : عاجز عف الضّْراب "2 كيأتي بمعنى مؤخر الشيء، يقكؿ ابف فارس "" قاؿ... كأما الأصؿ الآخر فالعىجٍز مؤخر الشيء، كالجمع أعجاز، حتى إنيـ يقكلكف عىجيز الأمر كأعجاز الأمكر، كيقكلكف لا تىدَّبيركا أعجازى أمكرو كلَّت صدكره ا... قاؿ: كالعىجًيزىة عجيزة المرأة خاصٌة إذا كانت ضىخٍمىة يقاؿ امرأةه عىجٍزاء ".3 كيؤكد ابف منظكر المعنىبقكلو:" كعىجٍزي الشيء ك عًجٍزيه : آخره ... كعىجيزي الرجؿ : ميؤخَّره ... ك العجكز ك العجكزة مف النساء : الشَّيٍخىة اليىرًمة "4 1 ابف فارس (ت 395 ىػ)، أبػك الحسػيف أحمد بف فارس بف زكريا ، معجم مقاييس المغة، تحقيؽ : عبد السلاـ محمد ىاركف، دار الجيؿ، بيركت، لبناف،(ط2 /1420ىػ- 1999ـ)، 4/232 . 2 ابف منظكر(ت:711ق)، محمد بف مكرـ، لسان العرب، دار صادر، بيركت، (ط1/1990ـ)، 5/369.بتصرؼ . 3 ابف فارس، معجم المقاييس في المغـة، 4/233. بتصرؼ . 4 ابف منظكر،لسان العرب، 5/370-372.بتصرؼ .

عدد الصفحات ١٨

10 كيتضح لماذا سميت المرأة الكبيرة في السف بالعجكز ، كذلؾ لعجزىػا كضعفيا عف الحمؿ كالإنجاب كعف كثير مف الأعماؿ التي كانت تقكـ بيا في شبابيا، قاؿ تعالى : (قَالَتْ يَا وَيْمَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ){ىكد:72. } كيككف بمعنى الفكت كالسبؽ، كذلؾ كقكلو تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ) {فاطر:44} ،" أم: ما كاف ليسبقو كيفكتو مف شيء مف الأشياء كائنان ما كاف فييما "1. كقد عده ابف منظكر مف معاني العجز، إذ يقكؿ " كمعنى الإعجاز الفىكت كالسَّبٍؽي، يقاؿ : أىعٍجىزىني فلاف أم فاتني، كمنو قكؿ الأعشى : فىذىاؾى كلـ ييعٍجًزٍ مف المكت رىبَّو كلكف أىتاه المكتي لا يىتىأبَّؽي 2"3 " كيقاؿ أىعجىزني فلافه إذا عىجًزت عف طمبو كإدراكو"4، كيقكؿالزمخشرم : "كطمبتو فأعجز كعاجز إذا سبؽ فمـ ييدٍرؾ "5 فبيذا يتبيف أف العجز إنما ىك عائد إلىأصؿ كاحد كىك الضعؼ كالقصكر عف الشيء، إذ إف مف تأخر عف شيء إنما كاف ذلؾ بسبب ضعفو كقصكره، ككذلؾ الحاؿ في الفكت كالسبؽ، فمف فاتو شيء فيك بسبب قصكره كضعفو عف المحكؽ . 1 الشككاني(ت 542 ىػ)، محمد بف عمي بف محمد، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من عمم التفسير، دار الفكر، بيركت 4/356 . 2 الأعشى(ت:629ىػ)، ميمكف بف قيس بف جندؿ، ديوان الأعشى الكبير، بلا طبعة اك دار نشر،1/217. 3 ابف منظكر،لسان العرب،5/370-375 . 4 ابف فارس، معجم مقاييس المغة، 4/232 . 5 الزمخشرم (ت:538)، أبك القاسـ محمكد بف عمر بف محمد بف عمر الخكارزمي، أساس البلا ة، دار الفكر، (1399ىػ 1979ـ)، 1/409.

عدد الصفحات ١٩

11 ثانيا:تعريف الغيب في المغة الغيبي مف الغيب، كيعكد معناىا إلى معنى كاحد أصيؿ كىك الاستتار، سكاء أكاف عف الأعيف أـ الحكاس كنحكىا.1 فمف معاني الغيب التي تأتي بمعنى الاستتار عف الحكاس قكلو تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) }البقرة :3{" الغيب كؿ ما أمرت بالإيماف بو مما غاب عف بصرؾ، كذلؾ مثؿ الملائكة، كالجنة، كالنار، كالصراط، كالميزاف، كنحكىا ."2 "أم يؤمنكف بما غاب عنيـ، مما أخبرىـ بو النبي صمى الله عميو كسمـ، مف أمر البعث كالجنة كالنار . ككؿ ما غاب عنيـ مما أنبأىـ بو "3 . كيعزز الراغب ىذا المعنى حيف يقكؿ في قكلو تعالى : } أىـٍ كىافى مًفى الٍغىائًبًيفى{( النمؿ:20 ) "كاستعمؿ في كؿ غائب عف الحاسة، كعما يغيب عف عمـ الإنساف بمعنى الغائب قاؿ } كىمىا مًفٍ غىائًبىةو فًي السَّمىاءً كىالأىرٍضً إًلاَّ فًي كًتىابو مُّبًيفو { (النمؿ: 75) كيقاؿ لمشيء: غيب كغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنٌو لا يغيب عنو شيء، ما لا يعزب عنو مثقاؿ ذرة في السماكات كلا في الأرض كقكلو : ( عىالـي الٍغىيٍبً كىالشَّيىادىةً )(الأنعاـ:73) أم ما يغيب عنكـ كما تشيدكنو"4 كيػأتي بمعنى الاستتار عف العيكف ، كإف كاف محصلا في القمكب، " الغيب مصدر غابت الشمس كغيرىا إذا استترت عف العيف "5" كيقاؿ: سمعت صكتا مف كراء الغيب، أم مف مكضع لا أراه ، كقد تكرر في الحديث ذكر الغيب، كىك كؿ ما غاب عف العيكف، سكاء كاف محصلا في القمكب أك غير محصؿ، ك غاب عني الأمر غيبا"6 ، فمف الأحاديث التي كرد فييا ذكر الغيب، ما ما يركيو البخارم مف طريؽ بف عمر رضي الله عنو "‌قاؿ رسكؿ المَّوً صمى الله عميو كسمـ مًفٍتىاحي 1 انظر، ابف فارس، معجم مقاييس المغة (4/403.) 2 السمعاني(ت:489ىػ)،أبك المظفر منصكر بف محمد بف عبد الجبار، تفسير القرآن ، تحقيؽ : ياسر بف إبراىيـ ك غنيـ بف عباس بف غنيـ، دار الكطف، الرياض، السعكدية، (ط1 /1418ىػ- 1997ـ) 1/43 3 ابف فارس، معجـ مقاييس المغة 4/403. 4 الراغب الأصفياني (ت:502ق)، الحسيف بف محمد بف المفضؿ، المفردات في ريب القرآن، تحقيق : محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، لبناف، 1/٦٦٣ - ٧٦٣. 5 المرجع السابؽ، 1/366. 6 ابف منظكر،لسان العرب 1/654.

عدد الصفحات ٢٠

12 الٍغىيٍبً خىمٍسه لاى يىعٍمىمييىا إلا الله لاى يىعٍمىـي أىحىده ما يىكيكفي في غىدو كلا يىعٍمىـي أىحىده ما يىكيكفي في الأٍىرٍحىاـً كلا تىعٍمىـي نىفٍسه مىاذىا تىكٍسًبي غىدنا كما تىدٍرًم نىفٍسه بًأىمّْ أىرٍضو تىميكتي كما يىدٍرًم أىحىده مىتىى يىجًيءي الٍمىطىري "1 كمنو غياب الرجؿ عف بمده أك عف زكجتو، كغيابة الارض أم استتارىا مف العيكف جاء في معجـ مقاييس المغة:" كيقاؿ: غابت الشَّمس تىغًيب غىيٍبىةن كغيييكبان كغىيٍبان . كغابى الرَّجؿ عف بمده. كأغابىتً المرأةي فيي ميغًيبةه، إذا غابى بعمييا. ككقىعٍنا في غىيٍبىةو كغىيىابة، أم ىىبٍطة مف الأرض ييغابي فييا "2 كفي قكؿ الله تعالى في سكرة يكسؼ (كىأىلٍقيكهي فًى غىيىابىةً الٍجيبّْ ) (يكسؼ:7) أم في مكاف غائر في الأرض بعيد عف العيكف ، يقكؿ الرازم : " كإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة عمى أف المشير أشار بطرحو في مكضع مظمـ مف الجب ، لا يمحقو نظر الناظريف ، فأفاد ذكر الغيابة ىذا المعنى إذ كاف يحتمؿ أف يمقى في مكضع مف الجب لا يحكؿ بينو كبيف الناظريف ."3 فيككف معنى الغيب ىك"كؿ ما غاب عنؾ "4 كيظير أف كؿ المعاني السابقة لو تعكد إلى إلى الاستتار كالخفاء سكاء كاف عف الحكاس كيكـ القيامة كالملائكة كنحكىما أك عف الأعيف كالشمس. المطمب الثاني : تعريف الإعجاز الغيبي في الاصطلاح إف لفظ الإعجاز لـ يرد في القرآف بالمعنى الذم عرَّفو العمماء فيما بعد، ككرد في القرآف الكريـ ما يشبيو بغير ىذا المفظ ، مثؿ آية كبرىاف كسمطاف كبينة كغيرىا . 1‌البخاري،‌كتاب‌الإستسقاء،بَاب‌ َ‌‌ٌَدْرِي‌مَتَى‌ٌَ ًِءءُ‌‌الْمَ َرءُ‌‌إ ‌الله،‌992‌،1\351. 2 ابف فارس، معجم مقاييس المغة، 4/403، كانظر، الفراىيدم (ت:174ىػ)، الخميؿ بف أحمد الفراىيدم، كتاب العين، تحقيؽ: د. ميدم المخزكمي / د. إبراىيـ السامرائي، دار كمكتبة اليلاؿ، (8/455. ) 3 الرازم (ت:606ىػ)، فخر الديف محمد بف عمر التميمي الشافعي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العممية،بيركت،(ط1 /1421ىػ- 2000ـ)، 18/77. 4 الرازم (ت:675)، محمد بف أبي بكر بف عبدالقادر، مختار الصحاح، تحقيؽ : محمكد خاطر، مكتبة لبناف ناشركف، بيركت،( 1415 - 1995 )،1/203 .

عدد الصفحات ٢١

13 كلـ ترد في القرآف الكريـ لفظة إعجاز أك معجزة، كما لـ يستعمميا المؤلفكف قديما، بؿ استعممكا مكانيا "آية" أك "كرامة "، حتى جاء الكاسطي1 كاختار"إعجاز القرآف " عنكانا لكتابو المعركؼ2. كعند الرجكع إلى تعريفات العمماء للإعجاز نجد الأكثر لا يفرقكف بيف تعريؼ المعجزة كتعريؼ الإعجاز ، كيضعكنيما في سياؽ كاحد، كىناؾ فركؽ أساسية بيف المعجزة كالإعجاز، فعد ا عف الجانب المغكم كالذم فيو أفٌ الإعجاز ىك إثبات العجز، بينما المعجزة ىي أمر خارؽ لمعادة... فالمعجزة حصمت كانتيت كالإعجاز باؽ مستمر، كما أف دلالة المعجزة أبمغ مف دلالة الإعجاز فلا يمكف لأحد إنكارىا، بينما الإعجاز دلالتو اقؿ مف دلالة المعجزة .3 كيتفرع مما سبؽ أف للإعجاز في الاصطلاح عدة تعريفات : منيا تعريؼ الجرجاني كفيو "أفٍ يؤدم المعنى بطريؽ، ىك أبمغ مف جميع ما عداه مف الطرؽ " 4 كالجرجاني كضع للإعجاز حدان حيث يقكؿ:"حد الإعجاز ىك أف يرتقي الكلاـ في بلاغتو إلى أف يخرج عف طكؽ البشر كيعجزىـ عف معارضتو "5 كقدبيف مصطفى صادؽ الرافعي أف الإعجاز في أمريف : "1 - ضعؼ القدرة الإنسانية في محاكلة المعجزة، كمزاكلتو عمى شدة الإنساف كاتصاؿ عنايتو . 2 - ثـ استمرار ىذا الضعؼ عمى تراخي الزمف كتقدمو . فكأفَّ العالـ كمو في العجز إنساف كاحد، ليس لو غير مدٌتو المحدكدة بالغة ما بمغت" 6 1ىك أبك عبد الله محمد بف يزيد الكاسطي، المتكفى سنة (306 ىػ).‌كضع كتابو (إعجاز القرآف ) كىك أكؿ كتاب كضع لشرح الإعجاز كبسط القكؿ فيو عمى طريقتيـ في التأليؼ، كلا يبعد أف يككف قد استفاد مما كتبو الجاحظ كبنى عميو.انظر،البغا، مصطفى ديب، الكاضح في عمكـ القرآف، دار الكمـ الطيب، دمشؽ، (ط2،1418ىػ)، 19 . 2 انظر، يكسؼ،الحاج أحمد، موسوعة الإعجاز العممي في القرآن الكريم و السنة المطيرة ،،مكتبة دار ابف حجر، دمشؽ (ط2/2003)،1/15. 3 للاستزادة حكؿ الفركقات بيف المعجزة كالإعجاز، ينظر، الخالدم،صلاح عبد الفتاح الخالدم، إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني ،دار عمار،عماف،(ط1/1421ىػ-2000ـ)،ص 18 كما بعدىا. 4 الجرجاني (ت:816)،عمي بف محمد بف عمي،التعريفات، تحقيؽ : إبراىيـ الأبيارم، دار الكتاب العربي، بيركت، (ط1 / 1405)،1/47. 5الجرجاني، التعريفات، 1/112. 6 الرافعي (ت:1356ىػ)، مصطفى صادؽ الرافعي ، إعجاز القرآن والبلا ة النبوية، دار الكتاب العربي، بيركت (ط8 / 1425ىػ- 2005 ـ)، ص 98.

عدد الصفحات ٢٢

14 كيمكف ملاحظة أف معنى الإعجاز في المغة كفي الاصطلاح قد جاء متشابوان متقاربان في كثير مف المعاني مثؿ الضعؼ كالتثبيط كالقصكر كالتأخر. وبالنظر في تعريف العمماء لإعجاز القرآن كمركب إضافي، فإننا نجد عدّة تعريفات منيا: 1- ما ذكره القاضي عبد الجبار بقكلو:" معنى قكلنا في القرآف الكريـ أنو معجًز أنو يتعذٌر عمى المتقدٌميف في الفصاحة فعؿ مثمو، في القدر الذم اختصٌ بو "1 كإذا تعذر عمى المتقدميف في الفصاحة كالبلاغة فعؿ مثمو، فمف باب أكلى أف ييعجًزى المتأخريف في الفصاحة كالبياف، كالعمماء في أزمنة المحف كالضعؼ المغكم . 2- تعريؼ الزرقاني :" عجز الخمؽ عف الإتياف بما تحداىـ بو، ... كالتقدير إعجاز القرآف خمؽ الله عف الإتياف بما تحداىـ بو "2. 3- تعريؼ الحمصي:" ىك ككنو أمران خارقان لمعادة لـ يستطع أحد معارضتو برغـ تصدم الناس ليا "3. 4- تعريؼ مناع القطاف:" إظيار صدؽ النبي  في دعكل الرسالة بإظيار عجز العرب عف معارضتو في معجزتو الخالدة، كىي القرآف كعجز الأجياؿ بعدىـ "4 5- كعرفو الدكتكر صلاح الخالدم بأنو : "عدـ قدرة الكافريف عمى معارضة القرآف كقصكرىـ عف الإتياف بمثمو، رغـ تكفٌر ممكتيـ البيانية، كقياـ الداعي عمى ذلؾ كىك استمرار تحدٌييـ كتقرير عجزىـ عف ذلؾ "5. كتعريؼ الدكتكر الخالدم ىك الأجمع كالأمنع، كىك المختار . المبحث الثاني 1 عبد الجبار القاضي، عبد الجبار بف أحمد بف عبد الجبار ،المغني في أبواب التوحيد والعدل، دار الكتب العممية، بيركت،( 2011 ).16 /226. 2 الزرقاني، (ت:1367) محمد عبد العظيـ، مناىل العرفان في عموم القرآن ، دار الفكر، لبناف، (ط2 /1416ىػ- 1996ـ )،2/238.بتصرؼ . 3 الحمصي، نعيـ، فكرة إعجاز القرآن من البعثة النبوية الى عصرنا الحالي، مؤسسة الرسالة، بيركت، ( ط/2 198)،ص9 . 4 القطاف، مناع خميؿ، مباحث في عموم القرآن ، مكتبة المعارؼ لمنشر كالتكزيع ،(ط3 1421ىػ- 2000ـ)، 1/265. 5 الخالدم، صلاح عبد الفتاح، إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني ،دار عمار،عماف،(ط1/1421ىػ- 2000ـ)،ص17.

عدد الصفحات ٢٣

15 موقف العمماء من الإعجاز الغيبي في ىذا المبحث تـ كضع آراء العمماء القدماء كالمعاصريف، حكؿ الإعجاز الغيبي، كالأصؿ أف يقسـ إلى مطمبيف بيف المكافقيف كالمانعيف ليذا الكجو مف الإعجاز، كبعد التمحيص تبيف أف لا أحد مف العمماء ينكر ىذا الكجو، كإنما الخلاؼ بيف العمماء، متمحكر حكؿ سؤاليف، ىؿ كقع بو التحدم أـ لـ يقع ؟ كىؿ يصح أف يككف كجيا كحيدا لإثبات الإعجاز أـ لا يصح؟. لذا تـ ترتيب العمماء زمنيا ثـ تـ كضع آراء كؿ عالـ في مكانو، إذ إف بعضيـ عده كجيان مف كجكه الإعجاز لـ يقع بو التحدم، كمنيـ مف عده كدليؿ عمى صدؽ نبكة محمد صمى الله عميو كسمـ، كمنيـ مف عده كجيا معجزا كقع بو التحدم . كفيما يأتي بياف مكقؼ العمماء مف الإعجاز الغيبي: المطمب الأول : موقف العمماء القدامى من الإعجاز الغيبي أولا : الرماني مف الملاحظ أف الرماني قد عده مف أكجو الإعجاز السبعة التي ذكرىا، كتحديدا الإخبار بالأمكر المستقبمية حيث يقكؿ : "كأما الأخبار الصادقة عف الأمكر المستقبمية فإنو لما كاف لا يجكز أف تقع عمى الاتفاؽ دؿ عمى أنيا مف عند علاـ الغيكب" 1 ثـ ساؽ بعد ذلؾ أمثمة عمى غيبياتأخبر بيا القرآف ثـ كقعت، فدؿ مف كلامو أف كجو الإعجاز في الأخبار الغيبية ىك مكافقة الأحداث لما كرد في القرآف الكريـ، فقد تكالت الأحداث المصدقة كالمؤكدة لما جاء في القرآف الكريـ، كىذا بلا شؾ لا مجاؿ لبشرو أك مخمكؽ أف يخبر بمثؿ ما أخبر بو القرآف الكريـ كيتحقؽ كؿ ما حدث بو . ثانيا: أبو سميمان الخطابي 1 الرماني (386ى )، عمي بف الحسف، النكت في إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، لمرماني كالخطابي كعبد القاىر الجرجاني ، تحقيؽ محمد خمؼ الله كالدكتكر محمد زغمكؿ سلاـ ، دار المعرفة، مصر ، ط 3،ص110 .

عدد الصفحات ٢٤

16 مف الكاضح أف الخطابي يرل أف الإخبار بالغيب داخؿ ضمف إعجاز القرآف الكريـ، كيعد عنده كجيان مف كجكه الإعجاز كلكنو ليس كافيا كحده في إثبات الإعجاز، لأف كؿ سكرة في القرآف الكريـ معجزة بذاتيا ، كالإخبار بالغيكب ليس مكجكدا في كؿ سكر القرآف 1، كىك محؽ فيما ذىب إليو كما سيأتي في المبحث التالي عند الكلاـ عف التحدم. يقكؿ الخطابي : "كزعمت طائفة إنما ىك فيما يتضمنو مف الإخبار عف الككائف في مستقبؿ الزماف نحك قكلو تعالى (الم (1) ُمِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَىُمْ مِنْ بَعْدِ َمَبِيِمْ سَيَغْمِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِمَّوِ الأَْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ }الروم: 1-4{ كلا ييشؾ في أف ىذا كما أشبيو مف أخباره نكعه مف أنكاع إعجازه؛ كلكنو ليس بالأمر العاـ المكجكد في كؿ سكرة مف سكر القرآف، كقد جعؿ سبحانو في صفة كؿ سكرة أف تككف معجزة بنفسيا؛ لا يقدر أحده مف الخمؽ أف يأٍتيى بمثميا، فقاؿ تعالى( فأتكا بسكرة مف مثمو كادعكا شييداءىكيـٍ مف دكف الله إف كنتـ صادقيف) (البقرة :23)، مف غير تعييف، فدؿ عمى أف المعنى فيو غير ما ذىبكا إليو"2 . كيلاحظ مف كلاـ الخطابيأنو يعد الأخبار الغيبية كجيان مف كجكه الإعجاز إلا إنيا لـ يقع بيا التحدم بدليؿ قكلو إنيا غير مكجكدة في كافة سكر القرآف الكريـ، فمفيكـ الكلاـ يدؿ عمى أف ما ثبت في بعض السكر إنما ىك مف إعجاز القرآف الكريـ . ثالثا: الإمام أبو بكر الباقلاني 1 انظر،عمار، د.احمد سيد عمار، نظرية الإعجاز القرآني وأثرىا في النقد العربي القديم ، دار الفكر، دمشؽ، سكرية، (ط1/1418ىػ-1998ـ)، ص 83. 2 الخطابي(ت سنة 388ى)،حمد بف محمد بف إبراىيـ، بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، لمرماني كالخطابي كعبد القاىر الجرجاني ، تحقيؽ محمد خمؼ الله كالدكتكر محمد زغمكؿ سلاـ ، دار المعرفة – مصر ، ط3،ص23.

عدد الصفحات ٢٥

17 يرل الباقلاني أف الإخبار عف الغيب داخؿ في كجكه الإعجاز 1، فيك يقكؿ:" ذكر أصحابنا كغيرىـ في ذلؾ ثلاثة أكجو مف الإعجاز أحدىما يتضمف الإخبار عف الغيكب كذلؾ مما لا يقدر عميو البشر كلا سبيؿ ليـ إليو "2 . كىك يقسميا إلى قسميف: غيب يتعمؽ بأمكر مستقبمية قد حدثت، كغيب يتعمؽ بذكر القرآف الكريـ لقصص الأمـ السابقة . كالباقلاني لـ يتحفظ عمى الإعجاز الغيبي كما تحفظ عميو الخطابي، فقد أكرد رأيو القائؿ بأف أخبار الغيب داخمة في كجكه الإعجاز، كاستدؿ عميو بشكاىد كثيرة 3، إذ يقكؿ عف الكجو الأكؿ في إخباره بأمكر مستقبمية : "فأما الفصؿ الذم بدأنا بذكره مف الإخبار عف الغيكب كالصدؽ كالإصابة في ذلؾ كمو فيك كقكلو تعالى( قُلْ لِمْمُخَمَّفِينَ 4 مِنَ الأَْعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِمُونَيُمْ أَوْ يُسْمِمُونَ ) } الفتح:16 { فأغزاىـ أبك بكر كعمر رضى الله عنيما إلى قتاؿ العرب كالفرس كالركـ "5 . كيقكؿ في الكجو الذم يتعمؽ بذكرً الأخبار الماضية : "كأما الكجو الثاني الذم ذكرناه مف إخباره عف قصص الأكليف، كسير المتقدميف فمف العجيب الممتنع عمى مف لـ يقؼ عمى الأخبار، كلـ يشتغؿ بدرس الآثار، كقد حكي في القرآف تمؾ الأمكر حكاية مف شيدىا كحضرىا، كلذلؾ قاؿ الله (وَمَا كُنْتَ تَتْمُو مِنْ قَبْمِوِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّوُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِمُونَ ) } العنكبكت:48{ "6، فالباقلاني ىنا يشير إلى كيفية الاستدلاؿ بمثؿ ىذه الأخبار عمى الإعجاز، فأثبت أفَّ أمية الرسكؿ صمى الله عميو كسمـ دليؿ عمى الإعجاز، كأف دقة التفاصيؿ في تمؾ القصص حتى كأنو صمى الله عميو كسمـ شاىدىا دليؿ آخر. 1 انظر،الخالدم،إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني ،92. 2 الباقلاني(ت سنة403ى )، أبك بكر محمد بف الطيب، إعجاز القرآن ، تحقيؽ : السيد أحمد صقر، دار المعارؼ،مصر، (ط5/1997ـ)،1/33. 3 سيد عمار،نظرية الإعجاز القرآني وأثرىا في النقد العربي القديم ،88 . 4‌هم‌الأعراب‌الذٌن‌تخلفوا‌عن‌المسٌر‌مع‌رسول‌الله‌صلى‌الله‌علٌه‌وسلم‌ٌوم‌الحدٌبٌة،‌انظر،‌القر بً،‌تفسٌر القر بً،16/272‌. 5 الباقلاني،إعجاز القرآن ، 1/48. 6 المرجع السابؽ، 1\48- 49 .

عدد الصفحات ٢٦

18 رابعا : الشريف المرتضى يظير أف الشريؼ المرتضى يرل أف الإخبار عف الأمكر الماضية كاقعة في إعجاز القرآف الكريـ لقكلو في مقاـ رده عمى مف قصر الإعجاز عمى الإعجاز الغيبي دكف سكاه :"يصح قكؿ ىذا الفريؽ إذ ذىبكا إلى أف تمؾ أحد كجكه حممو إعجاز القرآف كضرب مف ضركب دلائمو عمى النبكة، لأننا لا ندفع ىذا كلا ننكره كىك مف كجكه دلائؿ القرآف المذككرة كجيات إعجازه الصحيحة"1 فيرل الشريؼ المرتضى أف الإخبار بالغيكب جزء مف إعجاز القرآف الكريـ عمى أنو لا ينبغي أف يعد الكجو الكحيد للإعجاز، أك أنو قد كقع بو التحدم دكف غيره . بدليؿ قكلو " فأما إف أرادكا اختصاصو بالإخبار عف الغيكب ىك الكجو الذم كاف منو معجزان أك دالان كأنو يدؿ مف غيره عمى النبكة، كأف التحدم بو كقع دكف ما عداه فذلؾ يبطؿ مف كجكه"2 ".ثـ ذكر ثلاثة كجكه رد فييا قكؿ مف قصر الإعجاز عمى الجانب الغيبي دكف سكاه.3 كلكف يظير مف كلاـ الشريؼ المرتضى أف كلامو السابؽ إنما كاف عف الأخبار الماضية ، كأما الأخبار المستقبمة فلا يعدىا مف كجكه الإعجاز، لأنيا لـ تقع أماـ عيف المتحدىل لقكلو: "فأما القسـ الثاني كىك الخبر عف المستقبؿ فإنو إنما يككف دالان عمى كقكع مخبره مكافقان الخبر قبؿ كقكعو لا فرؽ فيو بيف الصدؽ كالكذب، الميـ إلا أف تقع مما دلت دلالة غير ذلؾ الخبر عمى صدقو، فيعمـ صحة الخبر بتمؾ الدلالة المتقدمة لا بنفسو، كمعمكـ أف النبي (صمى الله عميو ك آلو) كاف يطالب القكـ بالإقرار بو كيدعكىـ إلى التسميـ، كلـ يفعؿ ذلؾ إلا كىـ يتمكنكف مف الاستدلاؿ عمى صدقو كغير مفتقريف في العمـ إلى حضكر زماف متراخو، كىذا يبطؿ أف تككف جية إعجازه مما يتضمنو مف الأخبار عف الحكادث المستقبمة"4 . 1 الشريؼ المرتضى (ت:436ىػ)، أبك القاسـ عمي بف الحسيف بف مكسى، الموضح عن جية إعجاز القرآن (الصرفة)، تحقيؽ: محمد رضا الانصارم، مشيد، مجمع البحكث الإسلامية، (1424 ىػ/2004ـ) ، 116. 2 المرجع السابؽ، 117. 3 انظر،المرجع السابؽ، 118. 4 المرجع السابؽ، 118.

عدد الصفحات ٢٧

19 كيتضح مف كلامو أف الأخبار المستقبمة إذا كقع مخبرىا، فيي تصح أف تككف كجيا للإعجاز، كساؽ أمثمة مف القرآف الكريـ مثؿ الإخبار عف ىزيمة الفرس كعف نصر المستضعفيف، كعد ىذه الأمثمة ضمف الإعجاز بسبب كقكع مخبرىا فأصبحت عمما قطعيا، لقكلو " كإذا صح ما ذكرناه، ككرد القرآف بأخبار عف حكادث مستقبمة مفصمة ككقعت مخبراتيا بحسب الأخبار، فيجب أف تككف دلالة أك معجزة، لخركجيا عف العادة كعما يتمكف البشر منو كيصمكف إليو "1. خامسا: القاضي عياض يقسـ القاضي عياض الإعجاز الغيبي إلى قسميف، كيفرد كؿ قسـ في كجو مستقؿ للإعجاز، فيك يعدٌ الإخبار بأمكر مستقبمية أحد كجكه الإعجاز المستقمة، كقد بكب لو بيذا الاسـ في كتابو (الشفا) فقاؿ: "الكجو الثالث مف الإعجاز ما انطكل عميو مف الأخبار بالمغيبات، كما لـ يكف كلـ يقع، فىكيجًدى كما كرد عمى الكجو الذل أخبر، كقكلو تعالى (لَتَدْخُمُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ المَّوُ آمِنِينَ ) } الفتح:27{ كقكلو تعالى(وَىُمْ مِنْ بَعْدِ َمَبِيِمْ سَيَغْمِبُونَ ) } الركـ:3{ "2،.ثـ ساؽ بعض الأمثمة . ثـ ىك يفرد الإخبار عف الأمـ السابقة كنحكىا في كجوو مستقؿو للإعجاز حيث قاؿ : "الكجو الرابع ما أنبأ بو مف أخبار القركف السالفة ، كالأمـ البائدة كالشرائع الداثرة ، مما كاف لا يعمـ منو القصة الكاحدة إلا الفذ مف أحبار أىؿ الكتاب الذم قطع عمره في تعمـ ذلؾ ، فيكرده النبي صمى الله عميو كسمـ عمى كجيو كيأتي بو عمى نصو، فيعترؼ العالـ بذلؾ بصحتو كصدقو كأف مثمو لـ ينمو بتعميـ"3 فالقاضي عياض يرل أف محكر الإعجاز في ىذا الكجو ىك أف مثؿ ىذه الأخبار الماضية لا يمكف أف يعمميا إلا الحبر العظيـ مف أىؿ الكتاب، الذم أمضى حياتو في تجميع الأخبار كقراءة 1 المرجع السابؽ، 121. 2 عياض القاضي(ت سنة 544ىػ)، أبك الفضؿ عياض اليحصبي، الشفا بتعريف حقوق المصطفى - مذيلا بالحاشية المسماة مزيؿ الخفاء عف ألفاظ الشفاء ، دار الفكر، بيركت،لبناف، (1409 ىػ- 1988 ـ)، 1/203-204. 3 المرجع السابؽ، .1/270 .

عدد الصفحات ٢٨

20 الكتب كالتاريخ، كىذا ما لـ يكف معيكدا في سيرة نبينا عميو الصلاة كالسلاـ إذ إنو أميه كلـ يسبؽ لو أف نظر في كتب السابقيف أك خالط أحبارىـ . سادسا: القرطبي ذكر الإعجاز الغيبي في مقدمة تفسيره ، كقسمو إلى قسميف أيضا كجعؿ كلان منيما كجيان مستقلا مف كجكه الإعجاز، كىما الإخبار بأمكر الماضي كالإخبار بأمكر مستقبمة. فيقكؿ عف القسـ الأكؿ كىك الإخبار بأمكر الماضي كقصص السابقيف "كمنيا : الإخبار عف الأمكر التي في أكؿ الدنيا إلى كقت نزكلو مف أمي، ما كاف يتمك مف قبمو مف كتاب كلا يخطو بيمينو، فأخبر بما كاف مف قصص الأنبياء مع أمميا كالقركف الخالية في دىرىا، كذكر ما سألو أىؿ الكتاب عنو كتحدكه بو مف قصة أىؿ الكيؼ كشأف مكسى كالخضر عمييما السلاـ، كحاؿ ذم القرنيف فجاءىـ كىك أمي مف أمة أمية ليس ليا بذلؾ عمـ بما عرفكا مف الكتب السالفة صحتو فتحققكا صدقو"1. فيتبيفأنو يرل أف أمية الرسكؿ صمى الله عميو كسمـ تجعؿ مف مثؿ ىذه الأخبار كجيا مف كجكه الإعجاز فلا يمكف أف يأتي بمثؿ ىذه الأخبار إلا مف شاء الله لو أف يطمع. ثـ يسرد القرطبي القسـ الآخر مف الإعجاز الغيبي كىك الإخبار بأمكر مستقبمية حيث يقكؿ :"كمنيا : الإخبار عف المغيبات في المستقبؿ التي لا ييطَّمعي عمييا إلا بالكحي، ‌فمف ذلؾ :‌ما كعد الله نبيو عميو السلاـ أنو سيظير دينو عمى الأدياف بقكلو تعالى{ : ىُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَوُ بِالْيُدَى وَدِينِ الْحَقّْ }... فيذه كميا أخبار عف الغيكب التي لا يقؼ عمييا إلا رب العالميف ، أك مف أكقفو عمييا رب العالميف فدؿ عمى أف الله تعالى قد أكقؼ عمييا رسكلو لتككف دلالة عمى صدقو ."2 سابعا: السيوطي 1 القرطبي ( ت سنة671ق)، أبك عبد الله محمد بف أحمد بف أبي بكر الأنصارم الخزرجي شمس الديف القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ،تحقيؽ: ىشاـ سمير البخارم، دار عالـ الكتب، الرياض، المممكة العربية السعكدية (1423، ىػ/ 2003ـ)،1/74-75 . 2 المرجع السابؽ، 1/74-75.بتصرؼ .

عدد الصفحات ٢٩

21 يقكؿ السيكطي في معرض تعداده لكجكه الإعجاز ":الرابع مف أنبأ بو مف أخبار القركف السالفة كالأمـ البائدة كالشرائع الدا ثرة مما كاف لا يعمـ منو القصة الكاحدة إلا الفذ مف أحبار أىؿ الكتاب الذم قضى عمره في تعمـ ذلؾ، كيكرده صمى الله عميو كسمـ عمى كجيو كيأتي بو عمى نصو كىك أمي لا يقرأ كلا يكتب "1 كيظير أف جممتو ىذه قد نقميا مف كتاب الشفا لمقاضي عياض دكف أف ينسبيا إليو2، كلكف تبيف أنو يقبؿ بيذا الكجو أف يككف كجوان مف كجكه الإعجاز، خاصة بعد العمـ أفَّ السيكطي يعد أفَّ كجكه إعجاز القرآف لا متناىية.3 ثامنا: شياب الدين الألوسي أما الألكسي فقد عده مف الإعجاز الغيبي، ككتب في مقدمة كتابو الركح الشبيات حكؿ اعتباره إعجازا، ثـ رد عمييا ردا بميغا، كقد لخص شبيات المانعيف كالمنكريف بأربعة كجكه : 1- أف الإصابة في المرة كالمرتيف ليست مف الخكارؽ كالحد الذم يصير بو الأخبار خارقا غير مضبكط فإذا لا يمتنع أف يقاؿ ما أشتمؿ عميو القرآف لـ يصؿ إليو . 2- أنو يمزـ أف يككف أخبار المنجميف كالكينة عف الأمكر المغيبة مع كثرة إصابتيا معجزة . 3- أنو يمزـ أف تككف التكراة كذلؾ لاشتماليا كاشتمالو . 4- أنو يمزـ أف يككف الخالي عف الأخبار بالغيب مف القرآف غير معجز .4 رد الالكسي عمى شبيات المانعيف للإعجاز الغيبي : 1 السيكطي(ت سنة 911ق )، جلاؿ الديف عبد الرحمف بف أبي بكر، الإتقان في عموم القرآن ، تحقيؽ : سعيد المندكب، دار الفكر، لبناف،(ط1 \1416ىػ- 1996ـ)،4/323. 2 النص منقكؿ بمثمو تقريبا، انظر،القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، 1/203-204. 3‌انظر،‌بن‌عقٌل،‌محمد‌بن‌حسن،معترك الأقران في إعجاز القرآن(منهجه ومنزلته بين كتب الإعجاز)،بحث‌ لنٌل‌در ة‌الدكتوراة،‌ امعة‌أم‌القرى-كلٌة‌الدعوة‌وأصول‌الدٌن،السعودٌة،1416هـ،2\711‌. 4 الألكسي(ت سنة 1270ى )، أبي الفضؿ شياب الديف السيد محمكد البغدادم،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي – بيركت،1/29-30.بتصرؼ .

عدد الصفحات ٣٠

22 1 -فرد عمى الشبية الأكلى : لا يخفى أف ما كرد مف أخبار الغيب في القرآف مما يعد في نظر أىؿ العرؼ 1 كثيرا لا تعتاد الإصابة فيو بجممتو . 2 -كرد عمى الشبية الثانية : بأف أخبار المنجميف ما كاف كاذبا منيا لا احتجاج بو كما كاف صادقا كتكررت الإصابة فيو كالكسكؼ كالخسكؼ غير كارد لأنو مف الحساب المعتاد لمف يتعاطى صناعة التنجيـ كأخبار القرآف بالغيكب ليست كذلؾ، كأما أخبار الكينة فالقكؿ فييا كما في السحر 3 -كرد عمى الشبية الثالثة : أف ما في التكراة مف الأخبار بالغيب إف كاف كثيرا خارقا لمعادة ككقع التحدم بو فيك أيضا معجز كآية صدؽ لمف أتى بو كلا يضرنا التزاـ ذلؾ . 4 - كختـ برده عمى الشبية الرابعة : أنو لا يرد عمى مف يقكؿ إفَّ كجو الإعجاز مجمكع ما تقدـ أصلان كمف يقكؿ: كجيو مجرد الأخبار بالغيب يقكؿ بأف الخالي مف ذلؾ غير معجز كإنما الأعجاز في القرآف بجممتو كيكفي ذلؾ في غرضو 2 المطمب الثاني: موقف العمماء المحدثين من الإعجاز الغيبي أولا : مصطفى صادق الرافعي يعتبر ما جاء في القرآف مف أحداث تاريخية كمستقبمي ة كجيان معجزان، لكنو لـ يفصؿ في ذلؾ لأف غرض كتابو بلاغي كلغكم، ك إف كاف تطرؽ إلى مسألة خمؽ الإنساف باعتبارىا مف المسائؿ الغيبية التي كقع بيا الإعجاز. كيمخص تصكره لإعجاز القرآف فيقكؿ : " فالقرآف معجز في تاريخو دكف سائر الكتب كمعجز في أثره الإنساني، كمعجز كذلؾ في حقائقو "3 ثانياً: محمد رشيد رضا 1‌هم‌القائمون‌بأمور‌القبٌلة‌أو‌ال ماعة‌من‌الناس‌ٌلون‌أمورهم‌و‌ٌتعرفون‌على‌أحوالهم،‌انظر،ابن‌منظور،لسان‌ العرب،9/239. 2 انظر،المرجع السابق،1/30.بتصرؼ . 3 الرافعي (ت سنة 1356 ى ) ، مصطفى صادؽ،إعجـاز القرآن والبلا ة النبوية ، تحقيؽ : عبد الله المنشاكم، مكتبة الإيماف ، المنصكرة، مصر ، (ط1 /1417 ىػ- 1997ـ)، ص 156.

عدد الصفحات ٣١

23 يرل صاحب المنار أف الإخبار عف الغيب مف أبرز كجكه الإعجاز إذ قد عنكف لو بعنكاف إًعجاز القرآف بما فيو مف عمـ الغيب، قاؿ في الكجو الثالث: "(الكجو الثالث) : اشتمالو عمى الإًٍخبار بالغيب مف ماض، كقصصً الرسؿ مع أىقكاميـ، كقد تقدـ بعض الكلاـ فيو، كمف حاضر في عصر تنزيمو ...ثـ يسكؽ الآيات التي كرد فييا ىذا الكجو كيكمؿ فيقكؿ فيذه الأٍخبار الكثًيرة بالغيب دلًيؿ كاضح عمى نبكة نبيٌنا كككف القرآف مف عند الله تعالى، إذ لاى يعمـ الغيب غيره سبحانو، كلا يمكف معارضتيا بما يصح بالمصادفة أك القرائفً أحياننا مف أىقكاؿ الكياف كالعرافيف كالمنجميف."1 ثالثاً: عبد الله دراز يقكؿ دراز رحمو الله في ثنايا رده عمى مف يزعمكف أف القرآف الكريـ إنما ىك إيحاءان ذاتيان مف نفس محمد صمى الله عميو كسمـ: "ذلؾ شأف ما في القرآف مف الأنباء التاريخية، لا جداؿ في أف سبيميا النقؿ لا العقؿ، كأنيا تجيء مف خارج النفس لا مف داخميا ".2 كيظير مف كلاموأنو يعتبر الأخبار التاريخية داخمة ضمف الإعجاز، فيك يرل أف مدار الإعجاز في الجانب الغيبي أمية الرسكؿ عميو السلاـ، ثـ مجيء القرآف بيذا الكـ مف الأخبار كالتفاصيؿ الدقيقة. 1 رضا، (ت1354ق)، محمد رشيد بف عمي رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، الييئة المصرية العامة لمكتاب،(1990 ـ)،1/170-171. بتصرؼ 2 دراز (ت 1377ىػ)، محمد عبد الله، النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن ، دار الثقافة، الدكحة، ( 1985)،1/39 .

عدد الصفحات ٣٢

24 المبحث الثالث ىل وقع التحدي بالإعجاز الغيبي التحدم لغةِّ يأتي بمعنى المبارزة كالمنازعة كالمباراة، جاء في مختار الصحاح " تحديت فلانا إذا باريتو في فعؿ كنازعتو الغمبة "1، كمف ذلؾ ما جاء في لساف العرب " ك تحداه : باراه كنازعو الغمبة، كىي الحيدىيا . كأنا حيدىياؾ في ىذا الأمر أم ابرز لي فيو"2. فالتحدم في الاصطلاح: "ىك طمب الإتياف بالمثؿ عمى سبيؿ المنازعة كالغمبة "3. كفي البداية يجب التفريؽ بيف ما ىك معجّْز كبيف معجّْز قد كقع بو التحدم، فحيف القكؿ إفَّ الأخبار الغيبية ىي معجزة قد كقع بيا التحدم، يتحتـ مف ذلؾ أفَّ الله عز كجؿ طمب منيـ الإتياف بمثؿ تمؾ الأخبار الغيبية التي جاء بيا القرآف الكريـ، ؼ إف لـ يأتكا بيا فقد باف ضعفيـ كانتيت حجتيـ، ككذلؾ الأمر يستمزـ أفَّ مف جاء بمثؿ ىذه الأخبار قد صحت معارضتو لمقراف الكريـ . كبعد النظر في المسألة كأقكاؿ العمماء، ثـ النظر في شركط التحدم كالكجو الراجح فيو كالحد لو، تبيف أفَّ الإعجاز الغيبي ىك معجز لكنو لـ يقع بو التحدم للأدلة الآتية 4 : أكلان: أف الراجح في القدر الذم تحدل الله بو الناس، ىك أف يأتكا بسكرة كاممة كسكر القرآف 5، كمف المسَّمـ فيو أفَّ الأخبار الغيبية ليست مكجكدة في كافة سكر القرآف الكريـ، كيتحتـ مف ىذا أفَّ السكر التي ليس فييا أخبار غيبية أنيا غير معجزة، كقد تطرؽ لو الإماـ الخطابي كذلؾ في رسالتو، إذ يقكؿ بعد إثباتو أفَّ الأخبار الغيبية كجو مف كجكه الإعجاز:" قمت كلا يشؾ في أف ىذا كما أشبيو 1 الرازم، مختار الصحاح،1/54. 2 ابف منظكر،لسان العرب، 14/168. 3 الخالدم، د.محسف سميح الخالدم، بحث بعنكاف( التحدي بالقرآن العظيم )، المؤتمر العممي الثالث، (الإعجاز في القرآف الكريـ )، جامعة الأقصى-غزة، العدد الأكؿ، 2000ـ،1/333 . 4 ما كضعتو مف أدلة في ىذا المقاـ كانت ىي الأدلة الراجحة دكف سكاىا، لأف مكضكع الرسالة ليس التحدم، كمف أراد النظر في باقي الأدلة عمى قدر التحدم كالكجو الراجح فيو، فميراجع بحث د . محسف سميح الخالدم بعنكاف التحدي بالقرآن الكريم . 5 انظر، الإيجي(ت: 756ىػ)، عضد الديف عبد الرحمف بف أحمد المواقف، تحقيؽ: د. عبد الرحمف عميرة، دار الجميؿ، بيركت،(ط1 \1997ـ)، 3/400. ، كالزركشي (ت:794ق)، محمد بف بيادر بف عبد الله أبا عبد الله، البرىان في عموم القرآن ، تحقيؽ : محمد أبا الفضؿ إبراىيـ، دار المعرفة، بيركت، (1391ق)، 2/108.

عدد الصفحات ٣٣