54 بخ الحضارة الإسلاميّ ة التي كانت متقدّ مة تملأ السمع والبصر في ذلك العصر، ممّ ا كان لها دور بارز في ارتقاء العقول في الحضارة الأوروبيّ ة، بالإضافة إلى ظهور فكرة إحياء الكتب اليونانيّ ة والرومانيّ ة في الجوانب العلميّ ة، والقانونيّ ة، والأدبيّ ة، والفنيّ ة، ولم يقتصروا على نقل هذه العلوم، بل قوّ موا ما رأوا حاجته إلى التقويم، وأضافوا ما يمكن إضافته، فأحدثوا نهضة جديدة(1). إنّ التحدي الذي يواجه كلّ ثقافة، يكمن في حفاظها على تماسكها الخاصّ ، وتوازنها الذاتي العميق، أثناء نهضتها الحضاريّ ة، فإمّا أن تتماسك، أو أن تتلاشى بالكامل مع رياح التغيير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: التاريخ الأوروبيّ الحديث لعبدالعزيز نوار ومحمود جمال الدين (ص: 7.)
عدد الصفحات ٥٥55 (2 ) ح رك ة ت غ ي ت ر جميل أن نحلم بالنجوم، ولكن علينا أن لا ننسى، أن لنا أرجلاً تقف على الأرض. في القرن الخامس عشر، من عصر النهضة، وصلت حركات التغيير ذروتها، وبرزت الجوانب العلميّة والفنيّة والأدبيّة، بشكل واضح، وبرزت أيضاً : الحركة الاقتصاديّة، حيث نشطت التجارة العالميّة بالمنتجات الأوروبيّة، بعد أن كان الاقتصاد في أوروبا قائماً على الاكتفاء الزراعيّ فقط(1)، مما جعل النساء كالرجال، يتفاعلن مع هذا التطور الاقتصاديّ ، ومن ذلك اهتمامهن بالأزياء وغيرها بشكل مبالغ فيه، بعد أن كانت الكنيسة تفرض سلطانها على الناس، بدعوتها للتقشّف ، وتعذيب الذات في الحياة الدنيا، مقابل التمتّع بنعيم الآخرة(2). ومن هنا بدأت حالة الاندماج، مع حركة النهضة، والانفصال التدريجي، عن تعاليم الكنيسة، التي هي في أصلها كانت محرّفة عن التعاليم الحقيقيّة السويّة، التي جاءت بها الشريعة السماويّة في الإنجيل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: تاريخ أوروبا الحديث، للدكتور عبد اللطيف الصباغ، (ص: 9)، التاريخ الأوروبي الحديث، ص: 11. (2) انظر: تاريخ أوروبا الحديث، ص: 26.
عدد الصفحات ٥٦56 وقد كان الحجاب شائعاً ، حتى ظهرت (موضة) أغطية الرأس التي تسمّى: (hood) بديلة عن الحجاب، أثناء حكم أسرة تيودور(1) في إنكلترا، وأصبحت ذات شعبية متزايدة. صورتان لامرأتين تلبسان الغطاء hood ومن هنا، بدأت سلسلة التنازل الفعلي الواضح عن الحجاب، وبدأت ثقافة الستر تتناقص رويداً رويداً ، فما كانت بعد ذلك إلاّ خطوات قليلة، أوصلت الإنسان إلى نقطة النهاية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أسرة تيودر ( ): هي أسرة من أصول ويلزية (نسبة لويلز أو بلاد الغال في بريطانيا) حكمت في إنكلترا منذ (1485) وحتى (1603م).
عدد الصفحات ٥٧57 (3 ) ن ي وب الإ ر ي اء ما أشدّ تقلبات الحياة! وما أجدر المرأة بالثبات على مقاطع الحقّ منها! في مطلع القرن الثامن عشر، في إنكلترا، بدأ الاهتمام بالمرأة يزداد، وظهر ابتداءً من خلال دعوتها لحفلات البلاط، بعد أن كانت معزولة عنها(1)، مما جعل النساء الأرستقراطيات، يفرطن في العناية بجمالهنّ ، تزامناً مع ظهور بيوت الأزياء، التي أنتجت (موضة) القبّعات الفارهة، التي ظهرت بديلاً عن غطاء الرأس، وظهر فنّ تسريح الشعر، خاصّة للحفلات الراقصة، التي كانت تقام في إنكلترا، في ذلك الوقت. ويصف >ويليام ديورَانت<(2)، النساء، ومدى تراجع الحياء في اللباس عندهنّ ، في ذلك الوقت، فيقول: (واستُخدمت العباءات (gowns )الشفافة بما يكفي، للإيحاء بخطوط الفخذين والساقين، أو بتعبير آخر: أصبحت العباءات النسائيّ ة شفافة وص افة ، وكان من رأي >بايرون<(3)، أنّ هذا الأسلوب في اللباس يقلّ ل من فتنة النساء، وراح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: المرجع السابق. (ص: 47.) (2) مؤرخ فيلسو أمريكي. انظر: (3) هو رائد الشعر في إنكلترا >اللورد بايرون<. انظر: قبعة فارهة من القش ــ إنجلترا (1760 ــ1785م)
عدد الصفحات ٥٨58 يشكو على غير عادته، مدافعاً عن الأخلاق: لقد ضلّت نساؤنا السبيل، كأمنّا حواء.. فهن عرايا.. لكنهن غير خَج لات من عُر ي هنّ ...)(1). وأمّا في فرنسا: فقد كان في تر الحشمة، عند نسائها اتصال وثيق بالفنّ الفرنسيّ ، الذي تأثر أيّما تأثّر بسلسلة إصدارات لمجموعة من المثقّفين، تتناول تلك الإصدارات، الآثار الإغريقيّة وغيرها، من آثار الشعوب، من أهمّها كتاب: (مختارات من الآثار المصري ة، والأتروسيكي ة، واليوناني ة، والروماني ة، والغالي ة)، موضحّ ة ببعض رسومه؛ وقد حضي هذا الكتاب، باهتمام بالغ من الشعب الفرنسيّ آنذا ، وكان له الأثر الكبير في السلو الفرنسيّ ، وتأثّر الفنّ بأنواعه، ومنه: فنّ الأزياء، تأثّ راً قوياً بهذا الكتاب، ولهذا قال >ويليام ديورَانت<: (وهكذا نجد >جريم<(2) يقول لقرائه 1763م: ظللنا سنوات نبحث بحثاً جادّ اً عن الآثار، والأشكال القديمة، وأصبح الميل لها عامّ اً ، حتى عُ دّ من الأمور المقرّ رة الآن، أن يُ ؤدّ ى كلّ شيء على الطريقة اليونانيّ ة، من العمارة، إلى صنع القبّ عات، فنساؤنا يصففن شعورهنّ على الطريقة اليونانيّ ة، ووجهاؤنا يرونه عاراً ، إن لم يمسكوا علبة صغيرة، على الطريقة اليونانيّ ة)(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: قصة الحضارة (ملحق/763.) (2) لم نجد له ترجمة. (3) انظر قصة الحضارة (39/183.)
عدد الصفحات ٥٩59 وقد أصاب الفرنسيّات، ما أصاب أخواتهنّ في إنكلترا، من عدوى تصفيف الشعر، حتى قال >ويليام ديورَانت<: (وغالت النساء، في رفع شعورهنّ ، حتى خشين الرقص؛ مخافة أن يلتقطن النار من الثريّ ات، وقد قدّ ر زائر فرنسيّ ، أن ذقن إحدى السيدات الفرنسيّ ات، يقع تماماً في منتصف المسافة، بين قدميها وقمّ ة شعرها، وجنى الحلاقون الأموال الطائلة بكثرة تغيير موضات الشعر)(1)، فسبحان من جعل أمّته وسطاً عدلاً بين الأمم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر قصة الحضارة (39/164.) تصفيف الشعر كما وصف ويل ديورانت (1776م)
عدد الصفحات ٦٠60 (4 ) م ن ش هوة ا ل ى ق كزة ما أشبه عقل الإنسان بقائد السفينة الجارية في أمواج البحر؛ إن ارتفعت الأمواج أو انخفضت، فليس للسفينة قوّة الاعتراض، ولكنّها باقتدار القائد وحكمته، تملك قانون التوازن والثبات، والاهتداء إلى الميناء. بعد أن كانت بذرة السفور سببها شهوة التغيير، جاءت معزّزات للسفور، أولها الثورة الفرنسيّة، وهي: ثورة سياسيّة اجتماعيّة، اقتصاديّة، دينيّة، كانت لها تأثيرات واسعة عميقة في أوروبا، بشكل خاصّ ، والعالم بشكل عامّ ، وأُ علن فيها مبدأ الحرية(1)، رمزاً لها، تجاوزت فيه معنى الحريّة الذي نادت به حركة عصر النهضة، تلك النهضة التي اقتصرت على الدعوة إلى التخلّص من العبوديّة والرقّ (2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إلاّ أنّ ها على صعيد السياسة الخارجيّ ة التي انتهجتها حكومات الثورة الفرنسية، قد جاءت متناقضة تماماً مع ما أعلنته الثورة من مبادئ (الحرية والإخاء والمساواة)، وبخاصّ ة فيما يتعلّ ق بشعوب آسيا وإفريقيا التي استعمرتها، والتي تعاملت معها بمنطق السيد، والعبد. ولم تمض فترة وجيزة من الزمن، حتى جاءت الحملة الفرنسية على مصر عام (1213هـ = 1789م)، ثم بعدها بفترة جاء الاحتلال الفرنسي للجزائر والمغرب وتونس وغيرها من المناطق في آسيا وإفريقيا. (2) للاستزادة انظر: الثورة الفرنسية: عرض ونقد في ضوء التربية الإسلامية للدكتور عدنان باحارث، تاريخ أوروبا الحديث، للدكتور عبد اللطيف الصباغ، التاريخ الأوروبيّ الحديث لعبد العزيز نوار ومحمود جمال الدين.
عدد الصفحات ٦١61 وقد عمدت الحكومة الفرنسيّة حينذا ، إلى تأسيس مجتمع علمانيّ خالص في فرنسا، مركزةً على القانون والتعليم؛ ففي 8 أكتوبر 1798م أرسلت حكومة الإدارة الجديدة، لكلّ المعلمين في مدارس الدوائر ما يأتي: (يجب أن تحذفوا من مقرّ راتكم الدراسيّ ة، كلّ ما يتعلّ ق بعقائد أيّ دين وشعائره)(1). ولاشكّ أنّ الثورة الفرنسيّة بقوانينها الجديدة، كان لها التأثير المباشر في لباس المرأة، فقد تأثّ رت ملابس النساء بالثورة التي كان رجالها يرون أنّ هم يسيرون في نهجهم نهجَ روما الحديثة، وبلاد الإغريق القديمة، يقول >ويليام ديورَانت< في وصف لباس النساء المتأثّر بفلسفة الثورة: (أصبح لباس الواحدة منهنّ في الأساس، عباءة فضفاضة بسيطة شفافة، بلغ من شفافيتها أنها توحي بالخطوط الداخليّ ة الناعمة، حتى أنها لتثير الرجل الذي لم يستثر في حياته)(2). وبعد تلك الأحداث السياسيّة، بدأ غطاء الرأس فعلياً يفقد دلالته الدينيّ ة الأخلاقيّ ة في أوروبا، بعد أن مرّ العالم الغربيّ بمراحل تدريجيّ ة انحداريّ ة في ما يتعلّ ق بالحجاب واللباس، حتى وصل للعريّ الذي نشهده اليوم، وقد كان اللباس في العالم الغربيّ يخدم العفا ، ثمّ أصبح العفا بعد ذلك يخدم اللباس، ويتشكّل بحسَب ما تريده (الموضة). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر قصة الحضارة (ملحق/282.) (2) انظر المرجع السابق.
عدد الصفحات ٦٢62 (5 ) ن َب َعي ة من هانت عليه نفسه، فهو على غيره أهون، ولو رجعنا إلى بذرة السفور في العالم الإسلاميّ ، لوجدنا أنّها زُرعت في مصر الحبيبة الشقيقة، فنمت وقويت، إلى أن أثمرت، وقُ ط فت ثمارها المرّ ة في أغلب الدول الإسلاميّ ة، وذلك لأنّها كانت الوجهة الأولى للمبشرين الصليبيين، فمصر مركز ثقل العالم الإسلامي، كما قيل: احفظوهــــا ؛ إن مصــــر إن ت ض ــــ ع ضاع فـي الـدنيا تـرا المسـلمين ولا يختلف اثنان، أنّ مصر آنذا ، كانت تتمتّ ع بالصدارة، ممّ ا أهّ لها للقيادة الفكريّ ة، فكانت أسوة وقدوة في شتى المجالات، لذلك كانت الوجهة الأنسب للتأثير من قبل دعاة التحرير داخل العالم الإسلاميّ وخارجه، وقد قال >غلادستون<(1): (لن تستقيم حالة الشرق، ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة، ويغطّ ى به القرآن)(2)، وليعلم القارئ، أن تمسّ ك المسلمات بالحجاب، كان شديداً ، فلم تكن رياح التحرّ ر تقوى على قلعه من نفوسهنّ ، فكان ولا بدّ من إيجاد مدخل لذلك، فكان أحد المداخل متمثّلاً بالخلا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كان واحداً من أشهر القادة السياسيين البريطانيين في أوائل القرن التاسع عشر، وكان قائداً علمانيا بارزا في كنيسة إنكلترا، وألف عدة كتب في اللاهوت، انظر: (2) انظرالمرأة ومكانتها في الإسلام (ص: 9.)
عدد الصفحات ٦٣63 الفقهيّ؛ بدعوى أنّ مسألة تغطية الوجه، هي من باب الاجتهاد، فيكون تقبّل النفوس لهذه المسألة أخفّ من غيرها، ثمّ تتوسع الدائرة إلى نزع الحجاب جملةً وتفصيلاً (1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر عودة الحجاب (ص: 12.) المرأة المصرية عام (1860 ــ1890م)
عدد الصفحات ٦٤64 (6 ) ال ق رن ال ي اس ع ع ش ر الطائر الذي يفرّ لا يعود، وإن عاد فإنّه يعود مهيض الجناح، لا كما كان. بدأت حركة >تحرير المرأة<، في مصر، من خلال البعثات الخارجيّ ة، فبعد أن أُ رسل بعض المبعوثين إلى فرنسا؛ لتلقي الخبرات والمهارات الفنيّ ة، رجعوا منها بغير الوجه الذي ذهبوا به، فقد بهرهم العلم الماديّ ، وتأثّ روا بالثورة الفرنسية أيّ ما تأثّ ر، ومن هؤلاء: الشيخ >رفاعة الطهطاويّ <(1) الذي ذهب واعظاً للبعثة في سنة: (1826 ــ 1831م)، ورجع منها داعياً للوطنيّ ة أولاً ، وللحريّ ة ثانياً ، أمّ ا الوطنيّ ة فقد أقامها مقام الرابطة الدينيّ ة، فالمصلحة الوطنية فوق أيّ اعتبار، وأمّ ا الحريّ ة فهو يساوي بينها وبين العدل والمساواة. والحقيقة أنّ الحريّ ة المزعومة في الثورة الفرنسيّ ة، لا تعني إلاّ نبذ الدين على الخصوص؛ فهي أعمّ من العدل والمساواة، وهي ثورة معادية للدين كلّ ه. والقانون فيها يحمي كلّ الأعمال والأقوال التي تهزّ القيم، وتخالف الأعرا ، وأصول العقائد، وعلى أثر ذلك تطلق للشهوات العنان؛ لأنّ ها حصرت مرجعيتها في القوانين الوضعيّ ة، وتبنت نبذ الأحكام الشرعيّ ة، وعلى إثر ذلك نرى في كتابات الطهطاويّ إثارة لقضايا، لم تكن أثيرت من قبل، فكان أول من أثار قضية تحرير المرأة في كتابه: >تخليص الإبريز في تلخيص باريز<، فدعا إلى السفور والاختلاط، وسن أسوأ السنن، وبذر الأفكار الدخيلة على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هو عالم مصري، أرسلته الحكومة المصرية إماما للصلاة والوعظ، مع بعثة من الشبّ ان، أوفدتهم إلى أوربا لتلقي العلوم الحديثة، توفي بالقاهرة سنة 1873م. انظر: الأعلام للزركلي (3/29.)
عدد الصفحات ٦٥65 المجتمع الإسلاميّ (1). وبرز بعد ذلك، وفي سنة (1894م) >مرقص فهمي<(2) المحامي المصريّ ، الذي جعل من النفوذ البريطانيّ منبراً لبثّ أفكاره، فألّف كتاب: >المرأة في الشرق<، الذي دعا فيه صراحةً إلى تحقيق خمسة أهدا ، كان من أهمّها: القضاء على الحجاب الإسلامي، وإباحة اختلاط المرأة المسلمة بالأجانب عنها(3)، وكانت تلك بذرة خبيثة، لقيت من يزرعها ويسقيها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر الإسلام والحضارة الغربية (ص: 19.) (2) هومحام نصراني الديانة، انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (1/453.) (3) انظر الحركات النسائية في الشرق (ص: 14.)
عدد الصفحات ٦٦66 (7 ) داع ي ة ال سق ور لا سعادة بلا كرامة، ولا كرامة دون نفوس سامقة، تُ سقى من دينها العظيم ينابيعَ العزّة والإباء. وبئست نفوس جافّة، لا تُ سقى إلاّ من موارد الذلّ والتبعيّة. لو تتبعنا التاريخ، لوجدنا مجموعة من الناشطين، كان لهم أثر بارز في توجيه حركات السفور، وممّن كان لهم كبير الأثر في هذا الشأن؛ الكاتب >قاسم أمين<(1) من خلال كتابه: >تحرير المرأة<، ولم يكن كتابه هذا إلا ردّ ة فعل لموقف حصل له، ومع ذلك فقد أثّ ر تأثيراً بالغاً في الأحداث، فقد كانت بدايته أنّ ه رحل إلى فرنسا؛ لإتمام تعليمه كغيره، فآلمه ما وجد من كتابات وأفكار عن المصريين، لا تمثّ ل الواقع، فأراد أن يردّ على هذه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هو كاتب نال إجازة الحقوق، وانضمّ للكوكبة التي كانت تحيط بجمال الدين الأفغانيّ ، حيث التقى بمحمد عبده وسعد زغلول وغيرهم، ورحل إلى فرنسا، ليتمّ تعليمه هنا وانبهر بالحياة في أوربا، وتعر على صديقته الفرنسية >سلافا< التي تصاحبه إلى المجتمعات الفرنسيّ ة والحفلات، وتعر على كثير من الأسر، وتقوّ ت العلاقة بينهما، وقد كانت في فرنسا في الوقت نفسه حركة نسائية، كما كانت في إنكلترا وأمريكا حركة نسائية أخرى، وفي هذا الوسط اضطرب قاسم المسلم الشرقي. انظر: قاسم أمين الأعمال الكاملة (ص: 22.) قاسم أمين (1865 ــ1908م)
عدد الصفحات ٦٧67 الأفكار من خلال كتاباته، فبدأ بتفنيد الاتهامات، والدفاع عن الشبهات، ورفع شأن الحجاب، واستنكر في كتاباته، السيدات المصريات اللاتي يتشب هن بالأوروبيّ ات، فما لبثت كتاباته أن وصلت إلى: >الأميرة نازلي فاضل<(1)، وكانت الوحيدة التي تختلط بالرجال وتجالسهم، ولديها صالون ثقافيّ تحاكي فيه الصالونات الفرنسيّ ة، فوشى به بعض الناس إليها، بأنّ ه يقصدها في كتاباته، فغضبت وهدّ دت وتوعّ دت، فما كان منه إلا أن حاد عن موقفه، ورجع عن مبادئه، بل وألّ ف كتابه >تحرير المرأة<، وناقض فيه أفكاره السابقة، وقد انصر جهد المؤلف في هذا الكتاب، إلى التدليل على ما زعمه، من أنّ حجاب المرأة بوضعه السائد: ليس من الإسلام، وأنّ الدعوة إلى السفور ليس فيها خروج على الدين، أو مخالفة لقواعده. ولم يقف عند هذا الحد، بل بدأ في بثّ الشبهات على فرضية الحجاب، وتأوّ ل النصوص وفقَ مراده، وخالف جمهور المفسرين والفقهاء(2). ومن العجيب حقّاً ، أن يقع في آخر الكتاب، خطأ مطبعيّ ، غير مقصود، إذ ورد قوله: (تمّ كتاب تجريد المرأة)! فسبحان من أظهر القصد الخفيّ الخبيث، على لسان صاحبه؛ فالكتاب ــ على الحقيقة ــ ليس إلاّ تجريداً للمرأة، من قيمها وثوابتها، وهدماً لأسوار عفّتها وحشمتها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هي أميرة من الأسرة العلوية، وتُ عدّ أول امرأة مصرية تتشبه بالأجانب، حيث كانت تختلط بالرجال على غير العادة، وكانت لا ترتدي الحجاب، الذي كان الزي المّ تبع في هذه الفترة. انظر: (2) انظر: المرجع السابق (ص: 15.)
عدد الصفحات ٦٨68 وبعد هذه الكتابات والأفكار المسموسة، التي بثّ ها أعداء الأمّ ة؛ تمهيداً للنيل من حياء المرأة وكرامتها، وبعد ذلك الجهد الذي بذلوه، كان لهم ما أرادوا؛ ففي سنة: (1919م) خرجت النساء في التاسع من شهر مارس، مع: >سعد زغلول< في ثورة احتجاجيّ ة على السياسة البريطانيّ ة في مصر، وشهد يوم 20من شهر مارس، أول دعوة علنيّة لتحرير المرأة(1)، وقد كان الحجاب حاضراً ، في هذه الثورة، حيث خرجت النساء محجّ بات، يرتدين البراقع البيضاء، ولا يخالطن الرجال، حتى كان في نهاية المظاهرة ما كان من عمل مدبّر له؛ فقد انقلبت المظاهرة في ما بعد إلى دعوة صارخة إلى تحرير المرأة من الحجاب(2). النساء في بداية ثورة (1919م) في مصر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: مذكرات هدى شعراوي (ص: 124.) (2) انظر: عودة الحجاب (ص: 77.)
عدد الصفحات ٦٩69 وبعد هذه المظاهرة، شُ كّ لت لجنة تضمّ مجموعة من السيدات، ترأسهن >هدى شعراوي<، لينتقل التنظيم النسائيّ ، إلى مرحلة العمل المنظّ م، على أساس أنّ ه هيئة مستقلّ ة حرّ ة معتر بها، لها الحقّ في أن تشار في مجريات الأحداث، التي تمر بها البلاد، ولمّ ا تولّ ى سعد زغلول زعامة الشعب، في عام (1919م) اشترط على السيدات اللواتي يحضرن سماع خطبه، أن يزحن النقاب، عمّ ا ــ بزعمه ــ سمح الله به من وجوههنّ ، وكانت هذه أول مرحلة عملية للسفور في العالم الإسلاميّ (1). ومنذ ذلك الوقت، وكثير من النفوس تعاني من ضياع عزّتها، وغياب كرامتها، ولن تعر تلك النفوس، الراحةَ والانسجام، إلاّ إذا أدركت أنّ مصدر عزّتها وكرامتها، يكمن بتطبيق أحكام دينها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (1/454.)
عدد الصفحات ٧٠